Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:263–267, продолжение
والثّانِي: صَيْرُورَةُ هَذا الِابْتِغاءِ والطَّلَبِ مَلَكَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في النَّفْسِ، حَتّى يَصِيرَ القَلْبُ بِحَيْثُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ فِعْلٌ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ والِاتِّفاقِ رَجَعَ القَلْبُ في الحالِ إلى جَنابِ القُدْسِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ تِلْكَ العِبادَةَ صارَتْ كالعادَةِ والخَلْقِ لِلرُّوحِ، فَإتْيانُ العَبْدِ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ، ولِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ، يُفِيدُ هَذِهِ المَلَكَةَ المُسْتَقِرَّةَ، الَّتِي وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْها في القُرْآنِ بِتَثْبِيتِ النَّفْسِ، وهو المُرادُ أيْضًا
صفحة ٥٠
بِقَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعِنْدَ حُصُولِ هَذا التَّثْبِيتِ تَصِيرُ الرُّوحُ في هَذا العالَمِ مِن جَوْهَرِ المَلائِكَةِ الرُّوحانِيَّةِ والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ، فَصارَ العَبْدُ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ غائِبًا حاضِرًا، ظاعِنًا مُقِيمًا.
وسادِسُها: قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ مِنَ التَّثْبِيتِ أنَّهم يُنْفِقُونَها جازِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضَيِّعُ عَمَلَهم، ولا يُخَيِّبُ رَجاءَهم؛ لِأنَّها مَقْرُونَةٌ بِالثَّوابِ والعِقابِ والنُّشُورِ بِخِلافِ المُنافِقِ، فَإنَّهُ إذا أنْفَقَ عُدَّ ذَلِكَ الإنْفاقُ ضائِعًا؛ لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالثَّوابِ، فَهَذا الجَزْمُ هو المُرادُ بِالتَّثْبِيتِ.
وسابِعُها: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ: المُرادُ أنَّ المُنْفِقَ يَتَثَبَّتُ في إعْطاءِ الصَّدَقَةِ فَيَضَعُها في أهْلِ الصَّلاحِ والعَفافِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ الرَّجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ، فَإذا كانَ لِلَّهِ أعْطى، وإنْ خالَطَهُ أمْسَكَ، قالَ الواحِدِيُّ: وإنَّما جازَ أنْ يَكُونَ التَّثْبِيتُ بِمَعْنى التَّثَبُّتِ؛ لِأنَّهم ثَبَّتُوا أنْفُسَهم في طَلَبِ المُسْتَحِقِّ، وصَرْفِ المالِ في وجْهِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ شَرَحَ أنَّ غَرَضَهم مِنَ الإنْفاقِ هَذانِ الأمْرانِ ضَرَبَ لِإنْفاقِهِمْ مَثَلًا، فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ”بِرَبْوَةٍ“ بِفَتْحِ الرّاءِ، وفي المُؤْمِنِينَ ”إلى رَبْوَةٍ“ وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ فِيهِما، وهو أشْهَرُ اللُّغاتِ ولُغَةُ قُرَيْشٍ، وفِيهِ سَبْعُ لُغاتٍ ”رَبْوَةٌ“ بِتَعاقُبِ الحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى الرّاءِ، و”رَباوَةٌ“ بِالألْفِ بِتَعاقُبِ الحَرَكاتِ الثَّلاثِ عَلى الرّاءِ، و”رَبْوٌ“ . والرَّبْوَةُ المَكانُ المُرْتَفِعُ، قالَ الأخْفَشُ: والَّذِي أخْتارُهُ ”رُبْوَةٌ“ بِالضَّمِّ؛ لِأنَّ جَمْعَها الرُّبى، وأصْلُها مِن قَوْلِهِمْ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا ازْدادَ وارْتَفَعَ، ومِنهُ الرّابِيَةُ؛ لِأنَّ أجْزاءَها ارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَّبْوُ إذا أصابَهُ نَفَسٌ في جَوْفِهِ زائِدٌ، ومِنهُ الرِّبا، لِأنَّهُ يَأْخُذُ الزِّيادَةَ.
واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: البُسْتانُ إذا كانَ في رَبْوَةٍ مِنَ الأرْضِ كانَ أحْسَنَ وأكْثَرَ رَيْعًا.
ولِي فِيهِ إشْكالٌ: وهو أنَّ البُسْتانَ إذا كانَ في مُرْتَفَعٍ مِنَ الأرْضِ كانَ فَوْقَ الماءِ ولا تَرْتَفِعُ إلَيْهِ أنْهارٌ وتَضْرِبُهُ الرِّياحُ كَثِيرًا فَلا يَحْسُنُ رَيْعُهُ، وإذا كانَ في وهْدَةٍ مِنَ الأرْضِ انْصَبَّتْ مِياهُ الأنْهارِ، ولا يَصِلُ إلَيْهِ إثارَةُ الرِّياحِ فَلا يَحْسُنُ أيْضًا رَيْعُهُ، فَإذَنِ البُسْتانُ إنَّما يَحْسُنُ رَيْعُهُ إذا كانَ عَلى الأرْضِ المُسْتَوِيَةِ الَّتِي لا تَكُونُ رَبْوَةً ولا وهْدَةً، فَإذَنْ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الرَّبْوَةِ ما ذَكَرُوهُ، بَلِ المُرادُ مِنهُ كَوْنُ الأرْضِ طِينًا حُرًّا، بِحَيْثُ إذا نَزَلَ المَطَرُ عَلَيْهِ انْتَفَخَ ورَبا ونَما، فَإنَّ الأرْضَ مَتى كانَتْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ يَكْثُرُ رَيْعُها، وتَكْمُلُ الأشْجارُ فِيها. وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مُتَأكَّدٌ بِدَلِيلَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحَجِّ: ٥] والمُرادُ مِن رَبْوِها ما ذَكَرْنا فَكَذا هَهُنا.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا المَثَلَ في مُقابَلَةِ المَثَلِ الأوَّلِ، ثُمَّ كانَ المَثَلُ الأوَّلُ هو الصَّفْوانَ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ فِيهِ المَطَرُ، ولا يَرْبُو، ولا يَنْمُو بِسَبَبِ نُزُولِ المَطَرِ عَلَيْهِ، فَكانَ المُرادُ بِالرَّبْوَةِ في هَذا المَثَلِ كَوْنَ الأرْضِ بِحَيْثُ تَرْبُو وتَنْمُو، فَهَذا ما خَطَرَ بِبالِي واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”أُكْلَها“ بِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ، وهو الأصْلُ، والأُكُلُ بِالضَّمِّ الطَّعامُ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤْكَلَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٥] أيْ: ثَمَرَتَها وما يُؤْكَلُ مِنها، فالأكْلُ في المَعْنى مِثْلُ الطُّعْمَةِ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ:
فَما أكْلَةٌ إنْ نِلْتَها بِغَنِيمَةٍ ولا جَوْعَةٌ إنْ جُعْتَها بِقِرامِ
صفحة ٥١
وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ إنَّهُ لَذُو أكْلٍ إذا كانَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ يَعْنِي مِثْلَيْنِ؛ لِأنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلُهُ زائِدًا عَلَيْهِ، وقِيلَ ضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، قالَ عَطاءٌ: حَمَلَتْ في سَنَةٍ مِنَ الرَّيْعِ ما يَحْمِلُ غَيْرُها في سَنَتَيْنِ، وقالَ الأصَمُّ: ضِعْفُ ما يَكُونُ في غَيْرِها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مِثْلَيْ ما كانَ يُعْهَدُ مِنها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ الطَّلُّ: مَطَرٌ صَغِيرُ القَطْرِ، ثُمَّ في المَعْنى وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ إنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَيُصِيبُها مَطَرٌ دُونَ الوابِلِ، إلّا أنَّ ثَمَرَتَها باقِيَةٌ بِحالِها عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَنْقُصُ بِسَبَبِ انْتِقاصِ المَطَرِ وذَلِكَ بِسَبَبِ كَرَمِ المَنبَتِ.
الثّانِي: مَعْنى الآيَةِ إنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ حَتّى تُضاعَفَ ثَمَرَتُها فَلا بُدَّ وأنْ يُصِيبَها طَلٌّ يُعْطِي ثَمَرًا دُونَ ثَمَرِ الوابِلِ، فَهي عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ لا تَخْلُو مِن أنْ تُثْمِرَ، فَكَذَلِكَ مَن أخْرَجَ صَدَقَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا يَضِيعُ كَسْبُهُ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ والمُرادُ مِنَ البَصِيرِ العَلِيمُ، أيْ هو تَعالى عالِمٌ بِكَمِّيَّةِ النَّفَقاتِ وكَيْفِيَّتِها، والأُمُورِ الباعِثَةِ عَلَيْها، وأنَّهُ تَعالى مُجازٍ بِها إنْ خَيَّرا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
2:266Страница 45
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦
Захочет ли кто-нибудь из вас, если у него будет сад из финиковых пальм и виноградника, в котором текут реки и растут всякие плоды, чтобы его сад был поражен огненным вихрем и сгорел, когда его постигнет старость, а его дети будут еще слабы? Так Аллах разъясняет вам знамения, - быть может, вы поразмыслите.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مَثَلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مَن يُتْبِعُ إنْفاقَهُ بِالمَنِّ والأذى، والمَعْنى أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ جَنَّةً في غايَةِ الحُسْنِ والنِّهايَةِ، كَثِيرَةَ النَّفْعِ، وكانَ الإنْسانُ في غايَةِ العَجْزِ عَنِ الكَسْبِ وفي غايَةِ شِدَّةِ الحاجَةِ، وكَما أنَّ الإنْسانَ كَذَلِكَ فَلَهُ ذُرِّيَّةٌ أيْضًا في غايَةِ الحاجَةِ، وفي غايَةِ العَجْزِ، ولا شَكَّ أنَّ كَوْنَهُ مُحْتاجًا أوْ عاجِزًا مَظِنَّةُ الشَّدَّةِ والمِحْنَةِ، وتَعَلُّقُ جَمْعٍ مِنَ المُحْتاجِينَ العاجِزِينَ بِهِ زِيادَةُ مِحْنَةٍ عَلى مِحْنَةٍ، فَإذا أصْبَحَ الإنْسانُ وشاهَدَ تِلْكَ الجَنَّةَ مُحْرَقَةً بِالكُلِّيَّةِ، فانْظُرْ كَمْ يَكُونُ في قَلْبِهِ مِنَ الغَمِّ والحَسْرَةِ والمِحْنَةِ والبَلِيَّةِ، تارَةً بِسَبَبِ أنَّهُ ضاعَ مِثْلُ ذَلِكَ المَمْلُوكِ الشَّرِيفِ النَّفِيسِ، وثانِيًا بِسَبَبِ أنَّهُ بَقِيَ في الحاجَةِ والشِّدَّةِ مَعَ العَجْزِ عَنِ الِاكْتِسابِ واليَأْسِ عَنْ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أحَدٌ شَيْئًا، وثالِثًا بِسَبَبِ تَعَلُّقِ غَيْرِهِ بِهِ، ومُطالَبَتِهِمْ إيّاهُ بِوُجُوهِ النَّفَقَةِ، فَكَذَلِكَ مَن أنْفَقَ لِأجْلِ اللَّهِ، كانَ ذَلِكَ نَظِيرًا لِلْجَنَّةِ المَذْكُورَةِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَذَلِكَ الشَّخْصُ العاجِزُ الَّذِي يَكُونُ كُلُّ اعْتِمادِهِ
صفحة ٥٢
فِي وُجُوهِ الِانْتِفاعِ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ، وأمّا إذا أعْقَبَ إنْفاقَهُ بِالمَنِّ أوْ بِالأذى كانَ ذَلِكَ كالإعْصارِ الَّذِي يَحْرِقُ تِلْكَ الجَنَّةَ، ويَعْقُبُ الحَسْرَةُ والحَيْرَةُ والنَّدامَةُ، فَكَذا هَذا المالُ المُؤْذِي إذا قُدِّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، وكانَ في غايَةِ الِاحْتِياجِ إلى الِانْتِفاعِ بِثَوابِ عَمَلِهِ، لَمْ يَجِدْ هُناكَ شَيْئًا فَيَبْقى لا مَحالَةَ في أعْظَمِ غَمٍّ، وفي أكْمَلِ حَسْرَةٍ وحَيْرَةٍ، وهَذا المَثَلُ في غايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الكَمالِ. ولْنَذْكُرْ ما يَتَعَلَّقُ بِألْفاظِ الآيَةِ:
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوِدُّ، هو المَحَبَّةُ الكامِلَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهَمْزَةُ في ”أيَوَدُّ“ اسْتِفْهامٌ لِأجْلِ الإنْكارِ، وإنَّما قالَ: ”أيَوَدُّ“ ولَمْ يَقُلْ أيُرِيدُ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ المَوَدَّةَ هي المَحَبَّةُ التّامَّةُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَحَبَّةَ كُلِّ أحَدٍ لِعَدَمِ هَذِهِ الحالَةِ مَحَبَّةٌ كامِلَةٌ تامَّةٌ، فَلَمّا كانَ الحاصِلُ هو مَوَدَّةَ عَدَمِ هَذِهِ الحالَةِ ذَكَرَ هَذا اللَّفْظَ في جانِبِ الثُّبُوتِ فَقالَ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ . حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ تَنْبِيهًا عَلى الإنْكارِ التّامِّ والنَّفْرَةِ البالِغَةِ إلى الحَدِّ الَّذِي لا مَرْتَبَةَ فَوْقَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ. واعْلَمْ أنَّ الجَنَّةَ تَكُونُ مُحْتَوِيَةً عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ، ولا تَكُونُ الجَنَّةُ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ إلّا أنَّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ النَّخِيلِ والأعْنابِ صارَ كَأنَّ الجَنَّةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ، وإنَّما خَصَّ النَّخِيلَ والأعْنابَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما أشْرَفُ الفَواكِهِ ولِأنَّهُما أحْسَنُ الفَواكِهِ مَناظِرَ حِينَ تَكُونُ باقِيَةً عَلى أشْجارِها.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا سَبَبٌ لِزِيادَةِ الحُسْنِ في هَذِهِ الجَنَّةِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا يَكُونُ سَبَبًا لِكَمالِ حالِ هَذا البُسْتانِ. فَهَذِهِ هي الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الجَنَّةَ بِها، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ تَكُونُ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّها مَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ حَسَنَةُ الرُّؤْيَةِ والمَنظَرِ كَثِيرَةُ النَّفْعِ والرَّيْعِ، ولا تُمْكِنُ الزِّيادَةُ في حُسْنِ الجَنَّةِ عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ شَرَعَ في بَيانِ شِدَّةِ حاجَةِ المالِكِ إلى هَذِهِ الجَنَّةِ، فَقالَ: ﴿وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا صارَ كَبِيرًا وعَجَزَ عَنِ الِاكْتِسابِ كَثُرَتْ جِهاتُ حاجاتِهِ في مَطْعَمِهِ، ومَلْبَسِهِ، ومَسْكَنِهِ، ومَن يَقُومُ بِخِدْمَتِهِ، وتَحْصِيلِ مَصالِحِهِ، فَإذا تَزايَدَتْ جِهاتُ الحاجاتِ وتَناقَصَتْ جِهاتُ الدَّخْلِ والكَسْبِ، إلّا مِن تِلْكَ الجَنَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ في نِهايَةِ الِاحْتِياجِ إلى تِلْكَ الجَنَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَطَفَ ”وأصابَهُ“ عَلى ”أيَوَدُّ“ وكَيْفَ يَجُوزُ عَطْفُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ ؟ .
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”الواوُ“ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ، ومَعْناهُ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ حالَ ما أصابَهُ الكِبَرُ ثُمَّ إنَّها تُحْرَقُ.
والجَوابُ الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: ودِدْتُ أنْ يَكُونَ كَذا، ووَدِدْتُ لَوْ كانَ كَذا فَحَمَلَ العَطْفَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: أيَوَدُّ أحَدُكم إنْ كانَ لَهُ جَنَّةٌ وأصابَهُ الكِبَرُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ في بَيانِ احْتِياجِ ذَلِكَ الإنْسانِ إلى تِلْكَ الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ والمُرادُ مِن
صفحة ٥٣
ضَعْفِ الذُّرِّيَّةِ: الضَّعْفُ بِسَبَبِ الصِّغَرِ والطُّفُولِيَّةِ، فَيَصِيرُ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ كانَ في غايَةِ الضَّعْفِ والحاجَةِ إلى تِلْكَ الجَنَّةِ بِسَبَبِ الشَّيْخُوخَةِ والكِبَرِ، ولَهُ ذُرِّيَّةٌ في غايَةِ الضَّعْفِ والحاجَةِ بِسَبَبِ الطُّفُولِيَّةِ والصِّغَرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ والإعْصارُ رِيحٌ تَرْتَفِعُ وتَسْتَدِيرُ نَحْوَ السَّماءِ كَأنَّها عَمُودٌ، وهي الَّتِي يُسَمِّيها النّاسُ الزَّوْبَعَةَ، وهي رِيحٌ في غايَةِ الشِّدَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
إنْ كُنْتَ رِيحًا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصارا
والمَقْصُودُ مِن هَذا المَثَلِ بَيانُ أنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِ هَذا الإنْسانِ مِنَ الغَمِّ والمِحْنَةِ والحَسْرَةِ والحَيْرَةِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَكَذَلِكَ مَن أتى بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ، إلّا أنَّهُ لا يَقْصِدُ بِها وجْهَ اللَّهِ، بَلْ يَقْرِنُ بِها أُمُورًا تُخْرِجُها عَنْ كَوْنِها مُوجِبَةً لِلثَّوابِ، فَحِينَ يَقْدُمُ يَوْمَ القِيامَةِ وهو حِينَئِذٍ في غايَةِ الحاجَةِ ونِهايَةِ العَجْزِ عَنِ الِاكْتِسابِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ وتَناهَتْ حَيْرَتُهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٧] وقَوْلُهُ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٣] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ: كَما بَيَّنَ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ودَلائِلَهُ في هَذا البابِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ودَلائِلَهُ في سائِرِ أُمُورِ الدِّينِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ . وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي وهو لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المُعْتَزِلَةَ تَمَسَّكُوا بِهِ في أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِرارًا.
2:267Страница 45
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧
О те, которые уверовали! Делайте пожертвования из приобретенных вами благ и того, что Мы взрастили для вас на земле, и не стремитесь раздать в качестве пожертвования дурное, чего бы вы сами не взяли, пока не зажмурили глаза. И знайте, что Аллах - Богатый, Достохвальный.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ [تَعالى] رَغَّبَ في الإنْفاقِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، ومِنهُ ما لا يَتْبَعُهُ ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَحَ ما يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وضَرَبَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَثَلًا يَكْشِفُ عَنِ المَعْنى ويُوَضِّحُ المَقْصُودَ مِنهُ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ.
صفحة ٥٤
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المالَ الَّذِي أمَرَ بِإنْفاقِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فَقالَ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: (أنْفِقُوا) المُرادُ مِنهُ ماذا ؟ فَقالَ الحَسَنُ: المُرادُ مِنهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ مِنهُ التَّطَوُّعُ، وقالَ ثالِثٌ: إنَّهُ يَتَناوَلُ الفَرْضَ والنَّفْلَ.
حُجَّةُ مَن قالَ المُرادُ مِنهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: (أنْفِقُوا) أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والإنْفاقُ الواجِبُ لَيْسَ إلّا الزَّكاةَ وسائِرَ النَّفَقاتِ الواجِبَةِ.
حُجَّةُ مَن قالَ المُرادُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ: أنَّهم كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِشِرارِ ثِمارِهِمْ ورَدِيءِ أمْوالِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «جاءَ رَجُلٌ ذاتَ يَوْمٍ بِعِذْقِ حَشَفٍ فَوَضَعَهُ في الصَّدَقَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بِئْسَ ما صَنَعَ صاحِبُ هَذا“» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
حُجَّةُ مَن قالَ الفَرْضُ والنَّفْلُ داخِلانِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الأمْرِ تَرْجِيحُ جانِبِ الفِعْلِ عَلى جانِبِ التَّرْكِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ يَجُوزُ التَّرْكُ أوْ لا يَجُوزُ، وهَذا المَفْهُومُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الفَرْضِ والنَّفْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونا داخِلَيْنِ تَحْتَ الأمْرِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وهو أنَّهُ لِلْوُجُوبِ فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في كُلِّ مالٍ يَكْتَسِبُهُ الإنْسانُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ زَكاةُ التِّجارَةِ، وزَكاةُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وزَكاةُ النَّعَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوصَفُ بِأنَّهُ مُكْتَسَبٌ، ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في كُلِّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ، عَلى ما هو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، واسْتِدْلالُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ظاهِرٌ جِدًّا، إلّا أنَّ مُخالِفِيهِ خَصَّصُوا هَذا العُمُومَ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لَيْسَ في الخُضْراواتِ صَدَقَةٌ» “ وأيْضًا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ إخْراجَ الزَّكاةِ مِن كُلِّ ما أنْبَتَتْهُ الأرْضُ واجِبٌ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ إلّا أنَّ مُخالِفِيهِ خَصَّصُوا هَذا العُمُومَ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطَّيِّبِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ الجَيِّدُ مِنَ المالِ دُونَ الرَّدِيءِ، فَأطْلَقَ لَفْظَ الطَّيِّبِ عَلى الجَيِّدِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالمُرادُ مِنَ الخَبِيثِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ الرَّدِيءُ.
والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ: أنَّ الطَّيِّبَ هو الحَلّالُ، والخَبِيثَ هو الحَرامُ.
حُجَّةُ الأوَّلِ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنّا ذَكَرْنا في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّهم يَتَصَدَّقُونَ بِرَدِيءِ أمْوالِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الطَّيِّبِ الجَيِّدُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المُحَرَّمَ لا يَجُوزُ أخْذُهُ لا بِإغْماضٍ ولا بِغَيْرِ إغْماضٍ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخَبِيثَ يَجُوزُ أخْذُهُ بِالإغْماضِ. قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الإغْماضِ المُسامَحَةُ وتَرْكُ الِاسْتِقْصاءِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ مُحَرَّمٌ إلّا أنْ تُرَخِّصُوا لِأنْفُسِكم أخْذَ الحَرامِ، ولا تُبالُوا مِن أيِّ وجْهٍ أخَذْتُمُ المالَ، أمِن حَلالِهِ أوْ مِن حَرامِهِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ هَذا القَوْلَ مُتَأيَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٢] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّباتِ الأشْياءُ النَّفِيسَةُ الَّتِي يُسْتَطابُ مِلْكُها، لا الأشْياءُ الخَسِيسَةُ الَّتِي يَجِبُ
صفحة ٥٥
عَلى كُلِّ أحَدٍ دَفْعُها عَنْ نَفْسِهِ وإخْراجُها عَنْ بَيْتِهِ.
واحْتَجَّ القاضِي لِلْقَوْلِ الثّانِي فَقالَ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الطَّيِّبِ في هَذِهِ الآيَةِ إمّا الجَيِّدُ وإمّا الحَلالُ، فَإذا بَطَلَ الأوَّلُ تَعَيَّنَ الثّانِي، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ بَطَلَ الأوَّلُ؛ لِأنَّ المُرادَ لَوْ كانَ هو الجَيِّدَ لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِإنْفاقِ مُطْلَقِ الجَيِّدِ سَواءٌ كانَ حَرامًا أوْ حَلالًا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، والتِزامُ التَّخْصِيصِ خِلافُ الأصْلِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ لَيْسَ هو الجَيِّدَ بَلِ الحَلالَ. ويُمْكِنُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الطَّيِّبِ هَهُنا ما يَكُونُ طَيِّبًا مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَيَكُونُ طَيِّبًا بِمَعْنى الحَلالِ، ويَكُونُ طَيِّبًا بِمَعْنى الجَوْدَةِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ عَلى مَفْهُومَيْهِ لا يَجُوزُ؛ لِأنّا نَقُولُ: الحَلالُ إنَّما سُمِّيَ طَيِّبًا لِأنَّهُ يَسْتَطِيبُهُ العَقْلُ والدِّينُ، والجَيِّدُ إنَّما يُسَمّى طَيِّبًا لِأنَّهُ يَسْتَطِيبُهُ المَيْلُ والشَّهْوَةُ، فَمَعْنى الِاسْتِطابَةِ مَفْهُومٌ واحِدٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فَكانَ اللَّفْظُ مَحْمُولًا عَلَيْهِ إذا أُثْبِتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الجَيِّدُ الحَلالُ؛ فَنَقُولُ: الأمْوالُ الزَّكاتِيَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ كُلُّها شَرِيفَةً أوْ كُلُّها خَسِيسَةً أوْ تَكُونَ مُتَوَسِّطَةً أوْ تَكُونَ مُخْتَلِطَةً، فَإنْ كانَ الكُلُّ شَرِيفًا كانَ المَأْخُوذُ بِحِسابِ الزَّكاةِ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ الكُلُّ خَسِيسًا كانَتِ الزَّكاةُ أيْضًا مِن ذَلِكَ الخَسِيسِ، ولا يَكُونُ خِلافًا لِلْآيَةِ؛ لِأنَّ المَأْخُوذَ في هَذِهِ الحالَةِ لا يَكُونُ خَسِيسًا مِن ذَلِكَ المالِ بَلْ إنْ كانَ في المالِ جَيِّدٌ ورَدِيءٌ، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لِلْإنْسانِ: لا تَجْعَلِ الزَّكاةَ مِن رَدِيءِ مالِكَ، وأمّا إنْ كانَ المالُ مُخْتَلِطًا فالواجِبُ هو الوَسَطُ، قالَ ﷺ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ: ”«أعْلِمْهم أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ وتَرُدُّ إلى فُقَرائِهِمْ، وإيّاكَ وكَرائِمَ أمْوالِهِمْ» “ هَذا كُلُّهُ إذا قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ الزَّكاةُ الواجِبَةُ، أمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، أوْ قُلْنا: المُرادُ مِنهُ الإنْفاقُ الواجِبُ والتَّطَوُّعُ، فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى نَدَبَهم إلى أنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِأفْضَلِ ما يَمْلِكُونَهُ، كَمَن تَقَرَّبَ إلى السُّلْطانِ الكَبِيرِ بِتُحْفَةٍ وهَدِيَّةٍ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تِلْكَ التُّحْفَةُ أفْضَلَ ما في مُلْكِهِ وأشْرَفَها، فَكَذا هَهُنا.
بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالٌ واحِدٌ، وهو أنْ يُقالَ ما الفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ .
وجَوابُهُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ، وأنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ، إلّا أنَّ ذِكْرَ الطَّيِّباتِ لَمّا حَصَلَ مَرَّةً واحِدَةً حُذِفَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ لِدَلالَةِ المَرَّةِ الأُولى عَلَيْهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: أمَمْتُهُ، ويَمَّمْتُهُ، وتَأمَّمْتُهُ، كُلُّهُ بِمَعْنى قَصَدْتُهُ، قالَ الأعْشى:
تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَرَفِ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ ”ولا تَّيَمَّمُوا“ بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ لِأنَّهُ كانَ في الأصْلِ تاءانِ تاءُ المُخاطَبَةِ، وتاءُ الفِعْلِ، فَأُدْغِمَ إحْداهُما في الأُخْرى، والباقُونَ بِفَتْحِ التّاءِ مُخَفَّفَةً. وعَلى هَذا، الخِلافُ في أخَواتِها، وهي ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ مَوْضِعًا: لا تَفَرَّقُوا، تَوَفّاهُمُ، تَعاوَنُوا، فَتَفَرَّقَ بِكم، تَلْقَفُ، تَوَلَّوْا، تَنازَعُوا، تَرَبَّصُونَ، فَإنْ تَوَلَّوْا، لا تَكَلَّمُ، تَلَقَّوْنَهُ، تَبَرَّجْنَ، تَبَدَّلَ، تَناصَرُونَ، تَجَسَّسُوا، تَنابَزُوا، لِتَعارَفُوا، تَمَيَّزُ، تَخَيَّرُونَ، تَلَهّى، تَلَظّى، تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا الإدْغامُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المُدْغَمَ يُسَكَّنُ، وإذا سُكِّنَ لَزِمَ أنْ تُجْلَبَ هَمْزَةُ الوَصْلِ عِنْدَ الِابْتِداءِ بِهِ، كَما جُلِبَتْ في أمْثِلَةِ الماضِي نَحْوَ: ادّارَأْتُمْ، وارْتَبْتُمْ، واطَّيَّرْنا، لَكِنْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ.
صفحة ٥٦
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في التّاءِ المَحْذُوفَةِ عَلى قِراءَةِ العامَّةِ، فَقالَ بَعْضُهم: هي التّاءُ الأُولى، وسِيبَوَيْهِ لا يُسْقِطُ إلّا الثّانِيَةَ، والفَرّاءُ يَقُولُ: أيُّهُما أُسْقِطَتْ جازَ لِنِيابَةِ الباقِيَةِ عَنْها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ نَظْمِ الآيَةِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ: ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والمَعْنى: أمِنَهُ تُنْفِقُونَ مَعَ أنَّكم لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا مَعَ الإغْماضِ ؟ .
والثّانِي: أنَّ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ ويَكُونُ الَّذِي مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ: ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ الَّذِي تُنْفِقُونَهُ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا بِإغْماضٍ فِيهِ، ونَظِيرُهُ إضْمارُ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٦] والمَعْنى الوُثْقى الَّتِي لا انْفِصامَ لَها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإغْماضُ في اللُّغَةِ غَضُّ البَصَرِ وإطْباقُ جَفْنٍ عَلى جَفْنٍ، وأصْلُهُ مِنَ الغُمُوضِ، وهو الخَفاءُ، يُقالُ: هَذا الكَلامُ غامِضٌ أيْ: خَفِيُّ الإدْراكِ. والغَمْضُ المُتَطامِنُ الخَفِيُّ مِنَ الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَعْنى الإغْماضِ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالإغْماضِ هَهُنا المُساهَلَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا رَأى ما يَكْرَهُ أغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِئَلّا يَرى ذَلِكَ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى جُعِلَ كُلُّ تَجاوُزٍ ومُساهَلَةٍ في البَيْعِ وغَيْرِهِ إغْماضًا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يَقُولُ: لَوْ أهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُ هَذِهِ الأشْياءِ لَما أخَذْتُمُوها إلّا عَلى اسْتِحْياءٍ وإغْماضٍ، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي ما لا تَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِكم ؟! .
والثّانِي: أنْ يُحْمَلَ الإغْماضُ عَلى المُتَعَدِّي كَما تَقُولُ: أغْمَضْتُ بَصَرَ المَيِّتِ وغَمَّضْتُهُ، والمَعْنى ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا إذا أغْمَضْتُمْ بَصَرَ البائِعِ، يَعْنِي أمَرْتُمُوهُ بِالإغْماضِ والحَطِّ مِنَ الثَّمَنِ.
ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ صَدَقاتِكم، ومَعْنى ”حَمِيدٌ“ أيْ: مَحْمُودٌ عَلى ما أنْعَمَ بِالبَيانِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَنِيٌّ﴾ كالتَّهْدِيدِ عَلى إعْطاءِ الأشْياءِ الرَّدِيئَةِ في الصَّدَقاتِ، و﴿حَمِيدٌ﴾ بِمَعْنى حامِدٍ أيْ: أنا أحْمَدُكم عَلى ما تَفْعَلُونَهُ مِنَ الخَيْراتِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ١٩] .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии