Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Худ 11:109–116
11:109–111Страница 234
فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ ١٠٩
Не сомневайся в том, чему они поклоняются. Они поклоняются тем, кому прежде поклонялись их отцы. Воистину, Мы воздадим им сполна, без убавления.
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١١٠
Мы даровали Мусе (Моисею) Писание, но по его поводу возникли разногласия. И если бы не было прежде Слова от твоего Господа, то спор их был бы решен. Воистину, они испытывают смутные сомнения относительно него (Корана).
وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١١
Воистину, твой Господь воздаст сполна каждому из них за его деяния, ведь Он знает о том, что они совершают.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أقاصِيصَ عَبَدَةِ الأوْثانِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِأحْوالِ الأشْقِياءِ وأحْوالِ السُّعَداءِ، شَرَحَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْوالَ الكُفّارِ مِن قَوْمِهِ، فَقالَ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ والمَعْنى: فَلا تَكُنْ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ النُّونَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ ولِأنَّ النُّونَ إذا وقَعَ عَلى طَرَفِ الكَلامِ لَمْ يَبْقَ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِهِ إلّا مُجَرَّدُ الغُنَّةِ، فَلا جَرَمَ أسْقَطُوهُ، والمَعْنى: فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَ في أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ والمُرادُ أنَّهم أشْبَهُوا آباءَهم في لُزُومِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم أيْ ما يَخُصُّهم مِنَ العَذابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم وإنْ كَفَرُوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، فَإنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم مِنَ الرِّزْقِ والخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا مُوَفُّوهم نَصِيبَهم مِن إزالَةِ العُذْرِ، وإزاحَةِ العِلَلِ، وإظْهارِ الدَّلائِلِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُرادًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى إصْرارَ كُفّارِ مَكَّةَ عَلى إنْكارِ التَّوْحِيدِ، بَيَّنَ أيْضًا إصْرارَهم عَلى إنْكارِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَكْذِيبِهِمْ بِكِتابِهِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ كانُوا عَلى هَذِهِ السِّيرَةِ الفاسِدَةِ مَعَ كُلِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا، وهو أنَّهُ لَمّا أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَبِلَهُ بَعْضُهم وأنْكَرَهُ آخَرُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عادَةَ الخَلْقِ هَكَذا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: ولَوْلا ما تَقَدَّمَ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِتَأْخِيرِ عَذابِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَكانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ عِنْدَ عَظِيمِ كُفْرِهِمْ إنْزالَ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ المُتَقَدِّمَ مِن قَضائِهِ أخَّرَ ذَلِكَ عَنْهم في دُنْياهم.
الثّانِي: لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وإلّا لَكانَ مِنَ الواجِبِ تَمْيِيزُ المُحِقِّ عَنِ المُبْطِلِ في دارِ الدُّنْيا.
الثّالِثُ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهي أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّ إحْسانَهُ راجِحٌ عَلى قَهْرِهِ، وإلّا لَقُضِيَ بَيْنَهم، ولَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا المَعْنى قالَ: ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ يَعْنِي أنَّ كُفّارَ قَوْمِكَ لَفي شَكٍّ مِن هَذا القُرْآنِ مُرِيبٍ.
صفحة ٥٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ مَن عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ ومَن أُخِّرَتْ، ومَن صَدَّقَ الرُّسُلَ ومَن كَذَّبَ، فَحالُهم سَواءٌ في أنَّهُ تَعالى يُوَفِّيهِمْ جَزاءَ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ الوَعْدَ والوَعِيدَ، فَإنَّ تَوْفِيَةَ جَزاءِ الطّاعاتِ وعْدٌ عَظِيمٌ، وتَوْفِيَةَ جَزاءِ المَعاصِي وعِيدٌ عَظِيمٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَوْكِيدُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ الطّاعاتِ والمَعاصِي، فَكانَ عالِمًا بِالقَدْرِ اللّائِقِ بِكُلِّ عَمَلٍ مِنَ الجَزاءِ، فَحِينَئِذٍ لا يَضِيعُ شَيْءٌ مِنَ الحُقُوقِ والأجْزِيَةِ، وذَلِكَ نِهايَةُ البَيانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ”وإنَّ“ مُشَدَّدَةَ النُّونِ ”لَما“ خَفِيفَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اللّامُ في ”لَما“ هي الَّتِي تَقْتَضِيهِ ”إنَّ“؛ وذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ ”إنَّ“ يَقْتَضِي أنْ يَدْخُلَ عَلى خَبَرِها أوِ اسْمِها لامٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٩ ] واللّامُ الثّانِيَةُ هي الَّتِي تَجِيءُ بَعْدَ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ، ولَمّا اجْتَمَعَ لامانِ دَخَلَتْ ”ما“ لِتَفْصِلَ بَيْنَهُما، فَكَلِمَةُ ”ما“ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ زائِدَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ: ”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى ”مَن“، وبَقِيَّةُ التَّقْرِيرِ كَما تَقَدَّمَ، ومِثْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النِّساءِ: ٧٢ ] .
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”وإنْ كُلًّا لَما“ مُخَفَّفَتانِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهم أعْمَلُوا ”إنَّ“ مُخَفَّفَةً كَما تَعْمَلُ مُشَدَّدَةً؛ لِأنَّ كَلِمَةَ إنْ تُشْبِهُ الفِعْلَ، فَكَما يَجُوزُ إعْمالُ الفِعْلِ تامًّا ومَحْذُوفًا في قَوْلِكَ: لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ قائِمًا، ولَمْ يَكْ زَيْدٌ قائِمًا، فَكَذَلِكَ إنَّ وإنْ.
والقِراءَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ: ”﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾“ مُشَدَّدَتانِ، قالُوا: وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ: إنَّ أصْلَ لَمّا ”لَمًّا“ بِالتَّنْوِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أكْلًا لَمًّا﴾ والمَعْنى أنَّ كُلًّا مَلْمُومِينَ، أيْ مَجْمُوعِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا جَمِيعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأفاضِلِ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ تَوْفِيَةِ الأجْزِيَةِ عَلى المُسْتَحِقِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَ فِيها سَبْعَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّوْكِيداتِ:
أوَّلُها: كَلِمَةُ ”إنَّ“ وهي لِلتَّأْكِيدِ.
وثانِيها: كَلِمَةُ ”كُلٍّ“ وهي أيْضًا لِلتَّأْكِيدِ.
وثالِثُها: اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“ وهي تُفِيدُ التَّأْكِيدَ أيْضًا.
ورابِعُها: حَرْفُ ”ما“ إذا جَعَلْناهُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ مَوْصُولًا.
وخامِسُها: القَسَمُ المُضْمَرُ، فَإنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: وإنَّ جَمِيعَهم واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم.
وسادِسُها: اللّامُ الثّانِيَةُ الدّاخِلَةُ عَلى جَوابِ القَسَمِ.
وسابِعُها: النُّونُ المُؤَكِّدَةُ في قَوْلِهِ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ فَجَمِيعُ هَذِهِ الألْفاظِ السَّبْعَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْكِيدِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ تَدَلُّ عَلى أنَّ أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ لا يَتِمُّ إلّا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ وأمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وهو مِن أعْظَمِ المُؤَكِّداتِ.
11:112–113Страница 234
فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢
Будь же тверд на прямом пути, как тебе велено, вместе с теми, кто покаялся наряду с тобой. И не преступайте границ дозволенного, ибо Он видит то, что вы совершаете.
وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣
Не склоняйтесь на сторону беззаконников, дабы вас не коснулся Огонь. Нет у вас покровителей и помощников, кроме Аллаха, и тогда никто вам не окажет поддержки.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في شَرْحِ الوَعْدِ والوَعِيدِ قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾
صفحة ٥٧
وهَذِهِ الكَلِمَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالعَقائِدِ والأعْمالِ، سَواءٌ كانَ مُخْتَصًّا بِهِ أوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِتَبْلِيغِ الوَحْيِ وبَيانِ الشَّرائِعِ، ولا شَكَّ أنَّ البَقاءَ عَلى الِاسْتِقامَةِ الحَقِيقِيَّةِ مُشْكِلٌ جِدًّا، وأنا أضْرِبُ لِذَلِكَ مِثالًا يُقَرِّبُ صُعُوبَةَ هَذا المَعْنى إلى العَقْلِ السَّلِيمِ، وهو أنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الظِّلِّ وبَيْنَ الضَّوْءِ جُزْءٌ واحِدٌ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ في العَرْضِ، إلّا أنَّ عَيْنَ ذَلِكَ الخَطِّ مِمّا لا يَتَمَيَّزُ في الحِسِّ عَنْ طَرَفَيْهِ، فَإنَّهُ إذا قَرُبَ طَرَفُ الظِّلِّ مِن طَرَفِ الضَّوْءِ اشْتَبَهَ البَعْضُ بِالبَعْضِ في الحِسِّ، فَلَمْ يَقَعِ الحِسُّ عَلى إدْراكِ ذَلِكَ الخَطِّ بِعَيْنِهِ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا في المِثالِ فاعْرِفْ مِثالَهُ في جَمِيعِ أبْوابِ العُبُودِيَّةِ، فَأوَّلَها: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وتَحْصِيلُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ عَلى وجْهٍ يُبْقِي العَبْدَ مَصُونًا في طَرَفِ الإثْباتِ عَنِ التَّشْبِيهِ وفي طَرَفِ النَّفْيِ عَنِ التَّعْطِيلِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، واعْتَبِرْ سائِرَ مَقاماتِ المَعْرِفَةِ مِن نَفْسِكَ، وأيْضًا فالقُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ والقُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ حَصَلَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما طَرَفا إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ، وهُما مَذْمُومانِ، والفاصِلُ هو المُتَوَسِّطُ بَيْنَهُما بِحَيْثُ لا يَمِيلُ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، والوُقُوفُ عَلَيْهِ صَعْبٌ، ثُمَّ العَمَلُ بِهِ أصْعَبُ، فَثَبَتَ أنَّ مَعْرِفَةَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، بِتَقْدِيرِ مَعْرِفَتِهِ، فالبَقاءُ عَلَيْهِ والعَمَلُ بِهِ أصْعَبُ، ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ لا جَرَمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَمِيعِ القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ ولا أشَقُّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ ولِهَذا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها» “، وعَنْ بَعْضِهِمْ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في النَّوْمِ، فَقُلْتُ لَهُ: رُوِيَ عَنْكَ أنَّكَ قُلْتَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ“، فَقُلْتُ: وبِأيِّ آيَةٍ ؟ فَقالَ: بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ عَظِيمٌ في الشَّرِيعَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ لَمّا ورَدَ بِالأمْرِ بِأعْمالِ الوُضُوءِ مُرَتَّبَةً في اللَّفْظِ، وجَبَ اعْتِبارُ التَّرْتِيبِ فِيها؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ ولَمّا ورَدَ الأمْرُ في الزَّكاةِ بِأداءِ الإبِلِ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ مِنَ البَقَرِ - وجَبَ اعْتِبارُها، وكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ورَدَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِ، وعِنْدِي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ؛ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّ عُمُومُ النَّصِّ عَلى حُكْمٍ، وجَبَ الحُكْمُ بِمُقْتَضاهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ والعَمَلُ بِالقِياسِ انْحِرافٌ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: ”مَن“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ﴾ وأغْنى الوَصْلُ بِالجارِّ عَنْ تَأْكِيدِهِ بِضَمِيرِ المُتَّصِلِ في صِحَّةِ العَطْفِ، أيْ فاسْتَقِمْ أنْتَ وهم.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في أُمِرْتَ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ابْتِداءً عَلى تَقْدِيرِ: ومَن تابَ مَعَكَ فَلْيَسْتَقِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَجِبُ عَلَيْهِما الرُّجُوعُ عَنِ الكُفْرِ والفِسْقِ، فَفي تِلْكَ الحالَةِ لا يَصِحُّ اشْتِغالُهُما بِالِاسْتِقامَةِ، وأمّا التّائِبُ عَنِ الكُفْرِ والفِسْقِ فَإنَّهُ يَصِحُّ مِنهُ الِاشْتِغالُ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى مَناهِجِ دِينِ اللَّهِ تَعالى، والبَقاءُ عَلى طَرِيقِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ ومَعْنى الطُّغْيانِ أنْ يُجاوِزَ المِقْدارَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: تَواضَعُوا لِلَّهِ تَعالى ولا تَتَكَبَّرُوا عَلى أحَدٍ، وقِيلَ: ولا تَطْغَوْا في القُرْآنِ فَتُحِلُّوا حَرامَهُ وتُحَرِّمُوا حَلالَهُ، وقِيلَ: لا تَتَجاوَزُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وحُدَّ لَكم، وقِيلَ: ولا تَعْدِلُوا عَنْ طَرِيقِ شُكْرِهِ والتَّواضُعِ لَهُ عِنْدَ عِظَمِ نِعَمِهِ عَلَيْكم، والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والرُّكُونُ هو السُّكُونُ إلى الشَّيْءِ والمَيْلُ إلَيْهِ بِالمَحَبَّةِ، ونَقِيضُهُ النُّفُورُ عَنْهُ، وقَرَأ العامَّةُ بِفَتْحِ التّاءِ والكافِ، والماضِي مِن هَذا رَكِنَ كَعَلِمَ
صفحة ٥٨
وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى رَكَنَ يَرْكَنُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: ولَيْسَتْ بِفَصِيحَةٍ، قالَ المُحَقِّقُونَ: الرُّكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو الرِّضا بِما عَلَيْهِ الظَّلَمَةُ مِنَ الظُّلْمِ، وتَحْسِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وتَزْيِينُها عِنْدَهم وعِنْدَ غَيْرِهِمْ، ومُشارَكَتُهم في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأبْوابِ، فَأمّا مُداخَلَتُهم لِدَفْعِ ضَرَرٍ أوِ اجْتِلابِ مَنفَعَةٍ عاجِلَةٍ فَغَيْرُ داخِلٍ في الرُّكُونِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أيْ أنَّكم إنْ رَكَنْتُمْ إلَيْهِمْ فَهَذِهِ عاقِبَةُ الرُّكُونِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم أوْلِياءُ يُخَلِّصُونَكم مِن عَذابِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ والمُرادُ لا تَجِدُونَ مَن يَنْصُرُكم مِن تِلْكَ الواقِعَةِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ مَن رَكَنَ إلى الظَّلَمَةِ لا بُدَّ وأنْ تَمَسَّهُ النّارُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الظّالِمِ في نَفْسِهِ.
11:114–115Страница 234
وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤
Совершай намаз в начале и конце дня и в некоторые часы ночи. Воистину, добрые деяния удаляют злодеяния. Это - Напоминание для поминающих.
وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٥
Терпи, ибо Аллах не теряет вознаграждения творящих добро.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ أرْدَفَهُ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْظَمَ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ هو الصَّلاةُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رَأيْتُ في بَعْضِ ”كُتُبِ القاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ أنَّ الخَوارِجَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ الواجِبَ لَيْسَ إلّا الفَجْرَ والعِشاءَ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُما واقِعانِ عَلى طَرَفَيِ النَّهارِ، واللَّهُ تَعالى أوْجَبَ إقامَةَ الصَّلاةِ طَرَفَيِ النَّهارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا القَدْرُ كافِيًا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يُوجِبُ صَلَواتٍ أُخْرى.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ؛ فَإنَّ طَرَفَيِ النَّهارِ مَوْصُوفانِ بِكَوْنِهِما زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، فَإنَّ ما لا يَكُونُ نَهارًا يَكُونُ لَيْلًا، غايَةُ ما في البابِ أنَّ هَذا يَقْتَضِي عَطْفَ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّ مَن صَلّى طَرَفَيِ النَّهارِ كانَ إقامَتُهُما كَفّارَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ سِواهُما، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ سائِرَ الصَّلَواتِ واجِبَةٌ، إلّا أنَّ إقامَتَهُما يَجِبُ أنْ تَكُونَ كَفّارَةً لِتَرْكِ سائِرِ الصَّلَواتِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَثُرَتِ المَذاهِبُ في تَفْسِيرِ طَرَفَيِ النَّهارِ، والأقْرَبُ أنَّ الصَّلاةَ الَّتِي تُقامُ في طَرَفَيِ النَّهارِ هي الفَجْرُ والعَصْرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ طَرَفَيِ النَّهارِ طُلُوعُ الشَّمْسِ، والطَّرَفُ الثّانِي مِنهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، فالطَّرَفُ الأوَّلُ هو صَلاةُ الفَجْرِ، والطَّرَفُ الثّانِي لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَلاةَ المَغْرِبِ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُ الطَّرَفِ الثّانِي عَلى صَلاةِ العَصْرِ.
صفحة ٥٩
إذا عَرَفْتَ هَذا، كانَتِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أنَّ التَّنْوِيرَ بِالفَجْرِ أفْضَلُ، وفي أنَّ تَأْخِيرَ العَصْرِ أفْضَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ إقامَةِ الصَّلاةِ في طَرَفَيِ النَّهارِ، وبَيَّنّا أنَّ طَرَفَيِ النَّهارِ هُما الزَّمانُ الأوَّلُ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، والزَّمانُ الثّانِي لِغُرُوبِها، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، فَقَدْ تَعَذَّرَ العَمَلُ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ: أقِمِ الصَّلاةَ في الوَقْتِ الَّذِي يَقْرُبُ مِن طَرَفَيِ النَّهارِ؛ لِأنَّ ما يَقْرُبُ مِنَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ وقْتٍ كانَ أقْرَبَ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وإلى غُرُوبِها كانَ أقْرَبَ إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، وإقامَةُ صَلاةِ الفَجْرِ عِنْدَ التَّنْوِيرِ أقْرَبُ إلى وقْتِ الطُّلُوعِ مِن إقامَتِها عِنْدَ التَّغْلِيسِ، وكَذَلِكَ إقامَةُ صَلاةِ العَصْرِ عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ أقْرَبُ إلى وقْتِ الغُرُوبِ مِن إقامَتِها عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، والمَجازُ كُلَّما كانَ أقْرَبَ إلى الحَقِيقَةِ كانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يُقَوِّي قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فَهو يَقْتَضِي الأمْرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في ثَلاثِ زُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ، ولِلْمَغْرِبِ والعِشاءِ وقْتانِ، فَيَجِبُ الحُكْمُ بِوُجُوبِ الوَتْرِ حَتّى يَحْصُلَ زُلَفٌ ثَلاثَةٌ يَجِبُ إيقاعُ الصَّلاةِ فِيها، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ الوَتْرِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وجَبَ في حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِعَيْنِها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طَهَ: ١٣٠ ] فالَّذِي هو قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ هو صَلاةُ الفَجْرِ، والَّذِي هو قَبْلَ غُرُوبِها هو صَلاةُ العَصْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ وهو نَطِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «ما تَقُولُونَ في رَجُلٍ أصابَ مِنَ امْرَأةٍ مُحَرَّمَةٍ كُلَّ ما يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ امْرَأتِهِ غَيْرَ الجِماعِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“لِيَتَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنًا ثُمَّ لِيَقُمْ ولْيُصَلِّ”فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: هَذا لَهُ خاصَّةً ؟ فَقالَ:“بَلْ هو لِلنّاسِ عامَّةً» ”، وقَوْلُهُ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: زُلْفَةٌ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ طائِفَةٌ، والجَمْعُ الزُّلَفُ، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الزُّلْفى، والزُّلْفى هي القُرْبى، يُقالُ: أزْلَفْتُهُ فازْدَلَفْ، أيْ قَرَّبْتُهُ فاقْتَرَبَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”: قُرِئَ“زُلُفًا ”بِضَمَّتَيْنِ، و“زُلْفًا " بِإسْكانِ اللّامِ، وزُلْفى بِوَزْنِ قُرْبى، فالزُّلَفُ جَمْعُ زُلْفَةٍ، كَظُلَمٍ جَمْعُ ظُلْمَةٍ، والزُّلْفُ بِالسُّكُونِ نَحْوُ بُسْرَةٍ وبُسْرٍ، والزُّلُفُ بِضَمَّتَيْنِ نَحْوُ يُسُرٌ في يُسُرٍ، والزُّلْفى بِمَعْنى الزُّلْفَةِ، كَما أنَّ القُرْبى بِمَعْنى القُرْبَةِ، وهو ما يَقْرُبُ مِن آخِرِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وقُرَبًا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الحَسَناتِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ كَفّاراتٌ لِسائِرِ الذُّنُوبِ بِشَرْطِ الِاجْتِنابِ عَنِ الكَبائِرِ.
والثّانِي: رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الحَسَناتِ هي قَوْلُ العَبْدِ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ المَعْصِيَةَ لا تَضُرُّ مَعَ الإيمانِ - بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ أشْرَفُ الحَسَناتِ وأجَلُّها وأفْضَلُها، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، فالإيمانُ الَّذِي هو أعْلى الحَسَناتِ دَرَجَةً يُذْهِبُ الكُفْرَ الَّذِي هو أعْلى دَرَجَةٍ في العِصْيانِ، فَلَأنْ يَقْوى عَلى المَعْصِيَةِ الَّتِي هي أقَلُّ
صفحة ٦٠
السَّيِّئاتِ دَرَجَةً كانَ أوْلى، فَإنْ لَمْ يُفِدْ إزالَةَ العِقابِ بِالكُلِّيَّةِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُفِيدَ إزالَةَ العَذابِ الدّائِمِ المُؤَبَّدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ إلى آخِرِها ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ وإرْشادٌ لِلْمُسْتَرْشِدِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ قِيلَ: عَلى الصَّلاةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طَه: ١٣٢ ] .
11:116Страница 234
فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ ١١٦
Если бы только среди поколений, живших до вас, были мудрые люди, которые выступали бы против нечестия на земле. Такими были лишь немногие из числа тех, кого Мы спасли. А беззаконники последовали за тем, что было даровано им, и стали грешниками.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الأُمَمَ المُتَقَدِّمِينَ حَلَّ بِهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، بَيَّنَ أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أمْرانِ:
السَّبَبُ الأوَّلُ: أنَّهُ ما كانَ فِيهِمْ قَوْمٌ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ﴾ والمَعْنى: فَهَلّا كانَ، وحُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما كانَ في القُرْآنِ مِن كَلِمَةِ ”لَوْلا“ فَمَعْناهُ هَلّا، إلّا الَّتِي في الصّافّاتِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وما صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ الصّافّاتِ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ [القَلَمِ: ٤٩ ] ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥ ] ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٤ ]، وقَوْلُهُ: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ فالمَعْنى أُولُو فَضْلٍ وخَيْرٍ، وسُمِّيَ الفَضْلُ والجُودُ بَقِيَّةً؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ، فَصارَ هَذا اللَّفْظُ مَثَلًا في الجَوْدَةِ، يُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ، أيْ مِن خِيارِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهم: في الزَّوايا خَبايا وفي الرِّجالِ بَقايا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ بِمَعْنى البَقْوى، كالتَّقِيَّةِ بِمَعْنى التَّقْوى، أيْ: فَهَلّا كانَ مِنهم ذُو بَقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِن سَخَطِ اللَّهِ تَعالى ؟ وقُرِئَ ”أُولُو بُقْيَةٍ“ بِوَزْنِ لُقْيَةٍ، مِن بَقّاهُ يُبَقِّيهِ، إذا راقَبَهُ وانْتَظَرَهُ، والبَقِيَّةُ المَرَّةُ مِن مَصْدَرِهِ، والمَعْنى: فَلَوْلا كانَ مِنهم أُولُو مُراقَبَةٍ وخَشْيَةٍ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ ولا يُمْكِنُ جَعْلُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِأُولِي البَقِيَّةِ في النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ إلّا القَلِيلَ مِنَ النّاجِينَ مِنهم، كَما تَقُولُ: هَلّا قَرَأ قَوْمُكَ القُرْآنَ إلّا الصُّلَحاءَ مِنهم - تُرِيدُ اسْتِثْناءَ الصُّلَحاءِ مِنَ المُرَغَّبِينَ في قِراءَةِ القُرْآنِ. وإذا ثَبَتَ هَذا قُلْنا: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنَ القُرُونِ نَهَوْا عَنِ الفَسادِ وسائِرَهم تارِكُونَ لِلنَّهْيِ.
والسَّبَبُ الثّانِي لِنُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ والتَّرَفُّهُ: النِّعْمَةُ، وصَبِيٌّ مُتْرَفٌ إذا كانَ مُنَعَّمَ البَدَنِ، والمُتْرَفُ الَّذِي أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ وسَعَةُ المَعِيشَةِ، وأرادَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا تارِكِي النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ، أيْ لَمْ يَهْتَمُّوا بِما هو رُكْنٌ عَظِيمٌ مِن أرْكانِ الدِّينِ، وهو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، واتَّبَعُوا طَلَبَ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ، واشْتَغَلُوا بِتَحْصِيلِ الرِّياساتِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ ”واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أتْرَفُوا“ أيْ واتَّبَعُوا حَرامًا أتْرَفُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии