Ар-РазиАль‑Бакара · 2:41–43

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:41–43

2:41Страница 7

وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١

Уверуйте в то, что Я ниспослал в подтверждение того, что есть у вас, и не становитесь первыми, кто отказался уверовать в это. Не продавайте Мои знамения за ничтожную цену и Меня одного бойтесь.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآمِنُوا﴾ هم بَنُو إسْرائِيلَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما أنْزَلْتُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، الأقْوى أنَّهُ القُرْآنُ وعَلَيْهِ دَلِيلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا وذَلِكَ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] .

والثّانِي: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم مِنَ الكُتُبِ وذَلِكَ هو القُرْآنُ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ مِن كِتابٍ ورَسُولٍ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ فَفِيهِ تَفْسِيرانِ:

أحَدُهُما: أنَّ في القُرْآنِ أنَّ مُوسى وعِيسى حَقٌّ، وأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ حَقٌّ، وأنَّ التَّوْراةَ أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى، والإنْجِيلَ عَلى عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَكانَ الإيمانُ بِالقُرْآنِ مُؤَكِّدًا لِلْإيمانِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ المُبالَغَةَ في الإيمانِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَآمِنُوا بِالقُرْآنِ، فَإنَّ الإيمانَ بِهِ يُؤَكِّدُ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

والثّانِي: أنَّهُ حَصَلَتِ البِشارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِالقُرْآنِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَكَأنَّ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ تَصْدِيقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ والقُرْآنِ تَكْذِيبٌ

صفحة ٣٩

لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهَذا التَّفْسِيرُ أوْلى؛ لِأنَّ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لا يَلْزَمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخْبِرًا عَنْ كَوْنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ حَقًّا لا يَجِبُ الإيمانُ بِنُبُوَّتِهِ؛ أمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي يَلْزَمُ الإيمانُ بِهِ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ إذا اشْتَمَلا عَلى كَوْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا، فالإيمانُ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ يُوجِبُ الإيمانَ بِكَوْنِ مُحَمَّدٍ صادِقًا لا مَحالَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في وُجُوبِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ الثّانِيَ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ شَهادَةَ كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَكُونُ إلّا حَقًّا.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَنْ كُتُبِهِمْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ الوَحْيِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ فَمَعْناهُ أوَّلَ مَن كَفَرَ بِهِ أوْ أوَّلَ فَرِيقٍ أوْ فَوْجٍ كافِرٍ بِهِ أوْ ولا يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ. ثُمَّ فِيهِ سُؤْلانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ جُعِلُوا أوَّلَ مَن كَفَرَ بِهِ وقَدْ سَبَقَهم إلى الكُفْرِ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذا تَعْرِيفٌ بِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وبِصِفَتِهِ؛ ولِأنَّهم كانُوا هُمُ المُبَشِّرُونَ بِزَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ والمُسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ كانَ أمْرُهم عَلى العَكْسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ . [البقرة: ٨٩] .

وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يُرادَ: ولا تَكُونُوا مِثْلَ أوَّلِ كافِرٍ بِهِ يَعْنِي مَن أشْرَكَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، أيْ ولا تَكُونُوا -وأنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ مَذْكُورًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ- مِثْلَ مَن لَمْ يَعْرِفْهُ وهو مُشْرِكٌ لا كِتابَ لَهُ.

وثالِثُها: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ كانُوا أوَّلَ مَن كَفَرَ بِالقُرْآنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ كانَتْ قُرَيْشٌ كَفَرُوا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.

ورابِعُها: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ، يَعْنِي بِكِتابِكم يَقُولُ ذَلِكَ لِعُلَمائِهِمْ: أيْ ولا تَكُونُوا أوَّلَ أحَدٍ مِن أُمَّتِكم كَذَلِكَ كِتابُكم؛ لِأنَّ تَكْذِيبَكم بِمُحَمَّدٍ ﷺ يُوجِبُ تَكْذِيبَكم بِكِتابِكم.

وخامِسُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ تَغْلِيظِ كُفْرِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا شاهَدُوا المُعْجِزاتِ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِهِ عَرَفُوا البِشاراتِ الوارِدَةَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِمَقْدَمِهِ، فَكانَ كُفْرُهم أشَدَّ مِن كُفْرِ مَن لَمْ يَعْرِفْ إلّا نَوْعًا واحِدًا مِنَ الدَّلِيلِ، والسّابِقُ إلى الكُفْرِ يَكُونُ أعْظَمَ ذَنْبًا مِمَّنْ بَعْدَهُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها» “ فَلَمّا كانَ كَفْرُهم عَظِيمًا وكُفْرُ مَن كانَ سابِقًا في الكُفْرِ عَظِيمًا فَقَدِ اشْتَرَكا مِن هَذا الوَجْهِ فَصَحَّ إطْلاقُ اسْمِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.

وسادِسُها: المَعْنى ولا تَكُونُوا أوَّلَ مَن جَحَدَ مَعَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ كُفْرَ قُرَيْشٍ كانَ مَعَ الجَهْلِ لا مَعَ المَعْرِفَةِ.

وسابِعُها: أوَّلَ كافِرٍ بِهِ مِنَ اليَهُودِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وبِها قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ فَكَفَرُوا بِهِ، ثُمَّ تَتابَعَتْ سائِرُ اليَهُودِ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أوَّلُ مَن كَفَرَ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] أيْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.

وثامِنُها: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ عِنْدَ سَماعِكم بِذِكْرِهِ بَلْ تَثَبَّتُوا فِيهِ وراجِعُوا عُقُولَكم فِيهِ.

وتاسِعُها: أنَّ لَفْظَ: ”أوَّلَ“ صِلَةٌ والمَعْنى ولا تَكُونُوا كافِرِينَ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَجُوزُ لَهُمِ الكُفْرُ إذْ لَمْ يَكُونُوا أوَّلًا، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ لَيْسَ في ذِكْرِ تِلْكَ الشَّيْءِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما عَداهُ بِخِلافِهِ.

وثانِيها: أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ دَلالَةً عَلى أنَّ كُفْرَهم أوَّلًا وآخِرًا مَحْظُورٌ.

وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ عَمَدٍ لا يَرَوْنَها. وقَوْلَهُ: ﴿وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء: ١٥٥] لا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ قَتْلِ الأنْبِياءِ بِحَقٍّ.

وقَوْلُهُ: عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ لا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ الكَثِيرِ، فَكَذا هَهُنا، بَلِ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ السِّياقَةِ اسْتِعْظامُ وُقُوعِ الجَحْدِ والإنْكارِ مِمَّنْ قَرَأ في الكُتُبِ نَعْتَ رَسُولِ

صفحة ٤٠

اللَّهِ ﷺ وصِفَتَهُ.

ورابِعُها: قالَ المُبَرِّدُ: هَذا الكَلامُ خِطابٌ لِقَوْمٍ خُوطِبُوا بِهِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: لا تَكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ فَإنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَكُمُ الكُفّارُ فَلا تَكُونُوا أنْتُمْ أوَّلَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأوَّلِيَّةَ مُوجِبَةٌ لِمَزِيدِ الإثْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا سَبَقُوا إلى الكُفْرِ فَإمّا أنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ غَيْرُهم في ذَلِكَ الكُفْرِ أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ؛ فَإنِ اقْتَدى بِهِمْ غَيْرُهم في ذَلِكَ الكُفْرِ كانَ لَهم وِزْرُ ذَلِكَ الكُفْرِ ووِزْرُ كُلِّ مَن كَفَرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ لَمْ يَقْتَدِ بِهِمْ غَيْرُهُمُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ أمْرانِ:

أحَدُهُما: السَّبْقُ إلى الكُفْرِ.

والثّانِي: التَّفَرُّدُ بِهِ، ولا شَكَّ في أنَّهُ مَنقَصَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فَقَدْ بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦]، أنَّ الِاشْتِراءَ يُوضَعُ مَوْضِعَ الِاسْتِبْدالِ، فَكَذا الثَّمَنُ يُوضَعُ مَوْضِعَ البَدَلِ عَنِ الشَّيْءِ والعِوَضِ عَنْهُ، فَإذا اخْتِيرَ عَلى ثَوابِ اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا فَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ ثَمَنًا عِنْدَ فاعِلِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وأمْثالَهُما كانُوا يَأْخُذُونَ مِن فُقَراءِ اليَهُودِ الهَدايا، وعَلِمُوا أنَّهم لَوِ اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا لانْقَطَعَتْ عَنْهم تِلْكَ الهَدايا، فَأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ لِئَلّا يَنْقَطِعَ عَنْهم ذَلِكَ القَدْرُ المُحَقَّرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدُّنْيا كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الدِّينِ قَلِيلَةٌ جِدًّا فَنِسْبَتُها إلَيْهِ نِسْبَةُ المُتَناهِي إلى غَيْرِ المُتَناهِي، ثُمَّ تِلْكَ الهَدايا كانَتْ في نِهايَةِ القِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا، فالقَلِيلُ جِدًّا مِنَ القَلِيلِ جِدًّا أيُّ نِسْبَةٍ لَهُ إلى الكَثِيرِ الَّذِي لا يَتَناهى ؟ واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّهْيَ صَحِيحٌ سَواءٌ كانَ فِيهِمْ مَن فَعَلَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يَكُنْ، بَلْ لَوْ ثَبَتَ أنَّ عُلَماءَهم كانُوا يَأْخُذُونَ الرُّشا عَلى كِتْمانِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ وتَحْرِيفِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِنَ التَّوْراةِ كانَ الكَلامُ أبْيَنَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ فَيَقْرُبُ مَعْناهُ مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ والفَرْقُ أنَّ الرَّهْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ الخَوْفِ، وأمّا الِاتِّقاءُ فَإنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الجَزْمِ بِحُصُولِ ما يُتَّقى مِنهُ فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهَمْ بِالرَّهْبَةِ لِأجْلِ أنَّ جَوازَ العِقابِ قائِمٌ، ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّقْوى؛ لِأنَّ تَعَيُّنَ العِقابِ قائِمٌ.

2:42Страница 7

وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢

Не облекайте истину в ложь и не скрывайте истину, тогда как вы знаете ее.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ أمْرٌ بِتَرْكِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ أمْرٌ بِتَرْكِ الإغْراءِ والإضْلالِ، واعْلَمْ أنَّ إضْلالَ الغَيْرِ لا يَحْصُلُ إلّا بِطَرِيقَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ إنْ كانَ قَدْ سَمِعَ دَلائِلَ الحَقِّ فَإضْلالُهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَشْوِيشِ تِلْكَ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ ما سَمِعَها فَإضْلالُهُ إنَّما يُمْكِنُ بِإخْفاءِ تِلْكَ الدَّلائِلِ عَنْهُ ومَنعِهِ مِنَ الوُصُولِ إلَيْها، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ إشارَةٌ إلى القِسْمِ الأوَّلِ وهو تَشْوِيشُ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ إشارَةٌ إلى القِسْمِ الثّانِي، وهو مَنعُهُ مِنَ الوُصُولِ إلى الدَّلائِلِ.

واعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ في الباءِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿بِالباطِلِ﴾ أنَّها باءُ الِاسْتِعانَةِ كالَّتِي في قَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، والمَعْنى ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِسَبَبِ الشُّبُهاتِ الَّتِي تُورِدُونَها عَلى السّامِعِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النُّصُوصَ الوارِدَةَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْكم كانَتْ نُصُوصًا خَفِيَّةً يُحْتاجُ في مَعْرِفَتِها إلى الِاسْتِدْلالِ، ثُمَّ إنَّهم

صفحة ٤١

كانُوا يُجادِلُونَ فِيها ويُشَوِّشُونَ وجْهَ الدَّلالَةِ عَلى المُتَأمِّلِينَ فِيها بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ فَهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [غافر: ٥] . أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ ما في إضْلالِ الخَلْقِ مِنَ الضَّرَرِ العَظِيمِ العائِدِ عَلَيْكم يَوْمَ القِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّلْبِيسَ صارَ صارِفًا لِلْخَلْقِ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وداعِيًا لَهم إلى الِاسْتِمْرارِ عَلى الباطِلِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولا شَكَّ في أنَّ مَوْقِعَهُ عَظِيمٌ، وهَذا الخِطابُ وإنْ ورَدَ فِيهِمْ، فَهو تَنْبِيهٌ لِسائِرِ الخَلْقِ وتَحْذِيرٌ مِن مِثْلِهِ، فَصارَ الخِطابُ وإنْ كانَ خاصًّا في الصُّورَةِ لَكِنَّهُ عامٌّ في المَعْنى، ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ جَزْمٌ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ بِمَعْنى ولا تَكْتُمُوا أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ النَّهْيَ عَنِ اللَّبْسِ والكِتْمانِ وإنْ تَقَيَّدَ بِالعِلْمِ فَلا يَدُلُّ عَلى جَوازِهِما حالَ عَدَمِ العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُعْلَمْ حالُ الشَّيْءِ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ اللَّبْسَ والكِتْمانَ حَقٌّ أوْ باطِلٌ، وما لا يُعْرَفُ كَوْنُهُ حَقًّا أوْ باطِلًا لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ، بَلْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ، وسَبَبُ ذَلِكَ التَّقْيِيدِ أنَّ الإقْدامَ عَلى الفِعْلِ الضّارِّ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ ضارًّا أفْحَشُ مِنَ الإقْدامِ عَلَيْهِ عِنْدَ الجَهْلِ بِكَوْنِهِ ضارًّا، فَلَمّا كانُوا عالِمِينَ بِما في التَّلْبِيسِ مِنَ المَفاسِدِ كانَ إقْدامُهم عَلَيْهِ أقْبَحَ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ العالِمَ بِالحَقِّ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُهُ ويَحْرُمُ عَلَيْهِ كِتْمانُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

2:43Страница 7

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

Совершайте намаз, выплачивайте закят и кланяйтесь вместе с кланяющимися.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ أوَّلًا ثُمَّ نَهاهم عَنْ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ وكِتْمانِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ ثانِيًا، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيانَ ما لَزِمَهم مِنَ الشَّرائِعِ، وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ الشَّرائِعِ ما كانَ كالمُقَدَّمِ، والأصْلُ فِيها وهو الصَّلاةُ الَّتِي هي أعْظَمُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والزَّكاةُ الَّتِي هي أعْظَمُ العِباداتِ المالِيَّةِ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيانِ المُجْمَلِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ قالُوا: إنَّما جاءَ الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ بَعْدَ أنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ وصَفَ لَهم أرْكانَ الصَّلاةِ وشَرائِطَها فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأقِيمُوا الصَّلاةَ الَّتِي عَرَفْتُمُوها والقائِلُونَ بِجَوازِ التَّأْخِيرِ قالُوا: يَجُوزُ أنْ يُرادَ الأمْرُ بِالصَّلاةِ وإنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ أنَّ الصَّلاةَ ما هي ويَكُونُ المَقْصُودُ أنْ يُوَطِّنَ السّامِعُ نَفْسَهُ عَلى الِامْتِثالِ، وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ ما هو كَما أنَّهُ لا نِزاعَ في أنْ يَحْسُنَ مِنَ السَّيِّدِ أنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: إنِّي آمُرُكَ غَدًا بِشَيْءٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَفْعَلَهُ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ بِأنْ يَعْزِمَ العَبْدُ في الحالِ عَلى أدائِهِ في الوَقْتِ الثّانِي.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الصَّلاةُ مِنَ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ قالُوا: لِأنَّها أمْرٌ حَدَثَ في الشَّرْعِ فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ المَوْضُوعُ قَدْ كانَ حاصِلًا قَبْلَ الشَّرْعِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في وجْهِ التَّشْبِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: أصْلُها في اللُّغَةِ الدُّعاءُ. قالَ الأعْشى:

صفحة ٤٢

عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاعْتَصِمِي عَيْنًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجِعا

وقالَ آخَرُ:

وقابَلَها الرِّيحُ في دَنِّها ∗∗∗ وصَلّى عَلى دَنِّها وارْتَسَمَ

وقالَ بَعْضُهم: الأصْلُ فِيها اللُّزُومُ قالَ الشّاعِرُ:

لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللَّهُ ∗∗∗ وإنِّي بَحْرَها اليَوْمَ صالِي

أيْ مُلازِمٌ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المُصَلِّي وهو الفَرَسُ الَّذِي يَتْبَعُ غَيْرَهُ. والأقْرَبُ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِنَ الدُّعاءِ؛ إذْ لا صَلاةَ إلّا ويَقَعُ فِيها الدُّعاءُ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ، وقَدْ تَكُونُ صَلاةً ولا يَحْصُلُ فِيها مُتابَعَةُ الغَيْرِ، وإذا حَصَلَ في وجْهِ التَّشْبِيهِ ما عَمَّ كُلَّ الصُّوَرِ كانَ أوْلى أنْ يُجْعَلَ وجْهُ التَّشْبِيهِ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الصُّوَرِ. وقالَ أصْحابُنا مِنَ المَجازاتِ المَشْهُورَةِ في اللُّغَةِ إطْلاقُ اسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ مُشْتَمِلَةً عَلى الدُّعاءِ لا جَرَمَ أُطْلِقَ اسْمُ الدُّعاءِ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَإنْ كانَ مُرادُ المُعْتَزِلَةِ مِن كَوْنِها اسْمًا شَرْعِيًّا هَذا. فَذَلِكَ حَقٌّ، وإنْ كانَ المُرادَ أنَّ الشَّرْعَ ارْتَجَلَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ ابْتِداءً لِهَذا المُسَمّى فَهو باطِلٌ وإلّا لَما كانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَرَبِيَّةً، وذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢٠] أمّا الزَّكاةُ فَهي في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ النَّماءِ، يُقالُ: زَكا الزَّرْعُ إذا نَما، وعَنِ التَّطْهِيرِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] أيْ طاهِرَةً. وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] أيْ تَطَهَّرَ، وقالَ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ [النور: ٢١] وقالَ: ﴿ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨] أيْ تَطَهَّرَ بِطاعَةِ اللَّهِ، ولَعَلَّ إخْراجَ نِصْفِ دِينارٍ مِن عِشْرِينَ دِينارًا سُمِّيَ بِالزَّكاةِ تَشْبِيهًا بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ في إخْراجِ ذَلِكَ القَدْرِ تَنْمِيَةً لِلْبَقِيَّةِ مِن حَيْثُ البَرَكَةُ، فَإنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ البَلاءَ عَنْ ذَلِكَ المالِ بِسَبَبِ تَزْكِيَةِ تِلْكَ العَطِيَّةِ، فَصارَ ذَلِكَ الإعْطاءُ نَماءً في المَعْنى وإنْ كانَ نُقْصانًا في الصُّورَةِ، ولِهَذا قالَ ﷺ: ”«عَلَيْكم بِالصَّدَقَةِ فَإنَّ فِيها سِتَّ خِصالٍ، ثَلاثَةً في الدُّنْيا وثَلاثَةً في الآخِرَةِ، فَأمّا الَّتِي في الدُّنْيا فَتَزِيدُ في الرِّزْقِ وتُكْثِرُ المالَ وتُعَمِّرُ الدِّيارَ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ فَتَسْتُرُ العَوْرَةَ وتَصِيرُ ظِلًّا فَوْقَ الرَّأْسِ وتَكُونُ سِتْرًا في النّارِ» “ . ويَجُوزُ أنْ تُسَمّى الزَّكاةُ بِالوَجْهِ الثّانِي مِن حَيْثُ إنَّها تُطَهِّرُ مُخْرِجَ الزَّكاةِ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ، ولِهَذا قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] .

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ خِطابٌ مَعَ اليَهُودِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ لا رُكُوعَ في صَلاتِهِمْ فَخَصَّ اللَّهُ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ تَحْرِيضًا لَهم عَلى الإتْيانِ بِصَلاةِ المُسْلِمِينَ.

وثانِيها: أنَّ المُرادَ صَلُّوا مَعَ المُصَلِّينَ، وعَلى هَذا يَزُولُ التَّكْرارُ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ أمَرَ تَعالى بِإتْقانِها، وأمَرَ في الثّانِي بِفِعْلِها في الجَماعَةِ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالرُّكُوعِ هو الأمْرَ بِالخُضُوعِ؛ لِأنَّ الرُّكُوعَ والخُضُوعَ في اللُّغَةِ سَواءٌ، فَيَكُونُ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبارِ المَذْمُومِ وأمْرًا بِالتَّذَلُّلِ كَما قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وكَقَوْلِهِ تَأْدِيبًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] وكَمَدْحِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وهَكَذا في قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة ٤٣

﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالِانْقِيادِ والخُضُوعِ وتَرْكِ التَّمَرُّدِ. وحَكى الأصَمُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ إنَّما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ بِالزَّكاةِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٢] وبِقَوْلِهِ: ”وأكْلِهِمُ الرِّبا“ ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ [النساء: ١٦٦] فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ ما كانَ مَكْتُومًا لِيَحْذَرُوا أنْ يَفْضَحَهم في سائِرِ أسْرارِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، فَيَصِيرُ هَذا كالإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ الَّذِي هو أحَدُ دَلائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English