Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Ар-Рад 13:6–10
13:6Страница 250
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٦
Они торопят тебя со злом прежде добра, но ведь до них уже были примеры поучительного наказания. Воистину, твой Господь прощает людей, несмотря на их несправедливость. Воистину, твой Господь суров в наказании.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ .
صفحة ١٠
اعْلَمْ أنَّهُ ﷺ كانَ يُهَدِّدُهم تارَةً بِعَذابِ القِيامَةِ وتارَةً بِعَذابِ الدُّنْيا، والقَوْمُ كُلَّما هَدَّدَهم بِعَذابِ القِيامَةِ أنْكَرُوا القِيامَةَ والبَعْثَ والحَشْرَ والنَّشْرَ، وهو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الآيَةِ الأُولى، وكُلَّما هَدَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا قالُوا لَهُ: فَجِئْنا بِهَذا العَذابِ؛ وطَلَبُوا مِنهُ إظْهارَهُ وإنْزالَهُ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ فِيهِ، وإظْهارِ أنَّ الَّذِي يَقُولُهُ كَلامٌ لا أصْلَ لَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ الرَّسُولَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ هاهُنا: نُزُولُ العَذابِ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٢] وإنَّما قالُوا ذَلِكَ طَعْنًا مِنهم فِيما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ، وكانَ ﷺ يَعِدُهم عَلى الإيمانِ بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ وبِحُصُولِ النَّصْرِ والظَّفَرِ في الدُّنْيا، فالقَوْمُ طَلَبُوا مِنهُ نُزُولَ العَذابِ ولَمْ يَطْلُبُوا مِنهُ حُصُولَ النَّصْرِ والظَّفَرِ، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ ومِنهم مَن فَسَّرَ الحَسَنَةَ هاهُنا بِالإمْهالِ والتَّأْخِيرِ، وإنَّما سَمَّوُا العَذابَ سَيِّئَةً؛ لِأنَّهُ يَسُوءُهم ويُؤْذِيهِمْ.
أما قوله: ﴿وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ: العُقُوبَةُ مَثُلَةٌ ومَثْلَةٌ مِثْلَ صَدُقَةٍ وصَدْقَةٍ، فالأُولى لُغَةُ الحِجازِ، والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ، فَمَن قالَ: مَثُلَةٌ فَجَمْعُهُ مَثُلاتٌ، ومَن قالَ مَثْلَةٌ فَجَمْعُهُ مَثْلاتٌ ومُثْلاثٌ بِإسْكانِ الثّاءِ. هَكَذا حَكاهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُثْلَةُ العُقُوبَةُ المُبَيِّنَةُ في المُعاقَبِ شَيْئًا، وهو تَغْيِيرٌ تَبْقى الصُّورَةُ مَعَهُ قَبِيحَةً، وهو مِن قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا قَبَّحَ صُورَتَهُ؛ إمّا بِقَطْعِ أُذُنِهِ أوْ أنْفِهِ أوْ سَمْلِ عَيْنَيْهِ أوْ بَقْرِ بَطْنِهِ، فَهَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ يُقالُ لِلْعارِ الباقِي والخِزْيِ اللّازِمِ مُثْلَةٌ.
قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا الحَرْفِ مِنَ المِثْلِ الَّذِي هو الشَّبَهُ، ولَمّا كانَ الأصْلُ أنْ يَكُونَ العِقابُ مُشابِهًا لِلْمُعاقَبِ ومُماثِلًا لَهُ، لا جَرَمَ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ [المُثُلاتُ] بِضَمَّتَيْنِ لِإتْباعِ الفاءِ العَيْنَ، [والمَثْلاتُ] بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ، كَما يُقالُ: السَّمُرَةُ، والمُثْلاتُ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ تَخْفِيفُ المُثُلاتِ بِضَمَّتَيْنِ، والمُثْلاتٌ جَمْعُ مُثْلَةٍ كَرُكْبَةٍ ورُكْباتٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ: ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ الَّذِي لَمْ نُعاجِلْهم بِهِ، وقَدْ عَلِمُوا ما نَزَلَ مِن عُقُوباتِنا بِالأُمَمِ الخالِيَةِ فَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِها، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَرْدَعَهم خَوْفُ ذَلِكَ عَنِ الكُفْرِ اعْتِبارًا بِحالِ مَن سَلَفَ.
أما قوله: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أيْ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالظُّلْمِ كَما أنَّهُ يُقالُ: رَأيْتُ الأمِيرَ عَلى أكْلِهِ أيْ حالَ اشْتِغالِهِ بِالأكْلِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى غافِرًا لِلنّاسِ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالظُّلْمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ حالَ اشْتِغالِ الإنْسانِ بِالظُّلْمِ لا يَكُونُ تائِبًا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَغْفِرُ الذَّنْبَ قَبْلَ الِاشْتِغالِ بِالتَّوْبَةِ. ثُمَّ نَقُولُ: تُرِكَ العَمَلُ بِهَذا الدَّلِيلِ في حَقِّ أهْلِ الكُفْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ أهْلِ الكَبِيرَةِ وهو المَطْلُوبُ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ بَلْ ذَكَرَ مَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ الأوَّلُ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ، وأنْ يُحْمَلَ الثّانِي عَلى أحْوالِ الكُفّارِ.
صفحة ١١
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَذُو مَغْفِرَةٍ لِأهْلِ الصَّغائِرِ لِأجْلِ أنَّ عُقُوبَتَهم مُكَفِّرَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ إذا تابُوا، وإنَّهُ تَعالى إنَّما لا يُعَجِّلُ العِقابَ إمْهالًا لَهم في الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، فَإنْ تابُوا فَهو ذُو مَغْفِرَةٍ لَهم ويَكُونُ مِن هَذِهِ المَغْفِرَةِ تَأْخِيرُ العِقابِ إلى الآخِرَةِ، بَلْ نَقُولُ: يَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا تَعْجِيلَ العِقابِ، فالجَوابُ المَذْكُورُ فِيهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى تَأْخِيرِ العِقابِ حَتّى يَنْطَبِقَ الجَوابُ عَلى السُّؤالِ ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ، أنَّهُ تَعالى إنَّما لا يُعَجِّلُ العُقُوبَةَ إمْهالًا لَهم في الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، فَإنْ تابُوا فَهو ذُو مَغْفِرَةٍ، وإنْ عَظُمَ ظُلْمُهم ولَمْ يَتُوبُوا فَهو شَدِيدُ العِقابِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ تَأْخِيرَ العِقابِ لا يُسَمّى مَغْفِرَةً، وإلّا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: الكُفّارُ كُلُّهم مَغْفُورٌ لَهم لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَّرَ عِقابَهم إلى الآخِرَةِ، وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِهَذا والتَّمَدُّحُ إنَّما يَحْصُلُ بِالتَّفَضُّلِ، أمّا بِأداءِ الواجِبِ فَلا تَمَدُّحَ فِيهِ؛ وعِنْدَكم يَجِبُ غُفْرانُ الصَّغائِرِ. وعَنِ الثّالِثِ: أنّا بَيَّنّا أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ المَغْفِرَةِ حالَ الظُّلْمِ، وبَيَّنّا أنَّ حالَ حُصُولِ الظُّلْمِ يَمْنَعُ حُصُولَ التَّوْبَةِ، فَسَقَطَتْ هَذِهِ الأسْئِلَةُ وصَحَّ ما ذَكَرْناهُ.
13:7Страница 250
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ ٧
Неверующие говорят: «Почему ему не ниспослано знамение от его Господа?». Воистину, ты - всего лишь предостерегающий увещеватель, и у каждого народа есть наставник.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ طَعْنِهِمْ في الحَشْرِ والنَّشْرِ أوَّلًا، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ طَعْنِهِمْ في صِحَّةِ ما يُنْذِرُهم بِهِ مِن نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ثانِيًا، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِأنْ طَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ والبَيِّنَةَ ثالِثًا، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّهم أنْكَرُوا كَوْنَ القُرْآنِ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ، وقالُوا: هَذا كِتابٌ مِثْلُ سائِرِ الكُتُبِ وإتْيانُ الإنْسانِ بِتَصْنِيفٍ مُعَيَّنٍ وكِتابٍ مُعَيَّنٍ لا يَكُونُ مُعْجِزًا البَتَّةَ، وإنَّما المُعْجِزُ ما يَكُونُ مِثْلَ مُعْجِزاتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مُعْجِزٌ في صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِوى القُرْآنِ. قالُوا: إنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَصِحُّ إذا طَعَنُوا في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، مَعَ أنَّهُ ما ظَهَرَ عَلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ لامْتَنَعَ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ لَهُ مُعْجِزٌ سِوى القُرْآنِ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لَعَلَّ المُرادَ مِنهُ طَلَبُ مُعْجِزاتٍ سِوى المُعْجِزاتِ الَّتِي شاهَدُوها مِنهُ ﷺ كَحَنِينِ الجِذْعِ ونُبُوعِ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ وإشْباعِ الخَلْقِ الكَثِيرِ مِنَ الطَّعامِ القَلِيلِ، فَطَلَبُوا مِنهُ مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً غَيْرَ هَذِهِ الأُمُورِ: مِثْلَ فَلْقِ البَحْرِ بِالعَصا، وقَلْبِ العَصا ثُعْبانًا.
فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهم وما أعْطاهُمْ؟
قُلْنا: إنَّهُ لَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَةَ الواحِدَةَ فَقَدْ تَمَّ الغَرَضُ فَيَكُونُ طَلَبُ الباقِي تَحَكُّمًا وظُهُورُ القُرْآنِ مُعْجِزَةٌ
صفحة ١٢
فَما كانَ مَعَ ذَلِكَ حاجَةٌ إلى سائِرِ المُعْجِزاتِ، وأيْضًا فَلَعَلَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهم يُصِرُّونَ عَلى العِنادِ بَعْدَ ظُهُورِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ المُلْتَمَسَةِ، وكانُوا يَصِيرُونَ حِينَئِذٍ مُسْتَوْجِبِينَ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى مَطْلُوبَهم، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنْفالِ: ٢٣] بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُعْطِهِمْ مَطْلُوبَهم لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وأيْضًا فَفَتْحُ هَذا البابِ يُفْضِي إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ. وهو أنَّهُ كُلَّما أتى بِمُعْجِزَةٍ جاءَ واحِدٌ آخَرُ، فَطَلَبَ مِنهُ مُعْجِزَةً أُخْرى، وذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنَّهُ باطِلٌ.
الوجه الثّانِي في الجَوابِ: لَعَلَّ الكُفّارَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ قَبْلَ مُشاهَدَةِ سائِرِ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى التَّنْوِينِ في قَوْلِهِ: ﴿هادٍ﴾ وحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ، واخْتَلَفُوا في الوَقْفِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: بِالوَقْفِ عَلى الياءِ، والباقُونَ: بِغَيْرِ الياءِ، وهو رِوايَةُ ابْنِ فُلَيْحٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ لِلتَّخْفِيفِ.
المسألة الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْذِرٌ لِقَوْمِهِ مُبَيِّنٌ لَهم، ولِكُلِّ قَوْمٍ مِن قَبْلِهِ هادٍ ومُنْذِرٌ وداعٍ، وأنَّهُ تَعالى سَوّى بَيْنَ الكُلِّ في إظْهارِ المُعْجِزَةِ إلّا أنَّهُ كانَ لِكُلِّ قَوْمٍ طَرِيقٌ مَخْصُوصٌ لِأجْلِهِ اسْتَحَقَّ التَّخْصِيصَ بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ المَخْصُوصَةِ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو السِّحْرَ جَعَلَ مُعْجِزَتَهُ ما هو أقْرَبُ إلى طَرِيقَتِهِمْ، ولَمّا كانَ الغالِبُ في أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الطِّبَّ، جَعَلَ مُعْجِزَتَهُ ما كانَ مِن جِنْسِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وهو إحْياءُ المَوْتى وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، ولَمّا كانَ الغالِبُ في أيّامِ الرَّسُولِ ﷺ الفَصاحَةَ والبَلاغَةَ جَعَلَ مُعْجِزَتَهُ ما كانَ لائِقًا بِذَلِكَ الزَّمانِ، وهو فَصاحَةُ القُرْآنِ، فَلَمّا كانَ العَرَبُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ مَعَ كَوْنِها ألْيَقَ بِطِباعِهِمْ، فَبِأنْ لا يُؤْمِنُوا عِنْدَ إظْهارِ سائِرِ المُعْجِزاتِ أوْلى، فَهَذا هو الَّذِي قَرَّرَهُ القاضِي، وهو الوجه الصَّحِيحُ الَّذِي يَبْقى الكَلامُ مَعَهُ مُنْتَظِمًا.
والوجه الثّانِي: وهو أنَّ المَعْنى أنَّهم لا يَجْحَدُونَ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا فَلا يَضِيقُ قَلْبُكَ بِسَبَبِهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ فَما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُنْذِرَ إلى أنْ يَحْصُلَ الإيمانُ في صُدُورِهِمْ، ولَسْتَ بِقادِرٍ عَلَيْهِمْ، ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قادِرٌ عَلى هِدايَتِهِمْ بِالتَّخْلِيقِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَكُونُ المَعْنى لَيْسَ لَكَ إلّا الإنْذارُ، وأمّا الهِدايَةُ فَمِنَ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ أهْلَ الظّاهِرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا هاهُنا أقْوالًا: الأوَّلُ: المُنْذِرُ والهادِي شَيْءٌ واحِدٌ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ مُنْذِرٌ عَلى حِدَةٍ، ومُعْجِزَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرُ مُعْجِزَةِ الآخَرِ.
الثّانِي: المُنْذِرُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والهادِي هو اللَّهُ تَعالى، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ.
والثّالِثُ: المُنْذِرُ النَّبِيُّ، والهادِي عَلِيٌّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: ”أنا المُنْذِرُ“، ثُمَّ أوْمَأ إلى مَنكِبِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ: ”أنْتَ الهادِي يا عَلِيُّ، بِكَ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ مِن بَعْدِي“» .
13:8–10Страница 250
ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ ٨
Аллаху известно, что носит каждая самка, насколько сжимается или расширяется каждая утроба. Всякая вещь у Него имеет меру.
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩
Он - Ведающий сокровенное и явное, Большой, Превознесшийся.
سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠
Скрываете вы свои речи или произносите их вслух, прячетесь вы ночью или открыто передвигаетесь днем - все вы равны перед Аллахом.
صفحة ١٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في وجْهِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم طَلَبُوا آياتٍ أُخْرى غَيْرَ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم هَلْ طَلَبُوا الآيَةَ الأُخْرى لِلِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ، أوْ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ؟ وهَلْ يَنْتَفِعُونَ بِظُهُورِ تِلْكَ الآياتِ، أوْ يَزْدادُ إصْرارُهم واسْتِكْبارُهُمْ؟ فَلَوْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ وطَلَبِ البَيانِ ومَزِيدِ الفائِدَةِ، لَأظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى وما مَنَعَهم عَنْهُ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا لِأجَلِ مَحْضِ العِنادِ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا﴾ [يُونُسَ: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ . [الأنْعامِ: ١٠٩] .
والثّانِي: أنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ وذَلِكَ لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بِسَبَبِ أنَّ أجْزاءَ أبْدانِ الحَيَواناتِ عِنْدَ تَفَرُّقِها وتَفَتُّتِها يَخْتَلِطُ بَعْضُها بِبَعْضٍ ولا يَبْقى الِامْتِيازُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما لا يُبْقِي الِامْتِيازَ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، أمّا في حَقِّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَإنَّهُ يُبْقِي تِلْكَ الأجْزاءَ بِحَيْثُ يَمْتازُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَهو تَعالى إنَّما يُنْزِلُ العَذابَ بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ كَوْنَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ ] إمّا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وإمّا أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، فالمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ؛ أهُوَ ذَكَرٌ أمْ أُنْثى، وتامٌّ أوْ ناقِصٌ، وحَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ وطَوِيلٌ أوْ قَصِيرٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الحاضِرَةِ والمُتَرَقَّبَةِ فِيهِ.
ثم قال: ﴿وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ والغَيْضُ هو النُّقْصانُ سَواءٌ كانَ لازِمًا أوْ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: غاضَ الماءُ وغِضْتُهُ أنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ [هُودٍ: ٤٤] والمُرادُ مِنَ الآيَةِ وما تَغِيضُهُ الأرْحامُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ، وقَوْلُهُ: ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيْ تَأْخُذُهُ زِيادَةً، تَقُولُ: أخَذْتُ مِنهُ حَقِّي وازْدَدْتُ مِنهُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكَهْفِ: ٢٥]
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما تَغِيضُهُ الرَّحِمُ وتَزْدادُهُ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: عَدَدُ الوَلَدِ، فَإنَّ الرَّحِمَ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلى واحِدٍ، واثْنَيْنِ، وعَلى ثَلاثَةٍ، وأرْبَعَةٍ، يُرْوى أنَّ شَرِيكًا كانَ رابِعَ أرْبَعَةٍ في بَطْنِ أُمِّهِ.
الثّانِي: الوَلَدُ قَدْ يَكُونُ مُخَدَّجًا، وقَدْ يَكُونُ تامًّا.
الثّالِثُ: مُدَّةُ وِلادَتِهِ قَدْ تَكُونُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وأزْيَدَ عَلَيْها إلى سَنَتَيْنِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وإلى أرْبَعَةٍ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وإلى خَمْسٍ عِنْدَ مالِكٍ، وقِيلَ: إنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ، وهَرِمُ بْنُ حَيّانَ بَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعَ سِنِينَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ هَرِمًا.
الرّابِعُ: الدَّمُ فَإنَّهُ تارَةً يَقِلُّ وتارَةً يَكْثُرُ.
الخامِسُ: ما يَنْقُصُ بِالسَّقْطِ مِن غَيْرِ أنْ يَتِمَّ وما يَزْدادُ بِالتَّمامِ.
السّادِسُ: ما يَنْقُصُ بِظُهُورِ دَمِ الحَيْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا سالَ الدَّمُ في وقْتِ الحَمْلِ ضَعُفَ الوَلَدُ ونَقَصَ، وبِمِقْدارِ حُصُولِ ذَلِكَ النُّقْصانِ يَزْدادُ أيّامَ الحَمْلِ، لِتَصِيرَ هَذِهِ الزِّيادَةُ جابِرَةً لِذَلِكَ النُّقْصانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُلَّما سالَ الحَيْضُ في وقْتِ
صفحة ١٤
الحَمْلِ يَوْمًا زادَ في مُدَّةِ الحَمْلِ يَوْمًا لِيَحْصُلَ بِهِ الجَبْرُ ويَعْتَدِلَ الأمْرُ.
السّابِعُ: أنَّ دَمَ الحَيْضِ فَضْلَةٌ تَجْتَمِعُ في بَطْنِ المَرْأةِ، فَإذا امْتَلَأتْ عُرُوقُها مِن تِلْكَ الفَضَلاتِ فاضَتْ وخَرَجَتْ، وسالَتْ مِن دَواخِلِ تِلْكَ العُرُوقِ، ثُمَّ إذا سالَتْ تِلْكَ المَوادُّ امْتَلَأتْ تِلْكَ العُرُوقُ مَرَّةً أُخْرى، هَذا كُلُّهُ إذا قُلْنا: إنَّ كَلِمَةَ ”ما“ مَوْصُولَةٌ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فالمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثى ويَعْلَمُ غَيْضَ الأرْحامِ وازْدِيادَها، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا مِن أوْقاتِهِ وأحْوالِهِ.
وأما قوله تَعالى: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ فَمَعْناهُ: بِقَدَرٍ واحِدٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٩] وقَوْلُهُ في أوَّلِ الفُرْقانِ: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢].
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العِنْدِيَّةِ العِلْمَ ومَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ وكَيْفِيَّتَهُ عَلى الوجه المُفَصَّلِ المُبَيَّنِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّغْيِيرِ في تِلْكَ المَعْلُوماتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العِنْدِيَّةِ أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ كُلَّ حادِثٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِمَشِيئَتِهِ الأزَلِيَّةِ وإرادَتِهِ السَّرْمَدِيَّةِ، وعِنْدَ حُكَماءِ الإسْلامِ أنَّهُ تَعالى وضَعَ أشْياءَ كُلِّيَّةً وأوْدَعَ فِيها قُوًى وخَواصَّ، وحَرَّكَها بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِن حَرَكاتِها المُقَدَّرَةِ بِالمَقادِيرِ المَخْصُوصَةِ أحْوالٌ جُزْئِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ ومُناسَباتٌ مَخْصُوصَةٌ مُقَدَّرَةٌ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ أفْعالُ العِبادِ وأحْوالُهم وخَواطِرُهم، وهو مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ.
* * *
ثم قال تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ عَلِمَ ما غابَ عَنْهُ خَلْقُهُ وما شَهِدُوهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى هَذا [الغَيْبُ] مَصْدَرٌ يُرِيدُ بِهِ الغائِبَ، [والشَّهادَةُ] أرادَ بِها الشّاهِدَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالغائِبِ والشّاهِدِ، قالَ بَعْضُهم: الغائِبُ هو المَعْلُومُ، والشّاهِدُ هو المَوْجُودُ، وقالَ آخَرُونَ: الغائِبُ ما غابَ عَنِ الحِسِّ، والشّاهِدُ ما حَضَرَ، وقالَ آخَرُونَ: الغائِبُ ما لا يَعْرِفُهُ الخَلْقُ، والشّاهِدُ ما يَعْرِفُهُ الخَلْقُ. ونَقُولُ: المَعْلُوماتُ قِسْمانِ: المَعْدُوماتُ والمَوْجُوداتُ، والمَعْدُوماتُ مِنها مَعْدُوماتٌ يَمْتَنِعُ وُجُودُها ومِنها مَعْدُوماتٌ لا يَمْتَنِعُ وُجُودُها، والمَوْجُوداتُ أيْضًا قِسْمانِ: مَوْجُوداتٌ يَمْتَنِعُ عَدَمُها، ومَوْجُوداتٌ لا يَمْتَنِعُ عَدَمُها، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ لَهُ أحْكامٌ وخَواصُّ، والكُلُّ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى، وحَكى الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ عَنْ أبِي القاسِمِ الأنْصارِيِّ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: أنَّهُ كانَ يَقُولُ: لِلَّهِ تَعالى مَعْلُوماتٌ لا نِهايَةَ لَها، ولَهُ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المَعْلُوماتِ مَعْلُوماتٌ أُخْرى لا نِهايَةَ لَها؛ لِأنَّ الجَوْهَرَ الفَرْدَ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ في أحْيازٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، ومَوْصُوفًا بِصِفاتٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، وهو تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ الأحْوالِ عَلى التَّفْصِيلِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ داخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿الكَبِيرُ﴾ وهو تَعالى يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِحَسَبِ الجُثَّةِ والحَجْمِ والمِقْدارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِحَسَبِ القُدْرَةِ والمَقادِيرِ الإلَهِيَّةِ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِأنَّهُ المُتَعالِ، وهو المُتَنَزِّهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مَوْصُوفًا بِالعِلْمِ الكامِلِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ، ومُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وعَلى الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها وعَلى العَذابِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ، وأنَّهُ إنَّما يُؤَخِّرُ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ عِنْدَ قَوْمٍ وبِحَسَبِ المَصْلَحَةِ عِنْدَ آخَرِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ [المُتَعالِي] بِإثْباتِ الياءِ في
صفحة ١٥
الوَقْفِ والوَصْلِ عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَتَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ.
* * *
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ بَيانَ كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَقالَ: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: لَفْظُ [سَواءٌ] يَطْلُبُ اثْنَيْنِ تَقُولُ: سَواءٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ سَواءً مَصْدَرٌ، والمَعْنى: ذُو سَواءٍ كَما تَقُولُ: عَدْلٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو، أيْ ذَوا عَدْلٍ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ سَواءٌ بِمَعْنى مُسْتَوٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، إلّا أنَّ سِيبَوَيْهِ يَسْتَقْبِحُ أنْ يَقُولَ: مُسْتَوٍ زَيْدٌ وعَمْرٌو؛ لِأنَّ أسْماءَ الفاعِلِينَ إذا كانَتْ نَكِراتٍ لا يُبْدَأُ بِها.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: بَلْ هَذا الوجه أوْلى لِأنَّ حَمْلَ الكَلامِ عَلَيْهِ يُغْنِي عَنِ التِزامِ الإضْمارِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ.
المسألة الثّانِيَةُ: في المُسْتَخْفِي والسّارِبِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: يُقالُ: أخْفَيْتُ الشَّيْءَ أُخْفِيهِ إخْفاءً، فَخَفِيَ واسْتَخْفى فُلانٌ مِن فُلانٍ، أيْ تَوارى واسْتَتَرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ظاهِرٌ بِالنَّهارِ في سَرْبِهِ أيْ طَرِيقِهِ. يُقالُ: خَلا لَهُ سَرْبُهُ، أيْ طَرِيقُهُ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ سَرَبَتِ الإبِلُ تَسْرُبُ سَرَبًا، أيْ مَضَتْ في الأرْضِ ظاهِرَةً حَيْثُ شاءَتْ، فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَمَعْنى الآيَةِ: سَواءٌ كانَ الإنْسانُ مُسْتَخْفِيًا في الظُّلُماتِ أوْ كانَ ظاهِرًا في الطُّرُقاتِ، فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى مُحِيطٌ بِالكُلِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: سَواءٌ ما أضْمَرَتْهُ القُلُوبُ وأظْهَرَتْهُ الألْسِنَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَواءٌ مَن يُقْدِمُ عَلى القَبائِحِ في ظُلُماتِ اللَّيالِي، ومَن يَأْتِي بِها في النَّهارِ الظّاهِرِ عَلى سَبِيلِ التَّوالِي.
والقَوْلُ الثّانِي: نَقَلَهُ الواحِدِيُّ عَنِ الأخْفَشِ وقُطْرُبٍ أنَّهُ قالَ: المُسْتَخْفِي الظّاهِرُ والسّارِبُ المُتَوارِي، ومِنهُ يُقالُ: خَفَيْتُ الشَّيْءَ وأخْفَيْتُهُ؛ أيْ أظْهَرْتُهُ. واخْتَفَيْتُ الشَّيْءَ اسْتَخْرَجْتُهُ، ويُسَمّى النَّبّاشُ المُسْتَخْفِي، والسّارِبُ المُتَوارِي، ومِنهُ يُقالُ لِلدّاخِلِ سَرِبًا، والسَّرَبُ الوَحْشُ إذا دَخَلَ في السِّرْبِ أيْ في كِناسِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا الوجه صَحِيحٌ في اللُّغَةِ، إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ هو الوجه الأوَّلُ لِإطْباقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ، وأيْضًا فاللَّيْلُ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِتارِ، والنَّهارُ عَلى الظُّهُورِ والِانْتِشارِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии