Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Худ 11:96–104
11:96–99Страница 232
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٩٦
Мы отправили Мусу (Моисея) с Нашими знамениями и явным доказательством
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ ٩٧
к Фараону и его знати. Но они последовали повелению Фараона, хотя повеление Фараона было неразумным.
يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨
В День воскресения Фараон возглавит свой народ и поведет их в Огонь. Отвратительно то место, куда их поведут!
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ ٩٩
Проклятия будут преследовать их здесь и в День воскресения. Отвратителен дар, которым их одарили!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ السّابِعَةُ مِنَ القِصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وهي آخِرُ القَصَصِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ: التَّوْراةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، ومِنَ السُّلْطانِ المُبِينِ: المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ الباهِرَةُ، والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِشَرائِعَ وأحْكامٍ وتَكالِيفَ، وأيَّدْناهُ بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ وبَيِّناتٍ باهِرَةٍ.
الثّانِي: أنَّ الآياتِ هي المُعْجِزاتُ والبَيِّناتُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يُونُسَ: ٦٨ ] وقَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النَّجْمِ: ٢٣ ] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيها سُلْطانٌ مُبِينٌ لِمُوسى عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ.
الثّانِي: أنْ يُرادَ السُّلْطانُ المُبِينُ العَصا؛ لِأنَّهُ أشْهَرُها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ، وهي العَصا، واليَدُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ نَقَصَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ بِإظْلالِ الجَبَلِ وفَلْقِ البَحْرِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الحُجَّةَ لِمَ سُمِّيَتْ بِالسُّلْطانِ ؟ فَقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لِأنَّ صاحِبَ الحُجَّةِ يَقْهَرُ مَن لا حُجَّةَ مَعَهُ عِنْدَ النَّظَرِ كَما يَقْهَرُ السُّلْطانُ غَيْرَهُ؛ فَلِهَذا تُوصَفُ الحُجَّةُ بِأنَّها سُلْطانٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: السُّلْطانُ هو الحُجَّةُ، والسُّلْطانُ سُمِّيَ سُلْطانًا لِأنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ في أرْضِهِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّلِيطِ، والسَّلِيطُ ما يُضاءُ بِهِ، ومِن هَذا قِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ السُّلْطانَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْلِيطِ، والعُلَماءُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ كَمالِهِمْ في القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، والمُلُوكُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ ما مَعَهم مِنَ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ، إلّا أنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ أكْمَلُ وأقْوى مِن سَلْطَنَةِ المُلُوكِ؛ لِأنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والعَزْلَ، وسَلْطَنَةَ المُلُوكِ تَقْبَلُهُما، ولِأنَّ سَلْطَنَةَ المُلُوكِ تابِعَةٌ لِسَلْطَنَةِ العُلَماءِ، وسَلْطَنَةَ العُلَماءِ مَن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الأنْبِياءِ، وسَلْطَنَةُ المُلُوكِ مِن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الفَراعِنَةِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمُ الآياتِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانَ أيْضًا عَلى الدَّلائِلِ، والمُبِينُ أيْضًا مَعْناهُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِلظُّهُورِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ ؟
قُلْنا: الآياتُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ العَلاماتِ الَّتِي تُفِيدُ الظَّنَّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُفِيدُ اليَقِينَ، وأمّا السُّلْطانُ فَهو اسْمٌ لِما يُفِيدُ القَطْعَ واليَقِينَ، إلّا أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُؤَكَّدُ بِالحِسِّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَمْ تَتَأكَّدْ بِالحِسِّ، وأمّا الدَّلِيلُ القاطِعُ الَّذِي تَأكَّدَ بِالحِسِّ فَهو السُّلْطانُ المُبِينُ، ولَمّا كانَتْ
صفحة ٤٤
مُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا، لا جَرَمَ وصَفَها اللَّهُ بِأنَّها سُلْطانٌ مُبِينٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ يَعْنِي وأرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا بِمِثْلِ هَذِهِ الآياتِ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ جَماعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ بِمُوسى ومُعْجِزاتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ، وقِيلَ: رَشِيدٌ أيْ ذُو رُشْدٍ.
واعْلَمْ أنَّ بُعْدَ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ مِنَ الرُّشْدِ كانَ ظاهِرًا؛ لِأنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ وعُبُودِيَّتِهِ رِعايَةً لِمَصْلَحَةِ العالَمِ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ في عِبادَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ، فَلَمّا كانَ هو نافِيًا لِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، كانَ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِفَتَهُ وصِفَةَ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ: يُقالُ: قَدَمَ فُلانٌ فُلانًا بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ قادِمَةُ الرَّجُلِ، كَما يُقالُ قَدَمَهُ، بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ.
والبَحْثُ الثّانِي مِن حَيْثُ المَعْنى: وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قُدْوَةً لِقَوْمِهِ في الضَّلالِ حالَ ما كانُوا في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ مُقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، أوْ يُقالُ: كَما تَقَدَّمَ قَوْمَهُ في الدُّنْيا فَأدْخَلَهم في البَحْرِ وأغْرَقَهم، فَكَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم يَوْمَ القِيامَةِ فَيُدْخِلُهُمُ النّارَ ويُحْرِقُهم، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ وما أمْرُهُ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ، وإيضاحًا لَهُ، أيْ كَيْفَ يَكُونُ أمْرُهُ رَشِيدًا مَعَ أنَّ عاقِبَتَهُ هَكَذا.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَيُورِدُهُمُ النّارَ، بَلْ قالَ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ بِلَفْظِ الماضِي ؟
قُلْنا: لِأنَّ الماضِيَ قَدْ وقَعَ ودَخَلَ في الوُجُودِ، فَلا سَبِيلَ ألْبَتَّةَ إلى دَفْعِهِ، فَإذا عُبِّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي دَلَّ عَلى غايَةِ المُبالَغَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: لَفْظُ ”النّارِ“ مُؤَنَّثٌ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: وبِئْسَتِ الوِرْدُ المَوْرُودُ، إلّا أنَّ لَفْظَ ”الوِرْدِ“ مُذَكَّرٌ، فَكانَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ جائِزَيْنِ، كَما تَقُولُ: نِعْمَ المَنزِلُ دارُكَ، ونَعِمَتِ المَنزِلُ دارُكَ، فَمَن ذَكَّرَ غَلَّبَ المَنزِلَ، ومَن أنَّثَ بَنى عَلى تَأْنِيثِ الدّارِ، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ.
البَحْثُ الثّانِي: الوِرْدُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوُرُودِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوارِدِ، قالَ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦ ] وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَوْرُودِ عَلَيْهِ كالماءِ الَّذِي يُورَدُ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي حَصَلَ وُرُودُهُ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ بِمَن يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ أتْباعَهُ بِالوارِدِينَ إلى الماءِ، ثُمَّ قالَ بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يُورَدُونَهُ النّارُ؛ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ والمَعْنى أنَّهم أُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وفي يَوْمِ القِيامَةِ أيْضًا، ومَعْناهُ أنَّ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ مُلْتَصِقٌ بِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا يَزُولُ عَنْهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ القَصَصِ: ﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ [القَصَصِ: ٤٢ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ والرِّفْدُ هو العَطِيَّةُ، وأصْلُهُ الَّذِي يُعِينُ عَلى المَطْلُوبِ، سَألَ نافِعُ بْنُ
صفحة ٤٥
الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ قالَ: هو اللَّعْنَةُ بَعْدَ اللَّعْنَةِ، قالَ قَتادَةُ: تَرادَفَتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَتانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لَعْنَةٌ في الدُّنْيا ولَعْنَةٌ في الآخِرَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ عَوْنًا لِشَيْءٍ فَقَدْ رَفَدْتَهُ بِهِ.
11:100–101Страница 233
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠
Это - некоторые из повествований о селениях, которые Мы рассказываем тебе. Одни из них все еще существуют, а другие уже скошены.
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١
Мы не были к ним несправедливы, однако они сами поступили несправедливо по отношению к себе. Когда явилось веление твоего Господа, божества, к которым они взывали вместо Аллаха, ничем не помогли им. Они не приумножили им ничего, кроме погибели.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَصَصَ الأوَّلِينَ قالَ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ والفائِدَةُ في ذِكْرِها أُمُورٌ:
أوَّلُها: أنَّ الِانْتِفاعَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ المَحْضِ إنَّما يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ الكامِلِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في غايَةِ النُّدْرَةِ، فَأمّا إذا ذَكَرْتَ الدَّلائِلَ ثُمَّ أكَّدْتَ بِأقاصِيصِ الأوَّلِينَ - صارَ ذِكْرُ هَذِهِ الأقاصِيصِ كالمُوَصِّلِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ إلى العُقُولِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَلَطَ بِهَذِهِ الأقاصِيصِ أنْواعَ الدَّلائِلِ الَّتِي كانَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَتَمَسَّكُونَ بِها، ويَذْكُرُ مُدافَعاتِ الكُفّارِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ وشُبُهاتِهِمْ في دَفْعِها، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُما أجْوِبَةَ الأنْبِياءِ عَنْها، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَها أنَّهم لَمّا أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا وقَعُوا في عَذابِ الدُّنْيا، وبَقِيَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنُ والعِقابُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القَصَصِ سَبَبًا لِإيصالِ الدَّلائِلِ والجَواباتِ عَنِ الشُّبَهاتِ إلى قُلُوبِ المُنْكِرِينَ، وسَبَبًا لِإزالَةِ القَسْوَةِ والغِلْظَةِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ أحْسَنَ الطُّرُقِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ما ذَكَرْناهُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَذْكُرُ هَذِهِ القَصَصَ مِن غَيْرِ مُطالَعَةِ كُتُبٍ، ولا تَلْمَذَ لِأحَدٍ، وذَلِكَ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ كَما قَرَّرْناهُ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هَذِهِ القِصَصَ يَتَقَرَّرُ عِنْدَهم أنَّ عاقِبَةَ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُوافِقِ والمُنافِقِ إلى تَرْكِ الدُّنْيا والخُرُوجِ عَنْها، إلّا أنَّ المُؤْمِنَ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا مَعَ الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا، والثَّوابِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ، والكافِرَ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا مَعَ اللَّعْنِ في الدُّنْيا والعِقابِ في الآخِرَةِ، فَإذا تَكَرَّرَتْ هَذِهِ الأقاصِيصُ عَلى السَّمْعِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَلِينَ القَلْبُ، وتَخْضَعَ النَّفْسُ، وتَزُولَ العَداوَةُ، ويَحْصُلَ في القَلْبِ خَوْفٌ يَحْمِلُهُ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، فَهَذا كَلامٌ جَلِيلٌ في فَوائِدِ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَصِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الغائِبِ، والمُرادُ مِنهُ هَهُنا الإشارَةُ إلى هَذِهِ القِصَصِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وهي حاضِرَةٌ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢ ] .
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ ”ذَلِكَ“ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٤٦
﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٨ ] وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو كَذا وكَذا.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ خَبَرٌ ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنها﴾ يَعُودُ إلى القُرى، شَبَّهَ ما بَقِيَ مِن آثارِ القُرى وجُدْرانِها بِالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ، وما عَفا مِنها وبَطِرَ بِالحَصِيدِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ القُرى بَعْضُها بَقِيَ مِنهُ شَيْءٌ، وبَعْضُها هَلَكَ وما بَقِيَ مِنهُ أثَرٌ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وما ظَلَمْناهم بِالعَذابِ والإهْلاكِ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِالقَوْمِ لَيْسَ بِظُلْمٍ مِنَ اللَّهِ، بَلْ هو عَدْلٌ وحِكْمَةٌ؛ لِأجْلِ أنَّ القَوْمَ أوَّلًا ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، فاسْتَوْجَبُوا لِأجْلِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ العَذابَ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ: وما نَقَصْناهم مِنَ النَّعِيمِ في الدُّنْيا والرِّزْقِ، ولَكِنْ نَقَصُوا حَظَّ أنْفُسِهِمْ حَيْثُ اسْتَخَفُّوا بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ ما نَفَعَتْهم تِلْكَ الآلِهَةُ في شَيْءٍ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: غَيْرَ تَخْسِيرٍ، يُقالُ: تَبَّ، إذا خَسِرَ، وتَبَّبَهُ غَيْرُهُ إذا أوْقَعَهُ في الخُسْرانِ، والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في الأصْنامِ أنَّها تُعِينُ عَلى تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ مَساسِ الحاجَةِ إلى المُعِينِ ما وجَدُوا مِنها شَيْئًا لا جَلْبَ نَفْعٍ ولا دَفْعَ ضُرٍّ، ثُمَّ كَما لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ فَقَدْ وجَدُوا ضِدَّهُ، وهو أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ زالَ عَنْهم بِهِ مَنافِعُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجَلَبَ إلَيْهِمْ مَضارَّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ الخُسْرانِ.
11:102–104Страница 233
وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢
Такой была Хватка твоего Господа, когда Он схватил селения, жители которых были несправедливы. Воистину, Хватка Его мучительна, сурова.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣
Воистину, в этом - знамение для тех, кто страшится мучений в Последней жизни. Это будет день, когда будут собраны люди. Это будет день, когда все будут присутствовать.
وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤
Мы отсрочим его лишь до определенного срока.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ والجَحْدَرِيُّ: ”إذْ أخَذَ القُرى“ بِألِفٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِألِفَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كِتابِهِ بِما فَعَلَ بِأُمَمِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ لَمّا خالَفُوا الرُّسُلَ ورَدُّوا عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وبَيَّنَ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم، فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ في الدُّنْيا، قالَ بَعْدَهُ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عَذابَهُ لَيْسَ بِمُقْتَصِرٍ عَلى مَن تَقَدَّمَ، بَلِ الحالُ في أخْذِ كُلِّ الظّالِمِينَ يَكُونُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ إلى القُرى، وهو في
صفحة ٤٧
الحَقِيقَةِ عائِدٌ إلى أهْلِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ [الأنْبِياءِ: ١١ ] وقَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القَصَصِ: ٥٨ ] .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ أخْذِ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما يَأْخُذُ جَمِيعَ الظّالِمِينَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ - أتْبَعَهُ بِما يَزِيدُهُ تَأْكِيدًا وتَقْوِيَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ فَوَصَفَ ذَلِكَ العَذابَ بِالإيلامِ وبِالشِّدَّةِ، ولا مُنَغِّصَةَ في الدُّنْيا إلّا الألَمَ، ولا تَشْدِيدَ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وفي الوَهْمِ والعَقْلِ، إلّا تَشْدِيدَ الألَمِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى ظُلْمٍ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَدارَكَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ؛ لِئَلّا يَقَعَ في الأخْذِ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ مُخْتَصَّةٌ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أحْوالَ المُتَقَدِّمِينَ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن شارَكَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، فَلا بُدَّ وأنْ يُشارِكَهم في ذَلِكَ الأخْذِ الألِيمِ الشَّدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ قالَ القَفّالُ: تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ إنَّما عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ، فَإذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا عَلى ذَلِكَ - وهي دارُ العَمَلِ - فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلَيْهِ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ كانَ أوْلى.
واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ تَنَبَّهَ لِهَذا البَحْثِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَوَّلُوا عَلى هَذا الوَجْهِ، بَلْ هو ضَعِيفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ يَكُونُ ظُهُورُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا دَلِيلًا عَلى أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ والبَعْثِ والنَّشْرِ حَقٌّ وصِدْقٌ.
وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ العِلْمَ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، كالشَّرْطِ في حُصُولِ الِاعْتِبارِ بِظُهُورِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وهَذا المَعْنى كالمُضادِّ لِما ذَكَرَهُ القَفّالُ؛ لِأنَّ القَفّالَ يَجْعَلُ العِلْمَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ أصْلًا لِلْعِلْمِ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ، فَبَطَلَ ما ذَكَرَهُ القَفّالُ، والأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: العِلْمُ بِأنَّ القِيامَةَ حَقٌّ مَوْقُوفٌ عَلى العِلْمِ بِأنَّ المُدَبِّرَ لِوُجُودِ هَذِهِ السَّماواتِ والأرْضِينَ فاعِلٌ مُخْتارٌ، لا مُوجَبٌ بِالذّاتِ، وما لَمْ يَعْرِفِ الإنْسانُ أنَّ إلَهَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ، وقادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وأنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ الواقِعَةِ في السَّماواتِ والأرْضِينَ لا تَحْصُلُ إلّا بِتَكْوِينِهِ وقَضائِهِ - لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْتَبِرَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ هَذا العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ لا فاعِلٌ مُخْتارٌ يَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ الَّتِي ظَهَرَتْ في أيّامِ الأنْبِياءِ مِثْلُ الغَرَقِ، والحَرَقِ، والخَسْفِ، والمَسْخِ، والصَّيْحَةِ، كُلُّها إنَّما حَدَثَتْ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ حُصُولُها دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، فَأمّا الَّذِي يُؤْمِنُ بِالقِيامَةِ، فَلا يَتِمُّ ذَلِكَ الإيمانُ إلّا إذا اعْتَقَدَ أنَّ إلَهَ العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ، وأنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الحَوادِثِ الهائِلَةِ والوَقائِعِ العَظِيمَةِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّ إلَهَ العالَمِ خَلَقَها وأوْجَدَها، وأنَّها لَيْسَتْ بِسَبَبِ طَوالِعِ الكَواكِبِ وقِراناتِها، وحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِسَماعِ هَذِهِ القِصَصِ، ويَسْتَدِلُّ بِها عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ، فَثَبَتَ بِهَذا صِحَّةُ قَوْلِهِ: (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الآخِرَةَ وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِوَصْفَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ، والمَعْنى أنَّ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ كُلُّهم يُحْشَرُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ويُجْمَعُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ قالَ
صفحة ٤٨
ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَشْهَدُهُ البَرُّ والفاجِرُ، وقالَ آخَرُونَ: يَشْهَدُهُ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، والمُرادُ مِنَ الشُّهُودِ الحُضُورُ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ أنَّهُ رُبَّما وقَعَ في قَلْبِ إنْسانٍ أنَّهم لَمّا جُمِعُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَعْرِفْ كُلُّ أحَدٍ إلّا واقِعَةَ نَفْسِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الوَقائِعَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً لِلْكُلِّ؛ بِسَبَبِ المُحاسَبَةِ والمُساءَلَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ والمَعْنى أنَّ تَأْخِيرَ الآخِرَةِ وإفْناءَ الدُّنْيا مَوْقُوفٌ عَلى أجَلٍ مَعْدُودٍ، وكُلُّ ما لَهُ عَدَدٌ فَهو مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْنى، فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّ تَأْخِيرَ الآخِرَةِ سَيَنْتَهِي إلى وقْتٍ لا بُدَّ وأنْ يُقِيمَ اللَّهُ القِيامَةَ فِيهِ، وأنْ تَخَرَبَ الدُّنْيا فِيهِ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии