Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Хиджр 15:14–20
15:14–15Страница 262
وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ ١٤
И даже если бы Мы разверзли для них врата небесные, чтобы они поднялись туда,
لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ ١٥
они непременно сказали бы: «Наши взоры затуманены, а сами мы околдованы».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ هو المَذْكُورُ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنْعامِ: ٧] والحاصِلُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا نُزُولَ مَلائِكَةٍ يُصَرِّحُونَ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ في كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَعْنى لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَذا مِن بابِ السِّحْرِ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُظَنُّ أنّا نَراهم، فَنَحْنُ في الحَقِيقَةِ لا نَراهم.
والحاصِلُ: أنَّهُ لَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ في نُزُولِ المَلائِكَةِ فَلِهَذا السَّبَبِ ما أنْزَلَهم.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ مِنَ الجَماعَةِ العَظِيمَةِ أنْ يَصِيرُوا شاكِّينَ في وُجُودِ ما يُشاهِدُونَهُ بِالعَيْنِ السَّلِيمَةِ في النَّهارِ الواضِحِ، ولَوْ جازَ حُصُولُ الشَّكِّ في ذَلِكَ كانَتِ السَّفْسَطَةُ لازِمَةً، ولا يَبْقى حِينَئِذٍ اعْتِمادٌ عَلى الحِسِّ والمُشاهَدَةِ.
أجابَ القاضِي عَنْهُ: بِأنَّهُ تَعالى ما وصَفَهم بِالشَّكِّ فِيما يُبْصِرُونَ، وإنَّما وصَفَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُقْدِمَ الإنْسانُ عَلى الكَذِبِ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والمُكابَرَةِ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ وقالَ: أفَيَصِحُّ مِنَ الجَمْعِ العَظِيمِ أنْ يُظْهِرُوا الشَّكَّ في المُشاهَداتِ، وأجابَ بِأنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ إذا جَمَعَهم عَلَيْهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ مِن مُواطَأةٍ عَلى دَفْعِ حُجَّةٍ أوْ غَلَبَةِ خَصْمٍ، وأيْضًا فَهَذِهِ الحِكايَةُ إنَّما وقَعَتْ عَنْ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ إنْزالَ المَلائِكَةِ، وهَذا السُّؤالُ ما كانَ إلّا مِن رُؤَساءِ القَوْمِ، وكانُوا قَلِيلِي العَدَدِ، وإقْدامُ العَدَدِ القَلِيلِ عَلى ما يَجْرِي مَجْرى المُكابَرَةِ جائِزٌ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ يُقالُ: ظَلَّ فُلانٌ نَهارَهُ يَفْعَلُ كَذا إذا فَعَلَهُ بِالنَّهارِ ولا تَقُولُ العَرَبُ ظَلَّ يَظَلُّ إلّا لِكُلِّ عَمَلٍ عُمِلَ بِالنَّهارِ، كَما لا يَقُولُونَ باتَ يَبِيتُ إلّا بِاللَّيْلِ، والمَصْدَرُ الظُّلُولُ، وقَوْلُهُ: ﴿فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ يُقالُ: عَرَجَ يَعْرُجُ عُرُوجًا، ومِنهُ المَعارِجُ، وهي المَصاعِدُ الَّتِي يُصْعَدُ فِيها، ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ مِن صِفَةِ المُشْرِكِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ ظَلَّ المُشْرِكُونَ يَصْعَدُونَ في تِلْكَ المَعارِجِ، ويَنْظُرُونَ إلى مَلَكُوتِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ، وإلى عِبادَةِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ لَشَكُّوا في تِلْكَ الرُّؤْيَةِ، وبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ كَما جَحَدُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ مِنَ انْشِقاقِ القَمَرِ، وما خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ القُرْآنِ المُعْجِزِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الجِنُّ والإنْسُ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا العُرُوجَ لِلْمَلائِكَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَوْ جَعَلَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِحَيْثُ يَرَوْا أبْوابًا مِنَ السَّماءِ مَفْتُوحَةً، وتَصْعَدُ مِنها المَلائِكَةُ وتَنْزِلُ لَصَرَفُوا ذَلِكَ عَنْ وجْهِهِ، ولَقالُوا: إنَّ السَّحَرَةَ سَحَرُونا وجَعَلُونا
صفحة ١٣٣
بِحَيْثُ نُشاهِدُ هَذِهِ الأباطِيلَ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها وقَوْلُهُ: ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (سُكِرَتْ) بِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ مُشَدَّدَةَ الكافِ قالَ الواحِدِيُّ سُكِرَتْ غُشِيَتْ، وسُدِّدَتْ بِالسِّحْرِ هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ قالُوا: وأصْلُهُ مِنَ السَكْرِ وهو سَدُّ الشِّقِّ؛ لِئَلّا يَنْفَجِرَ الماءُ، فَكَأنَّ هَذِهِ الأبْصارَ مُنِعَتْ مِنَ النَّظَرِ كَما يَمْنَعُ السَكْرُ الماءَ مِنَ الجَرْيِ، والتَّشْدِيدُ يُوجِبُ زِيادَةً وتَكْثِيرًا، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: هو مَأْخُوذٌ مِن سُكْرِ الشَّرابِ يَعْنِي: أنَّ الأبْصارَ حارَتْ ووَقَعَ بِها مِن فَسادِ النَّظَرِ مِثْلُ ما يَقَعُ بِالرَّجُلِ السَّكْرانِ مِن تَغَيُّرِ العَقْلِ، فَإذا كانَ هَذا مَعْنى التَّخْفِيفِ فَسُكِّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ يُرادُ بِهِ وُقُوعُ هَذا الأمْرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ أيْ: غُشِيَتْ أبْصارُنا فَوَجَبَ سُكُونُها وبُطْلانُها، وعَلى هَذا القَوْلِ أصْلُهُ مِنَ السُّكُونِ يُقالُ: سَكَرَتِ الرِّيحُ سُكْرًا إذا سَكَنَتْ، وسَكَرَ الحَرُّ يَسْكُرُ، ولَيْلَةٌ ساكِرَةٌ لا رِيحَ فِيها، وقالَ أوْسٌ:
جَذَلْتُ عَلى لَيْلَةٍ ساهِرَةٍ فَلَيْسَتْ بِطَلْقٍ ولا ساكِرَةٍ
ويُقالُ: سُكِّرَتْ عَيْنُهُ سُكْرًا إذا تَحَيَّرَتْ، وسَكَنَتْ عَنِ النَّظَرِ وعَلى هَذا مَعْنى سُكِّرَتْ أبْصارُنا، أيْ: سَكَنَتْ عَنِ النَّظَرِ وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: سُكِّرَتْ صارَتْ بِحَيْثُ لا يَنْفُذُ نُورُها، ولا تُدْرِكُ الأشْياءَ عَلى حَقائِقِها، وكانَ مَعْنى السَّكْرِ قَطْعَ الشَّيْءِ عَنْ سَنَنِهِ الجارِي، فَمِن ذَلِكَ تَسْكِيرُ الماءِ وهو رَدُّهُ عَنْ سُنَنِهِ في الجَرْيَةِ، والسُّكْرُ في الشَّرابِ هو أنْ يَنْقَطِعَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ المَضاءِ في حالِ الصَّحْوِ فَلا يَنْفُذُ رَأْيُهُ عَلى حَدِّ نَفاذِهِ في الصَّحْوِ، فَهَذِهِ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ في تَفْسِيرِ ﴿سُكِّرَتْ﴾ وهي في الحَقِيقَةِ مُتَقارِبَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: مَن جَوَّزَ قُدْرَةَ السَّحَرَةِ عَلى أنْ يَأْخُذُوا بِأعْيُنِ النّاسِ حَتّى يُرُوهُمُ الشَّيْءَ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ إيمانُهُ بِالأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا جَوَّزُوا ذَلِكَ فَلَعَلَّ هَذا الَّذِي يَرى أنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الرَّجُلُ وإنَّما هو شَيْطانٌ، ولَعَلَّ هَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي نُشاهِدُها لَيْسَ لَها حَقائِقُ، بَلْ هي تَكُونُ مِن بابِ الآراءِ الباطِلَةِ مِن ذَلِكَ السّاحِرِ، وإذا حَصَلَ هَذا التَّجْوِيزُ بَطُلَ الكُلُّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
15:16–18Страница 263
وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦
Воистину, Мы воздвигли на небе созвездия и украсили его для тех, кто смотрит.
وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ ١٧
Мы предохранили его от всякого дьявола изгнанного, побиваемого.
إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ مُّبِينٞ ١٨
А если он станет подслушивать украдкой, то за ним последует яркий светоч.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبْهَةِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، وكانَ قَدْ ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ مُفَرَّعٌ عَلى القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ أتْبَعَهُ تَعالى بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ. ولَمّا كانَتْ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ مِنها سَماوِيَّةٌ، ومِنها أرْضِيَّةٌ، بَدَأ مِنها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ قالَ اللَّيْثُ: البُرْجُ واحِدٌ مِن بُرُوجِ الفَلَكِ، والبُرُوجُ جَمْعٌ وهي اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾
صفحة ١٣٤
[الفُرْقانِ: ٦١] وقالَ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البُرُوجِ: ١] ووَجْهُ دَلالَتِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، هو أنَّ طَبائِعَ هَذِهِ البُرُوجِ مُخْتَلِفَةٌ عَلى ما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أرْبابِ الأحْكامِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالفَلَكُ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الأجْزاءِ المُخْتَلِفَةِ في الماهِيَّةِ والأبْعاضِ المُخْتَلِفَةِ في الحَقِيقَةِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُرَكِّبٍ يُرَكِّبُ تِلْكَ الأجْزاءَ والأبْعاضَ بِحَسَبِ الِاخْتِيارِ والحِكْمَةِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَ السَّماءِ مُرَكَّبَةً مِنَ البُرُوجِ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وهو المَطْلُوبُ، وأما قوله: ﴿وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ فَقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ فِيهِ في سُورَةِ المُلْكِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [المُلْكِ: ٥] فَلا نُعِيدُ هَهُنا إلّا القَدْرَ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وزَيَّنّاها﴾ أيْ: بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ: لِلْمُعْتَبِرِينَ بِها والمُسْتَدِلِّينَ بِها عَلى تَوْحِيدِ صانِعِها وقَوْلُهُ: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، والشَّيْطانُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى هَدْمِ السَّماءِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى حِفْظِ السَّماءِ مِنهُ.
قُلْنا: لَمّا مَنَعَهُ مِنَ القُرْبِ مِنها، فَقَدْ حَفِظَ السَّماءَ مِن مُقارَبَةِ الشَّيْطانِ، فَحَفِظَ اللَّهُ السَّماءَ مِنهم كَما قَدْ يَحْفَظُ مَنازِلَنا عَنْ مُتَجَسِّسٍ يُخْشى مِنهُ الفَسادُ ثُمَّ نَقُولُ: مَعْنى الرَّجْمِ في اللُّغَةِ الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ. ثُمَّ قِيلَ لِلْقَتِيلِ رُجِمَ تَشْبِيهًا لَهُ بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ، والرَّجْمُ أيْضًا السَّبُّ والشَّتْمُ؛ لِأنَّهُ رُمِيَ بِالقَوْلِ القَبِيحِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ [مَرْيَمَ: ٤٦] أيْ: لَأسُبَّنَّكَ، والرَّجْمُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُرْمى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [المُلْكِ: ٥] أيْ: مَرامِيَ لَهم، والرَّجْمُ القَوْلُ بِالظَّنِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] لِأنَّهُ يَرْمِيهِ بِذَلِكَ الظَّنِّ، والرَّجْمُ أيْضًا اللَّعْنُ والطَّرْدُ، وقَوْلُهُ الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، قَدْ فَسَّرُوهُ بِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَتِ الشَّياطِينُ لا تُحْجَبُ عَنِ السَّماواتِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَها ويَسْمَعُونَ أخْبارَ الغُيُوبِ مِنَ المَلائِكَةِ فَيُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُنِعُوا مِن ثَلاثَةِ سَماواتٍ، فَلَمّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنِعُوا مِنَ السَّماواتِ كُلِّها، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم إذا أرادَ اسْتِراقَ السَّمْعِ رُمِيَ بِشِهابٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُ لَفْظَةِ ﴿إلّا﴾ هَهُنا عَلى الِاسْتِثْناءِ، بِدَلِيلِ أنَّ إقْدامَهم عَلى اسْتِراقِ السَّمْعِ لا يُخْرِجُ السَّماءَ مِن أنْ تَكُونَ مَحْفُوظَةً مِنهم إلّا أنَّهم مَمْنُوعُونَ مِن دُخُولِها، وإنَّما يُحاوِلُونَ القُرْبَ مِنها، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً عَلى التَّحْقِيقِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: لَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ﴿مَنِ﴾ نَصْبٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ. قالَ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مِمَّنْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ يُرِيدُ الخَطْفَةَ اليَسِيرَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ المارِدَ مِنَ الشَّياطِينِ يَعْلُو فَيُرْمى بِالشِّهابِ فَيَحْرِقُهُ ولا يَقْتُلُهُ، ومِنهم مَن يُحِيلُهُ فَيَصِيرُ غُولًا يُضِلُّ النّاسَ في البَرارِي. وقَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ ذَكَرْنا مَعْناهُ في سُورَةِ الأعْرافِ في قِصَّةِ بُلْعُمِ بْنِ باعُوراءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعْرافِ: ١٧٥] مَعْناهُ لَحِقَهُ، والشِّهابُ شُعْلَةُ نارٍ ساطِعٌ، ثُمَّ يُسَمّى الكَوْكَبُ شِهابًا، والسِّنانُ شِهابًا، لِأجْلِ أنَّهُما لِما فِيهِما مِنَ البَرِيقِ يُشْبِهانِ النّارَ.
واعْلَمْ أنَّ في هَذا المَوْضِعِ أبْحاثًا دَقِيقَةً ذَكَرْناها في سُورَةِ المُلْكِ وفي سُورَةِ الجِنِّ، ونَذْكُرُ مِنها هَهُنا إشْكالًا واحِدًا، وهو أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا جَوَّزْتُمْ في الجُمْلَةِ أنْ يَصْعَدَ الشَّيْطانُ إلى السَّماواتِ، ويَخْتَلِطَ بِالمَلائِكَةِ، ويَسْمَعَ أخْبارَ الغُيُوبِ عَنْهم، ثُمَّ إنَّها تَنْزِلُ وتُلْقِي تِلْكَ الغُيُوبَ عَلى الكَهَنَةِ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجَبَ
صفحة ١٣٥
أنْ يَخْرُجَ الإخْبارُ عَنِ المُغَيَّباتِ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا؛ لِأنَّ كُلَّ غَيْبٍ يُخْبِرُ عَنْهُ الرَّسُولُ ﷺ قامَ فِيهِ هَذا الِاحْتِمالُ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ، لا يُقالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنّا نَقُولُ هَذا العَجْزُ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ إلّا بَعْدَ القَطْعِ بِكَوْنِ مُحَمَّدٍ رَسُولًا وكَوْنِ القُرْآنِ حَقًّا، والقَطْعُ بِهَذا لا يُمْكِنُ إلّا بِواسِطَةِ المُعْجِزِ، وكَوْنُ الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزًا لا يَثْبُتُ إلّا بَعْدَ إبْطالِ هَذا الِاحْتِمالِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ مُحالٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنّا نُثْبِتُ كَوْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا بِسائِرِ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ بَعْدَ العِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ نَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْجَزَ الشَّياطِينَ عَنْ تَلَقُّفِ الغَيْبِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ مُعْجِزًا، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَنْدَفِعُ الدَّوْرُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
15:19Страница 263
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ ١٩
Мы простерли землю, поместили на ней незыблемые горы и взрастили на ней в меру всякие вещи.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ الدَّلائِلَ السَّماوِيَّةَ في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ أتْبَعَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ الأرْضِيَّةِ، وهي أنْواعٌ:
النوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَسَطْناها عَلى وجْهِ الماءِ، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ الأرْضَ جِسْمٌ، والجِسْمُ هو الَّذِي يَكُونُ مُمْتَدًّا في الجِهاتِ الثَّلاثَةِ، وهي الطُّولُ والعَرْضُ والثُّخْنُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَتَمَدُّدُ جِسْمِ الأرْضِ في هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثَةِ مُخْتَصٌّ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ لِما ثَبَتَ أنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَمَدُّدُ جِسْمِ الأرْضِ مُخْتَصًّا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مَعَ أنَّ الِازْدِيادَ عَلَيْهِ مَعْقُولٌ، والِانْتِقاصَ عَنْهُ أيْضًا مَعْقُولٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ التَّمَدُّدِ بِذَلِكَ القَدْرِ المُقَدَّرِ مَعَ جَوازِ حُصُولِ الأزْيَدِ والأنْقَصِ اخْتِصاصًا بِأمْرٍ جائِزٍ وذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ عَلى أنَّها بَسِيطَةٌ ؟
قُلْنا: نَعَمْ لِأنَّ الأرْضَ بِتَقْدِيرِ كَوْنِها كُرَةً، فَهي كُرَةٌ في غايَةِ العَظَمَةِ، والكُرَةُ العَظِيمَةُ يَكُونُ كُلُّ قِطْعَةٍ صَغِيرَةٍ مِنها، إذا نُظِرَ إلَيْها فَإنَّها تُرى كالسَّطْحِ المُسْتَوِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ زالَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الإشْكالِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النَّبَأِ: ٧] سَمّاها أوْتادًا مَعَ أنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ عَلَيْها سُطُوحٌ عَظِيمَةٌ مُسْتَوِيَةٌ، فَكَذا هَهُنا.
النوع الثّانِي: مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ وهي الجِبالُ الثَّوابِتُ، واحِدُها راسِي، والجَمْعُ راسِيَةٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ رَواسِي، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النَّحْلِ: ١٥] وفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ:
الوجه الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا بَسَطَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ عَلى الماءِ مالَتْ بِأهْلِها كالسَّفِينَةِ فَأرْساها اللَّهُ
صفحة ١٣٦
تَعالى بِالجِبالِ الثِّقالِ؛ لِكَيْلا تَمِيلَ بِأهْلِها.
فَإنْ قِيلَ: أتَقُولُونَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ بِدُونِ الجِبالِ فَمالَتْ بِأهْلِها فَخَلَقَ فِيها الجِبالَ بَعْدَ ذَلِكَ أوْ تَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأرْضَ والجِبالَ مَعًا ؟ .
قُلْنا: كِلا الوَجْهَيْنِ مُحْتَمَلٌ.
والوجه الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها لِتَكُونَ دَلالَةً لِلنّاسِ عَلى طُرُقِ الأرْضِ ونَواحِيها؛ لِأنَّها كالأعْلامِ فَلا تَمِيلُ النّاسُ عَنِ الجادَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، ولا يَقَعُونَ في الضَّلالِ وهَذا الوجه ظاهِرُ الِاحْتِمالِ.
النوع الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البحث الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى الأرْضِ، وأنْ يَكُونَ راجِعًا إلى الجِبالِ الرَّواسِي، إلّا أنَّ رُجُوعَهُ إلى الأرْضِ أوْلى؛ لِأنَّ أنْواعَ النَّباتِ المُنْتَفَعِ بِها إنَّما تَتَوَلَّدُ في الأراضِي، فَأمّا الفَواكِهُ الجَبَلِيَّةُ فَقَلِيلَةُ النَّفْعِ، ومِنهم مَن قالَ: رُجُوعُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى الجِبالِ أوْلى؛ لِأنَّ المَعادِنَ إنَّما تَتَوَلَّدُ في الجِبالِ، والأشْياءُ المَوْزُونَةُ في العُرْفِ والعادَةِ هي المَعادِنُ لا النَّباتُ.
البحث الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالمَوْزُونِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوجه الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ مُتَقَدِّرٌ بِقَدْرِ الحاجَةِ. قالَ القاضِي: وهَذا الوجه أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ المِقْدارَ الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ، ويَنْتَفِعُونَ بِهِ فَيُنْبِتُ تَعالى في الأرْضِ ذَلِكَ المِقْدارَ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ الَّذِي يَظْهَرُ بِالنَّباتِ يَكُونُ مَعِيشَةً لَهم مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: بِحَسَبِ الأكْلِ والِانْتِفاعِ بِعَيْنِهِ.
والثّانِي: أنْ يَنْتَفِعَ بِالتِّجارَةِ فِيهِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: الوَزْنُ إنَّما يُرادُ لِمَعْرِفَةِ المِقْدارِ، فَكانَ إطْلاقُ لَفْظِ الوَزْنِ لِإرادَةِ مَعْرِفَةِ المِقْدارِ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ قالُوا: ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرَّعْدِ: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحِجْرِ: ٢١] .
والوجه الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا اللَّفْظِ أنَّ هَذا العالَمَ عالَمُ الأسْبابِ واللَّهُ تَعالى إنَّما يَخْلُقُ المَعادِنَ والنَّباتَ والحَيَوانَ بِواسِطَةِ تَرْكِيبِ طَبائِعِ هَذا العالَمِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ مِنَ الأرْضِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ ومِنَ الماءِ والهَواءِ كَذَلِكَ، ومِن تَأْثِيرِ الشَّمْسِ والكَواكِبِ في الحَرِّ والبَرْدِ مِقْدارٌ مَخْصُوصٌ، ولَوْ قَدَّرْنا حُصُولَ الزِّيادَةِ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ المَخْصُوصِ، أوِ النُّقْصانِ عَنْهُ لَمْ تَتَوَلَّدِ المَعادِنُ والنَّباتُ والحَيَوانُ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدَّرَها عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى وزَنَها بِمِيزانِ الحِكْمَةِ حَتّى حَصَلَتْ هَذِهِ الأنْواعُ.
والوجه الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ هَذا اللَّفْظِ: أنَّ أهْلَ العُرْفِ يَقُولُونَ: فُلانٌ مَوْزُونُ الحَرَكاتِ أيْ: حَرَكاتُهُ مُتَناسِبَةٌ حَسَنَةٌ مُطابِقَةٌ لِلْحِكْمَةِ، وهَذا الكَلامُ كَلامٌ مَوْزُونٌ إذا كانَ مُتَناسِبًا حَسَنًا بَعِيدًا عَنِ اللَّغْوِ والسُّخْفِ، فَكَأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ والعَقْلِ، بِالجُمْلَةِ فَقَدْ جَعَلُوا لَفْظَ المَوْزُونِ كِنايَةً عَنِ الحُسْنِ والتَّناسُبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ: مُتَناسِبٍ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ عِنْدَ العُقُولِ السَّلِيمَةِ بِالحُسْنِ
صفحة ١٣٧
واللَّطافَةِ ومُطابَقَةِ المَصْلَحَةِ.
والوجه الرّابِعُ في تَفْسِيرِ هَذا اللَّفْظِ: أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ نَوْعانِ: المَعادِنُ والنَّباتُ؛ أمّا المَعادِنُ فَهي بِأسْرِها مَوْزُونَةٌ وهي الأجْسادُ السَّبْعَةُ والأحْجارُ والأمْلاحُ والزّاجّاتُ وغَيْرُها. وأمّا النَّباتُ فَيَرْجِعُ عاقِبَتُها إلى الوَزْنِ؛ لِأنَّ الحُبُوبَ تُوزَنُ، وكَذَلِكَ الفَواكِهُ في الأكْثَرِ واللَّهُ أعْلَمُ.
15:20Страница 263
وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ٢٠
Мы предоставили на земле пропитание вам и тем, кого вы не кормите.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: ذَكَرْنا الكَلامَ في المَعايِشِ في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلُهُ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ لَكم، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مُعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَعايِشَ﴾ والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا لَكم مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفِيهِ احْتِمالاتٌ ثَلاثَةٌ:
الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ مُخْتَصَّةٌ بِالعُقَلاءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ العُقَلاءَ وهُمُ العِيالُ والمَمالِيكُ والخَدَمُ والعَبِيدُ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ النّاسَ يَظُنُّونَ في أكْثَرِ الأمْرِ أنَّهُمُ الَّذِينَ يَرْزُقُونَ العِيالَ والخَدَمَ والعَبِيدَ، وذَلِكَ خَطَأٌ فَإنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ يَرْزُقُ الخادِمَ والمَخْدُومَ، والمَمْلُوكَ والمالِكَ؛ فَإنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأطْعِمَةَ والأشْرِبَةَ، وأعْطى القُوَّةَ الغاذِيَةَ والهاضِمَةَ، وإلّا لَمْ يَحْصُلْ لِأحَدٍ رِزْقٌ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ الوَحْشُ والطَّيْرُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا التَّأْوِيلُ مَعَ أنَّ صِيغَةَ مَن مُخْتَصَّةٌ بِمَن يَعْقِلُ ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ صِيغَةَ مَن قَدْ ورَدَتْ في غَيْرِ العُقَلاءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ [النُّورِ: ٤٥] .
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لِجَمِيعِ الدَّوابِّ رِزْقًا عَلى اللَّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ [هُودٍ: ٦] فَكَأنَّها عِنْدَ الحاجَةِ تَطْلُبُ أرْزاقَها مِن خالِقِها فَصارَتْ شَبِيهَةً بِمَن يَعْقِلُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فَلَمْ يَبْعُدْ ذِكْرُها بِصِيغَةِ مَن يَعْقِلُ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] فَذَكَرَها بِصِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ، وقالَ في الأصْنامِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧] وقالَ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٣] فَكَذا هَهُنا لا يَبْعُدُ إطْلاقُ اللَّفْظَةِ المُخْتَصَّةِ بِالعُقَلاءِ عَلى الوَحْشِ والطَّيْرِ لِكَوْنِها شَبِيهَةً بِالعُقَلاءِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وسَمِعْتُ في بَطْنِ الحِكاياتِ أنَّهُ قَلَّتِ المِياهُ في الأوْدِيَةِ والجِبالِ، واشْتَدَّ الحَرُّ في عامٍ مِنَ الأعْوامِ فَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ رَأى بَعْضَ الوَحْشِ رافِعًا رَأْسَهُ إلى السَّماءِ عِنْدَ اشْتِدادِ عَطَشِهِ قالَ: فَرَأيْتُ الغُيُومَ قَدْ أقْبَلَتْ وأمْطَرَتْ بِحَيْثُ امْتَلَأتِ الأوْدِيَةُ مِنها.
والِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنّا نَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ عَلى الإماءِ والعَبِيدِ، وعَلى الوَحْشِ والطَّيْرِ، وإنَّما أطْلَقَ عَلَيْها صِيغَةَ مَن تَغْلِيبًا لِجانِبِ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ
صفحة ١٣٨
فِي لَكم، لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، لا يُقالُ: أخَذْتُ مِنكَ وزَيْدٍ إلّا بِإعادَةِ الخافِضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحْزابِ: ٧] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا المَعْنى جائِزٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: ”تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامِ“ بِالخَفْضِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المسألة هُنالِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии