Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:217–218, продолжение
أمّا البَحْثُ الفُرُوعِيُّ: فَهو أنَّ المُسْلِمَ إذا صَلّى ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ في الوَقْتِ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا إعادَةَ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَزِمَهُ قَضاءُ ما أدّى وكَذَلِكَ الحَجُّ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ شَرْطٌ في حُبُوطِ العَمَلِ أنْ يَمُوتَ وهو كافِرٌ، وهَذا الشَّخْصُ لَمْ يُوجَدْ في حَقِّهِ هَذا الشَّرْطُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِيرَ عَمَلُهُ مُحْبَطًا، فَإنْ قِيلَ: هَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٨] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائِدَةِ: ٥] لا يُقالُ: حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ واجِبٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: لَيْسَ هَذا مِن بابِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ مَن عَلَّقَ حُكْمًا بِشَرْطَيْنِ، وعَلَّقَهُ بِشَرْطِ أنَّ الحُكْمَ يَنْزِلُ عِنْدَ أيِّهِما وُجِّهَ، كَمَن قالَ لِعَبْدِهِ: أنْتَ حُرٌّ إذا جاءَ يَوْمُ الخَمِيسِ، أنْتَ حُرٌّ إذا جاءَ يَوْمُ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ: لا يَبْطُلُ واحِدٌ مِنهُما، بَلْ إذا جاءَ يَوْمُ الخَمِيسِ عَتَقَ، ولَوْ كانَ باعَهُ فَجاءَ يَوْمُ الخَمِيسِ ولَمْ يَكُنْ في مِلْكِهِ، ثُمَّ اشْتَراهُ ثُمَّ جاءَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وهو في مِلْكِهِ عَتَقَ بِالتَّعْلِيقِ الأوَّلِ.
والسُّؤالُ الثّانِي عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المَوْتَ عَلى الرِّدَّةِ شَرْطٌ لِمَجْمُوعِ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ، فَإنَّ مِن جُمْلَةِ هَذِهِ الأحْكامِ: الخُلُودَ في النّارِ وذَلِكَ لا يَثْبُتُ إلّا مَعَ هَذا الشَّرْطِ، وإنَّما الخِلافُ في حَبْطِ الأعْمالِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَوْتَ عَلى الرِّدَّةِ شَرْطٌ فِيهِ.
والجَوابُ: أنَّ هَذا مِن بابِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ لا مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطٍ واحِدٍ وبِشَرْطَيْنِ؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ وبِشَرْطَيْنِ إنَّما يَصِحُّ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقُهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مانِعًا مِن تَعْلِيقِهِ بِالآخَرِ، وفي مَسْألَتِنا لَوْ جَعَلْنا مُجَرَّدَ الرِّدَّةِ مُؤَثِّرًا في الحُبُوطِ لَمْ يَبْقَ لِلْمَوْتِ عَلى الرِّدَّةِ أثَرٌ في الحُبُوطِ أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، فَعَلِمْنا أنَّ
صفحة ٣٣
هَذا لَيْسَ مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطٍ وبِشَرْطَيْنِ، بَلْ مِن بابِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَجَوابُهُ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الرِّدَّةَ إنَّما تُوجِبُ الحُبُوطَ بِشَرْطِ المَوْتِ عَلى الرِّدَّةِ، وإنَّما تُوجِبُ الخُلُودَ في النّارِ بِشَرْطِ المَوْتِ عَلى الرِّدَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَذَلِكَ السُّؤالُ ساقِطٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الحَبَطِ أنْ تَأْكُلَ الإبِلُ شَيْئًا يَضُرُّها فَتَعْظُمَ بُطُونُها فَتَهْلِكَ، وفي الحَدِيثِ: ”«وإنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أوْ يُلِمُّ» “ فَسَمّى بُطْلانَ الأعْمالِ بِهَذا؛ لِأنَّهُ كَفَسادِ الشَّيْءِ بِسَبَبِ وُرُودِ المُفْسِدِ عَلَيْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن إحْباطِ العَمَلِ لَيْسَ هو إبْطالَ نَفْسِ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ شَيْءٌ كُلَّما وُجِدَ فَنِيَ وزالَ، وإعْدامُ المَعْدُومِ مُحالٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَكَلِّمُونَ فِيهِ، فَقالَ المُثْبِتُونَ لِلْإحْباطِ والتَّكْفِيرِ: المُرادُ مِنهُ أنَّ عِقابَ الرِّدَّةِ الحادِثَةِ يُزِيلُ ثَوابَ الإيمانِ السّابِقِ، إمّا بِشَرْطِ المُوازَنَةِ عَلى ما هو مَذْهَبُ أبِي هاشِمٍ وجُمْهُورِ المُتَأخِّرِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ أوْ لا بِشَرْطِ المُوازَنَةِ عَلى ما هو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ، وقالَ المُنْكِرُونَ لِلْإحْباطِ بِهَذا المَعْنى: المُرادُ مِنَ الإحْباطِ الوارِدِ في كِتابِ اللَّهِ هو أنَّ المُرْتَدَّ إذا أتى بِالرِّدَّةِ فَتِلْكَ الرِّدَّةُ عَمَلٌ مُحْبِطٌ؛ لِأنَّ الآتِيَ بِالرِّدَّةِ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بَدَلَها بِعَمَلٍ يَسْتَحِقُّ بِهِ ثَوابًا، فَإذا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ العَمَلِ الجَيِّدِ وأتى بَدَلَهُ بِهَذا العَمَلِ الرَّدِيءِ الَّذِي لا يَسْتَفِيدُ مِنهُ نَفْعًا، بَلْ يَسْتَفِيدُ مِنهُ أعْظَمَ المَضارِّ، يُقالُ: إنَّهُ أحْبَطَ عَمَلَهُ أيْ أتى بِعَمَلٍ باطِلٍ لَيْسَ فِيهِ فائِدَةٌ، بَلْ فِيهِ مَضَرَّةٌ، ثُمَّ قالَ المُنْكِرُونَ لِلْإحْباطِ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ الإحْباطِ، إمّا أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً في لَفْظِ الإحْباطِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ حَقِيقَةً فِيهِ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وإنْ كانَ مَجازًا وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ؛ لِأنّا ذَكَرْنا الدَّلائِلَ القاطِعَةَ في مَسْألَةِ أنَّ المُوافاةَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ، عَلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ أثَرَ الفِعْلِ الحادِثِ يُزِيلُ أثَرَ الفِعْلِ السّابِقِ مُحالٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا حُبُوطُ الأعْمالِ في الدُّنْيا، فَهو أنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِ ويُقاتَلُ إلى أنْ يُظْفَرَ بِهِ، ولا يَسْتَحِقُّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُوالاةً ولا نَصْرًا ولا ثَناءً حَسَنًا، وتَبِينُ زَوْجَتُهُ مِنهُ ولا يَسْتَحِقُّ المِيراثَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا﴾ أنَّ ما يُرِيدُونَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مِنَ الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ ومُكايَدَتِهِمْ بِالِانْتِقالِ عَنْ دِينِهِمْ يَبْطُلُ كُلُّهُ، فَلا يَحْصُلُونَ مِنهُ عَلى شَيْءٍ لِإعْزازِ اللَّهِ الإسْلامَ بِأنْصارِهِ، فَتَكُونُ الأعْمالُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما يَعْمَلُونَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وأمّا حُبُوطُ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ فَعِنْدَ القائِلِينَ بِالإحْباطِ مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ اسْتِحْقاقَهم لِلثَّوابِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِأعْمالِهِمُ السّالِفَةِ، وعِنْدَ المُنْكِرِينَ لِذَلِكَ مَعْناهُ: أنَّهم لا يَسْتَفِيدُونَ مِن تِلْكَ الرِّدَّةِ ثَوابًا ونَفْعًا في الآخِرَةِ، بَلْ يَسْتَفِيدُونَ مِنها أعْظَمَ المَضارِّ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ المَضَرَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
2:218Страница 34
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨
Воистину, те, которые уверовали, совершили переселение и сражались на пути Аллаха, надеются на милость Аллаха. А ведь Аллах - Прощающий, Милосердный.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
صفحة ٣٤
فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَبْ أنَّهُ لا عِقابَ فِيما فَعَلْنا، فَهَلْ نَطْمَعُ مِنهُ أجْرًا وثَوابًا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»؛ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ مُؤْمِنًا، وكانَ مُهاجِرًا، وكانَ بِسَبَبِ هَذِهِ المُقاتَلَةِ مُجاهِدًا.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الجِهادَ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٦] وبَيَّنَ أنَّ تَرْكَهُ سَبَبٌ لِلْوَعِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن يَقُومُ بِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا يَكادُ يُوجَدُ وعِيدٌ إلّا ويَعْقُبُهُ وعْدٌ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هاجَرُوا﴾ أيْ فارَقُوا أوْطانَهم وعَشائِرَهم، وأصْلُهُ مِنَ الهَجْرِ الَّذِي هو ضِدُّ الوَصْلِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَلامِ القَبِيحِ: هُجْرٌ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُهْجَرَ، والهاجِرَةُ وقْتٌ يُهْجَرُ فِيهِ العَمَلُ، والمُهاجَرَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الهِجْرَةِ، وجازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ الأحْبابَ والأقارِبَ هَجَرُوهُ بِسَبَبِ هَذا الدِّينِ، وهو أيْضًا هَجَرَهم بِهَذا السَّبَبِ، فَكانَ ذَلِكَ مُهاجَرَةً، وأمّا المُجاهَدَةُ فَأصْلُها مِنَ الجَهْدِ الَّذِي هو المَشَقَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المُجاهَدَةِ أنْ يَضُمَّ جُهْدَهُ إلى جُهْدٍ آخَرَ في نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ، كَما أنَّ المُساعَدَةَ عِبارَةٌ عَنْ ضَمِّ الرَّجُلِ ساعِدَهُ إلى ساعِدٍ آخَرَ لِيَحْصُلَ التَّأْيِيدُ والقُوَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجاهَدَةِ بَذْلَ الجُهْدِ في قِتالِ العَدُوِّ، وعِنْدَ فِعْلِ العَدُوِّ مِثْلَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ مُفاعَلَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الرَّجاءُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ظَنِّ المَنافِعِ الَّتِي يَتَوَقَّعُها، وأرادَ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ أنَّهم يَطْمَعُونَ في ثَوابِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ ما كانَ قاطِعًا بِالفَوْزِ والثَّوابِ في عَمَلِهِ، بَلْ كانَ يَتَوَقَّعُهُ ويَرْجُوهُ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ جُعِلَ الوَعْدُ مُطْلَقًا بِالرَّجاءِ، ولَمْ يَقَعْ بِهِ كَما في سائِرِ الآياتِ ؟
قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الثَّوابَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا، بَلْ بِحُكْمِ الوَعْدِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالرَّجاءِ.
وثانِيها: هَبْ أنَّهُ واجِبٌ عَقْلًا بِحُكْمِ الوَعْدِ، ولَكِنَّهُ تَعَلَّقَ بِأنْ لا يَكْفُرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا الشَّرْطُ مَشْكُوكٌ فِيهِ لا مُتَيَقَّنٌ، فَلا جَرَمَ كانَ الحاصِلُ هو الرَّجاءَ لا القَطْعَ.
وثالِثُها: أنَّ المَذْكُورَ هَهُنا هو الإيمانُ، والهِجْرَةُ، والجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا بُدَّ لِلْإنْسانِ مَعَ ذَلِكَ مِن سائِرِ الأعْمالِ، وهو أنْ يَرْجُوَ أنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ لَها، كَما وفَّقَهُ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا جَرَمَ عَلَّقَهُ عَلى الرَّجاءِ.
ورابِعُها: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ شَكَّكَ العَبْدَ في هَذِهِ المَغْفِرَةِ، بَلِ المُرادُ وصْفُهم بِأنَّهم يُفارِقُونَ الدُّنْيا مَعَ الهِجْرَةِ والجِهادِ، مُسْتَقْصِرِينَ أنْفُسَهم في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، يَرَوْنَ أنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهُ حَقَّ عِبادَتِهِ، ولَمْ يَقْضُوا ما يَلْزَمُهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، فَيُقْدِمُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الرَّجاءِ: القَطْعُ واليَقِينُ في أصْلِ الثَّوابِ، والظَّنُّ إنَّما دَخَلَ في كَمِّيَّتِهِ وفي وقْتِهِ، وفِيهِ وُجُوهٌ قَرَّرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٦] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحَقِّقُ لَهم رَجاءَهم إذا ماتُوا عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، غَفَرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وأصْحابِهِ ما لَمْ يَعْلَمُوا ورَحِمَهم.
صفحة ٣٥
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии