Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Худ 11:81–86
11:81–82Страница 230
قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ ٨١
Они сказали: «О Лут (Лот)! Мы - посланцы твоего Господа, и они не причинят тебе зла. Отправляйся в путь вместе со своей семьей среди ночи, и пусть никто из вас не оглядывается. И только твою жену поразит то, что поразит остальных. Их срок выйдет утром. Разве утро не близко?».
فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢
Когда же явилось Наше веление, Мы перевернули вверх дном их селения и последовательно обрушили на них каменья из обожженной глины,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في غايَةِ القَلَقِ والحُزْنِ؛ بِسَبَبِ إقْدامِ أُولَئِكَ الأوْباشِ عَلى ما يُوجِبُ الفَضِيحَةَ في حَقِّ أضْيافِهِ، فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ تِلْكَ الحالَةَ بَشَّرُوهُ بِأنْواعٍ مِنَ البِشاراتِ:
أحَدُها: أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لا يَصِلُونَ إلى ما هَمُّوا بِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يُهْلِكُهم.
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى يُنَجِّيهِ مَعَ أهْلِهِ مِن ذَلِكَ العَذابِ.
وخامِسُها: أنَّ رُكْنَكَ شَدِيدٌ، وإنَّ ناصِرَكَ هو اللَّهُ تَعالى، فَحَصَلَ لَهُ هَذِهِ البِشاراتُ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ: إنَّ قَوْمَكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ، فافْتَحِ البابَ، فَدَخَلُوا، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَناحِهِ وُجُوهَهم فَطَمَسَ أعْيُنَهم فَأعْماهم، فَصارُوا لا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ ولا يَهْتَدُونَ إلى بُيُوتِهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القَمَرِ: ٣٧ ] ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ أيْ بِسُوءٍ ومَكْرُوهٍ، فَإنّا نُحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ”فاسْرِ“ مَوْصُولَةً، والباقُونَ بِقَطْعِ الألْفِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: سَرَيْتُ بِاللَّيْلِ، وأسْرَيْتُ، وأنْشَدَ حَسّانُ:
صفحة ٣٠
أسْرَتْ إلَيْكَ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
فَجاءَ بِاللُّغَتَيْنِ، فَمَن قَرَأ بِقَطْعِ الألِفِ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١ ] . ومَن وصَلَ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفَجْرِ: ٤ ] والسُّرى: السَّيْرُ في اللَّيْلِ، يُقالُ: سَرى يَسْرِي، إذا سارَ بِاللَّيْلِ وأسْرى بِفُلانٍ، إذا سِيرَ بِهِ بِاللَّيْلِ، والقِطْعُ مِنَ اللَّيْلِ بَعْضُهُ، وهو مِثْلُ القِطْعَةِ، يُرِيدُ: اخْرُجُوا لَيْلًا لِتَسْبِقُوا نُزُولَ العَذابِ الَّذِي مَوْعِدُهُ الصُّبْحُ، قالَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قالَ هو آخِرُ اللَّيْلِ سَحَرًا، وقالَ قَتادَةُ: بَعْدَ طائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقالَ آخَرُونَ: هو نِصْفُ اللَّيْلِ، فَإنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ قُطِعَ بِنِصْفَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ نَهى مَن مَعَهُ عَنِ الِالتِفاتِ، والِالتِفاتُ نَظَرُ الإنْسانِ إلى ما وراءَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّهُ كانَ لَهم في البَلْدَةِ أمْوالٌ وأقْمِشَةٌ وأصْدِقاءُ، فالمَلائِكَةُ أمَرُوهم بِأنْ يَخْرُجُوا ويَتْرُكُوا تِلْكَ الأشْياءَ ولا يَلْتَفِتُوا إلَيْها ألْبَتَّةَ، وكانَ المُرادُ مِنهُ قَطْعَ القَلْبِ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، وقَدْ يُرادُ مِنهُ الِانْصِرافُ أيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا﴾ [يُونُسَ: ٧٨ ] أيْ لِتَصْرِفَنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ النَّهْيُ عَنِ التَّخَلُّفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”إلّا امْرَأتُكَ“ بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، قالَ الواحِدِيُّ: مَن نَصَبَ - وهو الِاخْتِيارُ - فَقَدْ جَعَلَها مُسْتَثْناةً مِنَ الأهْلِ عَلى مَعْنى: فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ، والَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ) فَأسْقَطَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ مِن هَذا المَوْضِعِ، وأمّا الَّذِينَ رَفَعُوا فالتَّقْدِيرُ ”ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ“ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ القِراءَةُ تُوجِبُ أنَّها أُمِرَتْ بِالِالتِفاتِ؛ لِأنَّ القائِلَ إذا قالَ: لا يَقُمْ مِنكم أحَدٌ إلّا زَيْدٌ - كانَ ذَلِكَ أمْرًا لِزَيْدٍ بِالقِيامِ.
وأجابَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ عَنْهُ فَقالَ: مَعْنى ”إلّا“ هَهُنا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ عَلى مَعْنى: لا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ، لَكِنِ امْرَأتُكَ تَلْتَفِتُ، فَيُصِيبُها ما أصابَهم، وإذا كانَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا كانَ التِفاتُها مَعْصِيَةً، ويَتَأكَّدُ ما ذَكَرْنا بِما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّها كانَتْ مَعَ لُوطٍ حِينَ خَرَجَ مِنَ القَرْيَةِ، فَلَمّا سَمِعَتْ هَذا العَذابَ التَفَتَتْ وقالَتْ: يا قَوْماهُ، فَأصابَها حَجَرٌ فَأهْلَكَها.
واعْلَمْ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أقْوى؛ لِأنَّ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ تَمْنَعُ مِن خُرُوجِها مَعَ أهْلِهِ، لَكِنْ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ الِاسْتِثْناءُ يَكُونُ مِنَ الأهْلِ، كَأنَّهُ أمَرَ لُوطًا بِأنْ يَخْرُجَ بِأهْلِهِ ويَتْرُكَ هَذِهِ المَرْأةَ، فَإنَّها هالِكَةٌ مَعَ الهالِكِينَ، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَإنَّها أقْوى مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَعَ القِراءَةِ بِالنَّصْبِ يَبْقى الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، ومَعَ القِراءَةِ بِالرَّفْعِ يَصِيرُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ . والمُرادُ أنَّهُ مُصِيبُها ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي أصابَهم، ثُمَّ قالُوا: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ رُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن ذَلِكَ بَلِ السّاعَةَ، فَقالُوا: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَمِعَ هَذا الكَلامَ خَرَجَ بِأهْلِهِ في اللَّيْلِ.
11:83Страница 231
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣
помеченные у твоего Господа. Воистину, они недалеки от беззаконников.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الأمْرِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الأمْرِ ما هو ضِدُّ النَّهْيِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأمْرِ حَقِيقَةٌ في هَذا المَعْنى مَجازٌ في غَيْرِهِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ.
الثّانِي: أنَّ الأمْرَ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ هَهُنا عَلى العَذابِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ وهَذا الجَعْلُ هو العَذابُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ شَرْطٌ، والعَذابُ جَزاءٌ، والشَّرْطُ غَيْرُ الجَزاءِ، فَهَذا الأمْرُ غَيْرُ العَذابِ، وكُلُّ مَن قالَ بِذَلِكَ قالَ: إنَّهُ هو الأمْرُ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهْيِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٠ ] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِالذَّهابِ إلى قَوْمِ لُوطٍ، وبِإيصالِ هَذا العَذابِ إلَيْهِمْ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ بِأنْ يُخَرِّبُوا تِلْكَ المَدائِنَ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمّا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ إشارَةً إلى ذَلِكَ التَّكْلِيفِ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلُوا عالِيَها سافِلَها؛ لِأنَّ الفِعْلَ صَدَرَ عَنْ ذَلِكَ المَأْمُورِ.
قُلْنا: هَذا لا يَلْزَمُ عَلى مَذْهَبِنا؛ لِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَنا، وأيْضًا أنَّ الَّذِي وقَعَ مِنهم إنَّما وقَعَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وبِقُدْرَتِهِ، فَلَمْ يَبْعُدْ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّ الفِعْلَ كَما تَحْسُنُ إضافَتُهُ إلى المُباشِرِ فَقَدْ تَحْسُنُ أيْضًا إضافَتُهُ إلى السَّبَبِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ هَهُنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠ ] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ الأمْرِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ العَذابَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيُحْتاجُ إلى الإضْمارِ، والمَعْنى: ولَمّا جاءَ وقْتُ عَذابِنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ قَدْ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الوَصْفِ:
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أدْخَلَ جَناحَهُ الواحِدَ تَحْتَ مَدائِنِ قَوْمِ لُوطِ وقَلَعَها، وصَعِدَ بِها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نَهِيقَ الحَمِيرِ ونُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدُّيُوكِ، ولَمْ تَنْكَفِئْ لَهم جَرَّةٌ ولَمْ يَنْكَبَّ لَهم إناءٌ، ثُمَّ قَلَبَها دَفْعَةً واحِدَةً وضَرَبَها عَلى الأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا العَمَلَ كانَ مُعْجِزَةً قاهِرَةً مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَلْعَ الأرْضِ وإصْعادَها إلى قَرِيبٍ مِنَ
صفحة ٣٢
السَّماءِ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعاداتِ.
والثّانِي: أنَّ ضَرْبَها مِن ذَلِكَ البُعْدِ البَعِيدِ عَلى الأرْضِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَحَرَّكْ سائِرُ القُرى المُحِيطَةِ بِها ألْبَتَّةَ، ولَمْ تَصِلِ الآفَةُ إلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ مَعَ قُرْبِ مَكانِهِمْ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ - مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ أيْضًا.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾، واخْتَلَفُوا في السِّجِّيلِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ سنككل، وأنَّهُ شَيْءٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الحَجَرِ والطِّينِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ في غايَةِ الصَّلابَةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: لَمّا عَرَّبَتْهُ العَرَبُ صارَ عَرَبِيًّا، وقَدْ عَرَّبَتْ حُرُوفًا كَثِيرَةً؛ كالدِّيباجِ، والدِّيوانِ، والإسْتَبْرَقِ.
والثّانِي: سِجِّيلٌ، أيْ مِثْلُ السَّجْلِ وهو الدَّلْوُ العَظِيمُ.
والثّالِثُ: سِجِّيلٌ، أيْ شَدِيدٌ مِنَ الحِجارَةِ.
الرّابِعُ: مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ مِن أسْجَلْتُهُ إذا أرْسَلْتَهُ، وهو فَعِيلٌ مِنهُ.
الخامِسُ: مِن أسْجَلْتُهُ، أيْ أعْطَيْتُهُ، تَقْدِيرُهُ: مِثْلُ العَطِيَّةِ في الإدْرارِ، وقِيلَ: كانَ كُتِبَ عَلَيْها أسامِي المُعَذَّبِينَ.
السّادِسُ: وهو مِنَ السِّجِلِّ، وهو الكِتابُ، تَقْدِيرُهُ: مِن مَكْتُوبٍ في الأزَلِ، أيْ كَتَبَ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها، والسِّجِّيلُ أُخِذَ مِنَ السَّجْلِ، وهو الدَّلْوُ العَظِيمَةُ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ أحْكامًا كَثِيرَةً، وقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ المُساجَلَةِ وهي المُفاخِرَةُ.
والسّابِعُ: مِن سِجِّيلٍ أيْ مِن جَهَنَّمَ، أُبْدِلَتِ النُّونُ لامًا.
والثّامِنُ: مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وتُسَمّى سِجِّيلًا عَنْ أبِي زَيْدٍ.
والتّاسِعُ: السِّجِّيلُ الطِّينُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذّارِياتِ: ٣٣ ] وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، قالَ الحَسَنُ: كانَ أصْلُ الحَجَرِ هو مِنَ الطِّينِ، إلّا أنَّهُ صَلُبَ بِمُرُورِ الزَّمانِ.
والعاشِرُ: سِجِّيلٌ مَوْضِعُ الحِجارَةِ، وهي جِبالٌ مَخْصُوصَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣ ] .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الحِجارَةَ بِصِفاتٍ:
فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها مِن سِجِّيلٍ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنضُودٍ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: هو مَفْعُولٌ مِنَ النَّضْدِ، وهو مَوْضِعُ الشَّيْءِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ الحِجارَةَ كانَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ في النُّزُولِ، فَأُتِيَ بِهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ حَجَرٍ فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ مَنضُودٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ومُلْتَصِقٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ خَلَقَها في مَعادِنِها، ونَضَّدَ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ، وأعَدَّها لِإهْلاكِ الظَّلَمَةِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَنضُودٍ﴾ صِفَةٌ لِلسِّجِّيلِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مُسَوَّمَةً، وهَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةٌ لِلْأحْجارِ، ومَعْناها المُعَلَّمَةُ، وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤ ] واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ العَلامَةِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: كانَ عَلَيْها أمْثالُ الخَواتِيمِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ صالِحٍ: رَأيْتُ مِنها عِنْدَ أُمِّ هانِئٍ حِجارَةً فِيها خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلى هَيْئَةِ الجِزْعِ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ عَلَيْها سِيما لا تُشارِكُ حِجارَةَ الأرْضِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِلْعَذابِ.
الرّابِعُ: قالَ الرَّبِيعُ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ في خَزائِنِهِ الَّتِي لا يَتَصَرَّفُ فِيها أحَدٌ إلّا هو.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ يَعْنِي بِهِ كُفّارَ مَكَّةَ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى يَرْمِيهِمْ بِها، عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: «سَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ هَذا»، فَقالَ: يَعْنِي عَنْ ظالِمِي أُمَّتِكَ، ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِمَعْرِضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ عَلَيْهِ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وما هِيَ﴾ لِلْقُرى. أيْ وما تِلْكَ
صفحة ٣٣
القُرى الَّتِي وقَعَتْ فِيها هَذِهِ الواقِعَةُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ بِبَعِيدٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القُرى كانَتْ في الشَّأْمِ، وهي قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ.
11:84–86Страница 231
۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ ٨٤
Мы отправили к мадьянитам их брата Шуейба. Он сказал: «О мой народ! Поклоняйтесь Аллаху, ибо нет у вас иного божества, кроме Него. Не обмеривайте и не обвешивайте. Я вижу, как вы благоденствуете, и боюсь, что вас постигнут мучения в Объемлющий день.
وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥
О мой народ! Наполняйте меру и весы по справедливости, не придерживайте имущество людей и не творите на земле зла, распространяя нечестие.
بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦
Оставленное вам Аллахом лучше для вас, если только вы веруете, и я не являюсь вашим хранителем».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. واعْلَمْ أنَّ مَدِينَ اسْمُ ابْنٍ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَذْهَبُ إلى أنَّ مَدْيَنَ اسْمُ مَدِينَةٍ بَناها مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والمَعْنى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: وأرْسَلْنا إلى أهْلِ مَدْيَنَ - فَحُذِفَ الأهْلُ.
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَشْرَعُونَ في أوَّلِ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ فَلِهَذا قالَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ يَشْرَعُونَ في الأهَمِّ ثُمَّ الأهَمِّ، ولَمّا كانَ المُعْتادُ مِن أهْلِ مَدْيَنَ البَخْسَ في المِكْيالِ والمِيزانِ، دَعاهم إلى تَرْكِ هَذِهِ العادَةِ فَقالَ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ والنَّقْصُ فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الإيفاءُ مِن قِبَلِهِمْ، فَيَنْقُصُونَ مِن قَدْرِهِ.
والآخَرُ: أنْ يَكُونَ لَهُمُ الِاسْتِيفاءُ فَيَأْخُذُونَ أزْيَدَ مِنَ الواجِبِ، وذَلِكَ يُوجِبُ نُقْصانَ حَقِّ الغَيْرِ، وفي القِسْمَيْنِ حَصَلَ النُّقْصانُ في حَقِّ الغَيْرِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حَذَّرَهم مِن غَلاءِ السِّعْرِ وزَوالِ النِّعْمَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا، فَكَأنَّهُ قالَ: اتْرُكُوا هَذا التَّطْفِيفَ وإلّا أزالَ اللَّهُ عَنْكم ما حَصَلَ عِنْدَكم مِنَ الخَيْرِ والرّاحَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى أتاكم بِالخَيْرِ الكَثِيرِ والمالِ والرُّخْصِ والسَّعَةِ، فَلا حاجَةَ بِكم إلى هَذا التَّطْفِيفِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أخافُ أيْ أعْلَمُ حُصُولَ عَذابِ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ هو الخَوْفُ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ العَمَلَ خَشْيَةَ أنْ يَحْصُلَ لَهُمُ العَذابُ، ولَمّا كانَ هَذا التَّخْوِيفُ قائِمًا فالحاصِلُ هو الظَّنُّ لا العِلْمُ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ يُحِيطُ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنهُ أحَدٌ، والمُحِيطُ مِن صِفَةِ اليَوْمِ في الظّاهِرِ، وفي المَعْنى مِن صِفَةِ العَذابِ، وذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هُودٍ: ٧٧ ] .
صفحة ٣٤
البَحْثُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا العَذابِ، فَقالَ بَعْضُهم: هو عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي نُصِبَ لِإحاطَةِ العَذابِ بِالمُعَذَّبِينَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ عَذابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مِنهُ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا كَما في حَقِّ سائِرِ الأنْبِياءِ، والأقْرَبُ دُخُولُ كُلِّ عَذابٍ فِيهِ، وإحاطَةُ العَذابِ بِهِمْ كَإحاطَةِ الدّائِرَةِ بِما في داخِلِها، فَيَنالُهم مِن كُلِّ وجْهٍ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الوَعْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكَهْفِ: ٤٢ ] ثُمَّ قالَ: ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: وقَعَ التَّكْرِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ لِأنَّهُ قالَ أوَّلًا: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ وهَذا عَيْنُ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ وهَذا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟
قُلْنا: إنَّ فِيهِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، فاحْتِيجَ في المَنعِ مِنهُ إلى المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، والتَّكْرِيرُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وشِدَّةَ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ نَهْيٌ عَنِ التَّنْقِيصِ، وقَوْلَهُ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ أمْرٌ بِإيفاءِ العَدْلِ، والنَّهْيُ عَنْ ضِدِّ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِلْأمْرِ بِهِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النَّهْيُ عَنْ ضِدِّ الشَّيْءِ أمْرٌ بِهِ، فَكانَ التَّكْرِيرُ لازِمًا مِن هَذا الوَجْهِ؛ لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَمَعَ بَيْنَ الأمْرِ والشَّيْءِ وبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ لِلْمُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: صِلْ قَرابَتَكَ ولا تَقْطَعْهم، فَيَدُلُّ هَذا الجَمْعُ عَلى غايَةِ التَّأْكِيدِ.
الثّانِي: أنْ نَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْهى عَنِ التَّنْقِيصِ ويَنْهى أيْضًا عَنْ أصْلِ المُعامَلَةِ، فَهو تَعالى مَنَعَ مِنَ التَّنْقِيصِ وأمَرَ بِإيفاءِ الحَقِّ؛ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَمْنَعْ عَنِ المُعامَلاتِ، ولَمْ يَنْهَ عَنِ المُبايَعاتِ، وإنَّما مَنَعَ مِنَ التَّطْفِيفِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ طائِفَةً مِنَ النّاسِ يَقُولُونَ: إنَّ المُبايَعاتِ لا تَنْفَكُّ عَنِ التَّطْفِيفِ ومَنعِ الحُقُوقِ، فَكانَتِ المُبايَعاتُ مُحَرَّمَةً بِالكُلِّيَّةِ، فَلِأجْلِ إبْطالِ هَذا الخَيالِ مَنَعَ تَعالى في الآيَةِ الأُولى مِنَ التَّطْفِيفِ وفي الآيَةِ الأُخْرى أمَرَ بِالإيفاءِ، وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ فَلَيْسَ بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ المَنعَ في الآيَةِ السّابِقَةِ بِالنُّقْصانِ في المِكْيالِ والمِيزانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّ الحُكْمَ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَظَهَرَ بِهَذا البَيانِ أنَّها غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ، بَلْ في كُلِّ واحِدٍ مِنها فائِدَةٌ زائِدَةٌ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ وفي الثّانِيَةِ قالَ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ والإيفاءُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِهِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلّا إذا أعْطى قَدْرًا زائِدًا عَلى الحَقِّ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ الفُقَهاءُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِغَسْلِ الوَجْهِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ غَسْلِ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الرَّأْسِ، فالحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى نَهى عَنِ النُّقْصانِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ أمَرَ بِإعْطاءِ قَدْرٍ مِنَ الزِّيادَةِ، ولا يَحْصُلُ الجَزْمُ واليَقِينُ بِأداءِ الواجِبِ إلّا عِنْدَ أداءِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الزِّيادَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى أوَّلًا عَنْ سَعْيِ الإنْسانِ في أنْ يَجْعَلَ مالَ غَيْرِهِ ناقِصًا لِتَحْصُلَ لَهُ تِلْكَ الزِّيادَةُ، وفي الثّانِيَةِ أمَرَ بِالسَّعْيِ في تَنْقِيصِ مالِ نَفْسِهِ لِيَخْرُجَ بِاليَقِينِ عَنِ العُهْدَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ يَعْنِي بِالعَدْلِ، ومَعْناهُ الأمْرُ بِإيفاءِ الحَقِّ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مَعَهُ اليَقِينُ بِالخُرُوجِ عَنِ العُهْدَةِ، فالأمْرُ بِإيتاءِ الزِّيادَةِ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ حاصِلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ والبَخْسُ هو النَّقْصُ في كُلِّ الأشْياءِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِنَ النَّقْصِ
صفحة ٣٥
فِي المِكْيالِ والمِيزانِ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِنَ النَّقْصِ في كُلِّ الأشْياءِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: العَثْوُ: الفَسادُ التّامُّ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ جارٍ مَجْرى أنْ يُقالَ: ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ.
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ مَن سَعى في إيصالِ الضَّرَرِ إلى الغَيْرِ فَقَدْ حَمَلَ ذَلِكَ الغَيْرَ عَلى السَّعْيِ إلى إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مَعْناهُ: ولا تَسْعَوْا في إفْسادِ مَصالِحِ الغَيْرِ، فَإنَّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ سَعْيٌ مِنكم في إفْسادِ مَصالِحِ أنْفُسِكم.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مَصالِحَ دُنْياكم وآخِرَتِكم.
والثّالِثُ: ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ مَصالِحَ الأدْيانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قُرِئَ ”تَقِيَّةُ اللَّهِ“ وهي تَقْواهُ ومُراقَبَتُهُ الَّتِي تَصْرِفُ عَنِ المَعاصِي، ثُمَّ نَقُولُ: المَعْنى: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ، يَعْنِي: المالُ الحَلالُ الَّذِي يَبْقى لَكم خَيْرٌ مِن تِلْكَ الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ بِطَرِيقِ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ، وقالَ الحَسَنُ: ”بَقِيَّةُ اللَّهِ“، أيْ طاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم مِن ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ؛ لِأنَّ ثَوابَ الطّاعَةِ يَبْقى أبَدًا، وقالَ قَتادَةُ: حَظُّكم مِن رَبِّكم خَيْرٌ لَكم، وأقُولُ: المُرادُ مِن هَذِهِ البَقِيَّةِ إمّا المالُ الَّذِي يُبْقى عَلَيْهِ في الدُّنْيا، وإمّا ثَوابُ اللَّهِ، وإمّا كَوْنُهُ تَعالى راضِيًا عَنْهُ، والكُلُّ خَيْرٌ مِن قَدْرِ التَّطْفِيفِ، أمّا المالُ الباقِي فَلِأنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوا إنْسانًا بِالصِّدْقِ، والأمانَةِ، والبُعْدِ عَنِ الخِيانَةِ، اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ ورَجَعُوا في كُلِّ المُعامَلاتِ إلَيْهِ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ بابُ الرِّزْقِ، وإذا عَرَفُوهُ بِالخِيانَةِ والمَكْرِ، انْصَرَفُوا عَنْهُ، ولَمْ يُخالِطُوهُ البَتَّةَ، فَتُضَيَّقُ أبْوابُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وأمّا إنْ حَمَلْنا هَذِهِ البَقِيَّةَ عَلى الثَّوابِ، فالأمْرُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ كُلَّ الدُّنْيا تَفْنى وتَنْقَرِضُ، وثَوابُ اللَّهِ باقٍ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى حُصُولِ رِضا اللَّهِ تَعالى، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّ بَقِيَّةَ اللَّهِ خَيْرٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ في كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم؛ لِأنَّهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِالثَّوابِ والعِقابِ، عَرَفُوا أنَّ السَّعْيَ في تَحْصِيلِ الثَّوابِ وفي الحَذَرِ مِنَ العِقابِ خَيْرٌ لَهم مِنَ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ القَلِيلِ.
واعْلَمْ أنَّ المُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ مَن لَمْ يَحْتَرِزْ عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنِّي نَصَحْتُكم وأرْشَدْتُكم إلى الخَيْرِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أيْ لا قُدْرَةَ لِي عَلى مَنعِكم عَنْ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ أشارَ فِيما تَقَدَّمَ إلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ يُوجِبُ زَوالَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ يَعْنِي لَوْ لَمْ تَتْرُكُوا هَذا العَمَلَ القَبِيحَ لَزالَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَنْكم، وأنا لا أقْدِرُ عَلى حِفْظِها عَلَيْكم في تِلْكَ الحالَةِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии