Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Кафирун 109:1–6, продолжение
الحادِي والأرْبَعُونَ: أنَّهُ لا ذَرَّةَ في عالَمِ المُحْدَثاتِ إلّا وهي تَدْعُو العُقُولَ إلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ، وأمّا الدُّعاةُ إلى مَعْرِفَةِ أحْكامِ اللَّهِ فَهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَمّا كانَ كُلُّ بَقٍّ وبَعُوضَةٍ داعِيًا إلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة: ٢٦] ذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ البَعُوضَةَ بِحَسَبِ حُدُوثِ ذاتِها وصِفاتِها تَدْعُو إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وبِحَسَبِ تَرْكِيبِها العَجِيبِ تَدْعُو إلى عِلْمِ اللَّهِ وبِحَسَبِ تَخْصِيصِ ذاتِها وصِفاتِها بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ تَدْعُو إلى إرادَةِ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مِثْلُ هَذا الشَّيْءِ كَيْفَ يُسْتَحْيا مِنهُ ؟ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ في أيّامِ خِلافَتِهِ دَخَلَ السُّوقَ فاشْتَرى كَرِشًا وحَمَلَهُ بِنَفْسِهِ فَرَآهُ عَلِيٌّ مِن بَعِيدٍ فَتَنَكَّبَ عَلِيٌّ عَنِ الطَّرِيقِ فاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ، وقالَ لَهُ: لِمَ تَنَكَّبْتَ عَنِ الطَّرِيقِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: حَتّى لا تَسْتَحْيِيَ، فَقالَ: وكَيْفَ أسْتَحْيِي مِن حَمْلِ ما هو غِذائِي ؟ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إذا كانَ عُمَرُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الكَرِشِ الَّذِي هو غِذاؤُهُ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ أسْتَحْيِي عَنْ ذِكْرِ البَعُوضِ الَّذِي يُعْطِيكَ غِذاءَ دِينِكَ ؟ ثُمَّ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّ نُمْرُوذَ لَمّا ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ صاحَ عَلَيْهِ البَعُوضُ بِالإنْكارِ، فَهَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا دَعَوْكَ إلى الشِّرْكَ أفَلا تَصِيحُ عَلَيْهِمْ ! أفَلا تُصَرِّحُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا ادَّعى الإلَهِيَّةَ فَجِبْرِيلُ مَلَأ فاهُ مِنَ الطِّينِ فَإنْ كُنْتَ ضَعِيفًا فَلَسْتَ أضْعَفَ مِن بَعُوضَةِ نُمْرُوذَ، وإنْ كُنْتَ قَوِيًّا فَلَسْتَ أقْوى مِن جِبْرِيلَ، فَأظْهِرِ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .
الثّانِي والأرْبَعُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ: (قُلْ) بِلِسانِكَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ واتْرُكْهُ قَرْضًا عَلَيَّ فَإنِّي أقْضِيكَ هَذا القَرْضَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ألا تَرى أنَّ النَّصْرانِيَّ إذا قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَأقُولُ أنا لا أكْتَفِي بِهَذا ما لَمْ تُصَرِّحْ بِالبَراءَةِ عَنِ النَّصْرانِيَّةِ، فَلَمّا أوْجَبْتُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَتَبَرَّأ بِصَرِيحِ لِسانِهِ عَنْ كُلِّ دِينٍ يُخالِفُ دِينَكَ فَأنْتَ أيْضًا أوْجِبْ عَلى نَفْسِكَ أنْ تُصَرِّحَ بِرَدِّ كُلِّ مَعْبُودٍ غَيْرِي فَقُلْ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .
الثّالِثُ والأرْبَعُونَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في طَبْعِهِ الخُشُونَةُ فَلَمّا أُرْسِلَ إلى فِرْعَوْنَ قِيلَ لَهُ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا أُرْسِلَ إلى الخَلْقِ أُمِرَ بِإظْهارِ الخُشُونَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ في غايَةِ الرَّحْمَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (يا أيُّها)، قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها في مَواضِعَ، والَّذِي نَزِيدُهُ هَهُنا أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”يا“ نِداءُ النَّفْسِ و”أيُّ“ نِداءُ القَلْبِ، ”وها“ نِداءُ الرُّوحِ، وقِيلَ: ”يا“ نِداءُ الغائِبِ ”وأيُّ“ لِلْحاضِرِ، ”وها“ لِلتَّنْبِيهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أدْعُوكَ ثَلاثًا ولا تُجِيبُنِي مَرَّةً ما هَذا إلّا لِجَهْلِكَ الخَفِيِّ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى جَمَعَ بَيْنَ ”يا“ الَّذِي هو لِلْبَعِيدِ، ”وأيِّ“ الَّذِي هو لِلْقَرِيبِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مُعامَلَتُكَ مَعِي وفِرارُكَ عَنِّي يُوجِبُ
صفحة ١٣٤
البُعْدَ البَعِيدَ، لَكِنَّ إحْسانِي إلَيْكَ، ووُصُولَ نِعْمَتِي إلَيْكَ تُوجِبُ القُرْبَ القَرِيبَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وإنَّما قَدَّمَ (يا) الَّذِي يُوجِبُ البُعْدَ عَلى (أيِّ) الَّذِي يُوجِبُ القُرْبَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: التَّقْصِيرُ مِنكَ والتَّوْفِيقُ مِنِّي، ثُمَّ ذَكَرَها بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ (يا) يُوجِبُ البُعْدَ الَّذِي هو كالمَوْتِ و(أيُّ) يُوجِبُ القُرْبَ الَّذِي هو كالحَياةِ، فَلَمّا حَصَلا حَصَلَتْ حالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ، وتِلْكَ الحالَةُ هي النَّوْمُ، والنّائِمُ لا بُدَّ وأنْ يُنَبَّهَ و(ها) كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ خُتِمَتْ حُرُوفُ النِّداءِ بِهَذا الحَرْفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: تَعالَ حَتّى نَعْبُدَ إلَهَكَ مُدَّةً، وتَعْبُدَ آلِهَتَنا مُدَّةً، فَيَحْصُلَ مَصْلَحَةٌ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، وتَزُولَ العَداوَةُ مِن بَيْنِنا، فَإنْ كانَ أمْرُكَ رَشِيدًا أخَذْنا مِنهُ حَظًّا، وإنْ كانَ أمْرُنا رَشِيدًا أخَذْتَ مِنهُ حَظًّا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، ونَزَلَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ»﴾ [الزمر: ٦٤] فَتارَةً وصَفَهم بِالجَهْلِ وتارَةً بِالكُفْرِ، واعْلَمْ أنَّ الجَهْلَ كالشَّجَرَةِ، والكُفْرَ كالثَّمَرَةِ، فَلَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ وقَرَأها عَلى رُءُوسِهِمْ شَتَمُوهُ وأيِسُوا مِنهُ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ ذَكَرَهم في هَذِهِ السُّورَةِ بِالكافِرِينَ، وفي الأُخْرى بِالجاهِلِينَ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ بِتَمامِها نازِلَةٌ فِيهِمْ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ المُبالَغَةُ هَهُنا أشَدَّ، ولَيْسَ في الدُّنْيا لَفْظٌ أشْنَعَ ولا أبْشَعَ مِن لَفْظِ الكافِرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ عِنْدَ جَمِيعِ الخَلْقِ سَواءٌ كانَ مُطْلَقًا أوْ مُقَيَّدًا، أمّا لَفْظُ الجَهْلِ فَإنَّهُ عِنْدَ التَّقْيِيدِ قَدْ لا يُذَمُّ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عِلْمِ الأنْسابِ: «عِلْمٌ لا يَنْفَعُ وجَهْلٌ لا يَضُرُّ» .
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا قالَ تَعالى في سُورَةِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾: يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا ولَمْ يَذْكُرْ ”قُلْ“، وهَهُنا ذَكَرَ ”قُلْ“ وذَكَرَهُ بِاسْمِ الفاعِلِ.
والجَوابُ: الآيَةُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ ”﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾“: إنَّما تُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وثَمَّةَ لا يَكُونُ الرَّسُولُ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَأزالَ الواسِطَةَ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُونَ مُطِيعِينَ لا كافِرِينَ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الماضِي، وأمّا هَهُنا فَهم كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالكُفْرِ، وكانَ الرَّسُولُ رَسُولًا إلَيْهِمْ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ هَهُنا: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ خِطابٌ مَعَ الكُلِّ أوْ مَعَ البَعْضِ ؟
الجَوابُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ خِطابًا مَعَ الكُلِّ؛ لِأنَّ في الكُفّارِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ كاليَهُودِ والنَّصارى فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ خِطابًا مَعَ الكُلِّ؛ لِأنَّ في الكُفّارِ مَن آمَنَ وصارَ بِحَيْثُ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإذَنْ وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ مَعَ أقْوامٍ مَخْصُوصِينَ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: نَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً، والحاصِلُ أنّا لَوْ حَمَلْنا الخِطابَ عَلى العُمُومِ دَخَلَ التَّخْصِيصُ، ولَوْ حَمَلْنا عَلى أنَّهُ خِطابُ مُشافَهَةٍ لَمْ يَلْزَمْنا ذَلِكَ، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَحْمَلِ أوْلى.
109:2–5Страница 603
لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ ٢
Я не поклоняюсь тому, чему поклоняетесь вы,
وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٣
а вы не поклоняетесь Тому, Кому поклоняюсь я.
وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٞ مَّا عَبَدتُّمۡ ٤
Я не поклоняюсь так, как поклоняетесь вы (или тому, чему поклоняетесь вы),
وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٥
а вы не поклоняетесь так, как поклоняюсь я (или Тому, Кому поклоняюсь я).
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾
صفحة ١٣٥
فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا تِكْرارَ فِيها.
والثّانِي: أنَّ فِيها تِكْرارًا أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الأوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، والثّانِيَ لِلْحالِ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأوَّلَ لِلْمُسْتَقْبَلِ أنَّ ”لا“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أنْ تَرى أنَّ ”لَنْ“ تَأْكِيدٌ فِيما يَنْفِيهِ ”لا“ وقالَ الخَلِيلُ في ”لَنْ“: أصْلُهُ لا أنْ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أيْ لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أطْلُبُهُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدٍ مَعْبُودَكم، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِينَ لِمَعْبُودِي.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَقْلِبَ الأمْرَ فَتَجْعَلَ الأوَّلَ لِلْحالِ، والثّانِيَ لِلِاسْتِقْبالِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ أنَّهُ رُفِعَ لِمَفْهُومِ قَوْلِنا: أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ولا شَكَّ أنَّ هَذا لِلِاسْتِقْبالِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ: أنا قاتِلٌ زَيْدًا فُهِمَ مِنهُ الِاسْتِقْبالُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ لِلْحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ، ولَكِنّا نَخُصُّ أحَدَهُما بِالحالِ، والثّانِي بِالِاسْتِقْبالِ دَفْعًا لِلتِّكْرارِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الحالِ، ثُمَّ عَنِ الِاسْتِقْبالِ، فَهو التَّرْتِيبُ، وإنْ قُلْنا: أخْبَرَ أوَّلًا عَنِ الِاسْتِقْبالِ؛ فَلِأنَّهُ هو الَّذِي دَعَوْهُ إلَيْهِ، فَهو الأهَمُّ فَبَدَأ بِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الإخْبارِ عَنِ الحالِ وكانَ مَعْلُومًا أنَّهُ ما كانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ، وأمّا الكُفّارُ فَكانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ في بَعْضِ الأحْوالِ ؟ قُلْنا: أمّا الحِكايَةُ عَنْ نَفْسِهِ فَلِئَلّا يَتَوَهَّمَ الجاهِلُ أنَّهُ يَعْبُدُها سِرًّا خَوْفًا مِنها أوْ طَمَعًا إلَيْها، وأمّا نَفْيُهُ عِبادَتَهم؛ فَلِأنَّ فِعْلَ الكافِرِ لَيْسَ بِعِبادَةٍ أصْلًا.
الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأوَّلَيْنِ المَعْبُودُ ”وما“ بِمَعْنى الَّذِي، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الأصْنامَ ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ، وأمّا في الأخِيرَيْنِ ”فَما“ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ أيْ لا أعْبُدُ عِبادَتَكُمُ المَبْنِيَّةَ عَلى الشِّرْكَ وتَرْكِ النَّظَرِ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةَ عَلى اليَقِينِ، فَإنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم تَعْبُدُونَ إلَهِي، كانَ ذَلِكَ باطِلًا؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وما تَفْعَلُونَهُ أنْتُمْ فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ، وغَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ تُحْمَلَ الأُولى عَلى نَفْيِ الِاعْتِبارِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، والثّانِيَةُ عَلى النَّفْيِ العامِّ المُتَناوِلِ لِجَمِيعِ الجِهاتِ فَكَأنَّهُ أوَّلًا قالَ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ رَجاءَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، ولا أنْتُمْ تَعْبُدُونَ اللَّهَ رَجاءَ أنْ أعْبُدَ أصْنامَكم، ثُمَّ قالَ: ولا أنا عابِدٌ صَنَمَكم لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ومَقْصُودٍ مِنَ المَقاصِدِ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واعْتِبارٍ مِنَ الِاعْتِباراتِ، ومِثالُهُ مَن يَدْعُو غَيْرَهُ إلى الظُّلْمِ لِغَرَضِ التَّنْعِيمِ، فَيَقُولُ: لا أظْلِمُ لِغَرَضِ التَّنَعُّمِ بَلْ لا أظْلِمُ أصْلًا لا لِهَذا الغَرَضِ ولا لِسائِرِ الأغْراضِ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ نُسَلِّمَ حُصُولَ التِّكْرارِ، وعَلى هَذا القَوْلِ العُذْرُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّكْرِيرَ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ وكُلَّما كانَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ أشَدَّ كانَ التَّكْرِيرُ أحْسَنَ، ولا مَوْضِعَ أحْوَجُ إلى التَّأْكِيدِ مِن هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذا المَعْنى مِرارًا، وسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الجَوابِ، فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ مالَ إلى دِينِهِمْ بَعْضَ المَيْلِ، فَلا جَرَمَ دَعَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ والتَّكْرِيرِ في هَذا النَّفْيِ والإبْطالِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وآيَةً بَعْدَ آيَةٍ جَوابًا عَمّا يَسْألُونَ فالمُشْرِكُونَ قالُوا: اسْتَلِمْ بَعْدُ آلِهَتَنا حَتّى نُؤْمِنَ بِإلَهِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثُمَّ قالُوا بَعْدَ مُدَّةٍ: تَعْبُدُ آلِهَتَنا شَهْرًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ شَهْرًا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مُحْتَمَلًا لَمْ يَكُنِ التِّكْرارُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُضِرًّا البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ ذَكَرُوا تِلْكَ الكَلِمَةَ مَرَّتَيْنِ تَعْبُدُ آلِهَتَنا شَهْرًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ شَهْرًا وتَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، فَأتى
صفحة ١٣٦
الجَوابُ عَلى التَّكْرِيرِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِمْ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ فَإنَّ مَن كَرَّرَ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ يُجازى بِدَفْعِ تِلْكَ الكَلِمَةِ عَلى سَبِيلِ التِّكْرارِ اسْتِخْفافًا بِهِ واسْتِحْقارًا لِقَوْلِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ كَلِمَةَ: (ما) لا تَتَناوَلُ مَن يَعْلَمُ فَهَبْ أنَّ مَعْبُودَهم كانَ كَذَلِكَ فَصَحَّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ ”ما“ لَكِنَّ مَعْبُودَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو أعْلَمُ العالَمِينَ فَكَيْفَ قالَ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ وأنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ الحَقَّ.
وثانِيها: أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ في الجُمْلَتَيْنِ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي في المُسْتَقْبَلِ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي في الحالِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى الَّذِي وحِينَئِذٍ يَصِحُّ الكَلامُ.
ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ حُمِلَ الثّانِي عَلَيْهِ لِيَتَّسِقَ الكَلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أهْلُ الجَبْرِ بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم مَرَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ والخَبَرُ الصِّدْقُ عَنْ عَدَمِ الشَّيْءِ يُضادُّ وُجُودَ ذَلِكَ الشَّيِّ فالتَّكْلِيفُ بِتَحْصِيلِ العِبادَةِ مَعَ وُجُودِ الخَبَرِ الصِّدْقِ بِعَدَمِ العِبادَةِ تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، واعْلَمْ أنَّهُ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ ذِكْرَ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ تُقَبَّحُ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ كانَ أوْلى مِن هَذا التَّكْرِيرِ ؟
الجَوابُ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ والتَّكْرِيرُ أوْلى مِن ذِكْرِ الحُجَّةِ، إمّا لِأنَّ المُخاطَبَ بَلِيدٌ يَنْتَفِعُ بِالمُبالَغَةِ والتَّكْرِيرِ ولا يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الحُجَّةِ أوْ لِأجْلِ أنَّ مَحَلَّ النِّزاعِ يَكُونُ في غايَةِ الظُّهُورِ فالمُناظَرَةُ في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ حَسَنَةٌ، أمّا القائِلُ بِالصَّنَمِ فَهو إمّا مَجْنُونٌ يَجِبُ شَدُّهُ أوْ عاقِلٌ مُعانِدٌ فَيَجِبُ قَتْلُهُ، وإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلى قَتْلِهِ فَيَجِبُ شَتْمُهُ، والمُبالَغَةُ في الإنْكارِ عَلَيْهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ اشْتَمَلَ عَلى التَّشْدِيدِ، وهو النِّداءُ بِالكُفْرِ والتَّكْرِيرُ، وآخِرَها عَلى اللُّطْفِ والتَّساهُلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَكَيْفَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟
الجَوابُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي قَدْ بالَغْتُ في تَحْذِيرِكم عَلى هَذا الأمْرِ القَبِيحِ، وما قَصَّرْتُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ تَقْبَلُوا قَوْلِي، فاتْرُكُونِي سَواءً بِسَواءٍ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لَمّا كانَ التِّكْرارُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: لَنْ أعْبُدَ ما تَعْبُدُونَ؛ لِأنَّ هَذا أبْلَغُ، ألا تَرى أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ لَمّا بالَغُوا قالُوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] .
والجَوابُ: المُبالَغَةُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْها في مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ما كانَ يَعْبُدُ الصَّنَمَ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَكَيْفَ يَعْبُدُهُ بَعْدَ ظُهُورِ الشَّرْعِ، بِخِلافِ أصْحابِ الكَهْفِ فَإنَّهُ وُجِدَ مِنهم ذَلِكَ فِيما قَبْلُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَكم كُفْرُكم بِاللَّهِ ولِيَ التَّوْحِيدُ والإخْلاصُ لَهُ، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يُقالُ: إنَّهُ أذِنَ لَهم في الكُفْرِ قُلْنا: كَلّا فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما بُعِثَ إلّا لِلْمَنعِ مِنَ الكُفْرِ فَكَيْفَ يَأْذَنُ فِيهِ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أحَدُ أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.
وثانِيها: كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ
صفحة ١٣٧
إلَيْكم لِأدْعُوَكم إلى الحَقِّ والنَّجاةِ، فَإذا لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي ولَمْ تَتْبَعُونِي فاتْرُكُونِي ولا تَدْعُونِي إلى الشِّرْكِ.
وثالِثُها: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ فَكُونُوا عَلَيْهِ إنْ كانَ الهَلاكُ خَيْرًا لَكم ﴿ولِيَ دِينِ﴾ لِأنِّي لا أرْفُضُهُ.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ الدِّينَ هو الحِسابُ أيْ لَكم حِسابُكم ولِي حِسابِي، ولا يَرْجِعُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنّا مِن عَمَلِ صاحِبِهِ أثَرٌ البَتَّةَ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ أيْ لَكم جَزاءُ دِينِكم ولِي جَزاءُ دِينِي وحَسْبُهم جَزاءُ دِينِهِمْ وبالًا وعِقابًا كَما حَسْبُكَ جَزاءُ دِينِكَ تَعْظِيمًا وثَوابًا.
القَوْلُ الرّابِعُ: الدِّينُ العُقُوبَةُ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] يَعْنِي الحَدَّ فَلَكُمُ العُقُوبَةُ مِن رَبِّي ولِيَ العُقُوبَةُ مِن أصْنامِكم لَكِنَّ أصْنامَكم جَماداتٌ فَأنا لا أخْشى عُقُوبَةَ الأصْنامِ، فَأمّا أنْتُمْ فَيَحِقُّ لَكم عَقْلًا أنْ تَخافُوا عُقُوبَةَ جَبّارِ السَّماواتِ والأرْضِ.
القَوْلُ الخامِسُ الدِّينُ الدُّعاءُ، فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، أيْ لَكم دُعاؤُكم ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] ثُمَّ لَيْتَها تَبْقى عَلى هَذِهِ الحالَةِ فَلا يَضُرُّونَكم، بَلْ يَوْمَ القِيامَةِ يَجِدُونَ لِسانًا فَيَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم، وأمّا رَبِّي فَيَقُولُ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشورى: ٢٦] ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
القَوْلُ السّادِسُ: الدِّينُ العادَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
يَقُولُ لَها وقَدْ دارَتْ وضِينِي أهَذا دِينُها أبَدًا ودِينِي
مَعْناهُ لَكم عادَتُكُمُ المَأْخُوذَةُ مِن أسْلافِكم ومِنَ الشَّياطِينِ، ولِي عادَتِي المَأْخُوذَةُ مِنَ المَلائِكَةِ والوَحْيِ، ثُمَّ يَبْقى كُلُّ واحِدٍ مِنّا عَلى عادَتِهِ، حَتّى تَلْقَوُا الشَّياطِينَ والنّارَ، وألْقى المَلائِكَةَ والجَنَّةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ لَكم دِينُكم لا لِغَيْرِكم، ولِي دِينِي لا لِغَيْرِي، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ٦٤] أيْ أنا مَأْمُورٌ بِالوَحْيِ والتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِالِامْتِثالِ والقَبُولِ، فَأنا لَمّا فَعَلْتُ ما كُلِّفْتُ بِهِ خَرَجْتُ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ، وأمّا إصْرارُكم عَلى كُفْرِكم، فَذَلِكَ مِمّا لا يَرْجِعُ إلَيَّ مِنهُ ضَرَرٌ البَتَّةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَرَتْ عادَةُ النّاسِ بِأنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ المُتارَكَةِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيُتَمَثَّلَ بِهِ بَلْ لِيُتَدَبَّرَ فِيهِ، ثُمَّ يُعْمَلَ بِمُوجَبِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ وأحْكَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии