Ар-РазиАль‑Бакара · 2:81

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:81, продолжение

الثّامِنَ عَشَرَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَأتاهُ رَجُلٌ وقالَ: إنِّي رَجُلٌ مَعِيشَتِي مِن هَذِهِ التَّصاوِيرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”مَن صَوَّرَ فَإنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ حَتّى يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ ولَيْسَ بِنافِخٍ، ومَنِ اسْتَمَعَ إلى حَدِيثِ قَوْمٍ يَفِرُّونَ مِنهُ صُبَّ في أُذُنَيْهِ الآنُكُ ومَن يُرِي عَيْنَيْهِ في المَنامِ ما لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ» “ .

التّاسِعَ عَشَرَ: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«ما مِن عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وهو غاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» “ .

العِشْرُونَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ في مُناظَرَتِهِ مَعَ عُثْمانَ حِينَ أرادَ أنْ يُوَلِّيَهُ القَضاءَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«مَن كانَ قاضِيًا يَقْضِي بِالجَهْلِ كانَ مِن أهْلِ النّارِ، ومَن كانَ قاضِيًا يَقْضِي بِالجَوْرِ كانَ مِن أهْلِ النّارِ» “ .

الحادِي والعِشْرُونَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَنِ ادَّعى أبًا في الإسْلامِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ فالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرامٌ» “ .

الثّانِي والعِشْرُونَ: عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن قَتَلَ نَفْسًا مُعاهِدًا لَمْ يَرَحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ» “، وإذا

صفحة ١٣٩

كانَ في قَتْلِ الكُفّارِ هَكَذا فَما ظَنُّكَ بِقَتْلِ أوْلادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

الثّالِثُ والعِشْرُونَ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» “ وإذا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] .

* * *

النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ العُمُوماتِ الإخْبارِيَّةِ الوارِدَةِ لا بِصِيغَةِ ”مَن“ وهي كَثِيرَةٌ جِدًّا:

الأوَّلُ: عَنْ نافِعٍ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِسْكِينٌ مُتَكَبِّرٌ ولا شَيْخٌ زانٍ ولا مَنّانٌ عَلى اللَّهِ بِعَمَلِهِ» “، ومَن لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ مِنَ المُكَلَّفِينَ فَهو مِن أهْلِ النّارِ بِالإجْماعِ.

الثّانِي: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ثَلاثَةٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: الشَّهِيدُ، وعَبْدٌ نَصَحَ سَيِّدَهُ وأحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ، وعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وثَلاثَةٌ يَدْخُلُونَ النّارَ: أمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وذُو ثَرْوَةٍ مِن مالٍ لا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وفَقِيرٌ فَخُورٌ» “ .

الثّالِثُ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحِمَ، فَلَمّا فَرَغَ مِن خَلْقِهِ قامَتِ الرَّحِمُ، فَقالَتْ هَذا مَقامُ العائِذِ مِنَ القَطِيعَةِ، قالَ: نَعَمْ، ألا تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصَلَكِ وأقْطَعَ مَن قَطَعَكِ ؟ قالَتْ: بَلى. قالَ: فَهو ذاكَ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ فاقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ»﴾ [محمد: ٢٢، ٢٣]، وهَذا نَصٌّ في وعِيدِ قاطِعِ الرَّحِمِ وتَفْسِيرِ الآيَةِ، وفي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «قالَ اللَّهُ تَعالى: (أنا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وشَقَقْتُ لَها اسْمًا مِنِ اسْمِي فَمَن وصَلَها وصَلْتُهُ ومَن قَطَعَها قَطَعْتُهُ») . وفي حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «ما مِن ذَنْبٍ أجْدَرُ أنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصاحِبِهِ العُقُوبَةَ في الدُّنْيا مَعَ ما يَدَّخِرُهُ في الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» .

الرّابِعُ: عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِبَعْضِ الحاضِرِينَ: ”«ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. قالَ: فَما حَقُّهم عَلى اللَّهِ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ ؟ [ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ ] قالَ: أنْ يَغْفِرَ لَهم ولا يُعَذِّبَهم» “ . ومَعْلُومٌ أنَّ المُعَلَّقَ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَيَلْزَمُ أنْ لا يَغْفِرَ لَهم إذا لَمْ يَعْبُدُوهُ.

الخامِسُ: عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا اقْتَتَلَ المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فَقَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ.

السّادِسُ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ» “ .

السّابِعُ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُبْغِضُ أهْلَ البَيْتِ رَجُلٌ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ النّارَ» “، وإذا اسْتَحَقُّوا النّارَ بِبُغْضِهِمْ فَلَأنْ يَسْتَحِقُّوها بِقَتْلِهِمْ أوْلى.

الثّامِنُ: «فِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنّا خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عامِ خَيْبَرَ إلى أنْ كُنّا بِوادِي القُرى، فَبَيْنَما يَحْفَظُ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذْ جاءَهُ سَهْمٌ وقَتَلَهُ فَقالَ النّاسُ هَنِيئًا لَهُ الجَنَّةَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَلّا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أخَذَها يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنَ الغَنائِمِ لَمْ يُصِبْها المَقاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا“ . فَلَمّا سَمِعَ النّاسُ بِذَلِكَ جاءَ رَجُلٌ بِشِراكٍ أوْ بِشِراكَيْنِ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: شِراكٌ مِن نارٍ أوْ شِراكانِ مِنَ النّارِ» .

التّاسِعُ: عَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: مُدْمِنُ الخَمْرِ وقاطِعُ الرَّحِمِ ومُصَدِّقُ السِّحْرِ» “ . العاشِرُ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما مِن عَبْدٍ لَهُ مالٌ لا يُؤَدِّي زَكاتَهُ إلّا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ صَفائِحَ مِن نارِ جَهَنَّمَ يُكْوى بِها جَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ عِبادِهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ» “ .

* * *

هَذا مَجْمُوعُ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ بِعُمُوماتِ القُرْآنِ والأخْبارِ. أجابَ أصْحابُنا عَنْها مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ صِيغَةَ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ إذا كانَتْ مُعَرَّفَةً بِاللّامِ لِلْعُمُومِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:

صفحة ١٤٠

الأوَّلُ: أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلى هاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ، كُلُّ مَن دَخَلَ دارِي أكْرَمْتُهُ وبَعْضُ مَن دَخَلَ دارِي أكْرَمْتُهُ، ويُقالُ أيْضًا: كُلُّ النّاسِ كَذا، وبَعْضُ النّاسِ كَذا، ولَوْ كانَتْ لَفْظَةُ ”مَن“ لِلشَّرْطِ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ لَكانَ إدْخالُ لَفْظِ الكُلِّ عَلَيْهِ تَكْرِيرًا وإدْخالُ لَفْظِ البَعْضِ عَلَيْهِ نَقْضًا، وكَذَلِكَ في لَفْظِ الجَمْعِ المُعَرَّفِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لا تُفِيدُ العُمُومَ.

الثّانِي: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ جاءَتْ في كِتابِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنها تارَةً الِاسْتِغْراقُ وأُخْرى البَعْضُ، فَإنَّ أكْثَرَ عُمُوماتِ القُرْآنِ مَخْصُوصَةٌ، والمَجازُ والِاشْتِراكُ خِلافُ الأصْلِ ولا بُدَّ مِن جَعْلِهِ حَقِيقَةً في القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ العُمُومِ والخُصُوصِ وذَلِكَ هو أنْ يُحْمَلَ عَلى إفادَةِ الأكْثَرِ مِن غَيْرِ بَيانٍ أنَّهُ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ أوْ لا يُفِيدُ.

الثّالِثُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لَوْ أفادَتِ العُمُومَ إفادَةً قَطْعِيَّةً لاسْتَحالَ إدْخالُ لَفْظِ التَّأْكِيدِ عَلَيْها، لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ فَحَيْثُ حَسُنَ إدْخالُ هَذِهِ الألْفاظِ عَلَيْها عَلِمْنا أنَّها لا تُفِيدُ مَعْنى العُمُومِ لا مَحالَةَ، سَلَّمْنا أنَّها تُفِيدُ مَعْنى [ العُمُومِ ] ولَكِنْ إفادَةً قَطْعِيَّةً أوْ ظَنِّيَّةً ؟ الأوَّلُ: مَمْنُوعٌ وباطِلٌ قَطْعًا لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ النّاسَ كَثِيرًا ما يُعَبِّرُونَ عَنِ الأكْثَرِ بِلَفْظِ الكُلِّ والجَمِيعِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فَإذا كانَتْ هَذِهِ الألْفاظُ تُفِيدُ مَعْنى العُمُومِ إفادَةً ظَنِّيَّةً، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ المَسائِلِ الظَّنِّيَّةِ لَمْ يَجُزِ التَّمَسُّكُ فِيها بِهَذِهِ العُمُوماتِ، سَلَّمْنا أنَّها تُفِيدُ مَعْنى العُمُومِ إفادَةً قَطْعِيَّةً ولَكِنْ لا بُدَّ مِنِ اشْتِراطِ أنْ لا يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ المُخَصِّصاتِ، فَإنَّهُ لا نِزاعَ في جَوازِ تَطَرُّقِ التَّخْصِيصِ إلى العامِّ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنَ المُخَصِّصاتِ ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: بَحَثْنا فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنَ المُخَصِّصاتِ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ الوِجْدانِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُودِ. وإذا كانَتْ إفادَةُ هَذِهِ الألْفاظِ لِمَعْنى الِاسْتِغْراقِ مُتَوَقِّفَةً عَلى نَفْيِ المُخَصِّصاتِ وهَذا الشَّرْطُ غَيْرُ مَعْلُومٍ كانَتِ الدَّلالَةُ مَوْقُوفَةً عَلى شَرْطٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ الدَّلالَةُ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَقامَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] حَكَمَ عَلى كُلِّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ إنّا شاهَدْنا قَوْمًا مِنهم قَدْ آمَنُوا فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ:

إمّا لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِلشُّمُولِ أوْ لِأنَّها وإنْ كانَتْ مَوْضُوعَةً لِهَذا المَعْنى إلّا أنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ كانُوا يَعْلَمُونَ لِأجْلِها أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن هَذا العُمُومِ هو الخُصُوصُ. وأمّا ما كانَ هُناكَ فَلَمْ يَجُزْ مِثْلُهُ هَهُنا ؟ سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن بَيانِ المُخَصِّصِ، لَكِنَّ آياتِ العَفْوِ مُخَصِّصَةٌ لَها والرُّجْحانُ مَعَنا لِأنَّ آياتِ العَفْوِ بِالنِّسْبَةِ إلى آياتِ الوَعِيدِ خاصَّةً بِالنِّسْبَةِ إلى العامِّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ لا مَحالَةَ، سَلَّمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ المُخَصِّصُ ولَكِنَّ عُمُوماتِ الوَعِيدِ مُعارَضَةٌ بِعُمُوماتِ الوَعْدِ، ولا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ وهو مَعَنا مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الوَفاءَ بِالوَعْدِ أدْخَلُ في الكَرْمِ مِنَ الوَفاءِ بِالوَعِيدِ.

والثّانِي: أنَّهُ قَدِ اشْتُهِرَ في الأخْبارِ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سابِقَةٌ عَلى غَضَبِهِ وغالِبَةٌ عَلَيْهِ فَكانَ تَرْجِيحُ عُمُوماتِ الوَعْدِ أوْلى.

الثّالِثُ: وهو أنَّ الوَعِيدَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى والوَعْدَ حَقُّ العَبْدِ، وحَقُّ العَبْدِ أوْلى بِالتَّحْصِيلِ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى، سَلَّمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ المُعارِضُ، ولَكِنَّ هَذِهِ العُمُوماتِ نَزَلَتْ في حَقِّ الكُفّارِ، فَلا تَكُونُ قاطِعَةً في العُمُوماتِ، فَإنْ قِيلَ العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، قُلْنا: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ، ولَكِنْ لَمّا رَأيْنا كَثِيرًا مِنَ الألْفاظِ العامَّةِ

صفحة ١٤١

ورَدَتْ في الأسْبابِ الخاصَّةِ، والمُرادُ تِلْكَ الأسْبابُ الخاصَّةُ فَقَطْ عَلِمْنا أنَّ إفادَتَها لِلْعُمُومِ لا يَكُونُ قَوِيًّا واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا الَّذِينَ قَطَعُوا بِنَفْيِ العِقابِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ الخِزْيِ والسُّوءِ والعَذابِ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ هَذِهِ الماهِيَّةِ لِأحَدٍ سِوى الكافِرِينَ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، حَكَمَ تَعالى بِأنَّهُ يَغْفِرُ كُلَّ الذُّنُوبِ ولَمْ يَعْتَبِرِ التَّوْبَةَ ولا غَيْرَها، وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِغُفْرانِ كُلِّ الذُّنُوبِ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وكَلِمَةُ ”عَلى“ تُفِيدُ الحالَ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ المَلِكَ عَلى أكْلِهِ، أيْ رَأيْتُهُ حالَ اشْتِغالِهِ بِالأكْلِ، فَكَذا هَهُنا وجَبَ أنْ يَغْفِرَ لَهُمُ اللَّهُ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالظُّلْمِ، وحالُ الِاشْتِغالِ بِالظُّلْمِ يَسْتَحِيلُ حُصُولُ التَّوْبَةِ مِنهم، فَعَلِمْنا أنَّهُ يَحْصُلُ الغُفْرانُ بِدُونِ التَّوْبَةِ ومُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَغْفِرَ لِلْكافِرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] إلّا أنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ هُناكَ فَبَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ في الباقِي. والفَرْقُ أنَّ الكُفْرَ أعْظَمُ حالًا مِنَ المَعْصِيَةِ.

الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٤]، وكُلُّ نارٍ فَإنَّها مُتَلَظِّيَةٌ لا مَحالَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ إنَّ النّارَ لا يَصْلاها إلّا الأشْقى الَّذِي هو المُكَذِّبُ المُتَوَلِّي.

الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]، دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ مُكَذِّبٌ. لا يُقالُ هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ في الكُفّارِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ قَبْلَهُ: ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٦ - ٨] .

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها مَخْصُوصَةٌ في بَعْضِ الكُفّارِ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ ولَيْسَ هَذا مِن قَوْلِ جَمِيعِ الكُفّارِ لِأنّا نَقُولُ: دَلالَةُ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الكُفّارِ لا تَمْنَعُ مِن عُمُومِ ما بَعْدَها.

أمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن قَوْلِ الكُفّارِ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ عَلى مُحَمَّدٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ.

السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] وهَذا بِناءُ المُبالَغَةِ فَوَجَبَ أنْ يَخْتَصَّ بِالكُفْرِ الأصْلِيِّ.

السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى بَعْدَما أخْبَرَ أنَّ النّاسَ صِنْفانِ: بِيضُ الوُجُوهِ وسُودُهم قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فَذَكَرَ أنَّهُمُ الكُفّارُ.

والثّامِنُ: أنَّهُ تَعالى بَعْدَما جَعَلَ النّاسَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، السّابِقُونَ وأصْحابُ المَيْمَنَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ، بَيَّنَ أنَّ السّابِقِينَ وأصْحابَ المَيْمَنَةِ في الجَنَّةِ وأصْحابَ المَشْأمَةِ في النّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم كُفّارٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] .

التّاسِعُ: أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يُخْزى وكُلُّ مَن أُدْخِلَ النّارَ فَإنَّهُ يُخْزى فَإذَنْ صاحِبُ الكَبِيرَةِ لا يَدْخُلُ النّارَ وإنَّما قُلْنا: إنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يُخْزى لِأنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ والمُؤْمِنُ لا يُخْزى، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ مُؤْمِنٌ لِما سَبَقَ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] مِن أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُؤْمِنَ لا يُخْزى لِوُجُوهٍ:

صفحة ١٤٢

أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] .

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧] .

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] إلى أنْ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ومَعْلُومٌ أنَّ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْخُلُ فِيهِ العاصِي والزّانِي وشارِبُ الخَمْرِ، فَلَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى اسْتَجابَ لَهم في ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لا يُخْزِيهِمْ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى لا يُخْزِي عُصاةَ أهْلِ القِبْلَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ كُلَّ مَن أُدْخِلَ النّارَ فَقَدْ أُخْزِيَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَدْخُلُ النّارَ.

العاشِرُ: العُمُوماتُ الكَثِيرَةُ الوارِدَةُ في الوَعْدِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤ - ٥]، فَحَكَمَ بِالفَلاحِ عَلى كُلِّ مَن آمَنَ، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] فَقَوْلُهُ: ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢] نَكِرَةٌ في الإثْباتِ فَيَكْفِي فِيهِ الإثْباتُ بِعَمَلٍ واحِدٍ وقالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤] وإنَّها كَثِيرَةٌ جِدًّا، ولَنا فِيهِ رِسالَةٌ مُفْرَدَةٌ مَن أرادَها فَلْيُطالِعْ تِلْكَ الرِّسالَةَ.

والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّها مُعارَضَةٌ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ، والكَلامُ في تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الآياتِ يَجِيءُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

* * *

أمّا أصْحابُنا الَّذِينَ قَطَعُوا بِالعَفْوِ في حَقِّ البَعْضِ وتَوَقَّفُوا في البَعْضِ فَقَدِ احْتَجُّوا مِنَ القُرْآنِ بِآياتٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِ اللَّهِ تَعالى عَفُوًّا غَفُورًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] وأيْضًا أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ عِبادِهِ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ مِن جُمْلَةِ أسْمائِهِ العَفُوَّ فَنَقُولُ: العَفْوُ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ يَحْسُنُ عِقابُهُ أوْ عَمَّنْ لا يَحْسُنُ عِقابُهُ، وهَذا القِسْمُ الثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ عِقابَ مَن لا يَحْسُنُ عِقابُهُ قَبِيحٌ، ومَن تَرَكَ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: إنَّهُ عَفا، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذا لَمْ يَظْلِمْ أحَدًا لا يُقالُ: أنَّهُ عَفا عَنْهُ، إنَّما يُقالُ لَهُ: عَفا إذا كانَ لَهُ أنْ يُعَذِّبَهُ فَتَرَكَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]، فَلَوْ كانَ العَفْوُ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَنِ التّائِبِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، فَعَلِمْنا أنَّ العَفْوَ عِبارَةٌ عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ يَحْسُنُ عِقابُهُ وذَلِكَ هو مَذْهَبُنا.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى غافِرًا وغَفُورًا وغَفّارًا، قالَ تَعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] وقالَ: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] وقالَ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ [طه: ٨٢] وقالَ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] . والمَغْفِرَةُ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ لا يَحْسُنُ

صفحة ١٤٣

عِقابُهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ يَحْسُنُ عِقابُهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ باطِلٌ لِأنَّهُ تَعالى يَذْكُرُ صِفَةَ المَغْفِرَةِ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ عَلى العِبادِ ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ لَمْ يَبْقَ هَذا المَعْنى لِأنَّ تَرْكَ القَبِيحِ لا يَكُونُ مِنَّةً عَلى العَبْدِ بَلْ كَأنَّهُ أحْسَنَ إلى نَفْسِهِ فَإنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ واللَّوْمَ والخُرُوجَ عَنْ حَدِّ الإلَهِيَّةِ فَهو بِتَرْكِ القَبائِحِ لا يَسْتَحِقُّ الثَّناءَ مِنَ العَبْدِ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي وهو المَطْلُوبُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى تَأْخِيرِ العِقابِ مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ العَفْوَ مُسْتَعْمَلٌ في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنِ الدُّنْيا قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ اليَهُودِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] والمُرادُ لَيْسَ إسْقاطَ العِقابِ، بَلْ تَأْخِيرَهُ إلى الآخِرَةِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] أيْ ما يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعالى مِن مَصائِبِ عِقابِهِ إمّا عَلى جِهَةِ المِحْنَةِ أوْ عَلى جِهَةِ العُقُوبَةِ المُعَجَّلَةِ فَبِذُنُوبِكم ولا يُعَجِّلُ المِحْنَةَ والعِقابَ عَلى كَثِيرٍ مِنها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] أيْ لَوْ شاءَ إهْلاكَهُنَّ لَأهْلَكَهُنَّ ولا يُهْلِكُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ.

والجَوابُ: العَفْوُ أصْلُهُ مِن عَفا أثَرَهُ أيْ أزالَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُسَمّى مِنَ العَفْوِ الإزالَةَ لِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّأْخِيرُ، بَلِ الإزالَةُ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّأْخِيرَ إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، بَلِ الإسْقاطُ المُطْلَقُ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَفْوَ لا يَتَناوَلُ التَّأْخِيرَ أنَّ الغَرِيمَ إذا أخَّرَ المُطالَبَةَ لا يُقالُ: إنَّهُ عَفا عَنْهُ ولَوْ أسْقَطَهُ يُقالُ: إنَّهُ عَفا عَنْهُ فَثَبَتَ أنَّ العَفْوَ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالتَّأْخِيرِ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا، والِاسْتِدْلالُ بِها أنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ إمّا أنْ تَظْهَرَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُطِيعِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الثَّوابَ أوْ إلى العُصاةِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ العِقابَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ رَحْمَتَهُ في حَقِّهِمْ إمّا أنْ تَحْصُلَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطاهُمُ الثَّوابَ الَّذِي هو حَقُّهم أوْ لِأنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِما هو أزْيَدُ مِن حَقِّهِمْ. والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ أداءَ الواجِبِ لا يُسَمّى رَحْمَةً، ألا تَرى أنَّ مَن كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ مِائَةُ دِينارٍ فَأخَذَها مِنهُ قَهْرًا وتَكْلِيفًا لا يُقالُ في المُعْطِي إنَّهُ أعْطى الآخِذَ ذَلِكَ القَدْرَ رَحْمَةً، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّ المُكَلَّفَ صارَ بِما أخَذَ مِنَ الثَّوابِ الَّذِي هو حَقُّهُ كالمُسْتَثْنى عَنْ ذَلِكَ التَّفَضُّلِ فَتِلْكَ الزِّيادَةُ تُسَمّى زِيادَةً في الإنْعامِ ولا تُسَمّى البَتَّةَ رَحْمَةً، ألا تَرى أنَّ السُّلْطانَ المُعَظَّمَ إذا كانَ في خِدْمَتِهِ أمِيرٌ لَهُ ثَرْوَةٌ عَظِيمَةٌ ومَمْلَكَةٌ كامِلَةٌ، ثُمَّ إنَّ السُّلْطانَ ضَمَّ إلى مالِهِ مِنَ المُلْكِ مَمْلَكَةً أُخْرى، فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّ السُّلْطانَ رَحِمَهُ بَلْ يُقالُ: زادَ في الإنْعامِ عَلَيْهِ فَكَذا هَهُنا.

أمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنَّ رَحْمَتَهُ إنَّما تَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَسْتَحِقُّ العِقابَ، فَإمّا أنْ تَكُونَ رَحْمَتُهُ لِأنَّهُ تَعالى تَرَكَ العَذابَ الزّائِدَ عَلى العَذابِ المُسْتَحَقِّ، وهَذا باطِلٌ لِأنَّ تَرْكَ ذَلِكَ واجِبٌ والواجِبُ لا يُسَمّى رَحْمَةً ولِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ كافِرٍ وظالِمٍ رَحِيمًا عَلَيْنا لِأجْلِ أنَّهُ ما ظَلَمَنا، فَبَقِيَ أنَّهُ إنَّما يَكُونُ رَحِيمًا لِأنَّهُ تَرَكَ العِقابَ المُسْتَحَقَّ وذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ في حَقِّ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ ولا في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، لِأنَّ تَرْكَ عِقابِهِمْ واجِبٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّهُ تَرَكَ عِقابَ صاحِبِ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ رَحْمَتُهُ لِأجْلِ أنَّ الخَلْقَ والتَّكْلِيفَ والرِّزْقَ كُلَّها تَفَضُّلٌ، ولِأنَّهُ تَعالى يُخَفِّفُ عَنْ عِقابِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ ؟ قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَإنَّهُ يُفِيدُ كَوْنَهُ رَحِيمًا في الدُّنْيا فَأيْنَ رَحْمَتُهُ في الآخِرَةِ مَعَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ في الآخِرَةِ أعْظَمُ مِن رَحْمَتِهِ في الدُّنْيا. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ عِنْدَكُمُ التَّخْفِيفَ عَنِ العِقابِ غَيْرُ جائِزٍ هَكَذا

صفحة ١٤٤

قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ الوَعِيدِيَّةِ، إذا ثَبَتَ حُصُولُ التَّخْفِيفِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ ثَبَتَ جَوازُ العَفْوِ لِأنَّ كُلَّ مَن قالَ بِأحَدِهِما قالَ بِالآخَرِ.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَنَقُولُ: ”لِمَن يَشاءُ“ لا يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ صاحِبَ الصَّغِيرَةِ ولا صاحِبَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ صاحِبَ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الصَّغِيرَةِ ولا عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ تَفَضُّلًا لا أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ اسْتِحْقاقًا دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ والسَّمْعُ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ ويَتَفَضَّلُ بِغُفْرانِ ما دُونَ ذَلِكَ الشِّرْكِ حَتّى يَكُونَ النَّفْيُ والإثْباتُ مُتَوَجِّهَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: فُلانٌ لا يَتَفَضَّلُ بِمِائَةِ دِينارٍ ويُعْطِي ما دُونَها لِمَنِ اسْتَحَقَّ لَمْ يَكُنْ كَلامًا مُنْتَظِمًا، ولَمّا كانَ غُفْرانُ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ وصاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مُسْتَحَقًّا امْتَنَعَ كَوْنُهُما مُرادَيْنِ بِالآيَةِ.

وثانِيها: أنَّهُ لَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنَّهُ يَغْفِرُ المُسْتَحِقِّينَ كالتّائِبِينَ وأصْحابِ الصَّغائِرِ لَمْ يَبْقَ لِتَمْيِيزِ الشِّرْكِ مِمّا دُونَ الشِّرْكِ مَعْنًى لِأنَّهُ تَعالى كَما يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ عِنْدَ الِاسْتِحْقاقِ ولا يَغْفِرُهُ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِحْقاقِ فَكَذَلِكَ يَغْفِرُ الشِّرْكَ عِنْدَ الِاسْتِحْقاقِ ولا يَغْفِرُهُ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِحْقاقِ، فَلا يَبْقى لِلْفَصْلِ والتَّمْيِيزِ فائِدَةٌ، وثالِثُها: أنَّ غُفْرانَ التّائِبِينَ وأصْحابِ الصَّغائِرِ واجِبٌ والواجِبُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلى المَشِيئَةِ، لِأنَّ المُعَلَّقَ عَلى المَشِيئَةِ هو الَّذِي إنْ شاءَ فاعِلُهُ فِعْلَهُ يَفْعَلُهُ وإنْ شاءَ تَرْكَهُ يَتْرُكُهُ فالواجِبُ هو الَّذِي لا بُدَّ مِن فِعْلِهِ شاءَ أوْ أبى، والمَغْفِرَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ مُعَلَّقَةٌ عَلى المَشِيئَةِ فَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَغْفِرَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ مَغْفِرَةَ التّائِبِينَ وأصْحابِ الصَّغائِرِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ بِأسْرِها مُبَيَّنَةٌ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ مِن أنَّهُ يَجِبُ غُفْرانُ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ وصاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وأمّا نَحْنُ فَلا نَقُولُ ذَلِكَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English