Ар-РазиАль‑Бакара · 2:146–151

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:146–151, продолжение

وثانِيها: «رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ صَلّى الفَجْرَ بِالمُزْدَلِفَةِ فَغَلَّسَ، ثُمَّ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلَواتٍ إلّا لِمِيقاتِها إلّا صَلاةَ الفَجْرِ، فَإنَّهُ صَلّاها يَوْمَئِذٍ لِغَيْرِ مِيقاتِها» .

وثالِثُها: «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأيْتُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حافَظُوا عَلى شَيْءٍ ما حافَظُوا عَلى التَّنْوِيرِ بِالفَجْرِ» .

ورابِعُها: عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ صَلّى الفَجْرَ فَقَرَأ آلَ عِمْرانَ، فَقالُوا: كادَتِ الشَّمْسُ أنَّ تَطْلُعَ، فَقالَ لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنا غافِلِينَ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قَرَأ البَقَرَةَ فاسْتَشْرَقُوا الشَّمْسَ، فَقالَ: لَوْ طَلَعَتْ لَمْ تَجِدْنا غافِلِينَ.

وخامِسُها: أنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاةِ يَشْتَمِلُ عَلى فَضِيلَةِ الِانْتِظارِ، وقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”المُنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ كَمَن هو في الصَّلاةِ“» فَمَن أخَّرَ الصَّلاةَ عَنْ أوَّلِ وقْتِها فَقَدِ انْتَظَرَ الصَّلاةَ أوَّلًا ثُمَّ بِها ثانِيًا، ومَن صَلّاها في أوَّلِ الوَقْتِ فَقَدْ فاتَهُ فَضْلُ الِانْتِظارِ.

وسادِسُها: أنَّ التَّأْخِيرَ يُفْضِي إلى كَثْرَةِ الجَماعَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أوْلى تَحْصِيلًا لِفَضْلِ الجَماعَةِ.

وسابِعُها: أنَّ التَّغْلِيسَ يُضَيِّقُ عَلى النّاسِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الصَّلاةُ في وقْتِ التَّغْلِيسِ احْتاجَ الإنْسانُ إلى أنْ يَتَوَضَّأ بِاللَّيْلِ حَتّى يَتَفَرَّغَ لِلصَّلاةِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، والحَرَجُ مَنفِيٌّ شَرْعًا.

وثامِنُها: أنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلاةُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ، فَإذا صَلّى وقْتَ الإسْفارِ فَإنَّهُ يَقِلُّ وقْتُ الكَراهَةِ، وإذا صَلّى بِالتَّغْلِيسِ فَإنَّهُ يَكْثُرُ وقْتُ الكَراهَةِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الفَجْرَ اسْمٌ لِلنُّورِ الَّذِي يُنْفى بِهِ ظَلامُ المَشْرِقِ، فالفَجْرُ إنَّما يَكُونُ فَجْرًا لَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ باقِيَةً في الهَواءِ، فَأمّا إذا زالَتِ الظُّلْمَةُ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَنارَ الهَواءُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَجْرًا، وأمّا الإسْفارُ فَهو

صفحة ١٢٤

عِبارَةٌ عَنِ الظُّهُورِ، يُقالُ: أسْفَرَتِ المَرْأةُ عَنْ وجْهِها إذا كَشَفَتْ عَنْهُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظُهُورُ الفَجْرِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ بَقاءِ الظَّلامِ في الهَواءِ، فَإنَّ الظَّلامَ كُلَّما كانَ أشَدَّ كانَ النُّورُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ الظَّلامِ أشَدَّ، فَقَوْلُهُ: «”أسْفِرُوا بِالفَجْرِ“» يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى التَّغْلِيسِ، أيْ كُلَّما وقَعَتْ صَلاتُكم حِينَ كانَ الفَجْرُ أظْهَرَ وأبْهَرَ كانَ أكْثَرَ ثَوابًا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أوَّلِ الفَجْرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الإسْفارَ المَذْكُورَ في الحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلى تَيَقُّنِ طُلُوعِ الفَجْرِ وزَوالِ الشَّكِّ عَنْهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما قُلْنا أنَّ أداءَ الصَّلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أشَقُّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا، وأمّا تَأْخِيرُ الصَّلاةِ إلى وقْتِ التَّنْوِيرِ فَهو عادَةُ أهْلِ الكَسَلِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ الشّارِعُ: إنَّ الكَسَلَ أفْضَلُ مِنَ الجِدِّ في الطّاعَةِ.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: حافِظُوا عَلى التَّنْوِيرِ بِالفَجْرِ، فَجَوابُهُ هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ لِأنَّ التَّنْوِيرَ بِالفَجْرِ إنَّما يَحْصُلُ في أوَّلِ الوَقْتِ، فَأمّا عِنْدَ امْتِلاءِ العالَمِ مِنَ النُّورِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى ذَلِكَ فَجْرًا، وأمّا سائِرُ الوُجُوهِ فَهي مُعارَضَةٌ بِبَعْضِ ما قَدَّمْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ فَهو وعْدٌ لِأهْلِ الطّاعَةِ، ووَعِيدٌ لِأهْلِ المَعْصِيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اسْتَبِقُوا أيُّها المُحَقِّقُونَ والعارِفُونَ بِالنُّبُوَّةِ والشَّرِيعَةِ الخَيْراتِ وتَحَمَّلُوا فِيها المَشاقَّ لِتَصِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إلى ما لَكم عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ والزُّلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَقَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإعادَةَ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ وهو قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وأمّا المَسائِلُ المُسْتَنْبَطَةُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] .

2:149–150Страница 23

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٩

Откуда бы ты ни вышел, обращай лицо в сторону Заповедной мечети. Воистину, такова истина от твоего Господа. Аллах не пребывает в неведении относительно того, что вы совершаете.

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٠

Откуда бы ты ни вышел, обращай лицо в сторону Заповедной мечети. Где бы вы ни оказались, обращайте ваши лица в ее сторону, чтобы у людей, если только они не беззаконники, не было довода против вас. Не бойтесь их, а бойтесь Меня, чтобы Я довел до конца Мою милость к вам. Быть может, вы последуете прямым путем.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ أوَّلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ البَحْثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ وذَكَرَ هاهُنا ثانِيًا قَوْلَهُ تَعالى:

صفحة ١٢٥

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا قَوْلَهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ فَهَلْ في هَذا التَّكْرارِ فائِدَةٌ أمْ لا ؟ ولِلْعُلَماءِ فِيهِ أقْوالٌ.

أحَدُها: أنَّ الأحْوالَ ثَلاثَةٌ.

أوَّلُها: أنْ يَكُونَ الإنْسانُ في المَسْجِدِ الحَرامِ.

وثانِيها: أنْ يَخْرُجَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ويَكُونُ في البَلَدِ.

وثالِثُها: أنْ يَخْرُجَ عَنِ البَلَدِ إلى أقْطارِ الأرْضِ، فالآيَةُ الأُولى مَحْمُولَةٌ عَلى الحالَةِ الأُولى، والثّانِيَةُ عَلى الثّانِيَةِ، والثّالِثَةُ عَلى الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ يُتَوَهَّمُ أنَّ لِلْقُرْبِ حُرْمَةً لا تَثْبُتُ فِيها لِلْعَبْدِ، فَلِأجْلِ إزالَةِ هَذا الوَهْمِ كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعادَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِأنَّهُ عَلَّقَ بِها كُلَّ مَرَّةٍ فائِدَةً زائِدَةً، أمّا في المَرَّةِ الأُولى فَبَيَّنَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّ أمْرَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأمْرَ هَذِهِ القِبْلَةِ حَقٌّ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وأمّا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى يَشْهَدُ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، وشَهادَةُ اللَّهِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مُغايِرَةٌ لِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا، وأمّا في المَرَّةِ الثّالِثَةِ فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفَوائِدُ حَسُنَتْ إعادَتُها لِأجْلِ أنْ يَتَرَتَّبَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ المَرّاتِ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ الفَوائِدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] .

والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَكانَ رُبَّما يَخْطُرُ بِبالِ جاهِلٍ أنَّهُ تَعالى إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ طَلَبًا لِرِضا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ الفاسِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: نَحْنُ ما حَوَّلْناكَ إلى هَذِهِ القِبْلَةِ بِمُجَرَّدِ رِضاكَ، بَلْ لِأجْلِ أنَّ هَذا التَّحْوِيلَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، فاسْتِقْبالُها لَيْسَ لِأجْلِ الهَوى والمَيْلِ كَقِبْلَةِ اليَهُودِ المَنسُوخَةِ الَّتِي إنَّما يُقِيمُونَ عَلَيْها بِمُجَرَّدِ الهَوى والمَيْلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ ثالِثًا: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ والمُرادُ دُومُوا عَلى هَذِهِ القِبْلَةِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأوْقاتِ، ولا تَوَلَّوْا فَيَصِيرَ ذَلِكَ التَّوَلِّي سَبَبًا لِلطَّعْنِ في دِينِكم، والحاصِلُ أنَّ الآيَةَ السّالِفَةَ أمْرٌ بِالدَّوامِ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، والثّانِيَةَ أمْرٌ بِالدَّوامِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، والثّالِثَةَ أمْرٌ بِالدَّوامِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ وإشْعارٌ بِأنَّ هَذا لا يَصِيرُ مَنسُوخًا البَتَّةَ.

والجَوابُ الرّابِعُ: أنَّ الأمْرَ الأوَّلَ مَقْرُونٌ بِإكْرامِهِ إيّاهم بِالقِبْلَةِ الَّتِي كانُوا يُحِبُّونَها وهي قِبْلَةُ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والثّانِي مَقْرُونٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ أيْ: لِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةٍ ومِلَّةٍ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْها فَتَوَجَّهُوا أنْتُمْ إلى أشْرَفِ الجِهاتِ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى أنَّها حَقٌّ وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ . والثّالِثُ مَقْرُونٌ بِقَطْعِ اللَّهِ تَعالى حُجَّةَ مَن خاصَمَهُ مِنَ اليَهُودِ في أمْرِ القِبْلَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ عِلَلًا ثَلاثًا قُرِنَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها أمْرٌ بِالتِزامِ القِبْلَةِ، نَظِيرُهُ أنْ يُقالَ: الزَمْ هَذِهِ القِبْلَةَ فَإنَّها القِبْلَةُ الَّتِي كُنْتَ تَهْواها، ثُمَّ يُقالُ: الزَمْ هَذِهِ القِبْلَةَ فَإنَّها الحَقُّ لا قِبْلَةَ الهَوى، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ ثُمَّ يُقالُ: الزَمْ هَذِهِ القِبْلَةَ فَإنَّ في لُزُومِكَ إيّاها انْقِطاعَ حُجَجِ اليَهُودِ عَنْكَ، وهَذا التَّكْرارُ في هَذا

صفحة ١٢٦

المَوْضِعِ كالتَّكْرارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] وكَذَلِكَ ما كُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢١] .

والجَوابُ الخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ أوَّلُ الوَقائِعِ الَّتِي ظَهَرَ النَّسْخُ فِيها في شَرْعِنا، فَدَعَتِ الحاجَةُ إلى التَّكْرارِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ وإيضاحِ البَيِّناتِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي ما يَعْمَلُهُ هَؤُلاءِ المُعانِدُونَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْرِفُونَهُ ويُدْخِلُونَ الشُّبْهَةَ عَلى العامَّةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] وبِأنَّهُ قَدِ اشْتاقَ إلى مَوْلِدِهِ ودِينِ آبائِهِ، فَإنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِهَذا، فَأنْزَلَ ما أبْطَلَهُ وكَشَفَ عَنْ وهْنِهِ وضَعْفِهِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُوهِمُ حِجاجًا وكَلامًا تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ في بابِ القِبْلَةِ عَنِ القَوْمِ فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ أنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ تَزُولُ الآنَ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، وفي كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الحُجَّةِ رِواياتٌ.

أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: تُخالِفُنا في دِينِنا وتَتَّبِعُ قِبْلَتَنا.

وثانِيها: قالُوا: ألَمْ يَدْرِ مُحَمَّدٌ أيْنَ يَتَوَجَّهُ في صَلاتِهِ حَتّى هَدَيْناهُ.

وثالِثُها: أنَّ العَرَبَ قالُوا: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: أنا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ والآنَ تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، ومَن تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ فَقَدْ تَرَكَ دِينَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَصارَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ وسائِلَ لَهم إلى الطَّعْنِ في شَرْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في ذَلِكَ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ في الدِّينِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم لا يُؤَثِّرُ في المَصالِحِ، وقَدْ بَيَّنّا مِن قَبْلُ تِلْكَ المَصْلَحَةَ، وهي تَمْيِزُ مَنِ اتَّبَعَهُ بِمَكَّةَ مِمَّنْ أقامَ عَلى تَكْذِيبِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ الِامْتِيازَ ما كانَ يَظْهَرُ إلّا بِهَذا الجِنْسِ ولَمّا انْتَقَلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى المَدِينَةِ تَغَيَّرَتِ المَصْلَحَةُ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ، فَلِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ يَعْنِي تِلْكَ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرُوها تَزُولُ بِسَبَبِ هَذا التَّحْوِيلِ، ولَمّا كانَ فِيهِمْ مِنَ المَعْلُومِ مَن حالُهُ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ عِنْدَ هَذا التَّحْوِيلِ بِشُبْهَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُ بَعْضِ العَرَبِ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عادَ إلى دِينِنا في الكَعْبَةِ وسَيَعُودُ إلى دِينِنا بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها سَبَبًا لِلْبَقاءِ عَلى الجَهْلِ والكُفْرِ، وذَلِكَ ظُلْمٌ عَلى النَّفْسِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فَلا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ: (لِيَلّا) يَتْرُكُ الهَمْزَةَ، وكُلُّ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ قَبْلَها كَسْرَةٌ فَإنَّهُ يَقْلِبُها ياءً، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ وهو الأصْلُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿لِئَلّا﴾ مَوْضِعُهُ نَصْبٌ، والعامِلُ فِيهِ (ولُّوا) أيْ ولُّوا لِئَلّا، وقالَ الزَّجّاجُ التَّقْدِيرُ: عَرَّفْتُكم ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: النّاسُ هم أهْلُ الكِتابِ عَنْ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ وقِيلَ: هو عَلى العُمُومِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هاهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ شُبْهَةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اسْتِثْناؤُها عَنِ الحُجَّةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ عَلى أقْوالٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ يُمْكِنُ دَفْعُ السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ:

صفحة ١٢٧

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الحُجَّةَ كَما أنَّها قَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً، قَدْ تَكُونُ أيْضًا باطِلَةً، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] والمُحاجَّةُ هي أنْ يُورِدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى صاحِبِهِ حُجَّةً، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الَّذِي يُورِدُ المُبْطِلَ يُسَمّى بِالحُجَّةِ؛ ولِأنَّ الحُجَّةَ اشْتِقاقُها مِن حَجَّهُ إذا عَلا عَلَيْهِ، فَكُلُّ كَلامٍ يُقْصَدُ بِهِ غَلَبَةُ الغَيْرِ فَهو حُجَّةٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ، فَكُلُّ كَلامٍ يَتَّخِذُهُ الإنْسانُ مَسْلَكًا لِنَفْسِهِ في إثْباتٍ أوْ إبْطالٍ فَهو حُجَّةٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الشُّبْهَةَ قَدْ تُسَمّى حُجَّةً كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا.

الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ أهْلُ الكِتابِ فَإنَّهم وجَدُوهُ في كِتابِهِمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُحَوِّلُ القِبْلَةَ فَلَمّا حُوِّلَتْ، بَطَلَتْ حُجَّتُهم إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِسَبَبِ أنَّهم كَتَمُوا ما عَرَفُوا؛ عَنْ أبِي رَوْقٍ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا أوْرَدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ عَلى اعْتِقادِ أنَّها حُجَّةٌ سَمّاها اللَّهُ ﴿حُجَّةٌ﴾ بِناءً عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، أوْ لَعَلَّهُ تَعالى سَمّاها ﴿حُجَّةٌ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أرادَ بِالحُجَّةِ المُحاجَّةَ والمُجادَلَةَ فَقالَ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ فَإنَّهم يُحاجُّونَكم بِالباطِلِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، ومَعْناهُ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم يَتَعَلَّقُونَ بِالشُّبْهَةِ ويَضَعُونَها مَوْضِعَ الحُجَّةِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] وقالَ النّابِغَةُ:

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

ومَعْناهُ: لَكِنْ بِسُيُوفِهِمْ فُلُولٌ ولَيْسَ بِعَيْبٍ، ويُقالُ ما لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ إلّا التَّعَدِّي، يَعْنِي: لَكِنَّهُ يَتَعَدّى ويَظْلِمُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١] وقالَ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ عادَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْعَرَبِ.

القَوْلُ الثّالِثُ: زَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ (إلّا) بِمَعْنى الواوِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ ولِلَّذِينِ ظَلَمُوا، وأنْشَدَ:

وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ

يَعْنِي: والفَرْقَدانِ.

القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ قُطْرُبٌ: مَوْضِعُ (الَّذِينَ) خَفْضٌ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ في عَلَيْكم كَأنَّهُ قِيلَ: لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وهُمُ الكُفّارُ، قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هَذانِ الوَجْهانِ بَعِيدانِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ فالمَعْنى لا تَخْشَوْا مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ يَتَعَنَّتُ ويُجادِلُ ويُحاجُّ، ولا تَخافُوا مَطاعِنَهم في قِبْلَتِكم فَإنَّهم لا يَضُرُّونَكم واخْشَوْنِي، يَعْنِي احْذَرُوا عِقابِي إنْ أنْتُمْ عَدَلْتُمْ عَمّا ألْزَمْتُكم وفَرَضْتُ عَلَيْكم، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى المَرْءِ في كُلِّ أفْعالِهِ وتُرُوكِهِ أنْ يَنْصِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ خَشْيَةَ عِقابِ اللَّهِ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ شَيْءٌ البَتَّةَ، وأنْ لا يَكُونَ مُشْتَغِلَ القَلْبِ بِهِمْ،

صفحة ١٢٨

ولا مُلْتَفِتَ الخاطِرِ إلَيْهِمْ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في مُتَعَلَّقِ اللّامِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَوَّلَهم إلى هَذِهِ الكَعْبَةِ لِهاتَيْنِ الحِكْمَتَيْنِ. إحْداهُما: لِانْقِطاعِ حُجَّتِهِمْ عَنْهُ. والثّانِيَةُ: لِتَمامِ النِّعْمَةِ، وقَدْ بَيَّنَ أبُو مُسْلِمِ بْنُ بَحْرٍ الأصْفَهانِيُّ ما في ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ، وهو أنَّ القَوْمَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِاتِّباعِ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، فَلَمّا حُوِّلَ ﷺ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لَحِقَهم ضَعْفُ قَلْبٍ، ولِذَلِكَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّحَوُّلَ إلى الكَعْبَةِ لِما فِيهِ مِن شَرَفِ البُقْعَةِ، فَهَذا مَوْضِعُ النِّعْمَةِ.

وثانِيها: أنَّ مُتَعَلَّقَ اللّامِ مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ: ولِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْكم وإرادَتِي اهْتِداءَكم أمَرْتُكم بِذَلِكَ.

وثالِثُها: أنْ يُعْطَفَ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: واخْشَوْنِي لِأُوَفِّقَكم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عِنْدَ قُرْبِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فَبَيَّنَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَكَيْفَ قالَ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ قُلْنا: تَمامُ النِّعْمَةِ اللّائِقَةِ في كُلِّ وقْتٍ هو الَّذِي خَصَّهُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: «”تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ“» وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَمامُ النِّعْمَةِ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ.

واعْلَمْ أنَّ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ التَّشَكُّكِ في صَلاةِ الرَّسُولِ وصَلاةِ أُمَّتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَإنْ كانَ مُرادُهُ أنَّ ألْفاظَ القُرْآنِ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ؛ لِأنَّ شَيْئًا مِن ألْفاظِ القُرْآنِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ عَلى ما بَيَّناهُ، وإنْ أرادَ بِهِ إنْكارَهُ أصْلًا، فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الأخْبارَ في ذَلِكَ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَواتِرِ، ولِأبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ يُمْنَعَ التَّواتُرُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: لا يَصِحُّ التَّعْوِيلُ في القَطْعِ بِوُقُوعِ النَّسْخِ في شَرْعِنا عَلى خَبَرِ الواحِدِ واللَّهُ أعْلَمُ.

2:151Страница 23

كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١

Таким же образом Я отправил к вам Посланника из вашей среды, который читает вам Наши аяты, очищает вас, обучает вас Писанию и мудрости, обучает вас тому, чего вы не знали.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَدَلَّ عَلى صِحَّةِ دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِوُجُوهٍ: بَعْضُها إلْزامِيَّةٌ، وهو أنَّ هَذا الدِّينَ دِينُ إبْراهِيمَ فَوَجَبَ قَبُولُهُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وبَعْضُها بُرْهانِيَّةٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَقَّبَ هَذا الِاسْتِدْلالَ بِحِكايَةِ شُبْهَتَيْنِ لَهم. إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] . والثّانِيَةُ: اسْتِدْلالُهم بِإنْكارِ النَّسْخِ عَلى القَدْحِ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] وأطْنَبَ اللَّهُ

صفحة ١٢٩

تَعالى في الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ وبِالحَقِّ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ أعْظَمَ شُبْهَةٍ لِلْيَهُودِ في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنْكارُ النَّسْخِ، فَلا جَرَمَ أطْنَبَ اللَّهُ تَعالى في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وخَتَمَ ذَلِكَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فَصارَ هَذا الكَلامُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أشَدُّ اسْتِمالَةً لِحُصُولِ العِزِّ والشَّرَفِ في الدُّنْيا، والتَّخَلُّصُ مِنَ الذُّلِّ والمَهانَةِ يَكُونُ مَرْغُوبًا فِيهِ، وعِنْدَ اجْتِماعِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في هَذا البابِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكافُ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ أوْ بِما بَعْدَهُ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أيْ ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في الدُّنْيا بِإرْسالِ الرَّسُولِ.

الثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقالَ أيْضًا: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا﴾ [البقرة: ١٢٨] فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِبَيانِ الشَّرائِعِ، وأهْدِيكم إلى الدِّينِ إجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ.

الثّالِثُ: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، وهو أنَّ التَّقْدِيرَ: وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا، أيْ كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِن شَأْنِهِ وصِفَتِهِ كَذا وكَذا، فَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، فالتَّقْدِيرُ: كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يُعَلِّمُكُمُ الدِّينَ والشَّرْعَ، فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم وهو اخْتِيارُ الأصَمِّ، وتَقْرِيرُهُ: إنَّكم كُنْتُمْ عَلى صُورَةٍ لا تَتْلُونَ كِتابًا، ولا تَعْلَمُونَ رَسُولًا، ومُحَمَّدٌ ﷺ رَجُلٌ مِنكم لَيْسَ بِصاحِبِ كِتابٍ، ثُمَّ أتاكم بِأعْجَبِ الآياتِ يَتْلُوهُ عَلَيْكم بِلِسانِكم وفِيهِ ما في كُتُبِ الأنْبِياءِ، وفِيهِ الخَبَرُ عَنْ أحْوالِهِمْ، وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والمَعادِ، وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى الأخْلاقِ الشَّرِيفَةِ، والنَّهْيُ عَنْ أخْلاقِ السُّفَهاءِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ البُرْهانِ عَلى صِدْقِهِ، فَقالَ: كَما أوْلَيْتُكم هَذِهِ النِّعْمَةَ وجَعَلْتُها لَكم دَلِيلًا، فاذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ عَلَيْها، أذْكُرْكم بِرَحْمَتِي وثَوابِي، والَّذِي يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] فَلَمّا ذَكَّرَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ والمِنَّةَ، أمَرَهم في مُقابَلَتِها بِالذِّكْرِ والشُّكْرِ، فَإنْ قِيلَ: (كَما) هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا ؟ قُلْنا: جَوَّزَهُ الفَرّاءُ وجَعَلَ لِـ (اذْكُرُونِي) جَوابَيْنِ. أحَدُهُما: (كَما) .

والثّانِي: ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الذِّكْرَ لِيَذْكُرَهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، ولِما سَلَفَ مِن نِعْمَتِهِ، قالَ القاضِي: والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ قَبْلَ الكَلامِ إذا وُجِدَ ما يَتِمُّ بِهِ الكَلامُ مِن غَيْرِ فَصْلٍ فَتَعَلُّقُهُ بِهِ أوْلى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في وجْهِ التَّشْبِيهِ قَوْلانِ: إنْ قُلْنا: الكافُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي﴾ كانَ المَعْنى أنَّ النِّعْمَةَ في أمْرِ القِبْلَةِ كالنِّعْمَةِ بِالرِّسالَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ الأصْلَحَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ بِالذِّكْرِ جارِيَةٌ مَجْرى النِّعْمَةِ بِالرِّسالَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: كَإرْسالِنا فِيكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كافَّةً.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيكُمْ﴾ فالمُرادُ بِهِ العَرَبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنكُمْ﴾ وفي إرْسالِهِ فِيهِمْ ومِنهم، نِعَمٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ لِما لَهم فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ، ولِأنَّ المَشْهُورَ مِن حالِ العَرَبِ الأنَفَةُ الشَّدِيدَةُ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى مِن واسِطَتِهِمْ؛ لِيَكُونُوا إلى القَبُولِ أقْرَبَ.

صفحة ١٣٠

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ، ولِأنَّهُ يُتْلى فَيَتَأدّى بِهِ العِباداتُ، ولِأنَّهُ يُتْلى فَيُسْتَفادُ مِنهُ جَمِيعُ العُلُومِ، ولِأنَّهُ يُتْلى فَيُسْتَفادُ مِنهُ مَجامِعُ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، فَكَأنَّهُ يَحْصُلُ مِن تِلاوَتِهِ كُلُّ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيكُمْ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:

أحَدُها: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُعَلِّمُهم ما إذا تَمَسَّكُوا بِهِ صارُوا أزْكِياءَ؛ عَنِ الحَسَنِ.

وثانِيها: يُزَكِّيهِمْ بِالثَّناءِ والمَدْحِ، أيْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن مَحاسِنِ الأخْلاقِ فَيَصِفُكم بِهِ، كَما يُقالُ: إنَّ المُزَكِّيَ زَكّى الشّاهِدَ، أيْ وصَفَهُ بِالزَّكاءِ.

وثالِثُها: أنَّ التَّزْكِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّنْمِيَةِ، كَأنَّهُ قالَ يُكَثِّرُكم، كَما قالَ: ﴿إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] وذَلِكَ بِأنْ يَجْمَعَهم عَلى الحَقِّ فَيَتَواصَلُوا ويَكْثُرُوا، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذِهِ الوُجُوهُ غَيْرُ مُتَنافِيَةٍ، فَلَعَلَّهُ تَعالى يَفْعَلُ بِالمُطِيعِ كُلَّ ذَلِكَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ﴾ فَلَيْسَ بِتَكْرارٍ؛ لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ تَعْلِيمِهِ إيّاهم، وأمّا ”الحِكْمَةُ“ فَهي العِلْمُ بِسائِرِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلى تَفْصِيلِها، ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -”الحِكْمَةُ“ هي سُنَّةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فَهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرْسَلَهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وجَهالَةٍ مِنَ الأُمَمِ، فالخَلْقُ كانُوا مُتَحَيِّرِينَ ضالِّينَ في أمْرِ أدْيانِهِمْ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِالحَقِّ حَتّى عَلَّمَهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في دِينِهِمْ وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ النِّعَمِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English