Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:189–194, продолжение
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا دُخُولَ كُلِّ واجِبٍ واجْتِنابَ كُلِّ مُحَرَّمٍ تَحْتَهُ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لِكَيْ تُفْلِحُوا، والفَلاحُ هو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى إرادَتِهِ تَعالى الفَلاحَ مِن جَمِيعِهِمْ، لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ في الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
2:190Страница 29
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠
Сражайтесь на пути Аллаха с теми, кто сражается против вас, но не преступайте границы дозволенного. Воистину, Аллах не любит преступников.
الحُكْمُ العاشِرُ
ما يَتَعَلَّقُ بِالقِتالِ
﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾
صفحة ١٠٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالِاسْتِقامَةِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالتَّقْوى في طَرِيقِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ [البقرة: ١٨٩] وأمَرَ بِالتَّقْوى في طَرِيقِ طاعَةِ اللَّهِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ المَحْظُوراتِ وفِعْلِ الواجِباتِ فالِاسْتِقامَةُ عِلْمٌ، والتَّقْوى عَمَلٌ، ولَيْسَ التَّكْلِيفُ إلّا في هَذَيْنِ، ثُمَّ لَمّا أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأشَدِّ أقْسامِ التَّقْوى وأشَقِّها عَلى النَّفْسِ، وهو قَتْلُ أعْداءِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ النُّزُولِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ الرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، فَلَمّا نَزَلَتْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَ، ويَكُفُّ عَنْ قِتالِ مَن تَرَكَهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ إلى أنَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - خَرَجَ بِأصْحابِهِ لِإرادَةِ الحَجِّ ونَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ وهو مَوْضِعٌ كَثِيرُ الشَّجَرِ والماءِ، فَصَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنْ دُخُولِ البَيْتِ فَأقامَ شَهْرًا لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ صالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ العامَ ويَعُودَ إلَيْهِمْ في العامِ القابِلِ، ويَتْرُكُونَ لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ حَتّى يَطُوفَ ويَنْحَرَ الهَدْيَ ويَفْعَلَ ما شاءَ، فَرَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وصالَحَهم عَلَيْهِ، ثُمَّ عادَ إلى المَدِينَةِ وتَجَهَّزَ في السَّنَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ خافَ أصْحابُهُ مِن قُرَيْشٍ أنْ لا يَفُوا بِالوَعْدِ ويَصُدُّوهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وأنْ يُقاتِلُوهم، وكانُوا كارِهِينَ لِمُقاتَلَتِهِمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي الحَرَمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ، وبَيَّنَ لَهم كَيْفِيَّةَ المُقاتَلَةِ إنِ احْتاجُوا إلَيْها، فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في طاعَتِهِ وطَلَبِ رِضْوانِهِ، رَوى أبُو مُوسى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّنْ يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَقالَ: هو مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، ولا يُقاتِلُ رِياءً ولا سُمْعَةً» .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، المُرادُ مِنهُ: قاتِلُوا الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم إمّا عَلى وجْهِ الدَّفْعِ عَنِ الحَجِّ، أوْ عَلى وجْهِ المُقاتَلَةِ ابْتِداءً، وهَذا الوَجْهُ مُوافِقٌ لِما رَوَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: قاتِلُوا كُلَّ مَن لَهُ قُدْرَةٌ وأهْلِيَّةٌ عَلى القِتالِ.
وثالِثُها: قاتَلُوا كُلَّ مَن لَهُ قُدْرَةٌ عَلى القِتالِ وأهْلِيَّةٌ كَذَلِكَ سِوى مَن جَنَحَ لِلسَّلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنفال: ٦١] واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم فاعِلِينَ لِلْقِتالِ، فَأمّا المُسْتَعِدُّ لِلْقِتالِ والمُتَأهِّلُ لَهُ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُقاتِلًا إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ قِتالَ المُقاتِلِينَ، ونَهى عَنْ قِتالِ غَيْرِ المُقاتِلِينَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ ثُمَّ بَعْدَهُ: ولا تَعْتَدُوا هَذا القَدْرَ، ولا تُقاتِلُوا مَن لا يُقاتِلُكم، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مانِعَةٌ مِن قِتالِ غَيْرِ المُقاتِلِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فاقْتَضى هَذا حُصُولَ الأوَّلِ
صفحة ١١٠
فِي قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الأمْرِ بِقِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلْنا، لَكِنَّ هَذا الحُكْمَ ما صارَ مَنسُوخًا.
أمّا قَوْلُهُ: إنَّها دالَّةٌ عَلى المَنعِ مِن قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلْنا، فَهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٌ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ فَهَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخَرَ سِوى ما ذَكَرْتُمْ، مِنها أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تَبْدَؤُوا في الحَرَمِ بِقِتالٍ، ومِنها أنْ يَكُونَ المُرادُ: ولا تَعْتَدُوا بِقِتالِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قِتالِهِ مِنَ الَّذِينَ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ، أوْ بِالحِيلَةِ أوْ بِالمُفاجَأةِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ دَعْوَةٍ، أوْ بِقَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيانِ والشَّيْخِ الفانِي، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ لا تَكُونُ الآيَةُ مَنسُوخَةً.
فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ لا نَسْخَ في الآيَةِ، ولَكِنْ ما السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ أوَّلًا بِقِتالِ مَن يُقاتِلُ، ثُمَّ في آخِرِ الأمْرِ أذِنَ في قِتالِهِمْ سَواءً قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا.
قُلْنا: لِأنَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ المُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ، فَكانَ الصَّلاحُ اسْتِعْمالَ الرِّفْقِ واللِّينِ والمُجامَلَةِ، فَلَمّا قَوِيَ الإسْلامُ وكَثُرَ الجَمْعُ، وأقامَ مَن أقامَ مِنهم عَلى الشِّرْكِ، بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ وتَكَرُّرِها عَلَيْهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ، حَصَلَ اليَأْسُ مِن إسْلامِهِمْ، فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقِتالِهِمْ عَلى الإطْلاقِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ قالُوا: لَوْ كانَ الِاعْتِداءُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى وبِتَخْلِيقِهِ لَما صَحَّ هَذا الكَلامُ، وجَوابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ واللَّهُ أعْلَمُ.
2:191–192Страница 30
وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١
Убивайте их (многобожников), где бы вы их ни встретили, и изгоняйте их оттуда, откуда они вас изгнали. Искушение хуже, чем убийство. Но не сражайтесь с ними у Заповедной мечети, пока они не станут сражаться с вами в ней. Если же они станут сражаться с вами, то убивайте их. Таково воздаяние неверующим!
فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢
Но если они прекратят, то ведь Аллах - Прощающий, Милосердный.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الثَّقْفُ وُجُودُهُ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ ومِنهُ رَجُلٌ ثَقِيفٌ سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ، قالَ:
فَإمّا تَثْقَفُونِي فاقْتُلُونِي فَمَن أُثْقَفَ فَلَيْسَ إلى خُلُودٍ
ثُمَّ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ الخِطابُ فِيهِ واقِعٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ومَن هاجَرَ مَعَهُ وإنْ كانَ الغَرَضُ بِهِ لازِمًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ في الآيَةِ الأُولى وهُمُ الكُفّارُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ كانُوا في الحِلِّ والحَرَمِ، وفي الشَّهْرِ الحَرامِ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالجِهادِ في الآيَةِ الأُولى بِشَرْطِ إقْدامِ الكُفّارِ عَلى المُقاتَلَةِ، وفي هَذِهِ زادَ في التَّكْلِيفِ فَأمَرَ بِالجِهادِ مَعَهم سَواءٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، واسْتَثْنى مِنهُ المُقاتَلَةَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا فِي﴾
صفحة ١١١
﴿سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، ثُمَّ تِلْكَ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وهَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ.
أمّا قَوْلُهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، فَهَذا مِن بابِ التَّخْصِيصِ لا مِن بابِ النَّسْخِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَهو خَطَأٌ أيْضًا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالقِتالِ في الحَرَمِ، وهَذا الحُكْمُ ما نُسِخَ بَلْ هو باقٍ؛ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ ضَعِيفٌ ولِأنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ آياتٍ مُتَوالِيَةٍ تَكُونُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها ناسِخَةً لِلْأُخْرى.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإخْراجَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كَلَّفُوهُمُ الخُرُوجَ قَهْرًا.
والثّانِي: أنَّهم بالَغُوا في تَخْوِيفِهِمْ وتَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، حَتّى صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الخُرُوجِ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ صِيغَةَ ”حَيْثُ“ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أخْرِجُوهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي أخْرَجُوكم وهو مَكَّةُ.
والثّانِي: أخْرِجُوهم مِن مَنازِلِكم. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُخْرِجُوا أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن مَكَّةَ إنْ أقامُوا عَلى شِرْكِهِمْ إنْ تَمَكَّنُوا مِنهُ، لَكِنَّهُ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يَتَمَكَّنُونَ مِنهُ فِيما بَعْدُ، ولِهَذا السَّبَبِ أجْلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ مُشْرِكٍ مِنَ الحَرَمِ، ثُمَّ أجْلاهم أيْضًا مِنَ المَدِينَةِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَجْتَمِعُ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ» “ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ الفِتْنَةِ الكُفْرُ بِاللَّهِ تَعالى، وإنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ بِالفِتْنَةِ لِأنَّهُ فَسادٌ في الأرْضِ يُؤَدِّي إلى الظُّلْمِ والهَرْجِ، وفِيهِ الفِتْنَةُ، وإنَّما جَعَلَ الكُفْرَ أعْظَمَ مِنَ القَتْلِ، لِأنَّ الكُفْرَ ذَنْبٌ يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ بِهِ العِقابَ الدّائِمَ، والقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، والكُفْرُ يَخْرُجُ صاحِبُهُ بِهِ عَنِ الأُمَّةِ، والقَتْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَكانَ الكُفْرُ أعْظَمَ مِنَ القَتْلِ، ورُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ كانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الكُفّارِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فالمُؤْمِنُونَ عابُوهُ عَلى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَكانَ المَعْنى لَيْسَ لَكم أنْ تَسْتَعْظِمُوا الإقْدامَ عَلى القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَإنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ في الشَّهْرِ الحَرامِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّ الفِتْنَةَ أصْلُها عَرْضُ الذَّهَبِ عَلى النّارِ لِاسْتِخْلاصِهِ مِنَ الغِشِّ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِكُلِّ ما كانَ سَبَبًا لِلِامْتِحانِ تَشْبِيهًا بِهَذا الأصْلِ، والمَعْنى: أنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ وعَلى تَخْوِيفِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى تَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ صارُوا مُلْجَئِينَ إلى تَرْكِ الأهْلِ والوَطَنِ هَرَبًا مِن إضْلالِهِمْ في الدِّينِ، وتَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِمّا يَخافُونَ ويَحْذَرُونَ، فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ بَلْ هي أشَدُّ مِنَ القَتْلِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّخْلِيصَ مِن غُمُومِ الدُّنْيا وآفاتِها، وقالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: ما أشَدُّ مِن هَذا القَتْلِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكم جَزاءً غَيْرَ تِلْكَ الفِتْنَةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي يَلْزَمُهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اقْتُلُوهم مِن حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم، واعْلَمْ أنَّ وراءَ ذَلِكَ مِن عَذابِ اللَّهِ ما هو أشَدُّ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ [التوبة: ٥٢] وإطْلاقُ اسْمِ الفِتْنَةِ عَلى العَذابِ جائِزٌ، وذَلِكَ مِن بابِ إطْلاقِ
صفحة ١١٢
اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] أيْ عَذابَكم، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] أيْ عَذَّبُوهم، وقالَ: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] أيْ عَذابَهم كَعَذابِهِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ فِتْنَتَهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، أشَدَّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ، لِأنَّهم يَسْعَوْنَ في المَنعِ مِنَ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ الَّتِي ما خُلِقَتِ الجِنُّ والإنْسُ إلّا لَها.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ ارْتِدادَ المُؤْمِنِ أشَدُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يُقْتَلَ مُحِقًّا، والمَعْنى: وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم ولَوْ أتى ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكم فَإنَّكم إنْ قُتِلْتُمْ وأنْتُمْ عَلى الحَقِّ كانَ ذَلِكَ أوْلى بِكم وأسْهَلَ عَلَيْكم مِن أنْ تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكم أوْ تَتَكاسَلُوا في طاعَةِ رَبِّكم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا بَيانٌ لِبَقاءِ هَذا الشَّرْطِ في قِتالِهِمْ في هَذِهِ البُقْعَةِ خاصَّةً، وقَدْ كانَ مِن قَبْلُ شَرْطًا في كُلِّ القِتالِ وفي الأشْهُرِ الحُرُمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولا تَقْتُلُوهم حَتّى يَقْتُلُوكم فَإنْ قَتَلُوكم) كُلَّهُ بِغَيْرِ ألْفٍ، والباقُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالألْفِ، وهو في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وإنَّما كُتِبَتْ كَذَلِكَ لِلْإيجازِ، كَما كُتِبَ: الرَّحْمَنُ بِغَيْرِ ألْفٍ، وكَذَلِكَ: صَلِحُ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِن حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ، قالَ القاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ: القِراءَتانِ المَشْهُورَتانِ إذا لَمْ يَتَنافَ العَمَلُ وجَبَ العَمَلُ بِهِما، كَما يُعْمَلُ بِالآيَتَيْنِ إذا لَمْ يَتَنافَ العَمَلُ بِهِما، وما يَقْتَضِيهِ هاتانِ القِراءَتانِ المَشْهُورَتانِ لا تَنافِيَ فِيهِ، فَيَجِبُ العَمَلُ بِهِما ما لَمْ يَقَعِ النَّسْخُ فِيهِ. يُرْوى أنَّ الأعْمَشَ قالَ لِحَمْزَةَ: أرَأيْتَ قِراءَتَكَ إذا صارَ الرَّجُلُ مَقْتُولًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ يَصِيرُ قاتِلًا لِغَيْرِهِ ؟ فَقالَ حَمْزَةُ: إنَّ العَرَبَ إذا قُتِلَ رَجُلٌ مِنهم قالُوا قُتِلْنا، وإذا ضُرِبَ رَجُلٌ مِنهم قالُوا ضُرِبْنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحَنَفِيَّةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ المُلْتَجِئِ إلى الحَرَمِ، وقالُوا: لَمّا لَمْ يَجُزِ القَتْلُ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ بِسَبَبِ جِنايَةِ الكُفْرِ، فَلِأنْ لا يَجُوزَ القَتْلُ في المَسْجِدِ الحَرامِ بِسَبَبِ الذَّنْبِ الَّذِي هو دُونَ الكُفْرِ كانَ أوْلى، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ في كُتُبِ الخِلافِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وكانَ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ أنَّ ذَلِكَ القِتالَ لا يَزالُ وإنِ انْتَهَوْا وتابُوا كَما ثَبَتَ في كَثِيرٍ مِنَ الحُدُودِ أنَّ التَّوْبَةَ لا تُزِيلُهُ، فَقالَ تَعالى بَعْدَما أوْجَبَ القَتْلَ عَلَيْهِمْ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بَيَّنَ بِهَذا أنَّهم مَتى انْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ سَقَطَ وُجُوبُ القَتْلِ عَنْهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
* * *
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ القِتالِ، وقالَ الحَسَنُ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الشِّرْكِ.
حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإذْنِ في القِتالِ مَنعُ الكُفّارِ عَنِ المُقاتَلَةِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ مَحْمُولًا عَلى تَرْكِ المُقاتَلَةِ.
حُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ الكافِرَ لا يَنالُ غُفْرانَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِتَرْكِ القِتالِ، بَلْ بِتَرْكِ الكُفْرِ.
صفحة ١١٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِانْتِهاءُ عَنِ الكُفْرِ لا يَحْصُلُ في الحَقِيقَةِ إلّا بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: التَّوْبَةُ، والآخَرُ التَّمَسُّكُ بِالإسْلامِ، وإنْ كانَ قَدْ يُقالُ في الظّاهِرِ لِمَن أظْهَرَ الشَّهادَتَيْنِ: إنَّهُ انْتَهى عَنِ الكُفْرِ إلّا أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُؤَثِّرُ في حَقْنِ الدَّمِ فَقَطْ. أمّا الَّذِي يُؤَثِّرُ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ والغُفْرانِ والحُرْمَةِ فَلَيْسَ إلّا ما ذَكَرْنا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِن كُلِّ ذَنْبٍ مَقْبُولَةٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: التَّوْبَةُ عَنِ القَتْلِ العَمْدِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ خَطَأٌ، لِأنَّ الشِّرْكَ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ، فَإذا قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَةَ الكافِرِ فَقَبُولُ تَوْبَةِ القاتِلِ أوْلى، وأيْضًا فالكافِرُ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ جَمَعَ مَعَ كَوْنِهِ كافِرًا كَوْنَهُ قاتِلًا، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ كُلِّ كافِرٍ دَلَّ عَلى أنَّ تَوْبَتَهُ إذا كانَ قاتِلا مَقْبُولَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
2:193Страница 30
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣
Сражайтесь с ними, пока не исчезнет искушение и пока религия целиком не будет посвящена Аллаху. Но если они прекратят, то посягать можно только на беззаконников.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَوْمُ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] والصَّحِيحُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ البِدايَةَ بِالمُقاتَلَةِ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ نَفَتْ حُرْمَتَهُ أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ عامَّةٌ، ولَكِنْ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو الصَّحِيحُ أنَّ العامَّ سَواءٌ كانَ مُقَدَّمًا عَلى المُخَصَّصِ أوْ مُتَأخِّرًا عَنْهُ فَإنَّهُ يَصِيرُ مَخْصُوصًا بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِالفِتْنَةِ هَهُنا وُجُوهٌ:
أحَدُهُما: أنَّها الشِّرْكُ والكُفْرُ، قالُوا: كانَتْ فِتْنَتُهم أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ ويُؤْذُونَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ حَتّى ذَهَبُوا إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ واظَبُوا عَلى ذَلِكَ الإيذاءِ حَتّى ذَهَبُوا إلى المَدِينَةِ وكانَ غَرَضُهم مِن إثارَةِ تِلْكَ الفِتْنَةِ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم ويَرْجِعُوا كُفّارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَعْنى: قاتِلُوهم حَتّى تَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ فَلا يَفْتِنُوكم عَنْ دِينِكم فَلا تَقَعُوا في الشِّرْكِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى الفِتْنَةِ هَهُنا الجُرْمُ، قالَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِقِتالِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ مِنهُمُ القِتالُ الَّذِي إذا بَدَأُوا بِهِ كانَ فِتْنَةً عَلى المُؤْمِنِينَ لِما يَخافُونَ عِنْدَهُ مِن أنْواعِ المَضارِّ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ قِتالَهم لا يُزِيلُ الكُفْرَ ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ خَبَرَ اللَّهِ لا يَكُونُ حَقًّا ؟
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى الأغْلَبِ لِأنَّ الأغْلَبَ عِنْدَ قِتالِهِمْ زَوالُ الكُفْرِ والشِّرْكِ، لِأنَّ مَن قُتِلَ فَقَدْ زالَ كُفْرُهُ، ومَن لا يُقْتَلُ يُخافُ مِنهُ الثَّباتُ عَلى الكُفْرِ، فَإذا كانَ هَذا هو الأغْلَبُ جازَ أنْ يُقالَ ذَلِكَ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ قاتِلُوهم قَصْدًا مِنكم إلى زَوالِ الكُفْرِ، لِأنَّ الواجِبَ عَلى المُقاتِلِ لِلْكُفّارِ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ هَذا، ولِذَلِكَ مَتى ظَنَّ أنَّ مَن يُقاتِلُهُ يُقْلِعُ عَنِ الكُفْرِ بِغَيْرِ القِتالِ وجَبَ عَلَيْهِ العُدُولُ عَنْهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى حَمْلِ الفِتْنَةِ عَلى الشِّرْكِ، لِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الشِّرْكِ وبَيْنَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ واسِطَةٌ، والمُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ تَعالى هو المَعْبُودَ المُطاعَ دُونَ سائِرِ ما يُعْبَدُ ويُطاعُ غَيْرُهُ، فَصارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وقاتِلُوهم حَتّى يَزُولَ الكُفْرُ ويَثْبُتَ الإسْلامُ، وحَتّى يَزُولَ ما يُؤَدِّي إلى العِقابِ
صفحة ١١٤
ويَحْصُلَ ما يُؤَدِّي إلى الثَّوابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وفي ذَلِكَ بَيانُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِالقِتالِ لِهَذا المَقْصُودِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ فالمُرادُ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهُ وجَبَ قِتالُهم، وهو إمّا كُفْرُهم أوْ قِتالُهم، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَجُوزُ قِتالُهم، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ، أيْ فَلا قَتْلَ إلّا عَلى الَّذِينَ لا يَنْتَهُونَ عَلى الكُفْرِ فَإنَّهم بِإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
فَإنْ قِيلَ: لَمْ سُمِّيَ ذَلِكَ القَتْلُ عُدْوانًا مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ حَقٌّ وصَوابٌ ؟
قُلْنا: لِأنَّ ذَلِكَ القَتْلَ جَزاءُ العُدْوانِ فَصَحَّ إطْلاقُ اسْمِ العُدْوانِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾، ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، والثّانِي: إنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهم بَعْدَ انْتِهائِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ والقِتالِ كُنْتُمْ أنْتُمْ ظالِمِينَ فَنُسَلِّطَ عَلَيْكم مَن يَعْتَدِي عَلَيْكم.
2:194Страница 30
ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤
Запретный месяц - за запретный месяц, а за нарушение запретов - возмездие. Если кто посягнул на вас, то и вы посягните на него, подобно тому, как он посягнул на вас. Бойтесь Аллаха и знайте, что Аллах - с богобоязненными.
قُوَلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أباحَ القِتالَ وكانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا فِيما بَيْنَهم، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُزِيلُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ لِلْعُمْرَةِ وكانَ ذَلِكَ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، فَصَدَّهُ أهْلُ مَكَّةَ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ صالَحُوهُ عَنْ أنْ يَنْصَرِفَ ويَعُودَ في العامِ القابِلِ حَتّى يَتْرُكُوا لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في العامِ القابِلِ وهو في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ ودَخَلَ مَكَّةَ واعْتَمَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» يَعْنِي: أنَّكَ دَخَلْتَ الحَرَمَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، والقَوْمُ كانُوا صَدُّوكَ في السَّنَةِ الماضِيَةِ في هَذا الشَّهْرِ فَهَذا الشَّهْرُ بِذاكَ الشَّهْرِ.
وثانِيها: ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الكُفّارَ سَمِعُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى الرَّسُولَ ﷺ عَنْ أنْ يُقاتِلَهم في الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَأرادُوا مُقاتَلَتَهُ وظَنُّوا أنَّهُ لا يُقاتِلُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِبَيانِ الحُكْمِ في هَذِهِ الواقِعَةِ، فَقالَ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ أيْ مَنِ اسْتَحَلَّ دَمَكم مِنَ المُشْرِكِينَ في الشَّهْرِ الحَرامِ فاسْتَحِلُّوهُ فِيهِ.
وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ قَوْمٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ وهو أنَّ الشَّهْرَ الحَرامَ لَمّا لَمْ يَمْنَعْكم عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ، فَكَيْفَ يَمْنَعُنا عَنْ مُقاتَلَتِكم، فالشَّهْرُ الحَرامُ مِن جانِبِنا، مُقابَلٌ بِالشَّهْرِ الحَرامِ مِن جانِبِكم، والحاصِلُ في
صفحة ١١٥
الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرامِ لَمّا لَمْ تَمْنَعْهم عَنِ الكُفْرِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ، فَكَيْفَ جَعَلُوهُ سَبَبًا في أنْ يَمْنَعَ لِلْقِتالِ مِن شَرِّهِمْ وفَسادِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحُرُماتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ والحُرْمَةُ ما مُنِعَ مِنِ انْتِهاكِهِ والقِصاصُ المُساواةُ وإذا عَرَفْتَ هَذا فَفي هَذِهِ الآيَةِ تَعُودُ تِلْكَ الوُجُوهُ.
أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ المُرادَ بِالحُرُماتِ: الشَّهْرُ الحَرامُ، والبَلَدُ الحَرامُ، وحُرْمَةُ الإحْرامِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ مَعْناهُ أنَّهم لَمّا أضاعُوا هَذِهِ الحُرُماتِ في سَنَةِ سِتٍّ فَقَدْ وُفِّقْتُمْ حَتّى قَضَيْتُمُوهُ عَلى زَعْمِكم في سَنَةِ سَبْعٍ.
وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَهو أنَّ المُرادَ: إنْ أقْدَمُوا عَلى مُقاتَلَتِكم فَقاتِلُوهم أنْتُمْ أيْضًا، قالَ الزَّجّاجُ: وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَهِكُوا هَذِهِ الحُرُماتِ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ القِصاصِ، وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] وبِما بَعْدَها وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ .
أمّا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ: فَقَوْلُهُ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ يَعْنِي حُرْمَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّهْرَيْنِ كَحُرْمَةِ الآخَرِ فَهُما مِثْلانِ، والقِصاصُ هو المِثْلُ فَلَمّا لَمْ يَمْنَعْكم حُرْمَةُ الشَّهْرِ مِنَ الكُفْرِ والفِتْنَةِ والقِتالِ فَكَيْفَ يَمْنَعُنا عَنِ القِتالِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾، فالمُرادُ مِنهُ: الأمْرُ بِما يُقابِلُ الِاعْتِداءَ مِنَ الجَزاءِ؛ والتَّقْدِيرُ: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فَقابِلُوهُ، والسَّبَبُ في تَسْمِيَتِهِ اعْتِداءً قَدْ تَقَدَّمَ ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَّقْوى، ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ بِالمَعُونَةِ والنُّصْرَةِ والحِفْظِ والعِلْمِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا في مَكانٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ، فَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَعَ أحَدٍ مِنهم ولَمْ يَكُنْ مَعَ الآخَرِ أوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ وبَعْضٌ مِن أبْعاضِهِ تَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии