Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:69–73
2:69–70Страница 10
قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩
Они сказали: «Помолись за нас своему Господу, чтобы Он разъяснил нам, какой она масти». Он сказал: «Он говорит, что эта корова светло-желтого цвета. Она радует смотрящих на нее».
قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠
Они сказали: «Помолись за нас своему Господу, чтобы Он разъяснил нам, какова же она, ведь коровы кажутся нам похожими одна на другую. И если Аллах пожелает, то мы последуем прямым путем».
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ هَذِهِ البَقَرَةَ لِحُسْنِ لَوْنِها تَسُرُّ مِن نَظَرِ إلَيْها، قالَ الحَسَنُ: الصَّفْراءُ هاهُنا بِمَعْنى السَّوْداءِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ الدُّخانِ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٣] أيْ سُودٌ، واعْتَرَضُوا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّ الأصْفَرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ الأسْوَدُ البَتَّةَ، فَلَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فِيهِ، وأيْضًا السَّوادُ لا يُنْعَتُ بِالفُقُوعِ، إنَّما يُقالُ: أصْفَرُ فاقِعٌ وأسْوَدُ حالِكٌ واللَّهُ أعْلَمُ، وأمّا السُّرُورُ فَإنَّهُ حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَعْرِضُ عِنْدَ حُصُولِ اعْتِقادٍ أوْ عِلْمٍ أوْ ظَنٍّ بِحُصُولِ شَيْءٍ لَذِيذٍ أوْ نافِعٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى سُؤالَهُمُ الثّالِثَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الحَسَنُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَها أبَدًا» “، واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّلَفُّظَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ مَندُوبٌ في كُلِّ عَمَلٍ يُرادُ تَحْصِيلُهُ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكَهْفِ: ٢٣]، وفِيهِ اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ، والِاعْتِرافُ بِقُدْرَتِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ الحَوادِثَ بِأسْرِها مُرادَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَإنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ فَقَدْ أرادَ اهْتِداءَهم لا مَحالَةَ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِقَوْلِهِمْ إنْ شاءَ اللَّهُ فائِدَةٌ. أمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ فَحِينَئِذٍ يَبْقى لِقَوْلِنا إنْ شاءَ اللَّهُ فائِدَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى مُحْدَثَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ دُخُولَ كَلِمَةِ ”إنْ“ عَلَيْهِ يَقْتَضِي الحُدُوثَ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ حُصُولَ الِاهْتِداءِ عَلى حُصُولِ مَشِيئَةِ الِاهْتِداءِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ حُصُولُ الِاهْتِداءِ أزَلِيًّا وجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَشِيئَةُ الِاهْتِداءِ أزَلِيَّةً. ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ فَفِيهِ السُّؤالُ المَذْكُورُ وهو أنَّ قَوْلَنا: ما هو طَلَبُ بَيانِ الحَقِيقَةِ، والمَذْكُورُ هاهُنا في الجَوابِ الصِّفاتُ العَرَضِيَّةُ المُفارَقَةُ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ جَوابُهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ فالمَعْنى أنَّ البَقَرَ المَوْصُوفَ بِالتَّعْوِينِ والصُّفْرَةِ كَثِيرٌ فاشْتَبَهَ عَلَيْنا أيُّها نَذْبَحُ، وقُرِئَ تَشابَهُ بِمَعْنى تَتَشابَهُ بِطَرْحِ التّاءِ وإدْغامِها في الشِّينِ و[قُرِئَ] تَشابَهَتْ ومُتَشابِهَةٌ ومُتَشابِهٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ ذَكَرَها القَفّالُ:
أحَدُها: وإنّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ نَهْتَدِي لِلْبَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها عِنْدَ تَحْصِيلِنا أوْصافَها الَّتِي تَمْتازُ بِها عَمّا عَداها.
وثانِيها: وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعْرِيفَها إيّانا بِالزِّيادَةِ لَنا في البَيانِ نَهْتَدِي إلَيْها.
وثالِثُها: وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ عَلى هُدًى في اسْتِقْصائِنا في السُّؤالِ عَنْ أوْصافِ البَقَرَةِ أيْ نَرْجُوا أنّا لَسْنا عَلى ضَلالَةٍ فِيما نَفْعَلُهُ مِن هَذا البَحْثِ.
ورابِعُها: إنّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ نَهْتَدِي لِلْقاتِلِ إذا وصَفْتَ لَنا هَذِهِ البَقَرَةَ بِما بِهِ تَمْتازُ هي عَمّا سِواها ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا ذَلُولٌ﴾ صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ بِمَعْنى: بَقَرَةٌ غَيْرُ ذَلُولٍ بِمَعْنى لَمْ تُذَلَّلْ لِلرُّكُوبِ وإثارَةِ الأرْضِ
صفحة ١١٢
ولا هي مِنَ البَقَرِ الَّتِي يُسْقى عَلَيْها فَتَسْقِي الحَرْثَ و”لا“ الأُولى لِلنَّفْيِ والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى لا ذَلُولٌ تُثِيرُ وتَسْقِي عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ صِفَتانِ لِذَلُولٍ كَأنَّهُ قِيلَ لا ذَلُولٌ مُثِيرَةٌ وساقِيَةٌ، وجُمْلَةُ القَوْلِ أنَّ الذَّلُولَ بِالعَمَلِ لا بُدَّ مِن أنْ تَكُونَ ناقِصَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّها لا تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ لِأنَّ هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ يَظْهَرُ بِهِما النَّقْصُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مِنَ العُيُوبِ مُطْلَقًا.
وثانِيها: مِن آثارِ العَمَلِ المَذْكُورِ.
وثالِثُها: مُسَلَّمَةٌ أيْ وحْشِيَّةٌ مُرْسَلَةٌ عَنِ الحَبْسِ.
ورابِعُها: مُسَلَّمَةٌ مِنَ الشِّيَةِ الَّتِي هي خِلافُ لَوْنِها أيْ خَلُصَتْ صُفْرَتُها عَنِ اخْتِلاطِ سائِرِ الألْوانِ بِها، وهَذا الرّابِعُ ضَعِيفٌ وإلّا لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ تَكْرارًا غَيْرَ مُفِيدٍ، بَلِ الأوْلى حَمْلُهُ عَلى السَّلامَةِ مِنَ العُيُوبِ واللَّفْظُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ السَّلامَةَ الكامِلَةَ عَنِ العِلَلِ والمَعايِبِ، واحْتَجَّ العُلَماءُ بِهِ عَلى جَوازِ اسْتِعْمالِ الظّاهِرِ مَعَ تَجْوِيزٍ أنْ يَكُونَ الباطِنُ بِخِلافِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ إذا فَسَّرْناها بِأنَّها مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ فَذَلِكَ لا نَعْلَمُهُ مِن طَرِيقِ الحَقِيقَةِ إنَّما نَعْلَمُهُ مِن طَرِيقِ الظّاهِرَ:
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ فالمُرادُ أنَّ صُفْرَتَها خالِصَةٌ غَيْرُ مُمْتَزِجَةٍ بِسائِرِ الألْوانِ لِأنَّ البَقَرَةَ الصَّفْراءَ قَدْ تُوصَفُ بِذَلِكَ إذا حَصَلَتِ الصُّفْرَةُ في أكْثَرِها فَأرادَ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ عُمُومَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ رُوِيَ أنَّها كانَتْ صَفْراءَ الأظْلافِ صَفْراءَ القُرُونِ، والوَشْيُ خَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ. ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم وقَفُوا عِنْدَ هَذا البَيانِ واقْتَصَرُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ أيِ الآنِ بانَتْ هَذِهِ البَقَرَةُ عَنْ غَيْرِها لِأنَّها بَقَرَةٌ عَوانٌ صَفْراءُ غَيْرُ مُذَلَّلَةٍ بِالعَمَلِ، قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ كُفْرٌ مِن قِبَلِهِمْ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ أنَّها ما كانَتْ حَقَّةً، وهَذا ضَعِيفٌ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ الآنَ ظَهَرَتْ حَقِيقَةُ ما أمَرْنا بِهِ حَتّى تَمَيَّزَتْ مِن غَيْرِها فَلا يَكُونُ كُفْرًا.
2:71Страница 11
قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١
Он сказал: «Он говорит, что эта корова не приучена пахать землю или орошать ниву. Она здорова и не имеет отметин». Они сказали: «Теперь ты принес истину». Затем они зарезали ее, хотя были близки к тому, чтобы не сделать этого.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فالمَعْنى فَذَبَحُوا البَقَرَةَ وما كادُوا يَذْبَحُونَها، وهاهُنا بَحْثٌ: وهو أنَّ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرُوا ”لِكادَ“ تَفْسِيرَيْنِ. الأوَّلُ: قالُوا: إنَّ نَفْيَهُ إثْباتٌ وإثْباتَهُ نَفْيٌ. فَقَوْلُنا: كادَ يَفْعَلُ كَذا، مَعْناهُ قَرُبَ مِن أنْ يَفْعَلَ لَكِنَّهُ ما فَعَلَهُ، وقَوْلُنا: ما كادَ يَفْعَلُ كَذا، مَعْناهُ قَرُبَ مِن أنْ [لا] يَفْعَلَ لَكِنَّهُ فَعَلَهُ.
والثّانِي: وهو اخْتِيارُ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ [الجُرْجانِيِّ] النَّحْوِيِّ أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ فَقَوْلُنا كادَ يَفْعَلُ مَعْناهُ قَرُبَ مِنَ الفِعْلِ وقَوْلُنا ما كادَ يَفْعَلُ مَعْناهُ ما قَرُبَ مِنهُ. ولِلْأوَّلِينَ أنْ يَحْتَجُّوا عَلى فَسادِ هَذا الثّانِي بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ مَعْناهُ وما قارَبُوا الفِعْلَ، ونَفْيُ المُقارَبَةِ مِنَ الفِعْلِ يُناقِضُ إثْباتَ وُقُوعِ الفِعْلِ، فَلَوْ كانَ كادَ لِلْمُقارَبَةِ لَزِمَ وُقُوعُ التَّناقُضِ في هَذِهِ الآيَةِ. وهاهُنا أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ شَيْخٌ صالِحٌ لَهُ عِجْلَةٌ فَأتى بِها الغَيْضَةَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَها لِابْنِي حَتّى تَكْبُرَ وكانَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ فَشَبَّتْ وكانَتْ مِن أحْسَنِ البَقَرِ وأسْمَنِها فَتَساوَمُوها اليَتِيمَ وأُمَّهُ حَتّى اشْتَرَوْها بِمَلْءِ مِسْكِها ذَهَبًا وكانَتِ البَقَرَةُ إذْ ذاكَ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ، وكانُوا طَلَبُوا البَقَرَةَ المَوْصُوفَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً.
صفحة ١١٣
البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ البَقَرَةَ تُذْبَحُ ولا تُنْحَرُ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها تُنْحَرُ، قالَ: فَتَلَوْتُ الآيَةَ عَلَيْهِ فَقالَ: الذَّبْحُ والنَّحْرُ سَواءٌ، وحُكِيَ عَنْ قَتادَةَ والزُّهْرِيِّ إنْ شِئْتَ نَحَرْتَ وإنْ شِئْتَ ذَبَحْتَ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أُمِرُوا بِالذَّبْحِ وأنَّهم فَعَلُوا ما يُسَمّى ذَبْحًا، والنَّحْرُ وإنْ أجْزَأ عَنِ الذَّبْحِ فَصُورَتُهُ مُخالِفَةٌ لِصُورَةِ الذَّبْحِ، فالظّاهِرُ يَقْتَضِي ما قُلْناهُ حَتّى لَوْ نَحَرُوا ولا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلى قِيامِهِ مَقامَ الذَّبْحِ لَكانَ لا يُجْزِي.
البَحْثُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ ما كادُوا يَذْبَحُونَ، فَعَنْ بَعْضِهِمْ لِأجْلِ غَلاءِ ثَمَنِها وعَنْ آخَرِينَ أنَّهم خافُوا الشُّهْرَةَ والفَضِيحَةَ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ، فالإحْجامُ عَنِ المَأْمُورِ بِهِ غَيْرُ جائِزٍ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِذَبْحِ البَقَرَةِ المُعَيَّنَةِ، وذَلِكَ الفِعْلُ ما كانَ يَتِمُّ إلّا بِالثَّمَنِ الكَثِيرِ، وجَبَ عَلَيْهِمْ أداؤُهُ لِأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ إلّا أنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِهِ، وإنَّما لا يَلْزَمُ المُصَلِّيَ أنْ يَتَطَهَّرَ بِالماءِ إذا لَمْ يَجِدْهُ إلّا بِغَلاءٍ مِن حَيْثُ الشَّرْعُ، ولَوْلاهُ لَلَزِمَ ذَلِكَ إذا وجَبَ التَّطَهُّرُ مُطْلَقًا.
وأمّا الثّانِي: وهو خَوْفُ الفَضِيحَةِ فَذاكَ لا يَرْفَعُ التَّكْلِيفَ، فَإنَّ القَوَدَ إذا كانَ واجِبًا عَلَيْهِ لَزِمَهُ تَسْلِيمُ النَّفْسِ مِن ولِيِّ الدَّمِ إذا طالَبَ ورُبَّما لَزِمَهُ التَّعْرِيفُ لِيَزُولَ الشَّرُّ والفِتْنَةُ ورُبَّما لَزِمَهُ ذَلِكَ لِتَزُولَ التُّهْمَةُ في القَتْلِ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ طُرِحَ القَتِيلُ بِالقُرْبِ مِنهم؛ لِأنَّهُ الَّذِي عَرَّضَهم لِلتُّهْمَةِ فَيَلْزَمُهُ إزالَتُها فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلتَّثاقُلِ في هَذا الفِعْلِ.
البَحْثُ الرّابِعُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في هَذِهِ الصُّورَةِ إلّا مُجَرَّدُ الأمْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّ التَّثاقُلَ فِيهِ والتَّكاسُلَ في الِاشْتِغالِ بِمُقْتَضاهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ. قالَ القاضِي: إذا كانَ الغَرَضُ مِنَ المَأْمُورِ إزالَةَ شَرٍّ وفِتْنَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُوبِهِ وإنَّما أمَرَ تَعالى بِذَبْحِها لِكَيْ يَظْهَرَ القاتِلُ فَتَزُولَ الفِتْنَةُ والشَّرُّ المُخَوِّفُ فِيهِمْ، والتَّحَرُّزُ عَنْ هَذا الجِنْسِ الضّارِّ واجِبٌ، فَلَمّا كانَ العِلاجُ إزالَتَهُ بِهَذا الفِعْلِ صارَ واجِبًا، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنَّ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أنَّ التَّعَبُّدَ بِالقُرْبانِ لا يَكُونُ إلّا سَبِيلَ الوُجُوبِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ عِلْمُهم بِذَلِكَ كَفاهم مُجَرَّدُ الأمْرِ. وأقُولُ: حاصِلُ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنّا وإنْ كُنّا لا نَقُولُ إنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ فَلا نَقُولُ: إنَّهُ يُنافِي الوُجُوبَ أيْضًا فَلَعَلَّهُ فَهِمَ الوُجُوبَ هاهُنا بِسَبَبٍ آخَرَ سِوى الأمْرِ، وذَلِكَ السَّبَبُ المُنْفَصِلُ إمّا قَرِينَةٌ حالِيَّةٌ وهي العِلْمُ بِأنَّ دَفْعَ المَضارِّ واجِبٌ، أوْ مَقالِيَّةٌ وهي ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مِن أنَّ القُرْبانَ لا يَكُونُ مَشْرُوعًا إلّا عَلى وجْهِ الوُجُوبِ.
والجَوابُ: أنَّ المَذْكُورَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فَلَمّا ذُكِرَ الذَّمُّ والتَّوْبِيخُ عَلى تَرْكِ الذَّبْحِ المَأْمُورِ بِهِ عَلِمْنا أنَّ مَنشَأ ذَلِكَ هو مُجَرَّدُ وُرُودِ الأمْرِ بِهِ لِما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ.
البَحْثُ الخامِسُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الأمْرَ يُفِيدُ الفَوْرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: لِأنَّهُ ورَدَ التَّعْنِيفُ عَلى تَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ وُرُودِ الأمْرِ المُجَرَّدِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لِلْفَوْرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ فاعْلَمْ أنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ القَتْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لِأمْرِهِ تَعالى بِالذَّبْحِ. أمّا الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ القَتْلِ وعَنْ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُضْرَبَ القَتِيلُ بِبَعْضِ تِلْكَ البَقَرَةِ فَلا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى الإخْبارِ عَنْ قِصَّةِ البَقَرَةِ، فَقَوْلُ مَن يَقُولُ: هَذِهِ القِصَّةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً في التِّلاوَةِ عَلى الأُولى خَطَأٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ في نَفْسِها يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى الأُولى في الوُجُودِ، فَأمّا التَّقَدُّمُ في الذِّكْرِ فَغَيْرُ واجِبٍ لِأنَّهُ تارَةً يَتَقَدَّمُ ذِكْرُ السَّبَبِ عَلى ذِكْرِ الحُكْمِ وأُخْرى عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ لَمّا وقَعَتْ
صفحة ١١٤
لَهم تِلْكَ الواقِعَةُ أمَرَهم تَعالى بِذَبْحِ البَقَرَةِ فَلَمّا ذَبَحُوها قالَ: وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا مِن قَبْلُ واخْتَلَفْتُمْ وتَنازَعْتُمْ فَإنِّي مُظْهِرٌ لَكُمُ القاتِلَ الَّذِي سَتَرْتُمُوهُ بِأنْ يُضْرَبَ القَتِيلُ بِبَعْضِ هَذِهِ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ، وذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ. فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ لا خَلَلَ في هَذا النَّظْمِ، ولَكِنَّ النَّظْمَ الآخَرَ كانَ مُسْتَحْسَنًا فَما الفائِدَةُ في تَرْجِيحِ هَذا النَّظْمِ ؟ قُلْنا: إنَّما قُدِّمَتْ قِصَّةُ الأمْرَ بِذَبْحِ البَقَرَةِ عَلى ذِكْرِ القَتِيلِ لِأنَّهُ لَوْ عَمِلَ عَلى عَكْسِهِ لَكانَتْ قِصَّةً واحِدَةً ولَوْ كانَتْ قِصَّةً واحِدَةً لَذَهَبَ الغَرَضُ مِن بَيْنِيَّةِ التَّفْرِيعِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: اخْتَلَفْتُمْ واخْتَصَمْتُمْ في شَأْنِها لِأنَّ المُتَخاصِمِينَ يَدْرَأُ بَعْضُهم بَعْضًا أيْ يُدافِعُهُ ويُزاحِمُهُ.
وثانِيها: ”ادّارَأْتُمْ“ أيْ يَنْفِي كُلُّ واحِدٍ مِنكُمُ القَتْلَ عَنْ نَفْسِهِ ويُضِيفُهُ إلى غَيْرِهِ.
وثالِثُها: دَفْعُ بَعْضِكم بَعْضًا عَنِ البَراءَةِ والتُّهْمَةِ، وجُمْلَةُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الدَّرْءَ هو الدَّفْعُ. فالمُتَخاصِمُونَ إذا تَخاصَمُوا فَقَدْ دَفَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَنْ نَفْسِهِ تِلْكَ التُّهْمَةَ، ودَفَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم حُجَّةَ صاحِبِهِ عَنْ تِلْكَ الفِعْلَةِ، ودَفَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم حُجَّةَ صاحِبِهِ في إسْنادِ تِلْكَ التُّهْمَةِ إلى غَيْرِهِ وحَجَّةَ صاحِبِهِ في بَراءَتِهِ عَنْهُ، قالَ القَفّالُ: والكِنايَةُ في ”فِيها“ لِلنَّفْسِ، أيْ فاخْتَلَفْتُمْ في النَّفْسِ ويُحْتَمَلُ في القِتْلَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَتَلْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ.
2:72Страница 11
وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢
Вот вы убили человека и стали препираться по этому поводу. Но Аллах выявляет то, что вы скрываете.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أيْ مُظْهِرٌ لا مَحالَةَ ما كَتَمْتُمْ مِن أمْرِ القَتْلِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أُعْمِلَ ”مُخْرِجٌ“ وهو في مَعْنى المُضِيِّ ؟ قُلْنا: قَدْ حَكى ما كانَ مُسْتَقْبَلًا في وقْتِ التَّدارُءِ كَما حَكى الحاضِرُ في قَوْلِهِ: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ [الكَهْفِ: ١٨] وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهُما ”ادّارَأْتُمْ، فَقُلْنا“ ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أيْ لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وإنَّما حُكِمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاخْتِلافَ والتَّنازُعَ في بابِ القَتْلِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفِتَنِ والفَسادِ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ فَلِأجْلِ هَذا قالَ: لا بُدَّ وأنْ يُزِيلَ هَذا الكِتْمانَ لِيَزُولَ ذَلِكَ الفَسادُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ الفَسادَ ولا يَرْضى بِهِ ولا يَخْلُقُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وإلّا لَما قَدَرَ عَلى إظْهارِ ما كَتَمُوهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ ما يُسِرُّهُ العَبْدُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ودامَ ذَلِكَ مِنهُ فَإنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُهُ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ عَبْدًا لَوْ أطاعَ اللَّهَ مِن وراءِ سَبْعِينَ حِجابًا لَأظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ» “ وكَذَلِكَ المَعْصِيَةُ. ورُوِيَ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ يُخْفُونَ لِي أعْمالَهم وعَلَيَّ أنْ أُظْهِرَها لَهُمْ“» .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ وُرُودُ العامِّ لِإرادَةِ الخاصِّ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ المَكْتُوماتِ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ هَذِهِ الواقِعَةَ.
2:73Страница 11
فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣
Мы сказали: «Ударьте его (убитого) частью ее (коровы)». Так Аллах воскрешает мертвых и показывает вам Свои знамения, - быть может, вы уразумеете.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ صاحِبَ بَقَرَةِ بَنِي إسْرائِيلَ طَلَبَها أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى وجَدَها، ثُمَّ ذُبِحَتْ إلّا أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَلى خِلافِ ظاهِرِ القُرْآنِ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ لِلتَّعْقِيبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ حَصَلَ عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ .
صفحة ١١٥
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبُوهُ﴾ ضَمِيرٌ وهو إمّا أنْ يَرْجِعَ إلى النَّفْسِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّذْكِيرُ عَلى تَأْوِيلِ الشَّخْصِ والإنْسانِ وإمّا إلى القَتِيلِ وهو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِذَبْحِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّهُ تَعَلَّقَ بِذَبْحِها مَصْلَحَةٌ لا تَحْصُلُ إلّا بِذَبْحِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ فِيها وفي غَيْرِها عَلى السَّوِيَّةِ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ لَوْ قامَ غَيْرُها مَقامَها لَما وجَبَتْ عَلى التَّعْيِينِ، بَلْ عَلى التَّخَيُّرِ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ضَرْبِ المَقْتُولِ بِبَعْضِ البَقَرَةِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَهُ ابْتِداءً ؟ .
الجَوابُ: الفائِدَةُ فِيهِ لِتَكُونَ الحُجَّةُ أوْكَدَ وعَنِ الحِيلَةِ أبْعَدَ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ لِمُلْحِدٍ أنْ يُوهِمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أحْياهُ بِضَرْبٍ مِنَ السِّحْرِ والحِيلَةِ، فَإنَّهُ إذا حَيِيَ عِنْدَما يُضْرَبُ بِقِطْعَةٍ مِنَ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ انْتَفَتِ الشُّبْهَةُ في أنَّهُ لَمْ يَحْيَ بِشَيْءٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الجِسْمِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ إذا كانَ ذَلِكَ إنَّما حَيِيَ بِفِعْلٍ فَعَلُوهُ هم، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إعْلامَ الأنْبِياءِ إنَّما يَكُونُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا بِتَمْوِيهٍ مِنَ العِبادِ، وأيْضًا فَتَقْدِيمُ القُرْبانِ مِمّا يُعَظِّمُ أمْرَ القُرْبانِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا أمَرَ بِذَبْحِ غَيْرِ البَقَرَةِ ؟ وأجابُوا بِأنَّ الكَلامَ في غَيْرِها لَوْ أُمِرُوا بِهِ كالكَلامِ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيها فَوائِدَ، مِنها التَّقَرُّبُ بِالقُرْبانِ الَّذِي كانَتِ العادَةُ بِهِ جارِيَةً ولِأنَّ هَذا القُرْبانَ كانَ عِنْدَهم مِن أعْظَمِ القَرابِينِ ولِما فِيهِ مِن مَزِيدِ الثَّوابِ لِتَحَمُّلِ الكُلْفَةِ في تَحْصِيلِ هَذِهِ البَقَرَةِ عَلى غَلاءِ ثَمَنِها، ولِما فِيهِ مِن حُصُولِ المالِ العَظِيمِ لِمالِكِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ البَعْضَ الَّذِي ضَرَبُوا القَتِيلَ بِهِ ما هو ؟ والأقْرَبُ أنَّهم كانُوا مُخَيَّرِينَ في أبْعاضِ البَقَرَةِ لِأنَّهم أُمِرُوا بِضَرْبِ القَتِيلِ بِبَعْضِ البَقَرَةِ، وأيُّ بَعْضٍ مِن أبِعاضِ البَقَرَةِ ضَرَبُوا القَتِيلَ بِهِ، فَإنَّهم كانُوا مُمْتَثِلِينَ لِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ والإتْيانُ بِالمَأْمُورِ بِهِ يَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ عَنِ العُهْدَةِ عَلى ما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ. واخْتَلَفُوا في البَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ القَتِيلُ فَقِيلَ: لِسانُها وقِيلَ: فَخْذُها اليُمْنى وقِيلَ: ذَنَبُها وقِيلَ: العَظْمُ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ وهو أصْلُ الآذانِ، وقِيلَ: البِضْعَةُ بَيْنَ الكَتِفَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ القُرْآنَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنْ ورَدَ خَبَرٌ صَحِيحٌ قُبِلَ وإلّا وجَبَ السُّكُوتُ عَنْهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ، فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِها فَحَيِيَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ وعَلَيْهِ هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٠] أيْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا ضَرَبُوهُ قامَ بِإذْنِ اللَّهِ وأوْداجُهُ تَشْخُبُ دَمًا، وقالَ قَتَلَنِي فُلانٌ وفُلانٌ لِابْنَيْ عَمِّهِ ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا؛ وقُتِلا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ:
أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى نَفْسِ ذَلِكَ المَيِّتِ.
والثّانِي: أنَّهُ احْتِجاجٌ في صِحَّةِ الإعادَةِ، ثُمَّ الِاحْتِجاجُ أهْوَ عَلى المُشْرِكِينَ أوْ عَلى غَيْرِهِمْ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: إنَّهُ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّهُ إنْ ظَهَرَ لَهم بِالتَّواتُرِ أنَّ هَذا الإحْياءَ قَدْ كانَ عَلى هَذا الوَجْهِ عَلِمُوا صِحَّةَ الإعادَةِ، وإنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ بِالتَّواتُرِ فَإنَّهُ يَكُونُ دِاعِيَةً لَهم إلى التَّفَكُّرِ. قالَ القاضِي: وهَذا هو الأقْرَبُ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ مِنهُ تَعالى ذِكْرُ الأمْرِ
صفحة ١١٦
بِالضَّرْبِ وأنَّهُ سَبَبُ إحْياءِ ذَلِكَ المَيِّتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ فَجَمَعَ ﴿المَوْتى﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ القَتِيلَ لَما جَمَعَ في القَوْلِ فَكَأنَّهُ قالَ: دَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الإعادَةَ كالِابْتِداءِ في قُدْرَتِهِ.
الثّانِي: قالَ القَفّالُ: ظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إحْياءُ اللَّهِ تَعالى لِسائِرِ المَوْتى يَكُونُ مِثْلَ هَذا الإحْياءِ الَّذِي شاهَدْتُمْ؛ لِأنَّهم وإنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ إلّا أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ إلّا مِن طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ ولَمْ يُشاهِدُوا شَيْئًا مِنهُ، فَإذا شاهَدُوهُ اطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم وانْتَفَتْ عَنْهُمُ الشُّبْهَةُ الَّتِي لا يَخْلُو مِنها المُسْتَدِلُّ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] فَأحْيا اللَّهُ تَعالى لِبَنِي إسْرائِيلَ القَتِيلَ عَيانًا، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ أيْ كالَّذِي أحْياهُ في الدُّنْيا يُحْيِي في الآخِرَةِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ في ذَلِكَ الإيجادِ إلى مادَّةٍ ومُدَّةٍ ومِثالٍ وآلَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ عَلى أنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى قاسَ عَلى إحْياءِ ذَلِكَ القَتِيلِ إحْياءَ المَوْتى، فَلا يَلْزَمُ مِن هَذا كَوْنُ القَتِيلِ مَيِّتًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ ذَلِكَ كانَ آيَةً واحِدَةً فَلِمَ سُمِّيَتْ بِالآياتِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، المُخْتارِ في الإيجادِ والإبْداعِ، وعَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى بَراءَةِ ساحَةِ مَن لَمْ يَكُنْ قاتِلًا. وعَلى تَعَيُّنِ تِلْكَ التُّهْمَةِ عَلى مَن باشَرَ ذَلِكَ القَتْلَ، فَهي وإنْ كانَتْ آيَةً واحِدَةً إلّا أنَّها لَمّا دَلَّتْ عَلى هَذِهِ المَدْلُولاتِ الكَثِيرَةِ لا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرى الآياتِ الكَثِيرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لَعَلَّ“ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] .
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ كانُوا عُقَلاءَ قَبْلَ عَرْضِ هَذِهِ الآياتِ عَلَيْهِمْ وإذا كانَ العَقْلُ حاصِلًا امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنِّي عَرَضْتُ عَلَيْكَ الآيَةَ الفُلانِيَّةَ لِكَيْ تَصِيرَ عاقِلًا، فَإذَنْ لا يُمْكِنُ إجْراءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ لَعَلَّكم تَعْمَلُونَ عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِكم وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ واحِدَةٍ قَدِرَ عَلى إحْياءِ الأنْفُسِ كُلِّها لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ، حَتّى لا يُنْكِرُوا البَعْثَ، هَذا آخِرُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ القاتِلَ هَلْ يَرِثُ أمْ لا ؟ قالُوا: لا؛ لِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ أنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كانَ قاتِلًا في هَذِهِ الواقِعَةِ حُرِمَ مِنَ المِيراثِ لِأجْلِ كَوْنِهِ قاتِلًا. قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ المَسْألَةِ مِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ لَيْسَ في الظّاهِرِ أنَّ القاتِلَ هَلْ كانَ وارِثًا لِقَتِيلِهِ أمْ لا ؟ وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ وارِثًا لَهُ فَهَلْ حُرِمَ المِيراثَ أمْ لا ؟ ولَيْسَ يَجِبُ إذا رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ القاتِلَ حُرِمَ لِمَكانِ قَتْلِهِ المِيراثَ أنْ يُعَدَّ ذَلِكَ في جُمْلَةِ أحْكامِ القُرْآنِ إذا كانَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لا مُجْمَلًا ولا مُفَصَّلًا، وإذا كانَ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ شَرْعَهم كَشَرْعِنا وأنَّهُ لا يَلْزَمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ، فَإدْخالُ هَذا الكَلامِ في أحْكامِ القُرْآنِ تَعَسُّفٌ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي قالَهُ القاضِي حَقٌّ، ومَعَ ذَلِكَ فَلْنَذْكُرْ هَذِهِ المَسْألَةَ فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ المُجْتَهِدُونَ في أنَّ القاتِلَ هَلْ يَرِثُ أمْ لا، فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَرِثُ سَواءٌ كانَ القَتْلُ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ عَمْدًا كانَ أوْ خَطَأً أوْ كانَ مُسْتَحَقًّا كالعادِلِ إذا قَتَلَ الباغِيَ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، لا يَرِثُ في العَمْدِ والخَطَأِ إلّا أنَّ العادِلَ إذا
صفحة ١١٧
قَتَلَ الباغِيَ فَإنَّهُ يَرِثُهُ، وكَذا القاتِلُ إذا كانَ صَبِيًّا أوْ مَجْنُونًا يَرِثُهُ لا مِن دِيَتِهِ ولا مِن سائِرِ أمْوالِهِ، هو قَوْلُ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: قاتِلُ الخَطَأِ يَرِثُ وقاتِلُ العَمْدِ لا يَرِثُ، وقالَ مالِكٌ: لا يَرِثُهُ مِن دِيَتِهِ ويَرِثُهُ مِن سائِرِ أمْوالِهِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ والأوْزاعِيِّ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعُمُومِ الخَبَرِ المَشْهُورِ المُسْتَفِيضِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«لَيْسَ لِلْقاتِلِ مِنَ المِيراثِ شَيْءٌ» “ إلّا أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الخَبَرِ إنَّما يَصِحُّ لَوْ جَوَّزْنا تَخْصِيصَ عُمُومِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ، والكَلامُ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، ثُمَّ هاهُنا دَقِيقَةٌ وهي أنَّ تَطَرُّقَ التَّخْصِيصِ إلى العامِّ يُفِيدُ نَوْعَ ضَعْفٍ فَلَوْ خَصَّصْنا هَذا الخَبَرَ بِبَعْضِ الصُّوَرِ فَحِينَئِذٍ يَتَوالى عَلَيْهِ أسْبابُ الضَّعْفِ، فَإنَّ كَوْنَهُ خَبَرَ واحِدٍ يُوجِبُ الضَّعْفَ، وكَوْنَهُ عَلى مُصادَمَةِ الكِتابِ سَبَبٌ آخَرُ، وكَوْنَهُ مَخْصُوصًا سَبَبٌ آخَرُ، فَلَوْ خَصَّصْنا عُمُومَ الكِتابِ بِهِ لَكُنّا قَدْ رَجَّحْنا الضَّعِيفَ جِدًّا عَلى القَوِيِّ جِدًّا. أمّا إذا لَمْ يُخَصَّصْ هَذا الخَبَرُ ألْبَتَّةَ انْدَفَعَ عَنْهُ بَعْضُ أسْبابِ الضَّعْفِ فَحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الكِتابِ بِهِ. واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى أنَّ العادِلَ إذا قَتَلَ الباغِيَ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ مَحْرُومًا عَنِ المِيراثِ بِأنّا لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ مَن وجَبَ لَهُ القَوَدُ عَلى إنْسانٍ فَقَتَلَهُ قَوَدًا أنَّهُ لا يُحْرَمُ مِنَ المِيراثِ، واعْلَمْ أنَّ الشّافِعِيَّةَ يَمْنَعُونَ هَذِهِ الصُّورَةَ واللَّهُ أعْلَمُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии