Ар-РазиАль‑Бакара · 2:143

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:143, продолжение

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ مَعْناهُ: إلّا لِيَعْلَمَ حِزْبُنا مِنَ النَّبِيِّينَ والمُؤْمِنِينَ كَما يَقُولُ المَلِكُ: فَتَحْنا البَلْدَةَ الفُلانِيَّةَ بِمَعْنى: فَتَحَها أوْلِياؤُنا، ومِنهُ يُقالُ: فَتَحَ عُمَرُ السَّوادَ، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ: ”«اسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي، وشَتَمَنِي ولَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْتُمَنِي يَقُولُ: وادَهْراهُ وأنا الدَّهْرُ» “ وفي الحَدِيثِ: ”«مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ أهانَنِي» “ .

وثانِيها: مَعْناهُ: لِيَحْصُلَ المَعْدُومُ فَيَصِيرَ مَوْجُودًا، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ مَعْناهُ: إلّا لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَقْتَضِي حُدُوثَ العِلْمِ، قُلْنا: اخْتَلَفُوا في أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الشَّيْءَ سَيُوجَدُ هَلْ هو عُلِمَ بِوُجُودِهِ إذا وُجِدَ، الخِلافُ فِيهِ مَشْهُورٌ.

وثالِثُها: إلّا لِنُمَيِّزَ هَؤُلاءِ مِن هَؤُلاءِ بِانْكِشافِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، فَيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ مَن يُوالُونَ مِنهم ومَن يُعادُونَ، فَسَمّى التَّمْيِيزَ عِلْمًا؛ لِأنَّهُ أحَدُ فَوائِدِ العِلْمِ وثَمَراتِهِ.

ورابِعُها: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ مَعْناهُ: إلّا لِنَرى، ومَجازُ هَذا أنَّ العَرَبَ تَضَعُ العِلْمَ مَكانَ الرُّؤْيَةِ، والرُّؤْيَةَ مَكانَ العِلْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ ورَأيْتُ، وعَلِمْتُ، وشَهِدْتُ، ألْفاظٌ مُتَعاقِبَةٌ.

وخامِسُها: ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ: وهو أنَّ حُدُوثَ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ راجِعٌ إلى المُخاطَبِينَ، ومِثالُهُ أنَّ جاهِلًا وعاقِلًا اجْتَمَعا، فَيَقُولُ الجاهِلُ: الحَطَبُ يَحْرِقُ النّارَ، ويَقُولُ العاقِلُ: بَلِ النّارُ تَحْرِقُ الحَطَبَ، وسَنَجْمَعُ بَيْنَهُما لِنَعْلَمَ أيُّهُما يَحْرِقُ صاحِبَهُ مَعْناهُ: لِنَعْلَمَ أيُّنا الجاهِلُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ إلّا لِتَعْلَمُوا والغَرَضُ مِن هَذا الجِنْسِ مِنَ الكَلامِ: الِاسْتِمالَةُ والرِّفْقُ في الخِطابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى﴾ [سبأ: ٢٤] فَأضافَ الكَلامَ المُوهِمَ لِلشَّكِّ إلى نَفْسِكَ تَرْقِيقًا لِلْخِطابِ ورِفْقًا بِالمُخاطَبِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ .

وسادِسُها: نُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ الَّذِي كَأنَّهُ لا يَعْلَمُ، إذِ العَدْلُ يُوجِبُ ذَلِكَ.

وسابِعُها: أنَّ العِلْمَ صِلَةٌ زائِدَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ مَعْناهُ: إلّا لِيَحْصُلَ اتِّباعُ المُتَّبِعِينَ، وانْقِلابُ المُنْقَلِبِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ في الشَّيْءِ الَّذِي تَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِكَ: ما عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِنِّي، أيْ ما كانَ هَذا مِنِّي، والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ لَعَلِمَهُ اللَّهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ المِحْنَةَ حَصَلَتْ بِسَبَبِ تَعْيِينِ القِبْلَةِ أوْ بِسَبَبِ تَحْوِيلِها، فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ تَعْيِينِ القِبْلَةِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ، فَلَمّا جاءَ المَدِينَةَ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى العَرَبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهم، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا حَوَّلَهُ مَرَّةً أُخْرى إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهم، وأمّا الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ التَّحْقِيقِ قالُوا: هَذِهِ المِحْنَةُ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ التَّحْوِيلِ فَإنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَوْ كانَ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِهِ لَما تَغَيَّرَ رَأْيُهُ، رَوى القَفّالُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ رَجَعَ ناسٌ مِمَّنْ أسْلَمَ، وقالُوا: مَرَّةً هاهُنا ومَرَّةً هاهُنا، وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَحْوَ المَسْجِدِ الحَرامِ اخْتَلَفَ النّاسُ؛ فَقالَ المُنافِقُونَ: ما بالُهم كانُوا عَلى قِبْلَةٍ ثُمَّ تَرَكُوها، وقالَ المُسْلِمُونَ: لَسْنا نَعْلَمُ حالَ إخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ آخَرُونَ: اشْتاقَ إلى بَلَدِ أبِيهِ ومَوْلِدِهِ، وقالَ المُشْرِكُونَ: تَحَيَّرَ في دِينِهِ،

صفحة ٩٦

واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ أوْلى؛ لِأنَّ الشُّبْهَةَ في أمْرِ النَّسْخِ أعْظَمُ مِنَ الشُّبْهَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ تَعْيِينِ القِبْلَةِ، وقَدْ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِالكَبِيرَةِ، فَقالَ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ فَكانَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ أوْلى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ اسْتِعارَةٌ، ومَعْناهُ: مَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ووَجْهُ الِاسْتِعارَةِ: أنَّ المُنْقَلِبَ عَلى عَقِبَيْهِ قَدْ تَرَكَ ما بَيْنَ يَدَيْهِ وأدْبَرَ عَنْهُ، فَلَمّا تَرَكُوا الإيمانَ والدَّلائِلَ صارُوا بِمَنزِلَةِ المُدْبِرِ عَمّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَوُصِفُوا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] وكَما قالَ: ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] وكُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَتْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (إنْ) المَكْسُورَةُ الخَفِيفَةُ، مَعْناها عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: جَزاءٌ، ومُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وجَحْدٌ، وزائِدَةٌ، أمّا الجَزاءُ فَهي تُفِيدُ رَبْطَ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ بِالأُخْرى، فالمُسْتَلْزَمُ هو الشَّرْطُ، واللّازِمُ هو الجَزاءُ، كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ، وأمّا الثّانِيَةُ: وهي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَهي تُفِيدُ تَوْكِيدَ المَعْنى في الجُمْلَةِ بِمَعْنى (إنَّ) المُشَدَّدَةِ كَقَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] وقالَ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، والغَرَضُ في تَخْفِيفِها إيلاؤُها ما لَمْ يَجُزْ أنْ يَلِيَها مِنَ الفِعْلِ، وإنَّما لَزِمَتِ اللّامُ هَذِهِ المُخَفَّفَةَ لِلْعِوَضِ عَمّا حُذِفَ مِنها، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي لِلْجَحْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] إذْ كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما يَلِيها الِاسْمُ والفِعْلُ جَمِيعًا كَما وصَفْنا، وأمّا الثّالِثَةُ: وهي الَّتِي لِلْجَحْدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقالَ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقالَ: ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما﴾ [فاطر: ٤١] أيْ: ما يُمْسِكُهُما، وأمّا الرّابِعَةُ وهي الزّائِدَةُ فَكَقَوْلِكَ: ما إنْ رَأيْتَ زَيْدًا.

إذا عَرَفَتْ هَذا فَنَقُولُ: (إنْ) في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ هي المُخَفَّفَةُ الَّتِي تَلْزَمُها اللّامُ، والغَرَضُ مِنها تَوْكِيدُ المَعْنى في الجُمْلَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يَعُودُ إلى القِبْلَةِ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن مَذْكُورٍ سابِقٍ وما ذاكَ إلّا القِبْلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ .

الثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ وهي مُفارَقَةُ القِبْلَةِ، والتَّأْنِيثُ لِلتَّوْلِيَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ ثُمَّ قالَ عَطْفًا عَلى هَذا: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أيْ: وإنْ كانَتِ التَّوْلِيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما ولّاهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْلِيَةِ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ كانَتْ هَذِهِ الفِعْلَةُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ فَبِها ونِعْمَتْ، واعْلَمْ أنَّ هَذا البَحْثَ مُتَفَرِّعٌ عَلى المَسْألَةِ الَّتِي قَدَّمْناها، وهي أنَّ الِامْتِحانَ والِابْتِلاءَ حَصَلَ بِنَفْسِ القِبْلَةِ، أوْ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الثّانِيَ أوْلى؛ لِأنَّ الإشْكالَ الحاصِلَ بِسَبَبِ النَّسْخِ أقْوى مِنَ الإشْكالِ الحاصِلِ بِسَبَبِ تِلْكَ الجِهاتِ، ولِهَذا وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِالكَبِيرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكَبِيرَةً﴾ فالمَعْنى: لَثَقِيلَةً شاقَّةً مُسْتَنْكَرَةً كَقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾

صفحة ٩٧

(الكَهْفِ: ٥) أيْ: عَظُمَتِ الفِرْيَةُ بِذَلِكَ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وقالَ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ثُمَّ إنّا إنْ قُلْنا: الِامْتِحانُ وقَعَ بِنَفْسِ القِبْلَةِ، قُلْنا: إنَّ تَرْكَها ثَقِيلٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَرْكَ الإلْفِ والعادَةِ، والإعْراضَ عَنْ طَرِيقَةِ الآباءِ والأسْلافِ، وإنْ قُلْنا: الِامْتِحانُ وقَعَ بِتَحْرِيفِ القِبْلَةِ، قُلْنا: إنَّها لَثَقِيلَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْرِفَ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ إلّا بَعْدَ أنْ عَرَفَ مَسْألَةَ النَّسْخِ وتَخَلَّصَ عَمّا فِيها مِنَ السُّؤالاتِ، وذَلِكَ أمْرٌ ثَقِيلٌ صَعْبٌ إلّا عَلى مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى عَرَفَ أنَّهُ لا يَسْتَنْكِرُ نَقْلَ القِبْلَةِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، كَما لا يَسْتَنْكِرُ نَقْلَهُ إيّاهم مِن حالٍ إلى حالٍ في الصِّحَّةِ والسَّقَمِ والغِنى والفَقْرِ، فَمَنِ اهْتَدى لِهَذا النَّظَرِ ازْدادَ بَصَرُهُ، ومَن سَفِهَ واتَّبَعَ الهَوى وظَواهِرَ الأُمُورِ ثَقُلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ المَسْألَةُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ فاحْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ، فَقالُوا: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ إمّا الدَّعْوَةُ أوْ وضْعُ الدَّلالَةِ أوْ خَلْقُ المَعْرِفَةِ، والوَجْهانِ الأوَّلانِ هاهُنا باطِلانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِها ثَقِيلَةً عَلى الكُلِّ إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِي هَداهُ اللَّهُ لا يَثْقُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، والهِدايَةُ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ، ووَضْعُ الدَّلائِلِ عامَّةٌ في حَقِّ الكُلِّ، فَوَجَبَ أنْ لا يَثْقُلَ ذَلِكَ عَلى أحَدٍ مِنَ الكُفّارِ، فَلَمّا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الهِدايَةِ هاهُنا خَلْقُ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ وهو المَطْلُوبُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَهم عَلى طَرِيقِ المَدْحِ فَخَصَّهم بِذَلِكَ.

وثانِيها: أرادَ بِهِ الِاهْتِداءَ.

وثالِثُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهُدى اللَّهِ فَغَيْرُهم كَأنَّهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِمْ.

والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: أنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، فَيَكُونُ عَلى خِلافِ الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: «أنَّ رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَأبِي أُمامَةَ، وسَعْدِ بْنِ زُرارَةَ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، والبَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وغَيْرِهِمْ ماتُوا عَلى القِبْلَةِ الأُولى، فَقالَ عَشائِرُهم: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ إخْوانُنا عَلى القِبْلَةِ الأُولى، فَكَيْفَ حالُهم ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن هَذا السَّبَبِ، وإلّا لَمْ يَتَّصِلْ بَعْضُ الكَلامِ بِبَعْضٍ، ووَجْهُ تَقْرِيرِ الإشْكالِ أنَّ الَّذِينَ لَمْ يُجَوِّزُوا النَّسْخَ إلّا مَعَ البَداءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَمّا تَغَيَّرَ الحُكْمُ وجَبَ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ مَفْسَدَةً وباطِلًا، فَوَقَعَ في قَلْبِهِمْ بِناءً عَلى هَذا السُّؤالِ أنَّ تِلْكَ الصَّلَواتِ الَّتِي أتَوْا بِها مُتَوَجِّهِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ كانَتْ ضائِعَةً، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الإشْكالِ وبَيَّنَ أنَّ النَّسْخَ نَقْلٌ مِن مَصْلَحَةٍ إلى مَصْلَحَةٍ، ومِن تَكْلِيفٍ إلى تَكْلِيفٍ، والأوَّلُ كالثّانِي في أنَّ القائِمَ بِهِ مُتَمَسِّكٌ بِالدِّينِ، وأنَّ مَن هَذا حالُهُ فَإنَّهُ لا يَضِيعُ أجْرُهُ، ونَظِيرُهُ: ما سَألُوا بَعْدَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ عَمَّنْ ماتَ وكانَ يَشْرَبُها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا جُناحَ عَلَيْهِمْ فِيما مَضى لَمّا كانَ ذَلِكَ بِإباحَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الشَّكُّ إنَّما تَوَلَّدَ مِن تَجْوِيزِ البَداءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالصَّحابَةِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الشَّكَّ وقَعَ لِمُنافِقٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِيَذْكُرَهُ المُسْلِمُونَ جَوابًا لِسُؤالِ ذَلِكَ المُنافِقِ.

وثانِيها: لَعَلَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الصَّلاةَ إلى الكَعْبَةِ أفْضَلُ فَقالُوا: لَيْتَ إخْوانَنا مِمَّنْ ماتَ أدْرَكَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ اللَّهُ

صفحة ٩٨

تَعالى هَذا الكَلامَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ.

وثالِثُها: لَعَلَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ دَفْعًا لِذَلِكَ السُّؤالِ لَوْ خَطَرَ بِبالِهِمْ.

القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في نَقْلِكم مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ فَلَوْ أقَرَّكم عَلى الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ كانَ ذَلِكَ إضاعَةً عَنْهُ لِصَلاتِكم لِأنَّها تَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ خالِيَةً عَنِ المَصالِحِ، فَتَكُونُ ضائِعَةً، واللَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ.

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما عَلَيْهِمْ مِنَ المَشَقَّةِ في هَذا التَّحْوِيلِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما لَهم عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ، وأنَّهُ لا يُضِيعُ ما عَمِلُوهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

القَوْلُ الرّابِعُ: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وفَّقْتُكم لِقَبُولِ هَذا التَّكْلِيفِ لِئَلّا يَضِيعَ إيمانُكم، فَإنَّهم لَوْ رَدُّوا هَذا التَّكْلِيفَ لَكَفَرُوا، ولَوْ كَفَرُوا لَضاعَ إيمانُهم فَقالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ فَلا جَرَمَ وفَّقَكم لِقَبُولِ هَذا التَّكْلِيفِ وأعانَكم عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ القَفّالُ عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهًا أرْبَعَةً:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ خاطَبَ بِهِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ جَوابٌ عَمّا سَألُوهُ مِن قَبْلُ.

الثّانِي: أنَّهم سَألُوا عَمَّنْ ماتَ قَبْلَ نَسْخِ القِبْلَةِ فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أيْ: وإذا كانَ إيمانُكُمُ الماضِي قَبْلَ النَّسْخِ لا يُضِيعُهُ اللَّهُ، فَكَذَلِكَ إيمانُ مَن ماتَ قَبْلَ النَّسْخِ.

الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأحْياءُ قَدْ تَوَهَّمُوا أنَّ ذَلِكَ لَمّا نُسِخَ بَطَلَ، وكانَ ما يُؤْتى بِهِ بَعْدَ النَّسْخِ مِنَ الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ كَفّارَةً لِما سَلَفَ، واسْتَغْنَوْا عَنِ السُّؤالِ عَنْ أمْرِ أنْفُسِهِمْ لِهَذا الضَّرْبِ مِنَ التَّأْوِيلِ فَسَألُوا عَنْ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ ماتُوا ولَمْ يَأْتُوا بِما يُكَفِّرُ ما سَلَفَ، فَقِيلَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ والمُرادُ أهْلُ مِلَّتِكم، كَقَوْلِهِ لِلْيَهُودِ الحاضِرِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] .

الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ واقِعًا عَنِ الأحْياءِ والأمْواتِ مَعًا، فَإنَّهم أشْفَقُوا عَلى ما كانَ مِن صَلاتِهِمْ أنْ يُبْطِلَ ثَوابَهم، وكانَ الإشْفاقُ واقِعًا في الفَرِيقَيْنِ، فَقِيلَ: إيمانُكم لِلْأحْياءِ والأمْواتِ، إذْ مِن شَأْنِ العَرَبِ إذا أخْبَرُوا عَنْ حاضِرٍ وغائِبٍ أنْ يُغَلِّبُوا الخِطابَ فَيَقُولُوا: كُنْتَ أنْتَ وفُلانٌ الغائِبُ فَعَلْتُما، واللَّهُ أعْلَمُ.

القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وهو أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِأهْلِ الكِتابِ، والمُرادُ بِالإيمانِ صَلاتُهم وطاعَتُهم قَبْلَ البَعْثَةِ ثُمَّ نُسِخَ، وإنَّما اخْتارَ أبُو مُسْلِمٍ هَذا القَوْلَ لِئَلّا يَلْزَمَهُ وُقُوعُ النَّسْخِ في شَرْعِنا.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ عَلى أنَّ الإيمانَ اسْمٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ، فَإنَّهُ تَعالى أرادَ بِالإيمانِ هاهُنا الصَّلاةَ (والجَوابُ) لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِنَ الإيمانِ هاهُنا الصَّلاةُ، بَلِ المُرادُ مِنهُ التَّصْدِيقُ والإقْرارُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنَّهُ لا يُضِيعُ تَصْدِيقَكم بِوُجُوبِ تِلْكَ الصَّلاةِ، سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الإيمانِ هاهُنا الصَّلاةُ، ولَكِنَّ الصَّلاةَ أعْظَمُ الإيمانِ وأشْرَفُ نَتائِجِهِ وفَوائِدِهِ، فَجازَ إطْلاقُ اسْمِ الإيمانِ عَلى الصَّلاةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أيْ: لا يُضِيعُ ثَوابَ إيمانِكم لِأنَّ الإيمانَ قَدِ

صفحة ٩٩

انْقَضى وفَنِيَ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ حِفْظُهُ وإضاعَتُهُ، إلّا أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ قائِمٌ بَعْدَ انْقِضائِهِ فَصَحَّ حِفْظُهُ وإضاعَتُهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] .

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الفَرْقُ بَيْنَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ أنَّ الرَّأْفَةَ مُبالَغَةٌ في رَحْمَةٍ خاصَّةٍ وهي دَفْعُ المَكْرُوهِ وإزالَةُ الضَّرَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أيْ: لا تَرْأفُوا بِهِما فَتَرْفَعُوا الجَلْدَ عَنْهُما، وأمّا الرَّحْمَةُ فَإنَّها اسْمٌ جامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ المَعْنى، ويَدْخُلُ فِيهِ الإفْضالُ والإنْعامُ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى المَطَرَ رَحْمَةً فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، لِأنَّهُ إفْضالٌ مِنَ اللَّهِ وإنْعامٌ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّأْفَةَ أوَّلًا بِمَعْنى أنَّهُ لا يُضِيعُ أعْمالَهم ويُخَفِّفُ المِحَنَ عَنْهم، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّحْمَةَ لِتَكُونَ أعَمَّ وأشْمَلَ، ولا تَخْتَصُّ رَحْمَتُهُ بِذَلِكَ النَّوْعِ بَلْ هو رَحِيمٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ دافِعٌ لِلْمَضارِّ الَّتِي هي الرَّأْفَةُ وجالِبٌ لِلْمَنافِعِ مَعًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في وجْهِ تَعَلُّقِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ بِما قَبْلَهُما وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لا يُضِيعُ إيمانَهم، قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والرَّءُوفُ الرَّحِيمُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ هَذِهِ الإضاعَةُ ؟

وثانِيها: أنَّهُ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ فَلِذَلِكَ يَنْقُلُكم مِن شَرْعٍ إلى شَرْعٍ آخَرَ، وهو أصْلَحُ لَكم وأنْفَعُ في الدِّينِ والدُّنْيا.

وثالِثُها: قالَ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وإنَّما هَداهُمُ اللَّهُ لِأنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عَمْرٌو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (رَؤُفٌ رَحِيمٌ) مَهْمُوزًا غَيْرَ مُشْبَعٍ عَلى وزْنِ رَعُفٍ، والباقُونَ (رَءُوفٌ) مُثَقَّلًا مَهْمُوزًا مُشْبَعًا عَلى وزْنِ رَعُوفٍ، وفِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ رَئِفٍ أيْضًا كَحَزِرٍ، ورَأْفٌ عَلى وزْنِ فَعْلٍ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ ولا الفَسادَ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، والكُفّارُ مِنَ النّاسِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَءُوفًا رَحِيمًا بِهِمْ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَخْلُقْ فِيهِمُ الكُفْرَ الَّذِي يَجُرُّهم إلى العِقابِ الدّائِمِ والعَذابِ السَّرْمَدِيِّ، ولَوْ لَمْ يُكَلِّفْهم ما لا يُطِيقُونَ فَإنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ مَعَ مِثْلِ هَذا الإضْرارِ رَءُوفًا رَحِيمًا، فَعَلى أيِّ طَرِيقٍ يُتَصَوَّرُ أنْ لا يَكُونَ رَءُوفًا رَحِيمًا، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا واللَّهُ أعْلَمُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English