Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:243–245
2:243Страница 39
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٢٤٣
Разве ты не знаешь о тех, которые покинули свои жилища, опасаясь смерти, хотя их были тысячи? Аллах сказал им: «Умрите!». Затем Он оживил их. Воистину, Аллах милостив к людям, однако большинство людей неблагодарны.
القِصَّةُ الأُولى مِن قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ عادَتَهُ تَعالى في القُرْآنِ أنْ يَذْكُرَ بَعْدَ بَيانِ الأحْكامِ القِصَصَ لِيُفِيدَ الِاعْتِبارَ لِلسّامِعِ، ويَحْمِلَهُ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ عَلى تَرْكِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ، ومَزِيدِ الخُضُوعِ والِانْقِيادِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: (ألَمْ تَرَ) فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى رُؤْيَةِ البَصِيرَةِ والقَلْبِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى العِلْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ [البقرة: ١٢٨] مَعْناهُ: عَلِّمْنا، وقالَ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أيْ: عَلَّمَكَ، ثُمَّ إنَّ هَذا اللَّفْظَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما تَقَدَّمَ لِلْمُخاطَبِ العِلْمُ بِهِ، وفِيما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ يُرِيدُ تَعْرِيفَهُ ابْتِداءً: ألَمْ تَرَ إلى ما جَرى عَلى فُلانٍ، فَيَكُونُ هَذا ابْتِداءَ تَعْرِيفٍ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَعْرِفْ هَذِهِ القِصَّةَ إلّا بِهَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ نَقُولَ: كانَ العِلْمُ بِها سابِقًا عَلى نُزُولِ هَذِهِ
صفحة ١٣٨
الآيَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى وفْقِ ذَلِكَ العِلْمِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا الكَلامُ ظاهِرُهُ خِطابٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلّا أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو وأُمَّتَهُ، إلّا أنَّهُ وقَعَ الِابْتِداءُ بِالخِطابِ مَعَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دُخُولُ لَفْظَةِ (إلى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ (إلى) عِنْدَهم حَرْفٌ لِلِانْتِهاءِ كَقَوْلِكَ: مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، فَمَن عَلِمَ بِتَعْلِيمِ مُعَلِّمٍ، فَكَأنَّ ذَلِكَ المُعَلِّمَ أوْصَلَ ذَلِكَ المُتَعَلِّمَ إلى ذَلِكَ المَعْلُومِ وأنْهاهُ إلَيْهِ، فَحَسُنَ مِن هَذا الوَجْهِ دُخُولُ حَرْفِ (إلى) فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ فَفِيهِ رِواياتٌ:
أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ قَرْيَةٌ وقَعَ فِيها الطّاعُونُ، وهَرَبَ عامَّةُ أهْلِها، والَّذِينَ بَقُوا ماتَ أكْثَرُهم، وبَقِيَ قَوْمٌ مِنهم في المَرَضِ والبَلاءِ، ثُمَّ بَعْدَ ارْتِفاعِ المَرَضِ والطّاعُونِ، رَجَعَ الَّذِينَ هَرَبُوا سالِمِينَ، فَقالَ مَن بَقِيَ مِنَ المَرْضى: هَؤُلاءِ أحْرَصُ مِنّا، لَوْ صَنَعْنا ما صَنَعُوا لَنَجَوْنا مِنَ الأمْراضِ والآفاتِ، ولَئِنْ وقَعَ الطّاعُونُ ثانِيًا خَرَجْنا فَوَقَعَ وهَرَبُوا وهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا، فَلَمّا خَرَجُوا مِن ذَلِكَ الوادِي، ناداهم مَلَكٌ مِن أسْفَلِ الوادِي، وآخَرُ مِن أعْلاهُ: أنْ مُوتُوا، فَهَلَكُوا وبَلِيَتْ أجْسامُهم، فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ حِزْقِيلُ، فَلَمّا رَآهم وقَفَ عَلَيْهِمْ وتَفَكَّرَ فِيهِمْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أتُرِيدُ أنْ أُرِيَكَ كَيْفَ أُحْيِيهِمْ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: نادِ: أيَّتُها العِظامُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَجْتَمِعِي، فَجَعَلَتِ العِظامُ يَطِيرُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، حَتّى تَمَّتِ العِظامُ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: نادِ: يا أيَّتُها العِظامُ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَكْتَسِي لَحْمًا ودَمًا، فَصارَتْ لَحْمًا ودَمًا، ثُمَّ قِيلَ: نادِ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَقُومِي فَقامَتْ، فَلَمّا صارُوا أحْياءً قامُوا، وكانُوا يَقُولُونَ: ”سُبْحانَكَ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ لا إلَهَ إلّا أنْتَ“ ثُمَّ رَجَعُوا إلى قَرْيَتِهِمْ بَعْدَ حَياتِهِمْ، وكانَتْ أماراتُ أنَّهم ماتُوا ظاهِرَةً في وُجُوهِهِمْ ثُمَّ بَقُوا إلى أنْ ماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِحَسَبِ آجالِهِمْ.
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ مَلِكا مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ أمَرَ عَسْكَرَهُ بِالقِتالِ، فَخافُوا القِتالَ وقالُوا لِمَلِكِهِمْ: إنَّ الأرْضَ الَّتِي نَذْهَبُ إلَيْها فِيها الوَباءُ، فَنَحْنُ لا نَذْهَبُ إلَيْها حَتّى يَزُولَ ذَلِكَ الوَباءُ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأسْرِهِمْ، وبَقُوا ثَمانِيَةَ أيّامٍ حَتّى انْتَفَخُوا، وبَلَغَ بَنِي إسْرائِيلَ مَوْتُهم، فَخَرَجُوا لِدَفْنِهِمْ، فَعَجَزُوا مِن كَثْرَتِهِمْ، فَحَظَّرُوا عَلَيْهِمْ حَظائِرَ، فَأحْياهُمُ اللَّهُ بَعْدَ الثَّمانِيَةِ، وبَقِيَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ النَّتَنِ وبَقِيَ ذَلِكَ في أوْلادِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] .
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ حِزْقِيلَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ نَدَبَ قَوْمَهُ إلى الجِهادِ فَكَرِهُوا وجَبُنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَوْتَ، فَلَمّا كَثُرَ فِيهِمْ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ فِرارًا مِنَ المَوْتِ، فَلَمّا رَأى حِزْقِيلُ ذَلِكَ قالَ: اللَّهُمَّ إلَهَ يَعْقُوبَ وإلَهَ مُوسى، تَرى مَعْصِيَةَ عِبادِكَ فَأرِهِمْ آيَةً في أنْفُسِهِمْ تَدُلُّهم عَلى نَفاذِ قُدْرَتِكَ، وأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَتِكَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَوْتَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضاقَ صَدْرُهُ بِسَبَبِ مَوْتِهِمْ، فَدَعا مَرَّةً أُخْرى فَأحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ العَدَدِ، واخْتَلَفُوا في مَبْلَغِ
صفحة ١٣٩
عَدَدِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَمْ يَكُونُوا دُونَ ثَلاثَةِ آلافٍ، ولا فَوْقَ سَبْعِينَ ألْفًا، والوَجْهُ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ أنْ يَكُونَ عَدَدُهم أزْيَدَ مِن عَشَرَةِ آلافٍ لِأنَّ الأُلُوفَ جَمْعُ الكَثْرَةِ، ولا يُقالُ في عَشَرَةٍ فَما دُونَها: أُلُوفٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأُلُوفَ جَمْعُ آلافٍ كَقُعُودٍ وقاعِدٍ، وجُلُوسٍ وجالِسٍ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ، قالَ القاضِي: الوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ وُرُودَ المَوْتِ عَلَيْهِمْ وهم كَثْرَةٌ عَظِيمَةٌ يُفِيدُ مَزِيدَ اعْتِبارٍ بِحالِهِمْ، لِأنَّ مَوْتَ جَمْعٍ عَظِيمٍ دَفْعَةً واحِدَةً لا يَتَّفِقُ وُقُوعُهُ يُفِيدُ اعْتِبارًا عَظِيمًا، فَأمّا وُرُودُ المَوْتِ عَلى قَوْمٍ بَيْنَهُمُ ائْتِلافٌ ومَحَبَّةٌ، كَوُرُودِهِ وبَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في أنَّ وجْهَ الِاعْتِبارِ لا يَتَغَيَّرُ ولا يَخْتَلِفُ.
ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِأنَّ المُرادَ كَونُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم آلِفًا لِحَياتِهِ، مُحِبًّا لِهَذِهِ الدُّنْيا فَيَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى ما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] ثُمَّ إنَّهم مَعَ غايَةِ حُبِّهِمْ لِلْحَياةِ وأُلْفِهِمْ بِها، أماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَكَهم، لِيَعْلَمَ أنَّ حِرْصَ الإنْسانِ عَلى الحَياةِ لا يَعْصِمُهُ مِنَ المَوْتِ فَهَذا القَوْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ في غايَةِ البُعْدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ فَهو مَنصُوبٌ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ لِحَذَرِ المَوْتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَحْذَرُ المَوْتَ، فَلَمّا خَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِالذِّكْرِ، عَلِمَ أنَّ سَبَبَ المَوْتِ كانَ في تِلْكَ الواقِعَةِ أكْثَرَ، إمّا لِأجْلِ غَلَبَةِ الطّاعُونِ أوْ لِأجْلِ الأمْرِ بِالمُقاتَلَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فَفي تَفْسِيرِ (قالَ اللَّهُ) وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ إثْباتَ قَوْلٍ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى مَتى أرادَ ذَلِكَ وقَعَ مِن غَيْرِ مَنعٍ وتَأْخِيرٍ، ومِثْلُ هَذا عُرْفٌ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (ثُمَّ أحْياهم) فَإذا صَحَّ الإحْياءُ بِالقَوْلِ، فَكَذا القَوْلُ في الإماتَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ أنْ يَقُولَ لَهم: مُوتُوا، وأنْ يَقُولَ عِنْدَ الإحْياءِ ما رُوِّيناهُ عَنِ السُّدِّيِّ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا ما رُوِّيناهُ مِن أنَّ المَلَكَ قالَ ذَلِكَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (ثُمَّ أحْياهم) فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أحْياهم بَعْدَ أنْ ماتُوا فَوَجَبَ القَطْعُ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ جائِزٌ، والصّادِقُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِهِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِوُقُوعِهِ، أمّا الإمْكانُ؛ فَلِأنَّ تَرَكُّبَ الأجْزاءِ عَلى الشَّكْلِ المَخْصُوصِ مُمْكِنٌ، وإلّا لَما وُجِدَ أوَّلًا، واحْتِمالُ تِلْكَ الأجْزاءِ لِلْحَياةِ مُمْكِنٌ، وإلّا لَما وُجِدَ أوَّلًا، ومَتى ثَبَتَ هَذا فَقَدَ ثَبَتَ الإمْكانُ، وأمّا إنَّ الصّادِقَ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ فَفي هَذِهِ الآيَةِ، ومَتى أخْبَرَ الصّادِقُ عَنْ وُقُوعِ ما ثَبَتَ في العَقْلِ إمْكانُ وُقُوعِهِ وجَبَ القَطْعُ بِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إحْياءُ المَيِّتِ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارُهُ إلّا عِنْدَما يَكُونُ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ، إذْ لَوْ جازَ ظُهُورُهُ لا لِأجْلِ أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ لَبَطَلَتْ دَلالَتُهُ عَلى النُّبُوَّةِ، وأمّا عِنْدَ أصْحابِنا فَإنَّهُ يَجُوزُ إظْهارُ خَوارِقِ العاداتِ لِكَرامَةِ الوَلِيِّ، ولِسائِرِ الأغْراضِ، فَكانَ هَذا الحَصْرُ باطِلًا، ثُمَّ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذا الإحْياءَ إنَّما وقَعَ في زَمانِ حِزْقِيلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَرَكَةِ دُعائِهِ، وهَذا يُحَقِّقُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ مِثْلَ هَذا لا يُوجَدُ إلّا لِيَكُوَنَ مُعْجِزَةً لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ
صفحة ١٤٠
هُوَ ذُو الكِفْلِ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَكَفَّلَ بِشَأْنِ سَبْعِينَ نَبِيًّا وأنْجاهم مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِهِمْ وهم مَوْتى، فَجَعَلَ يُفَكِّرُ فِيهِمْ مُتَعَجِّبًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: إنْ أرَدْتَ أحْيَيْتُهم وجَعَلْتُ ذَلِكَ الإحْياءَ آيَةً لَكَ، فَقالَ: نَعَمْ. فَأحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى بِدُعائِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ مَعارِفَ المُكَلَّفِينَ تَصِيرُ ضَرُورِيَّةً عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، وعِنْدَ مُعايَنَةِ الأهْوالِ والشَّدائِدِ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهم، لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم عايَنُوا الأهْوالَ والأحْوالَ الَّتِي مَعَها صارَتْ مَعارِفُهم ضَرُورِيَّةً، وإمّا ما شاهَدُوا شَيْئًا مِن تِلْكَ الأهْوالِ بَلِ اللَّهُ تَعالى أماتَهم بَغْتَةً، كالنَّوْمِ الحادِثِ مِن غَيْرِ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ البَتَّةَ، فَإنْ كانَ الحَقُّ هو الأوَّلَ، فَعِنْدَما أحْياهم يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّهم نَسُوا تِلْكَ الأهْوالَ ونَسُوا ما عَرَفُوا بِهِ رَبَّهم بِضَرُورَةِ العَقْلِ؛ لِأنَّ الأحْوالَ العَظِيمَةَ لا يَجُوزُ نِسْيانُها مَعَ كَمالِ العَقْلِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ تَبْقى تِلْكَ المَعارِفُ الضَّرُورِيَّةُ مَعَهم بَعْدَ الإحْياءِ، وبَقاءُ تِلْكَ المَعارِفِ الضَّرُورِيَّةِ يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، كَما أنَّهُ لا يَبْقى التَّكْلِيفُ في الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم بَقُوا بَعْدَ الإحْياءِ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِنهُ، أوْ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حِينَ أماتَهم ما أراهم شَيْئًا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَصِيرُ مَعارِفُهم عِنْدَها ضَرُورِيَّةً، وما كانَ ذَلِكَ المَوْتُ كَمَوْتِ سائِرِ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ يُعايِنُونَ الأهْوالَ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ قَتادَةُ: إنَّما أحْياهم لِيَسْتَوْفُوا بَقِيَّةَ آجالِهِمْ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ كَلامٌ كَثِيرٌ وبَحْثٌ طَوِيلٌ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَفَضَّلَ عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ أماتَهم بِسَبَبِ أنَّهُ أحْياهم، وذَلِكَ لِأنَّهم خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا عَلى المَعْصِيَةِ، فَهو تَعالى أعادَهم إلى الدُّنْيا ومَكَّنَهم مِنَ التَّوْبَةِ والتَّلافِي. وثانِيها: أنَّ العَرَبَ الَّذِينَ كانُوا يُنْكِرُونَ المَعادَ كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِ اليَهُودِ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، فَلَمّا نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ الَّتِي كانَتْ مَعْلُومَةً لَهم، وهم يَذْكُرُونَها لِلْعَرَبِ المُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ، فالظّاهِرُ أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ يَرْجِعُونَ مِنَ الدِّينِ الباطِلِ الَّذِي هو الإنْكارُ إلى الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي هو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، فَيَخْلُصُونَ مِنَ العِقابِ، ويَسْتَحِقُّونَ الثَّوابَ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وإحْسانًا في حَقِّ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ.
وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحَذَرَ مِنَ المَوْتِ لا يُفِيدُ، فَهَذِهِ القِصَّةُ تُشَجِّعُ الإنْسانَ عَلى الإقْدامِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ كانَ، وتُزِيلُ عَنْ قَلْبِهِ الخَوْفَ مِنَ المَوْتِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ سَبَبًا لِبُعْدِ العَبْدِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقُرْبِهِ مِنَ الطّاعَةِ الَّتِي بِها يَفُوزُ بِالثَّوابِ العَظِيمِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ فَضْلًا وإحْسانًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] .
2:244Страница 39
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤
Сражайтесь на пути Аллаха и знайте, что Аллах - Слышащий, Знающий.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلَّذِينِ أُحْيُوا، قالَ الضَّحّاكُ: أحْياهم ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَذْهَبُوا إلى الجِهادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما أماتَهم بِسَبَبِ أنْ كَرِهُوا الجِهادَ.
صفحة ١٤١
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا بِإضْمارِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقِيلَ لَهم قاتِلُوا.
والقَوْلُ الثّانِي - وهو اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُحَقِّقِينَ -: أنَّ هَذا اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْحاضِرِينَ، يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالجِهادِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ قَدَّمَ عَلى الأمْرِ بِالقِتالِ ذِكْرَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ لِئَلّا يُنْكَصَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِحُبِّ الحَياةِ بِسَبَبِ خَوْفِ المَوْتِ، ولِيَعْلَمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ بِتَرْكِ القِتالِ لا يَثِقُ بِالسَّلامَةِ مِنَ المَوْتِ، كَما قالَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦] فَشَجَّعَهم عَلى القِتالِ الَّذِي بِهِ وعَدَ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ، إمّا في العاجِلِ الظُّهُورُ عَلى العَدُوِّ، أوْ في الآجِلِ الفَوْزُ بِالخُلُودِ في النَّعِيمِ، والوُصُولُ إلى ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فالسَّبِيلُ هو الطَّرِيقُ، وسُمِّيَتِ العِباداتُ سَبِيلًا إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ إنَّ الإنْسانَ يَسْلُكُها، ويَتَوَصَّلُ إلى اللَّهِ تَعالى بِها، ومَعْلُومٌ أنَّ الجِهادَ تَقْوِيَةٌ لِلدِّينِ، فَكانَ طاعَةً، فَلا جَرَمَ كانَ المُجاهِدُ مُقاتِلًا في سَبِيلِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: هو يَسْمَعُ كَلامَكم في تَرْغِيبِ الغَيْرِ في الجِهادِ، وفي تَنْفِيرِ الغَيْرِ عَنْهُ، وعَلِيمٌ بِما في صُدُورِكم مِنَ البَواعِثِ والأغْراضِ، وأنَّ ذَلِكَ الجِهادَ لِغَرَضِ الدِّينِ أوْ لِعاجِلِ الدُّنْيا.
2:245Страница 39
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥
Если кто-либо одолжит Аллаху прекрасный заем, то Он увеличит его многократно. Аллах удерживает и щедро одаряет, и к Нему вы будете возвращены.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، والمُرادُ مِنها القَرْضُ في الجِهادِ خاصَّةً، فَنَدَبَ العاجِزَ عَنِ الجِهادِ أنْ يُنْفِقَ عَلى الفَقِيرِ القادِرِ عَلى الجِهادِ، وأمَرَ القادِرَ عَلى الجِهادِ أنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ في طَرِيقِ الجِهادِ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَن عَلِمَ ذَلِكَ كانَ اعْتِمادُهُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى أكْثَرَ مِنِ اعْتِمادِهِ عَلى مالِهِ وذَلِكَ يَدْعُوهُ إلى إنْفاقِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والِاحْتِرازِ عَنِ البُخْلِ بِذَلِكَ الإنْفاقِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ مُبْتَدَأٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِن هَذا القَرْضِ إنْفاقُ المالِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ غَيْرُهُ، والقائِلُونَ بِأنَّهُ إنْفاقُ المالِ لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ ما لَيْسَ بِواجِبٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ بِالقَرْضِ، والقَرْضُ لا يَكُونُ إلّا تَبَرُّعًا.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في أبِي الدَّحْداحِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي حَدِيقَتَيْنِ فَإنْ تَصَدَّقْتُ بِإحْداهُما فَهَلْ لِي مِثْلاها في الجَنَّةِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأُمُّ الدَّحْداحِ مَعِي ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: والصِّبْيَةُ مَعِي ؟ قالَ: نَعَمْ، فَتَصَدَّقَ بِأفْضَلِ حَدِيقَتَيْهِ، وكانَتْ تُسَمّى الجُنَيْنَةَ، قالَ:
صفحة ١٤٢
فَرَجَعَ أبُو الدَّحْداحِ إلى أهْلِهِ وكانُوا في الحَدِيقَةِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِها، فَقامَ عَلى بابِ الحَدِيقَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ لِامْرَأتِهِ فَقالَتْ أُمُّ الدَّحْداحِ: بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما اشْتَرَيْتَ، فَخَرَجُوا مِنها وسَلَّمُوها، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: كَمْ مِن نَخْلَةٍ رَداحٍ، تُدْلِي عُرُوقَها في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» .
إذا عَرَفْتَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ظَهَرَ أنَّ المُرادَ بِهَذا القَرْضِ ما كانَ تَبَرُّعًا لا واجِبًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا القَرْضِ الإنْفاقُ الواجِبُ في سَبِيلِ اللَّهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وذَلِكَ كالزَّجْرِ، وهو إنَّما يَلِيقُ بِالواجِبِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو الأقْرَبُ أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كِلا القِسْمَيْنِ، كَما أنَّهُ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ﴾ [البقرة: ٢٦١] مَن قالَ: المُرادُ مِن هَذا القَرْضِ شَيْءٌ سِوى إنْفاقِ المالِ، قالُوا: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ“ قالَ القاضِي: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الإقْراضِ لا يَقَعُ عَلَيْهِ في عُرْفِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قالَ: ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا القَوْلِ عَلى الصِّحَّةِ، إلّا أنْ نَقُولَ: الفَقِيرُ الَّذِي لا يَمْلِكُ شَيْئًا إذا كانَ في قَلْبِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ قادِرًا لَأنْفَقَ وأعْطى، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ تِلْكَ النِّيَّةُ قائِمَةً مَقامَ الإنْفاقِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ فَلْيَلْعَنِ اليَهُودَ فَإنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ» “ .
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ القَرْضِ عَلى هَذا الإنْفاقِ حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ القَرْضَ هو كُلُّ ما يُفْعَلُ لِيُجازى عَلَيْهِ، تَقُولُ العَرَبُ: لَكَ عِنْدِي قَرْضٌ حَسَنٌ وسَيِّئٌ، والمُرادُ مِنهُ الفِعْلُ الَّذِي يُجازى عَلَيْهِ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَهُ حَسَنًا أوْ سَيِّئًا أوْ مَدِينًا كالَّذِي دانا
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَرْضَ ما ذَكَرْناهُ أنَّ القَرْضَ أصْلُهُ في اللُّغَةِ القَطْعُ، ومِنهُ القِراضُ، وانْقَرَضَ القَوْمُ إذا هَلَكُوا، وذَلِكَ لِانْقِطاعِ أثَرِهِمْ فَإذا أقْرَضَ فالمُرادُ قَطَعَ لَهُ مِن مالِهِ أوْ عَمَلِهِ قِطْعَةً يُجازى عَلَيْها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ القَرْضِ هَهُنا مَجازٌ، وذَلِكَ لِأنَّ القَرْضَ هو أنْ يُعْطِيَ الإنْسانُ شَيْئًا لِيَرْجِعَ إلَيْهِ مِثْلُهُ، وهَهُنا المُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ إنَّما يُنْفِقُ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ بَدَلَهُ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الِاخْتِلافَ بَيْنَ هَذا الإنْفاقِ وبَيْنَ القَرْضِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ القَرْضَ إنَّما يَأْخُذُهُ مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ لِفَقْرِهِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
وثانِيها: أنَّ البَدَلَ في القَرْضِ المُعْتادِ لا يَكُونُ إلّا المِثْلَ، وفي هَذا الإنْفاقِ هو الضِّعْفُ.
وثالِثُها: أنَّ المالَ الَّذِي يَأْخُذُهُ المُسْتَقْرِضُ لا يَكُونُ مِلْكًا لَهُ، وهَهُنا هَذا المالُ المَأْخُوذُ مِلْكٌ لِلَّهِ، ثُمَّ مَعَ حُصُولِ هَذِهِ الفُرُوقِ سَمّاهُ اللَّهُ قَرْضًا، والحِكْمَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَما أنَّ القَرْضَ يَجِبُ أداؤُهُ لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِهِ فَكَذا الثَّوابُ الواجِبُ عَلى هَذا الإنْفاقِ واصِلٌ إلى المُكَلَّفِ لا مَحالَةَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، فَهو يَطْلُبُ مِنّا القَرْضَ، وهَذا الكَلامُ لائِقٌ بِجَهْلِهِمْ وحُمْقِهِمْ، لِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِمُ التَّشْبِيهُ، ويَقُولُونَ: إنَّ مَعْبُودَهم شَيْخٌ، قالَ القاضِيَ: مَن يَقُولُ في مَعْبُودِهِ مِثْلَ هَذا القَوْلِ لا يُسْتَبْعَدُ مِنهُ أنْ يَصِفَهُ بِالفَقْرِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ولِأيِّ فائِدَةٍ جَرى الكَلامُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ ؟
صفحة ١٤٣
قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ في التَّرْغِيبِ في الدُّعاءِ إلى الفِعْلِ أقْرَبُ مِن ظاهِرِ الأمْرِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: القَرْضُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، ولَوْ كانَ مَصْدَرًا لَكانَ ذَلِكَ إقْراضًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُ القَرْضِ حَسَنًا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أرادَ بِهِ حَلالًا خالِصًا لا يَخْتَلِطُ بِهِ الحَرامُ؛ لِأنَّ مَعَ الشُّبْهَةِ يَقَعُ الِاخْتِلاطُ، ومَعَ الِاخْتِلاطِ رُبَّما قَبُحَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنْ لا يُتْبِعَ ذَلِكَ الإنْفاقَ مَنًّا ولا أذًى.
وثالِثُها: أنْ يَفْعَلَهُ عَلى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ ما يُفْعَلُ رِياءً وسُمْعَةً لا يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (فَيُضاعِفَهُ لَهُ) فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (فَيُضاعِفَهُ) أرْبَعُ قِراءاتٍ:
أحَدُها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( فَيُضاعِفُهُ) بِالألِفِ والرَّفْعِ.
والثّانِي: قَرَأ عاصِمٌ (فَيُضاعِفَهُ) بِألِفٍ والنَّصْبِ.
والثّالِثُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (فَيُضَعِّفُهُ) بِالتَّشْدِيدِ والرَّفْعِ بِلا ألِفٍ.
والرّابِعُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَيُضَعِّفَهُ) بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ.
فَنَقُولُ: أمّا التَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ فَهُما لُغَتانِ، ووَجْهُ الرَّفْعِ العَطْفُ عَلى يُقْرِضُ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى المَعْنى، لا عَلى اللَّفْظِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَكُونُ قَرْضًا فَيُضاعِفُهُ، والِاخْتِيارُ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الجَزاءِ، وجَوابُ الجَزاءِ بِالفاءِ لا يَكُونُ إلّا رَفْعًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّضْعِيفُ والإضْعافُ والمُضاعَفَةُ واحِدٌ، وهو الزِّيادَةُ عَلى أصْلِ الشَّيْءِ حَتّى يَبْلُغَ مِثْلَيْنِ أوْ أكْثَرَ، وفي الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَيُضاعِفُ ثَوابَهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ فَمِنهم مَن ذَكَرَ فِيهِ قَدْرًا مُعَيَّنًا، وأجْوَدُ ما يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ القَدْرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] فَيُقالُ يُحْمَلُ المُجْمَلُ عَلى المُفَسَّرِ؛ لِأنَّ كِلْتا الآيَتَيْنِ ورَدَتا في الإنْفاقِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقْتَصِرْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّحْدِيدِ، بَلْ قالَ بَعْدَهُ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ واخْتِيارُ السُّدِّيِّ: أنَّ هَذا التَّضْعِيفَ لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما هو وكَمْ هو ؟ وإنَّما أبْهَمَ تَعالى ذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ المُبْهَمِ في بابِ التَّرْغِيبِ أقْوى مِن ذِكْرِ المَحْدُودِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ فَفي بَيانِ أنَّ هَذا كَيْفَ يُناسِبُ ما تَقَدَّمَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ هو القابِضَ الباسِطَ، فَإنْ كانَ تَقْدِيرُ هَذا الَّذِي أُمِرَ بِإنْفاقِ المالِ الفَقْرَ؛ فَلْيُنْفِقِ المالَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ سَواءٌ أنَفَقَ أوْ لَمْ يُنْفِقْ فَلَيْسَ لَهُ إلّا الفَقْرُ، وإنْ كانَ تَقْدِيرُهُ الغِنى؛ فَلْيُنْفِقْ فَإنَّهُ سَواءٌ أنَفَقَ أوْ لَمْ يُنْفِقْ، فَلَيْسَ لَهُ إلّا الغِنى والسَّعَةُ وبَسْطُ اليَدِ، فَعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ إنْفاقُ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْلى.
وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ القَبْضَ والبَسْطَ بِاللَّهِ، انْقَطَعَ نَظَرُهُ عَنْ مالِ الدُّنْيا، وبَقِيَ اعْتِمادُهُ عَلى اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ إنْفاقُ المالِ في سَبِيلِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يُوَسِّعُ عَنْ عِبادِهِ ويَقْتُرُ، فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكم، لِئَلّا يُبَدِّلَ السَّعَةَ الحاصِلَةَ لَكم بِالضِّيقِ.
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالصَّدَقَةِ وحَثَّهم عَلَيْها أخْبَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُهم ذَلِكَ إلّا بِتَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ يَعْنِي يَقْبِضُ القُلُوبَ حَتّى لا
صفحة ١٤٤
تُقْدِمَ عَلى هَذِهِ الطّاعَةِ، ويَبْسُطُ بَعْضَها حَتّى يُقْدِمَ عَلى هَذِهِ الطّاعَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ والمُرادُ بِهِ إلى حَيْثُ لا حاكِمَ ولا مُدَبِّرَ سِواهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии