Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:26, продолжение
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَ الضَّلالَ في العَبْدِ ثُمَّ كَلَّفَهُ بِالإيمانِ لَكانَ قَدْ كَلَّفَهُ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وهو سَفَهٌ وظُلْمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وثانِيها: لَوْ كانَ تَعالى خالِقًا لِلْجَهْلِ ومُلَبِّسًا عَلى المُكَلَّفِينَ لَما كانَ مُبَيِّنًا لِما كُلِّفَ العَبْدُ بِهِ، وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُبَيِّنًا.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَ فِيهِمُ الضَّلالَ وصَدَّهم عَنِ الإيمانِ لَمْ يَكُنْ لِإنْزالِ الكُتُبِ عَلَيْهِمْ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ فائِدَةٌ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لا يَكُونُ مُمْكِنَ الحُصُولِ كانَ السَّعْيُ في تَحْصِيلِهِ عَبَثًا وسَفَهًا.
ورابِعُها: أنَّهُ عَلى مُضادَّةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الآياتِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠]، ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنَ الإيمانِ البَتَّةَ، وإنَّما امْتَنَعُوا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ بِعْثَةَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ، وقالَ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٥٥]، وقالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، وقالَ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] وقالَ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ وصَرَفَهم عَنِ الإيمانِ لَكانَتْ هَذِهِ الآياتُ باطِلَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ وحِزْبَهُ ومَن سَلَكَ سَبِيلَهُ في إضْلالِ النّاسِ عَنِ الدِّينِ وصَرْفِهِمْ عَنِ الحَقِّ وأمَرَ عِبادَهُ ورَسُولَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ﴾ [الناس: ٤] و﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾، ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾، فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى يُضِلُّ عِبادَهُ عَنِ الدِّينِ كَما تُضِلُّ الشَّياطِينُ لاسْتَحَقَّ مِنَ المَذَمَّةِ مِثْلَ ما اسْتَحَقُّوهُ ولَوَجَبَ الِاسْتِعاذَةُ مِنهُ كَما وجَبَ مِنهم، ولَوَجَبَ أنْ يَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا مِن حَيْثُ أضَلَّ أكْثَرَ خَلْقِهِ كَما وجَبَ اتِّخاذُ إبْلِيسَ عَدُوًّا لِأجْلِ ذَلِكَ، قالُوا: بَلْ خِصِّيصِيَّةُ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ أكْثَرُ؛ إذْ تَضْلِيلُ إبْلِيسَ سَواءٌ وجُودُهُ وعَدَمُهُ فِيما يَرْجِعُ إلى حُصُولِ الضَّلالِ، بِخِلافِ تَضْلِيلِ اللَّهِ فَإنَّهُ هو المُؤَثِّرُ في الضَّلالِ، فَيَلْزَمُ مِن هَذا تَنْزِيهُ إبْلِيسَ عَنْ جَمِيعِ القَبائِحِ وإحالَتُها كُلِّها عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ الذَّمُّ مُنْقَطِعًا بِالكُلِّيَّةِ عَنْ إبْلِيسَ وعائِدًا إلى اللَّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ قَوْلِ الظّالِمِينَ.
وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى أضافَ الإضْلالَ عَنِ الدِّينِ إلى غَيْرِهِ وذَمَّهم لِأجْلِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩]، ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥]، ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ [ص: ٢٦]، وقَوْلُهُ تَعالى حاكِيًا عَنْ إبْلِيسَ: ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، فَهَؤُلاءِ إمّا أنْ يَكُونُوا قَدْ أضَلُّوا غَيْرَهم عَنِ الدِّينِ في الحَقِيقَةِ أوْ يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي أضَلَّهم أوْ حَصَلَ الإضْلالُ بِاللَّهِ وبِهِمْ عَلى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ، فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ دُونَ هَؤُلاءِ فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى قَدْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِمْ إذْ
صفحة ١٢٩
قَدْ رَماهم بِدَأْبِهِ وعابَهم بِما فِيهِ وذَمَّهم بِما لَمْ يَفْعَلُوهُ، واللَّهُ مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى مُشارِكًا لَهم في ذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَذُمَّهم عَلى فِعْلٍ هو شَرِيكٌ فِيهِ ومُساوٍ لَهم فِيهِ، وإذا فَسَدَ الوَجْهانِ صَحَّ أنْ لا يُضافَ خَلْقُ الضَّلالِ إلى اللَّهِ تَعالى.
وسابِعُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أكْثَرَ الآياتِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ الضَّلالِ مَنسُوبًا إلى العُصاةِ عَلى ما قالَ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾، ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر: ٣٤]، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِالضَّلالِ المُضافِ إلَيْهِ تَعالى هو ما هم فِيهِ، كانَ كَذَلِكَ إثْباتًا لِلثّابِتِ وهَذا مُحالٌ.
وثامِنُها: أنَّهُ تَعالى نَفى إلَهِيَّةَ الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن حَيْثُ إنَّهم لا يَهْدُونَ إلى الحَقِّ، قالَ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ [يونس: ٣٥]، فَنَفى رُبُوبِيَّةَ تِلْكَ الأشْياءِ مِن حَيْثُ إنَّها لا تَهْدِي، وأوْجَبَ رُبُوبِيَّةَ نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَهْدِي، فَلَوْ كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُضِلُّ عَنِ الحَقِّ لَكانَ قَدْ ساواهم في الضَّلالِ وفِيما لِأجْلِهِ نَهى عَنِ اتِّباعِهِمْ، بَلْ كانَ قَدْ أرْبى عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الأوْثانَ كَما أنَّها لا تَهْدِي فَهي لا تُضِلُّ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى مَعَ أنَّهُ إلَهٌ يَهْدِي فَهو يُضِلُّ.
وتاسِعُها: أنَّهُ تَعالى يَذْكُرُ هَذا الضَّلالَ جَزاءً لَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ وعُقُوبَةً عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ كانَ ذَلِكَ عُقُوبَةً وتَهْدِيدًا بِأمْرٍ هم لَهُ مُلابِسُونَ، وعَلَيْهِ مُقْبِلُونَ، وبِهِ مُلْتَذُّونَ ومُغْتَبِطُونَ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَتِ العُقُوبَةُ بِالزِّنا عَلى الزِّنا وبِشُرْبِ الخَمْرِ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وهَذا لا يَجُوزُ.
وعاشِرُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ بِهِ هَذا الإضْلالَ بَعْدَ أنْ صارَ هو مِنَ الفاسِقِينَ النّاقِضِينَ لِعَهْدِ اللَّهِ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الإضْلالَ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ فاسِقًا وناقِضًا لِلْعَهْدِ مُغايِرٌ لِفِسْقِهِ ونَقْضِهِ.
وحادِي عاشِرِها: أنَّهُ تَعالى فَسَّرَ الإضْلالَ المَنسُوبَ إلَيْهِ في كِتابِهِ، إمّا بِكَوْنِهِ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، أوْ بِكَوْنِهِ عُقُوبَةً ونَكالًا، فَقالَ في الِابْتِلاءِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] أيِ امْتِحانًا، إلى أنْ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، فَبَيَّنَ أنَّ إضْلالَهُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن إنْزالِهِ آيَةً مُتَشابِهَةً أوْ فِعْلًا مُتَشابِهًا لا يُعْرَفُ حَقِيقَةُ الغَرَضِ فِيهِ؛ والضّالُّ بِهِ هو الَّذِي لا يَقِفُ عَلى المَقْصُودِ ولا يَتَفَكَّرُ في وجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ بَلْ يَتَمَسَّكُ بِالشُّبُهاتِ في تَقْرِيرِ المُجْمَلِ الباطِلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، وأمّا العُقُوبَةُ والنَّكالُ فَكَقَوْلِهِ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١]، إلى أنْ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] فَبَيَّنَ أنَّ إضْلالَهُ لا يَعْدُو أحَدَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وإذا كانَ الإضْلالُ مُفَسَّرًا بِأحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُفَسَّرًا بِغَيْرِهِما دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الإضْلالِ عَلى خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: بَيَّنّا أنَّ الإضْلالَ في أصْلِ اللُّغَةِ الدُّعاءُ إلى الباطِلِ والتَّرْغِيبُ فِيهِ والسَّعْيُ في إخْفاءِ مَقابِحِهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ، والتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَهَبَتِ الجَبْرِيَّةُ إلَيْهِ قَدْ أبْطَلْناهُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى وُجُوهٍ أُخَرَ مِنَ التَّأْوِيلاتِ:
أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ إذا ضَلَّ بِاخْتِيارِهِ عِنْدَ حُصُولِ شَيْءٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أثَّرَ في
صفحة ١٣٠
إضْلالِهِ فَيُقالُ لِذَلِكَ الشَّيْءِ: إنَّهُ أضَلَّهُ، قالَ تَعالى في حَقِّ الأصْنامِ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، أيْ ضَلُّوا بِهِنَّ، وقالَ: ﴿ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣، ٢٤]، أيْ ضَلَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِهِمْ، وقالَ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤]، وقالَ: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦]، أيْ لَمْ يَزْدادُوا بِدُعائِي لَهم إلّا فِرارًا، وقالَ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: ١١٠]، وهم لَمْ يُنْسُوهم في الحَقِيقَةِ بَلْ كانُوا يُذَكِّرُونَهُمُ اللَّهَ ويَدْعُونَهم إلَيْهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ اشْتِغالُهم بِالسُّخْرِيَةِ مِنهم سَبَبًا لِنِسْيانِهِمْ أُضِيفَ الإنْساءُ إلَيْهِمْ، وقالَ في بَراءَةٍ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] . فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الشَّرائِعِ يُعَرِّفُ أحْوالَهم، فَمِنهم مَن يَصْلُحُ عَلَيْها فَيَزْدادُ بِها إيمانًا، ومِنهم مَن يَفْسُدُ عَلَيْها فَيَزْدادُ بِها كُفْرًا، فَإذَنْ أُضِيفَتِ الزِّيادَةُ في الإيمانِ والزِّيادَةُ في الكُفْرِ إلى السُّورَةِ، إذْ كانُوا إنَّما صَلُحُوا عِنْدَ نُزُولِها وفَسَدُوا كَذَلِكَ أيْضًا، فَكَذا أُضِيفَ الهُدى والإضْلالُ إلى اللَّهِ تَعالى إذا كانَ إحْداثُهُما عِنْدَ ضَرْبِهِ تَعالى الأمْثالَ لَهم، وقالَ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١]، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ ذِكْرَهُ لِعِدَّةِ خَزَنَةِ النّارِ امْتِحانٌ مِنهُ لِعِبادِهِ لِيَتَمَيَّزَ المُخْلِصُ مِنَ المُرْتابِ، فَآلَتِ العاقِبَةُ إلى أنْ صَلُحَ عَلَيْها المُؤْمِنُونَ وفَسَدَ الكافِرُونَ، وأضافَ زِيادَةَ الإيمانِ وضِدَّها إلى المُمْتَحَنِينَ، فَقالَ: (لِيَزْدادَ) (ولِيَقُولَ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، فَأضافَ إلى نَفْسِهِ إضْلالَهم وهُداهم بَعْدَ أنْ أضافَ إلَيْهِمُ الأمْرَيْنِ مَعًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الإضْلالَ مُفَسَّرٌ بِهَذا الِامْتِحانِ، ويُقالُ في العُرْفِ أيْضًا: أمْرَضَنِي الحُبُّ؛ أيْ مَرِضْتُ بِهِ، ويُقالُ: قَدْ أفْسَدَتْ فُلانَةٌ فُلانًا، وهي لَمْ تَعْلَمْ بِهِ، وقالَ الشّاعِرُ:
دَعْ عَنْكَ لَوْمِي فَإنَّ اللَّوْمَ إغْراءُ
أيْ يُغْرِي المَلُومَ بِاللَّوْمِ.
والإضْلالُ عَلى هَذا المَعْنى يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى أنَّ الكافِرِينَ ضَلُّوا بِسَبَبِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِامْتِحاناتِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ لَمّا قالُوا: ما الحاجَةُ إلى الأمْثالِ وما الفائِدَةُ فِيها، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ هَذا الِامْتِحانُ، حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ.
وثانِيها: أنَّ الإضْلالَ هو التَّسْمِيَةُ بِالضَّلالِ، فَيُقالُ: أضَلَّهُ؛ أيْ سَمّاهُ ضالًّا وحَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ، وأكْفَرَ فُلانٌ فُلانًا: إذا سَمّاهُ كافِرًا، وأنْشَدُوا بَيْتَ الكُمَيْتِ:
وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكم ∗∗∗ وطائِفَةٌ قالُوا مُسِيءٌ ومُذْنِبُ
وقالَ طَرَفَةُ:
وما زالَ شُرْبِي الرّاحَ حَتّى أضَلَّنِي ∗∗∗ صَدِيقِي وحَتّى ساءَنِي بَعْضُ ذَلِكا
أرادَ سَمّانِي ضالًّا.
وهَذا الوَجْهُ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ قُطْرُبٌ وكَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن أنْكَرَهُ، وقالَ: إنَّما يُقالُ: ضَلَّلْتُهُ تَضْلِيلًا: إذا سَمَّيْتُهُ ضالًّا، وكَذَلِكَ فَسَّقْتُهُ وفَجَّرْتُهُ: إذا سَمَّيْتُهُ فاجِرًا فاسِقًا، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ مَتى صَيَّرَهُ في نَفْسِهِ ضالًّا لَزِمَهُ أنْ يَصِيرَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالضَّلالِ، فَهَذا الحُكْمُ مِن لَوازِمِ ذَلِكَ التَّصْيِيرِ، وإطْلاقُ اسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ مَجازٌ مَشْهُورٌ وأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ أيْضًا لِأنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِآخَرَ: فُلانٌ ضالٌّ، جازَ أنْ يُقالَ لَهُ: لِمَ جَعَلْتَهُ ضالًّا ؟ ويَكُونُ المَعْنى: لِمَ سَمَّيْتَهُ بِذَلِكَ ولِمَ حَكَمْتَ بِهِ عَلَيْهِ ؟ فَعَلى هَذا الوَجْهِ حَمَلُوا الإضْلالَ عَلى
صفحة ١٣١
الحُكْمِ والتَّسْمِيَةِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الإضْلالُ هو التَّخْلِيَةُ وتَرْكُ المَنعِ بِالقَهْرِ والجَبْرِ، فَيُقالُ: أضَلَّهُ: إذا خَلّاهُ وضَلالَهُ، قالُوا: ومِن مَجازِهِ قَوْلُهم: أفْسَدَ فُلانٌ ابْنَهُ وأهْلَكَهُ ودَمَّرَ عَلَيْهِ: إذا لَمْ يَتَعَهَّدْهُ بِالتَّأْدِيبِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَرْجِيِّ:
أضاعُونِي وأيَّ فَتًى أضاعُوا ∗∗∗ لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وسَدادِ ثَغْرِ
ويُقالُ لِمَن تَرَكَ سَيْفَهُ في الأرْضِ النَّدِيَّةِ حَتّى فَسَدَ وصَدِئَ: أفْسَدْتَ سَيْفَكَ وأصْدَأْتَهُ.
ورابِعُها: الضَّلالُ والإضْلالُ هو العَذابُ والتَّعْذِيبُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٧، ٤٨]، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ في ضَلالٍ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَذابَهم، وقالَ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [ غافِرٍ: ٧١: ٧٤ ]، فُسِّرَ ذَلِكَ الضَّلالُ بِالعَذابِ.
وخامِسُها: أنْ يُحْمَلَ الإضْلالُ عَلى الإهْلاكِ والإبْطالِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، قِيلَ: أبْطَلَها وأهْلَكَها، ومِن مَجازِهِ قَوْلُهم: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ: إذا صارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ، ويُقالُ: أضْلَلْتُهُ أنا: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِهِ فَأهْلَكْتَهُ وصَيَّرْتَهُ كالمَعْدُومِ، ومِنهُ يُقالُ: أضَلَّ القَوْمُ مَيِّتَهم: إذا وارَوْهُ في قَبْرِهِ فَأخْفَوْهُ حَتّى صارَ لا يُرى، قالَ النّابِغَةُ:
وآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجُولانِ حَزْمٌ ونائِلُ
وقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]، أيْ أئِذا انْدَفَنّا فِيها فَخَفِيَتْ أشْخاصُنا، فَيُحْتَمَلُ عَلى هَذا المَعْنى: يُضِلُّ اللَّهُ إنْسانًا؛ أيْ يُهْلِكُهُ ويُعْدِمُهُ فَتَجُوزُ إضافَةُ الإضْلالِ إلَيْهِ تَعالى عَلى هَذا الوَجْهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الخَمْسَةُ إذا حَمَلْنا الإضْلالَ عَلى الإضْلالِ عَنِ الدِّينِ.
وسادِسُها: أنْ يُحْمَلَ الإضْلالُ عَلى الإضْلالِ عَنِ الجَنَّةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ تَأْوِيلًا بَلْ حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، فَإنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَنْ ماذا يُضِلُّهم، فَنَحْنُ نَحْمِلُها عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، ثُمَّ حَمَلُوا كُلَّ ما في القُرْآنِ مِن هَذا الجِنْسِ عَلى هَذا المَحْمَلِ، وهو اخْتِيارُ الجُبّائِيِّ، قالَ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] أيْ يُضِلُّهُ عَنِ الجَنَّةِ وثَوابِها. هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا الهَمْزَةَ في الإضْلالِ عَلى التَّعْدِيَةِ.
وسابِعُها: أنْ نَحْمِلَ الهَمْزَةَ لا عَلى التَّعْدِيَةِ بَلْ عَلى الوُجْدانِ عَلى ما تَقَدَّمَ في أوَّلِ هَذِهِ المَسْألَةِ بَيانُهُ، فَيُقالُ: أضَلَّ فُلانٌ بَعِيرَهُ؛ أيْ ضَلَّ عَنْهُ، فَمَعْنى إضْلالِ اللَّهِ تَعالى لَهم أنَّهُ تَعالى وجَدَهم ضالِّينَ.
وثامِنُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ مِن تَمامِ قَوْلِ الكُفّارِ فَإنَّهم قالُوا: ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا المَثَلِ الَّذِي لا يَظْهَرُ وجْهُ الفائِدَةِ فِيهِ، ثُمَّ قالُوا: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، فَهَذا مِن قَوْلِ الكُفّارِ، ثُمَّ قالَ تَعالى جَوابًا لَهم: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ أيْ ما أضَلَّ بِهِ إلّا الفاسِقَ. هَذا مَجْمُوعُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ.
* * *
وقالَتِ الجَبْرِيَّةُ: لَقَدْ سَمِعْنا كَلامَكم واعْتَرَفْنا لَكم بِجَوْدَةِ الإيرادِ وحُسْنِ التَّرْتِيبِ وقُوَّةِ الكَلامِ، ولَكِنْ ماذا نَعْمَلُ ولَكم أعْداءٌ ثَلاثَةٌ يُشَوِّشُونَ عَلَيْكم هَذِهِ الوُجُوهَ الحَسَنَةَ والدَّلائِلَ اللَّطِيفَةَ ؟
أحَدُها: مَسْألَةُ الدّاعِي وهي أنَّ القادِرَ عَلى العِلْمِ والجَهْلِ والإهْداءِ والإضْلالِ لِمَ فَعَلَ أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ ؟
صفحة ١٣٢
وثانِيها: مَسْألَةُ العِلْمِ، عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وما رَأيْنا لَكم في دَفْعِ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ كَلامًا مُحِيلًا قَوِيًّا ونَحْنُ لا شَكَّ نَعْلَمُ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْكم مَعَ ما مَعَكم مِنَ الذَّكاءِ الضَّعْفَ عَنْ تِلْكَ الأجْوِبَةِ الَّتِي تَكَلَّمُوا بِها، فَكَما أنْصَفْنا واعْتَرَفْنا لَكم بِحُسْنِ الكَلامِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فَأنْصِفُوا أيْضًا واعْتَرِفُوا بِأنَّهُ لا وجْهَ لَكم عَنْ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّ التَّعامِيَ والتَّغافُلَ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ.
وثالِثُها: أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَوْ كانَ بِإيجادِهِ لَما حَصَلَ إلّا الَّذِي قَصَدَ إيجادَهُ، لَكِنَّ أحَدًا لا يُرِيدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ والِاهْتِداءِ، ويَحْتَرِزُ كُلَّ الِاحْتِرازِ عَنِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ الجَهْلُ والإضْلالُ لِلْعَبْدِ مَعَ أنَّهُ ما قَصَدَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ والِاهْتِداءِ ؟ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الكُفْرُ بِالإيمانِ والعِلْمُ بِالجَهْلِ فَظَنَّ في الجَهْلِ أنَّهُ عِلْمٌ، فَقَصَدَ إيقاعَهُ، فَلِذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الجَهْلُ، قُلْنا: ظَنُّهُ في الجَهْلِ أنَّهُ عِلْمٌ ظَنُّ خَطَأٍ، فَإنْ كانَ اخْتارَهُ أوَّلًا فَقَدِ اخْتارَ الجَهْلَ والخَطَأ لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِسَبَبِ ظَنٍّ آخَرَ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ قَبْلَ كُلِّ ظَنٍّ ظَنٌّ لا إلى نِهايَةٍ، وهو مُحالٌ.
ورابِعُها: أنَّ التَّصَوُّراتِ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ والتَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةَ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ والتَّصْدِيقاتِ بِأسْرِها غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ، فَهَذِهِ مُقَدَّماتٌ ثَلاثَةٌ:
المُقَدَّمَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ التَّصَوُّراتِ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يُحاوِلُ اكْتِسابَها: فَإمّا أنْ يَكُونَ مُتَصَوِّرًا لَها، أوْ لا يَكُونَ مُتَصَوِّرًا لَها. فَإنْ كانَ مُتَصَوِّرًا لَها اسْتَحالَ أنْ يَطْلُبَ تَحْصِيلَ تَصَوُّرِها لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَصَوِّرًا لَها كانَ ذِهْنُهُ غافِلًا عَنْها، والغافِلُ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ طالِبَهُ.
المُقَدَّمَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ أنَّ التَّصْدِيقاتِ البَدِيهِيَّةَ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ لِأنَّ حُصُولَ طَرَفَيِ التَّصْدِيقِ إمّا أنْ يَكُونَ كافِيًا في جَزْمِ الذِّهْنِ بِذَلِكَ التَّصْدِيقِ أوْ لا يَكُونَ كافِيًا، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ ذَلِكَ التَّصْدِيقُ دائِرًا مَعَ ذَيْنَكِ التَّصَوُّرَيْنِ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ نَفْيًا وإثْباتًا، وما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَكُنِ التَّصْدِيقُ بَدِيهِيًّا بَلْ مُتَوَقَّفًا فِيهِ.
المُقَدَّمَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ أنَّ التَّصْدِيقاتِ بِأسْرِها غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ النَّظَرِيّاتِ إنْ كانَتْ واجِبَةَ اللُّزُومِ عَنْ تِلْكَ البَدِيهِيّاتِ الَّتِي هي غَيْرُ مَقْدُورَةٍ كانَتْ تِلْكَ النَّظَرِيّاتُ أيْضًا غَيْرَ مَقْدُورَةٍ. وإنْ لَمْ تَكُنْ واجِبَةَ اللُّزُومِ عَنْ تِلْكَ البَدِيهِيّاتِ لَمْ يُمْكِنِ الِاسْتِدْلالُ بِتِلْكَ البَدِيهِيّاتِ عَلى تِلْكَ النَّظَرِيّاتِ، فَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الِاعْتِقاداتُ الحاصِلَةُ في تِلْكَ النَّظَرِيّاتِ عُلُومًا، بَلْ لا تَكُونُ إلّا اعْتِقادًا حاصِلًا لِلْمُقَلِّدِ ولَيْسَ كَلامُنا فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ كَلامَكم في عَدَمِ إسْنادِ الِاهْتِداءِ والضَّلالِ إلى اللَّهِ تَعالى مُعارَضٌ بِهَذِهِ الوُجُوهِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ الَّتِي لا جَوابَ عَنْها. ولْنَتَكَلَّمِ الآنَ فِيما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ:
أمّا التَّأْوِيلُ الأوَّلُ فَساقِطٌ؛ لِأنَّ إنْزالَ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ هَلْ لَها أثَرٌ في تَحْرِيكِ الدَّواعِي أوْ لَيْسَ لَها أثَرٌ في ذَلِكَ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ عَلى قَوْلِكم أنْ يُقَبَّحَ لِوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] عَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ الوُجُوبُ وأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الِاسْتِواءِ وبَيْنَ الوُجُوبِ المانِعِ مِنَ النَّقِيضِ واسِطَةٌ، فَإذا أثَّرَ إنْزالُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ في التَّرْجِيحِ وثَبَتَ أنَّهُ مَتى حَصَلَ التَّرْجِيحُ فَقَدْ حَصَلَ الوُجُوبُ، فَحِينَئِذٍ جاءَ الجَبْرُ وبَطَلَ ما قُلْتُمُوهُ.
الثّانِي: هَبْ أنَّهُ لا يَنْتَهِي إلى حَدِّ الوُجُوبِ إلّا أنَّ المُكَلَّفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُزاحَ العُذْرِ والعِلَّةِ، وإنْزالُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ
صفحة ١٣٣
لَها أثَرًا في تَرْجِيحِ جانِبِ الضَّلالِ عَلى جانِبِ الِاهْتِداءِ كالعُذْرِ لِلْمُكَلَّفِ في عَدَمِ الإقْدامِ عَلى الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقَبَّحَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا إنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ أثَرٌ في إقْدامِهِمْ عَلى تَرْجِيحِ جانِبِ الضَّلالِ عَلى جانِبِ الِاهْتِداءِ كانَتْ نِسْبَةُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ إلى ضَلالِهِمْ كَصَرِيرِ البابِ ونَعِيقِ الغُرابِ، فَكَما أنَّ ضَلالَهم لا يُنْسَبُ إلى هَذِهِ الأُمُورِ الأجْنَبِيَّةِ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يُنْسَبَ إلى هَذِهِ المُتَشابِهاتِ بِوَجْهٍ ما، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ تَأْوِيلُهم.
أمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو التَّسْمِيَةُ والحُكْمُ فَهو وإنْ كانَ في غايَةِ البُعْدِ لَكِنَّ الإشْكالَ مَعَهُ باقٍ؛ لِأنَّهُ إذا سَمّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ وحَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَأْتِ المُكَلَّفُ بِهِ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا وعِلْمُهُ جَهْلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ إتْيانِ المُكَلَّفِ بِهِ مُحالًا وإتْيانُهُ بِهِ واجِبًا، وهَذا عَيْنُ الجَبْرِ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ وأنَّهُ مُلاقِيكم لا مَحالَةَ، وهَهُنا يَنْتَهِي البَحْثُ إلى الجَوابَيْنِ المَشْهُورَيْنِ لَهُما في هَذا المَقامِ وكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ سُقُوطَ ذَلِكَ.
وأمّا التَّأْوِيلُ الثّالِثُ وهو التَّخْلِيَةُ وتَرْكُ المَنعِ، فَهَذا إنَّما يُسَمّى إضْلالًا إذا كانَ الأوْلى والأحْسَنُ بِالوالِدِ أنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأمّا إذا كانَ الوَلَدُ بِحَيْثُ لَوْ مَنَعَهُ والِدُهُ عَنْ ذَلِكَ لَوَقَعَ في مَفْسَدَةٍ أعْظَمَ مِن تِلْكَ المَفْسَدَةِ الأُولى، لَمْ يَقُلْ أحَدٌ أنَّهُ أفْسَدَ ولَدَهُ وأضَلَّهُ، وهَهُنا الأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ مَنَعَ المُكَلَّفَ جَبْرًا عَنْ هَذِهِ المَفْسَدَةِ لَزِمَتْ مَفْسَدَةٌ أُخْرى أعْظَمُ مِنَ الأُولى، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى أفْسَدَ المُكَلَّفَ وأضَلَّهُ، بِمَعْنى أنَّهُ ما مَنَعَهُ عَنِ الضَّلالِ مَعَ أنَّهُ لَوْ مَنَعَهُ لَكانَتْ تِلْكَ المَفْسَدَةُ أعْظَمَ.
وأمّا التَّأْوِيلُ الرّابِعُ فَقَدِ اعْتَرَضَ القَفّالُ عَلَيْهِ فَقالَ: لا نُسَلِّمُ بِأنَّ الضَّلالَ جاءَ بِمَعْنى العَذابِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا، وفي سُعُرٍ؛ أيْ في عَذابِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ [القمر: ٤٨] مِن صِلَةِ سُعُرٍ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] فَمَعْنى قَوْلِهِ: ضَلُّوا عَنّا؛ أيْ بَطَلُوا فَلَمْ نَنْتَفِعْ بِهِمْ في هَذا اليَوْمِ الَّذِي كُنّا نَرْجُو شَفاعَتَهم فِيهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] قَدْ يَكُونُ عَلى مَعْنى: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ أعْمالَهم، أيْ يُحْبِطُها يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ: كَذَلِكَ يَخْذُلُهُمُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا فَلا يُوَفِّقُهم لِقَبُولِ الحَقِّ إذْ ألِفُوا الباطِلَ وأعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ، فَإذا خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأتَوْا يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ بَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَرْجُونَ الِانْتِفاعَ بِها في الدُّنْيا.
وأمّا التَّأْوِيلُ الخامِسُ: وهو الإهْلاكُ، فَغَيْرُ لائِقٍ بِهَذا المَوْضِعِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ يَمْنَعُ مِن حَمْلِ الإضْلالِ عَلى الإهْلاكِ. وأمّا التَّأْوِيلُ السّادِسُ: وهو أنَّهُ يُضِلُّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ أيْ يُضِلُّ بِسَبَبِ اسْتِماعِ هَذِهِ الآياتِ، والإضْلالُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ لَيْسَ بِسَبَبِ اسْتِماعِ هَذِهِ الآياتِ بَلْ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى القَبائِحِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
وأمّا التَّأْوِيلُ السّابِعُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥] أيْ يَجِدُهُ ضالًّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ إثْباتَ هَذِهِ اللُّغَةِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ عَدّى الإضْلالَ بِحَرْفِ الباءِ فَقالَ: ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ والإضْلالُ بِمَعْنى الوُجْدانِ لا يَكُونُ مُعَدًّى بِحَرْفِ الباءِ.
صفحة ١٣٤
وأمّا التَّأْوِيلُ الثّامِنُ: فَهو في هَذِهِ الآيَةِ يُوجِبُ تَفْكِيكَ النَّظْمِ؛ لِأنَّهُ إلى قَوْلِهِ: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) مِن كَلامِ الكُفّارِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ كَلامُ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُما بَلْ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ وهو الواوُ، ثُمَّ هَبْ أنَّهُ هَهُنا كَذَلِكَ لَكِنَّهُ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١] لا شَكَّ أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا هو الكَلامُ في الإضْلالِ.
* * *
أمّا الهُدى فَقَدْ جاءَ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: الدَّلالَةُ والبَيانُ، قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا﴾ [السجدة: ٢٦]، وقالَ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ الهُدى عِبارَةً عَنِ البَيانِ، وقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣]، وقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، أيْ سَواءٌ شَكَرَ أوْ كَفَرَ فالهِدايَةُ قَدْ جاءَتْهُ في الحالَتَيْنِ، وقالَ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، وقالَ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]، وهَذا لا يُقالُ لِلْمُؤْمِنِ، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ خُصُومِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ [ص: ٢٢]، أيْ أرْشِدْنا، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥]، وقالَ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]، إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ﴾ [الزمر: ٥٩]، أخْبَرَ أنَّهُ قَدْ هَدى الكافِرَ مِمّا جاءَهُ مِنَ الآياتِ، وقالَ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْكافِرِينَ.
وثانِيها: قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، أيْ لَتَدْعُو، وقَوْلُهُ: ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧]، أيْ داعٍ يَدْعُوهم إلى ضَلالٍ أوْ هُدًى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии