Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Ихляс 112:2–4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ: (الصَّمَدُ) وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن صَمَدَ إلَيْهِ إذا قَصَدَهُ، وهو السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، قالَ الشّاعِرُ:
ألا بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدٍ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ
وقالَ أيْضًا:
عَلَوْتُهُ بِحُسامِي ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها حُذَيْفُ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ
والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّفْسِيرِ ما «رَوى ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: ما الصَّمَدُ ؟ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ» وقالَ اللَّيْثُ: صَمَدْتُ صَمَدَ هَذا الأمْرِ أيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الصَّمَدَ هو الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، ومِنهُ يُقالُ: لِسِدادِ القارُورَةِ الصِّمادُ، وشَيْءٌ مُصْمَدٌ أيْ صُلْبٌ لَيْسَ فِيهِ رَخاوَةٌ، وقالَ قَتادَةُ: وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ: الدّالُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنَ التّاءِ وهو المُصْمَتُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الصَّمَدُ هو الأمْلَسُ مِنَ الحَجَرِ الَّذِي لا يَقْبَلُ الغُبارَ ولا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ ولا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ، واعْلَمْ أنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِن جُهّالِ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ تَعالى جِسْمٌ، وهَذا باطِلٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ أحَدًا يُنافِي [ كَوْنَهُ ] جِسْمًا فَمُقَدِّمَةُ هَذا الآيَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّمَدِ هَذا المَعْنى، ولِأنَّ الصَّمَدَ بِهَذا التَّفْسِيرِ صِفَةُ الأجْسامِ المُتَضاغِطَةِ وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإذَنْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى مَجازِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ عَدِيمَ الِانْفِعالِ والتَّأثُّرِ عَنِ الغَيْرِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ واجِبًا لِذاتِهِ مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ في وُجُودِهِ وبَقائِهِ وجَمِيعِ صِفاتِهِ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِالبَحْثِ اللُّغَوِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ.
وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ نُقِلَ عَنْهم وُجُوهٌ، بَعْضُها يَلِيقُ بِالوَجْهِ الأوَّلِ وهو كَوْنُهُ تَعالى سَيِّدًا مَرْجُوعًا إلَيْهِ في دَفْعِ الحاجاتِ، وهو إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، وبَعْضُها بِالوَجْهِ الثّانِي وهو كَوْنُهُ تَعالى واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ فِيهِما وهو إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، وتارَةً يُفَسِّرُونَ الصَّمَدَ بِما يَكُونُ جامِعًا لِلْوَجْهَيْنِ.
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: الصَّمَدُ هو العالِمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لِأنَّ كَوْنَهُ سَيِّدًا مَرْجُوعًا إلَيْهِ في قَضاءِ الحاجاتِ لا يَتِمُّ إلّا بِذَلِكَ.
الثّانِي: الصَّمَدُ هو الحَلِيمُ لِأنَّ كَوْنَهُ سَيِّدًا يَقْتَضِي الحِلْمَ والكَرَمَ.
الثّالِثُ: وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والضَّحّاكِ: الصَّمَدُ هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهى سُؤْدُدُهُ.
الرّابِعُ: قالَ الأصَمُّ: الصَّمَدُ هو الخالِقُ لِلْأشْياءِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ سَيِّدًا يَقْتَضِي ذَلِكَ.
الخامِسُ: قالَ السُّدِّيُّ: الصَّمَدُ هو المَقْصُودُ في الرَّغائِبِ، المُسْتَغاثُ بِهِ عِنْدَ المَصائِبِ.
السّادِسُ: قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ البَجَلِيُّ: الصَّمَدُ هو الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا رادَّ لِقَضائِهِ.
السّابِعُ: أنَّهُ السَّيِّدُ المُعَظَّمُ.
الثّامِنُ: أنَّهُ
صفحة ١٦٧
الفَرْدُ الماجِدُ لا يُقْضى في أمْرٍ دُونَهُ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو الإشارَةُ إلى الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: الصَّمَدُ هو الغَنِيُّ عَلى ما قالَ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤] .
الثّانِي: الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ولا يَخافُ مَن فَوْقَهُ، ولا يَرْجُو مَن دُونَهُ تُرْفَعُ الحَوائِجُ إلَيْهِ.
الثّالِثُ: قالَ قَتادَةُ: لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] .
الرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] .
الخامِسُ: قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الزَّوالُ كانَ ولا مَكانَ، ولا أيْنَ ولا أوانَ، ولا عَرْشَ ولا كُرْسِيَّ، ولا جِنِّيَّ ولا إنْسِيَّ وهو الآنَ كَما كانَ.
السّادِسُ: قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: الَّذِي لا يَمُوتُ ولا يُورَثُ ولَهُ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ.
السّابِعُ: قالَ يَمانٌ وأبُو مالِكٍ: الَّذِي لا يَنامُ ولا يَسْهُو.
الثّامِنُ: قالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو الَّذِي لا يُوصَفُ بِصِفَةِ أحَدٍ.
التّاسِعُ: قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هو الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ.
العاشِرُ: قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو الَّذِي لا تَعْتَرِيهِ الآفاتُ.
الحادِيَ عَشَرَ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ، وفي جَمِيعِ أفْعالِهِ.
الثّانِيَ عَشَرَ: قالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: إنَّهُ الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ.
الثّالِثَ عَشَرَ: قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: إنَّهُ المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ.
الرّابِعَ عَشَرَ: قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: إنَّهُ الَّذِي أيِسَ الخَلائِقُ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى كَيْفِيَّتِهِ.
الخامِسَ عَشَرَ: هو الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ.
السّادِسَ عَشَرَ: قالَ أبُو العالِيَةِ ومُحَمَّدٌ القُرَظِيُّ: هو الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إلّا سَيُورَثُ، ولا شَيْءٌ يُولَدُ إلّا وسَيَمُوتُ.
السّابِعَ عَشَرَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ الكَبِيرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ.
الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّهُ المُنَزَّهُ عَنْ قَبُولِ النُّقْصاناتِ والزِّياداتِ، وعَنْ أنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لِلتَّغَيُّراتِ والتَّبَدُّلاتِ، وعَنْ إحاطَةِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والآناتِ والجِهاتِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الصَّمَدِ عَلى الكُلِّ وهو مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّهُ بِحَسَبِ دَلالَتِهِ عَلى الوُجُوبِ الذّاتِيِّ يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ السُّلُوبِ، وبِحَسَبِ دَلالَتِهِ عَلى كَوْنِهِ مَبْدَأً لِلْكُلِّ يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ النُّعُوتِ الإلَهِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ في الوُجُودِ صَمَدٌ سِوى اللَّهِ، وإذا كانَ الصَّمَدُ مُفَسَّرًا بِالمَصْمُودِ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، أوْ بِما لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ في ذاتِهِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ في الوُجُودِ مَوْجُودٌ هَكَذا سِوى اللَّهِ تَعالى.
فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ سِوى الواحِدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ واحِدًا، بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ في ذاتِهِ تَرْكِيبٌ ولا تَأْلِيفٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ واحِدًا، بِمَعْنى نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ والأضْدادِ. وبَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ جاءَ أحَدٌ مُنَكَّرًا، وجاءَ الصَّمَدُ مُعَرَّفًا ؟ الجَوابُ: الغالِبُ عَلى أكْثَرِ أوْهامِ الخَلْقِ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مَحْسُوسٌ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَحْسُوسٍ فَهو مُنْقَسِمٌ، فَإذًا ما لا يَكُونُ مُنْقَسِمًا لا يَكُونُ خاطِرًا بِبالِ أكْثَرِ الخَلْقِ، وأمّا الصَّمَدُ فَهو الَّذِي يَكُونُ مَصْمُودًا إلَيْهِ في الحَوائِجِ، وهَذا كانَ مَعْلُومًا لِلْعَرَبِ بَلْ لِأكْثَرِ الخَلْقِ عَلى ما قالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وإذا كانَتِ الأحَدِيَّةُ مَجْهُولَةً مُسْتَنْكَرَةً عِنْدَ أكْثَرِ الخَلْقِ، وكانَتِ الصَّمَدِيَّةُ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ عِنْدَ جُمْهُورِ الخَلْقِ، لا جَرَمَ جاءَ لَفْظُ أحَدٍ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ ولَفْظُ الصَّمَدِ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيفِ.
صفحة ١٦٨
السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ لَفْظَةِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ؟ .
الجَوابُ: لَوْ لَمْ تُكَرَّرْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَوَجَبَ في لَفْظِ (أحَدٌ وصَمَدٌ) أنْ يَرِدا إمّا نَكِرَتَيْنِ أوْ مَعْرِفَتَيْنِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَلا جَرَمَ كُرِّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ حَتّى يُذْكَرَ لَفْظُ أحَدٍ مُنَكَّرًا ولَفْظُ الصَّمَدِ مُعَرَّفًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ فِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قُدِّمَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ مَعَ أنَّ في الشّاهِدِ يَكُونُ أوَّلًا مَوْلُودًا، ثُمَّ يَكُونُ والِدًا ؟ الجَوابُ: إنَّما وقَعَتِ البَداءَةُ بِأنَّهُ لَمْ يَلِدْ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لَهُ ولَدًا، وذَلِكَ لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، ولَمْ يَدَّعِ أحَدٌ أنَّ لَهُ والِدًا فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِالأهَمِّ فَقالَ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ثُمَّ أشارَ إلى الحُجَّةِ فَقالَ: ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِ الوَلَدِيَّةِ اتِّفاقُنا عَلى أنَّهُ ما كانَ ولَدًا لِغَيْرِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِماذا اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الماضِي فَقالَ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَنْ يَلِدَ ؟
الجَوابُ: إنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ ورَدَ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ولَدَ اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١] فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَكْذِيبَ قَوْلِهِمْ وهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ في الماضِي، لا جَرَمَ ورَدَتِ الآيَةُ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ هَهُنا: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وقالَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] ؟
الجَوابُ: أنَّ الوَلَدَ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُ مِثْلُهُ وهَذا هو الوَلَدُ الحَقِيقِيُّ.
والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ مُتَوَلِّدًا مِنهُ ولَكِنَّهُ يَتَّخِذُهُ ولَدًا ويُسَمِّيهِ هَذا الِاسْمَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ولَدًا لَهُ في الحَقِيقَةِ، والنَّصارى فَرِيقانِ: مِنهم مَن قالَ: عِيسى ولَدُ اللَّهِ حَقِيقَةً، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ ولَدًا تَشْرِيفًا لَهُ، كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا تَشْرِيفًا لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الوالِدِ في الحَقِيقَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ القِسْمِ الثّانِي، ولِهَذا قالَ: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَتَّخِذُ ولَدًا لِيَكُونَ ناصِرًا ومُعِينًا لَهُ عَلى الأمْرِ المَطْلُوبِ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨] وإشارَةٌ إلى ما ذَكَرْنا أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ الحاجَةِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: نَفْيُ كَوْنِهِ تَعالى والِدًا ومَوْلُودًا، هَلْ يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ بِالسَّمْعِ أمْ لا، وإنْ كانَ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِ هَهُنا ؟ الجَوابُ: نَفِيُ كَوْنِهِ تَعالى والِدًا مُسْتَفادٌ مِنَ العِلْمِ بِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا مُتَبَعِّضٍ ولا مُنْقَسِمٍ، ونَفْيُ كَوْنِهِ تَعالى مَوْلُودًا مُسْتَفادٌ مِنَ العِلْمِ بِأنَّهُ تَعالى قَدِيمٌ، والعِلْمُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ مُتَقَدِّمٌ عَلى العِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونا مُسْتَفادَيْنِ مِنَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَلَمّا لَمْ يَكُنِ اسْتِفادَتُهُما مِنَ السَّمْعِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِما في هَذِهِ السُّورَةِ ؟
قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ أحَدًا كَوْنُهُ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ وماهِيَّتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ أنْحاءِ التَّراكِيبِ، وكَوْنُهُ تَعالى صَمَدًا مَعْناهُ كَوْنُهُ واجِبًا لِذاتِهِ مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ في ذاتِهِ وجَمِيعِ صِفاتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالأحَدِيَّةُ والصَّمَدِيَّةُ يُوجِبانِ نَفْيَ الوَلَدِيَّةِ
صفحة ١٦٩
والمَوْلُودِيَّةِ، فَلَمّا ذَكَرَ السَّبَبَ المُوجِبَ لِانْتِفاءِ الوالِدِيَّةِ والمَوْلُودِيَّةِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ، فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِما تَنْبِيهُ اللَّهِ تَعالى عَلى الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى انْتِفائِهِما.
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ فائِدَةٌ أزْيَدُ مِن نَفِيِ الوَلَدِيَّةِ ونَفِيِ المَوْلُودِيَّةِ ؟ قُلْنا: فِيهِ فَوائِدُ كَثِيرَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: (اللَّهُ أحَدٌ) إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى في ذاتِهِ وماهِيَّتِهِ مُنَزَّهًا عَنِ التَّرْكِيبِ، وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الأضْدادِ والأنْدادِ والشُّرَكاءِ والأمْثالِ، وهَذانَ المَقامانِ الشَّرِيفانِ مِمّا حَصَلَ الِاتِّفاقُ فِيهِما بَيْنَ أرْبابِ المِلَلِ والأدْيانِ، وبَيْنَ الفَلاسِفَةِ، إلّا أنَّ مِن بَعْدِ هَذا المَوْضِعِ حَصَلَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ أرْبابِ المِلَلِ وبَيْنَ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّ الفَلاسِفَةَ قالُوا: إنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْ واجِبِ الوُجُودِ عَقْلٌ، وعَنِ العَقْلِ عَقْلٌ آخَرُ ونَفْسٌ وفَلَكٌ، وهَكَذا عَلى هَذا التَّرْتِيبِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى العَقْلِ الَّذِي هو مُدَبِّرٌ ما تَحْتَ كُرَةِ القَمَرِ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ واجِبُ الوُجُودِ قَدْ ولَدَ العَقْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو تَحْتَهُ، ويَكُونُ العَقْلُ الَّذِي هو مُدَبِّرٌ لِعالَمِنا هَذا كالمَوْلُودِ مِنَ العُقُولِ الَّتِي فَوْقَهُ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفى الوالِدِيَّةَ أوَّلًا، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَلِدِ العُقُولَ والنُّفُوسَ، ثُمَّ قالَ: والشَّيْءُ الَّذِي هو مُدَبِّرُ أجْسادِكم وأرْواحِكم وعالَمِكم هَذا لَيْسَ مَوْلُودًا مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَلا والِدَ ولا مَوْلُودَ ولا مُؤَثِّرَ إلّا الواحِدُ الَّذِي هو الحَقُّ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ فِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الكَلامُ العَرَبِيُّ الفَصِيحُ أنْ يُؤَخَّرَ الظَّرْفُ الَّذِي هو لَغْوٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ولا يُقَدَّمَ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ، فَما بالُهُ ورَدَ مُقَدَّمًا في أفْصَحِ الكَلامِ ؟ والجَوابُ: هَذا الكَلامُ إنَّما سِيقَ لِنَفْيِ المُكافَأةِ عَنْ ذاتِ اللَّهِ، واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى هَذا المَعْنى هو هَذا الظَّرْفُ، وتَقْدِيمُ الأهَمِّ أوْلى، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ هَذا الظَّرْفُ مُسْتَحِقًّا لِلتَّقْدِيمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ القِراءَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟
الجَوابُ: قُرِئَ: (كُفُوًا) بِضَمِّ الكافِ والفاءِ وبِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ الفاءِ، والأصْلُ هو الضَّمُّ ثُمَّ يُخَفَّفُ مِثْلُ طُنُبٍ وطُنْبٍ وعُنُقٍ وعُنْقٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ كُفُوٌ وكُفْءٌ وكِفاءٌ كُلُّهُ بِمَعْنى واحِدٍ وهو المِثْلُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ أقاوِيلُ:
أحَدُها: قالَ كَعْبٌ وعَطاءٌ: لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ ولا عَدِيلٌ، ومِنهُ المُكافَأةُ في الجَزاءِ لِأنَّهُ يُعْطِيهِ ما يُساوِي ما أعْطاهُ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُؤًا لَهُ فَيُصاهِرَهُ، رَدًّا عَلى مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] فَتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ .
وثالِثُها: وهو التَّحْقِيقُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ هو المَصْمُودُ إلَيْهِ في قَضاءِ الحَوائِجِ ونَفْيِ الوَسائِطِ مِنَ البَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَحِينَئِذٍ خَتَمَ السُّورَةَ بِأنَّ شَيْئًا مِنَ المَوْجُوداتِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لَهُ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، أمّا الوُجُودُ فَلا مُساواةَ فِيهِ لِأنَّ وجُودَهُ مِن مُقْتَضَياتِ حَقِيقَتِهِ فَإنَّ حَقِيقَتَهُ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلْعَدَمِ مِن حَيْثُ هي هي، وأمّا سائِرُ الحَقائِقِ، فَإنَّها قابِلَةٌ لِلْعَدَمِ، وأمّا العِلْمُ فَلا مُساواةَ فِيهِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ ولا بِاسْتِدْلالِيٍّ ولا مُسْتَفادٍ مِنَ الحِسِّ ولا مِنَ الرُّؤْيَةِ ولا يَكُونُ في مَعْرِضِ الغَلَطِ والزَّلَلِ وعُلُومُ المُحْدَثاتِ كَذَلِكَ، وأمّا القُدْرَةُ فَلا مُساواةَ فِيها وكَذا الرَّحْمَةُ والجُودُ والعَدْلُ والفَضْلُ وْالإحْسانُ، واعْلَمْ أنَّ
صفحة ١٧٠
هَذِهِ السُّورَةَ أرْبَعُ آياتٍ، وفي تَرْتِيبِها أنْواعٌ مِنَ الفَوائِدِ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ واحِدٌ، والصَّمَدُ عَلى أنَّهُ كَرِيمٌ رَحِيمٌ؛ لِأنَّهُ لا يُصْمَدُ إلَيْهِ حَتّى يَكُونَ مُحْسِنًا و﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ ومُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّراتِ فَلا يَبْخَلُ بِشَيْءٍ أصْلًا، ولا يَكُونُ جُودُهُ لِأجْلِ جَرِّ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، بَلْ بِمَحْضِ الإحْسانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: نَفى اللَّهُ تَعالى عَنْ ذاتِهِ أنْواعَ الكَثْرَةِ بِقَوْلِهِ: (أحَدٌ) ونَفى النَّقْصَ والمَغْلُوبِيَّةَ بِلَفْظِ الصَّمَدِ، ونَفى المَعْلُولِيَّةَ والعِلِّيَّةَ بِ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾، ونَفى الأضْدادَ والأنْدادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ .
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (أحَدٌ) يُبْطِلُ مَذْهَبَ الثَّنَوِيَّةِ القائِلِينَ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ، والنَّصارى في التَّثْلِيثِ، والصّابِئِينَ في الأفْلاكِ والنُّجُومِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ تُبْطِلُ مَذْهَبَ مَن أثْبَتَ خالِقًا سِوى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ خالِقٌ آخَرُ لَما كانَ الحَقُّ مَصْمُودًا إلَيْهِ في طَلَبِ جَمِيعِ الحاجاتِ، والثّالِثَةُ تُبْطِلُ مَذْهَبَ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، والنَّصارى في المَسِيحِ، والمُشْرِكِينَ في أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والآيَةُ الرّابِعَةُ تُبْطِلُ مَذْهَبَ المُشْرِكِينَ حَيْثُ جَعَلُوا الأصْنامَ أكْفاءً لَهُ وشُرَكاءً.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ في حَقِّ اللَّهِ مِثْلُ سُورَةِ الكَوْثَرِ في حَقِّ الرَّسُولِ، لَكِنَّ الطَّعْنَ في حَقِّ الرَّسُولِ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا: إنَّهُ أبْتَرُ لا ولَدَ لَهُ، وهَهُنا الطَّعْنُ بِسَبَبِ أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا، وذَلِكَ لِأنَّ عَدَمَ الوَلَدِ في حَقِّ الإنْسانِ عَيْبٌ، ووُجُودَ الوَلَدِ عَيْبٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ هَهُنا: (قُلْ) حَتّى تَكُونَ ذابّا عَنِّي، وفي سُورَةِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ﴾ أنا أقُولُ ذَلِكَ الكَلامَ حَتّى أكُونَ أنا ذابّا عَنْكَ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
* * *
صفحة ١٧١
(مُقَدِّمَةٌ) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَبْلَ الخَوْضِ في التَّفْسِيرِ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ فَصْلَيْنِ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: سَمِعْتُ بَعْضَ العارِفِينَ فَسَّرَ هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى وجْهٍ عَجِيبٍ، فَقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ أمْرَ الإلَهِيَّةِ في سُورَةِ الإخْلاصِ ذَكَرَ هَذِهِ السُّورَةَ عَقِيبَها في شَرْحِ مَراتِبِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ فَقالَ أوَّلًا: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ ظُلُماتِ العَدَمِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والحَقُّ سُبْحانَهُ هو الَّذِي فَلَقَ تِلْكَ الظُّلُماتِ بِنُورِ التَّكْوِينِ والإيجادِ والإبْداعِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مِن شَرِّ ما خَلَقَ﴾ والوَجْهُ فِيهِ أنَّ عالَمَ المُمْكِناتِ عَلى قِسْمَيْنِ؛ عالَمُ الأمْرِ وعالَمُ الخَلْقِ عَلى ما قالَ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وعالَمُ الأمْرِ كُلُّهُ خَيْراتٌ مَحْضَةٌ بَرِيئَةٌ عَنِ الشُّرُورِ والآفاتِ، أمّا عالَمُ الخَلْقِ وهو عالَمُ الأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ، فالشَّرُّ لا يَحْصُلُ إلّا فِيهِ، وإنَّما سُمِّيَ عالَمُ الأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ بِعالَمِ الخَلْقِ، لِأنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ، والمِقْدارُ مِن لَواحِقِ الجِسْمِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لا جَرَمَ قالَ: أعُوذُ بِالرَّبِّ الَّذِي فَلَقَ ظُلُماتِ بَحْرِ العَدَمِ بِنُورِ الإيجادِ والإبْداعِ مِنَ الشُّرُورِ الواقِعَةِ في عالَمِ الخَلْقِ وهو عالَمُ الأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ الأجْسامَ، إمّا أثَرِيَّةٌ أوْ عُنْصُرِيَّةٌ والأجْسامُ الأثَرِيَّةٌ خَيْراتٌ؛ لِأنَّها بَرِيئَةٌ عَنِ الِاخْتِلالِ والفُطُورِ، عَلى ما قالَ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] وأمّا العُنْصُرِيّاتُ فَهي إمّا جَمادٌ أوْ نَباتٌ أوْ حَيَوانٌ، أمّا الجَماداتُ فَهي خالِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ، فالظُّلْمَةُ فِيها خالِصَةٌ والأنْوارُ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ زائِلَةٌ، وهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾ وأمّا النَّباتُ فالقُوَّةُ العادِيَّةُ النَّباتِيَّةُ هي الَّتِي تَزِيدُ في الطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ مَعًا، فَهَذِهِ النَّباتِيَّةُ كَأنَّها تَنْفُثُ في العُقَدِ الثَّلاثَةِ، وأمّا الحَيَوانُ فالقُوى الحَيَوانِيَّةُ هي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ والحَواسُّ الباطِنِيَّةُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ وكُلُّها تَمْنَعُ الرُّوحَ الإنْسانِيَّةَ عَنِ الِانْصِبابِ إلى عالَمِ الغَيْبِ، والِاشْتِغالِ بِقُدْسِ جَلالِ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ السُّفْلِيّاتِ بَعْدَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ سِوى النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، وهي المُسْتَعِيذَةُ، فَلا تَكُونُ مُسْتَعاذًا مِنها، فَلا جَرَمَ قَطَعَ هَذِهِ السُّورَةَ وذَكَرَ بَعْدَها في سُورَةِ النّاسِ مَراتِبَ دَرَجاتِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ في التَّرَقِّي، وذَلِكَ لِأنَّها بِأصْلِ فِطْرَتِها مُسْتَعِدَّةٌ لِأنْ تَنْتَقِشَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتِهِ إلّا أنَّها تَكُونُ أوَّلَ الأمْرِ خالِيَةً عَنْ هَذِهِ المَعارِفِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ مِنَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ يَحْصُلُ فِيها عُلُومٌ أوَّلِيَّةٌ بَدِيهِيَّةٌ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِها إلى اسْتِعْلامِ المَجْهُولاتِ الفِكْرِيَّةِ، ثُمَّ في آخِرِ تِلْكَ المَجْهُولاتِ الفِكْرِيَّةِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى مِن مَراتِبِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ وهي حالُ كَوْنِها خالِيَةً مِن جَمِيعِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ والكَسْبِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّفْسَ في تِلْكَ المَرْتَبَةِ تَحْتاجُ إلى مُرَبٍّ يُرَبِّيها ويُزَيِّنُها بِتِلْكَ المَعارِفِ البَدِيهِيَّةِ، ثُمَّ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ وهي عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ يَحْصُلُ لَها مَلَكَةٌ مِنَ الِانْتِقالِ مِنها إلى اسْتِعْلامِ العُلُومِ الفِكْرِيَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ٢] ثُمَّ في المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ وهي عِنْدَ خُرُوجِ تِلْكَ العُلُومِ الفِكْرِيَّةِ مِنَ القَوْلِ إلى الفِعْلِ يَحْصُلُ الكَمالُ
صفحة ١٧٢
التّامُّ لِلنَّفْسِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ [الناس: ٣] فَكَأنَّ الحَقَّ يُسَمِّي نَفْسَهُ بِحَسَبِ كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِما يَلِيقُ بِتِلْكَ المَرْتَبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ [الناس: ٤] والمُرادُ مِنهُ القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ، والسَّبَبُ في إطْلاقِ اسْمِ الخَنّاسِ عَلى الوَهْمِ أنَّ العَقْلَ والوَهْمَ، قَدْ يَتَساعَدانِ عَلى تَسْلِيمِ بَعْضِ المُقَدِّماتِ، ثُمَّ إذا آلَ الأمْرُ إلى النَّتِيجَةِ فالعَقْلُ يُساعِدُ عَلى النَّتِيجَةِ والوَهْمُ يَخْنَسُ، ويَرْجِعُ ويَمْتَنِعُ عَنْ تَسْلِيمِ النَّتِيجَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُسَمّى الوَهْمُ: بِالخَنّاسِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ ضَرَرَ هَذا الخَنّاسِ عَظِيمٌ عَلى العَقْلِ، وأنَّهُ قَلَّما يَنْفَكُّ أحَدٌ عَنْهُ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَراتِبَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ ونَبَّهَ عَلى عَدُوِّها ونَبَّهَ عَلى ما بِهِ يَقَعُ الِامْتِيازُ بَيْنَ العَقْلِ وبَيْنَ الوَهْمِ، وهُناكَ آخِرُ دَرَجاتِ مَراتِبِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ خَتْمُ الكِتابِ الكَرِيمِ والفُرْقانِ العَظِيمِ عَلَيْهِ.
الفَصْلُ الثّانِي: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: «رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتاهُ وقالَ: إنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ يَكِيدُكَ، فَقالَ إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ السُّورَتَيْنِ» . .
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُما عَلَيْهِ لِيَكُونا رُقْيَةً مِنَ العَيْنِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: تَعالَوْا نَتَجَوَّعُ فَنَعِينُ مُحَمَّدًا فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْهُ وقالُوا ما أشَدَّ عَضُدَكَ، وأقْوى ظَهْرَكَ وأنْضَرَ وجْهَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المُعَوِّذَتَيْنِ.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، «أنَّ لَبِيدَ بْنَ أعْصَمَ اليَهُودِيَّ سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ في إحْدى عَشْرَةَ عُقْدَةً وفي وتَرٍ دَسَّهُ في بِئْرٍ يُقالُ لَها ذِرْوانُ فَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، واشْتَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ فَنَزَلَتِ المُعَوِّذَتانِ لِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِمَوْضِعِ السِّحْرِ فَأرْسَلَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ وطَلْحَةَ وجاءا بِهِ، وقالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ حِلَّ عُقْدَةً، واقْرَأْ آيَةً فَفَعَلَ وكانَ كُلَّما قَرَأ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَكانَ يَجِدُ بَعْضَ الخِفَّةِ والرّاحَةِ» .
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ أنْكَرُوا ذَلِكَ بِأسْرِهِمْ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الرِّوايَةُ باطِلَةٌ، وكَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِصِحَّتِها، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ ؟ [المائدة: ٦٧] وقالَ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] ولِأنَّ تَجْوِيزَهُ يُفْضِي إلى القَدْحِ في النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَصِلُوا إلى الضَّرَرِ لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، ولَقَدَرُوا عَلى تَحْصِيلِ المُلْكِ العَظِيمِ لِأنْفُسِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ، ولِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يُعَيِّرُونَهُ بِأنَّهُ مَسْحُورٌ، فَلَوْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ لَكانَ الكُفّارُ صادِقِينَ في تِلْكَ الدَّعْوَةِ، ولَحَصَلَ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ العَيْبُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. قالَ الأصْحابُ: هَذِهِ القِصَّةُ قَدْ صَحَّتْ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ النَّقْلِ، والوُجُوهُ المَذْكُورَةُ قَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ البَقَرَةِ أمّا قَوْلُهُ: الكُفّارُ كانُوا يَعِيبُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ مَسْحُورٌ، فَلَوْ وقَعَ ذَلِكَ لَكانَ الكُفّارُ صادِقِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ.
فَجَوابُهُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُرِيدُونَ بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا أنَّهُ مَجْنُونٌ أُزِيلَ عَقْلُهُ بِواسِطَةِ السِّحْرِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ دِينَهم، فَأمّا أنْ يَكُونَ مَسْحُورًا بِألَمٍ يَجِدُهُ في بَدَنِهِ فَذَلِكَ مِمّا لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ، وبِالجُمْلَةِ فاللَّهُ تَعالى ما كانَ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ لا شَيْطانًا ولا إنْسِيًّا ولا جِنِّيًّا يُؤْذِيهِ في دِينِهِ وشَرْعِهِ ونَبُوَّتِهِ، فَأمّا في الإضْرارِ بِبَدَنِهِ فَلا يَبْعُدُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии