Ар-РазиАль‑Бакара · 2:84–87

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:84–87

2:84Страница 13

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤

Вот Я заключил с вами завет о том, что вы не будете проливать вашей крови и изгонять друг друга из ваших жилищ. Потом вы признали это, свидетельствуя об этом.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وهو أنَّهُ تَعالى كَلَّفَهم هَذا التَّكْلِيفَ وأنَّهم أقَرُّوا بِصِحَّتِهِ ثُمَّ خالَفُوا العَهْدَ فِيهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِعُلَماءِ اليَهُودِ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ .

وثانِيها: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ أسْلافِهِمْ، وتَقْدِيرُهُ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ آبائِكم.

وثالِثُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأسْلافِ وتَقْرِيعٌ لِلْأخْلافِ ومَعْنى: ﴿أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ أمَرْناكم وأكَّدْنا الأمْرَ وقَبِلْتُمْ وأقْرَرْتُمْ بِلُزُومِهِ ووُجُوبِهِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ، وهو الإنْسانُ مُلْجَأٌ إلى أنْ لا يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في النَّهْيِ عَنْهُ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذا الإلْجاءَ قَدْ يَتَغَيَّرُ كَما ثَبَتَ في أهْلِ الهِنْدِ أنَّهم يُقَدِّرُونَ في قَتْلِ النَّفْسِ التَّخَلُّصَ مِن عالَمِ الفَسادِ واللُّحُوقَ بِعالَمِ النُّورِ والصَّلاحِ، أوْ كَثِيرٌ مِمَّنْ صَعُبَ عَلَيْهِ الزَّمانُ، وثَقُلَ عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ، فَيَقْتُلُ نَفْسَهُ، فَإذا انْتَفى كَوْنُ الإنْسانِ مُلْجَأً إلى تَرْكِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ صَحَّ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا بِهِ.

وثانِيها: المُرادُ لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، وجَعَلَ غَيْرَ الرَّجُلِ نَفْسَهُ إذا اتَّصَلَ بِهِ نَسَبًا ودِينًا وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] .

وثالِثُها: أنَّهُ إذا قَتَلَ غَيْرَهُ فَكَأنَّما قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّهُ يُقْتَصُّ مِنهُ.

صفحة ١٥٦

ورابِعُها: لا تَتَعَرَّضُوا لِمُقاتَلَةِ مَن يَقْتُلُكم فَتَكُونُوا قَدْ قَتَلْتُمْ أنْفُسَكم.

وخامِسُها: لا تَسْفِكُونَ دِماءَ مَن قِوامُكم في مَصالِحِ الدُّنْيا بِهِمْ فَتَكُونُونَ مُهْلِكِينَ لِأنْفُسِكم.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ بِسَبَبِهِ أنْ تَخْرُجُوا مِن دِيارِكم.

الثّانِي: المُرادُ النَّهْيُ عَنْ إخْراجِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْظُمُ فِيهِ المِحْنَةُ والشِّدَّةُ حَتّى يُقْرُبَ مِنَ الهَلاكِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: وهو الأقْوى، أيْ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ بِالمِيثاقِ واعْتَرَفْتُمْ عَلى أنْفُسِكم بِلُزُومِهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَيْها كَقَوْلِكَ فُلانٌ مُقِرٌّ عَلى نَفْسِهِ بِكَذا أيْ شاهِدٌ عَلَيْها.

وثانِيها: اعْتَرَفْتُمْ بِقَبُولِهِ وشَهِدَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ شائِعًا فِيما بَيْنَهم مَشْهُورًا.

وثالِثُها: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ اليَوْمَ يا مَعْشَرَ اليَهُودِ عَلى إقْرارِ أسْلافِكم بِهَذا المِيثاقِ.

ورابِعُها: الإقْرارُ الَّذِي هو الرِّضاءُ بِالأمْرِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ كَأنْ يُقالَ: فُلانٌ لا يُقِرُّ عَلى الضَّيْمِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُكم بِذَلِكَ ورَضِيتُمْ بِهِ فَأقَمْتُمْ عَلَيْهِ وشَهِدْتُمْ بِوُجُوبِهِ وصِحَّتِهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ والمَعْنى واحِدٌ، قُلْنا فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: أقْرَرْتُمْ يَعْنِي أسْلافَكم وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ الآنَ يَعْنِي عَلى إقْرارِهِمْ.

الثّانِي: أقْرَرْتُمْ في وقْتِ المِيثاقِ الَّذِي مَضى وأنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ تَشْهَدُونَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ.

2:85Страница 13

ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥

Но впоследствии именно вы стали убивать друг друга и изгонять некоторых из вас из жилищ, помогая одним против других в грехе и посягательстве. А если они приходят к вам пленными, то вы выкупаете их. А ведь вам было запрещено изгонять их. Неужели вы станете веровать в одну часть Писания и отвергать другую часть? Воздаянием тому, кто совершает подобное, будет позор в мирской жизни, а в День воскресения они будут подвергнуты еще более ужасным мучениям. Аллах не находится в неведении о том, что вы совершаете.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”أنْتُمْ“ لِلْحاضِرِينَ و”هَؤُلاءِ“ لِلْغائِبِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ الحاضِرُ نَفْسَ الغائِبِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: تَقْدِيرُهُ ثُمَّ أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ.

وثانِيها: تَقْدِيرُهُ ثُمَّ أنْتُمْ أعْنِي هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ.

وثالِثُها: أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِي وصِلَتُهُ ”تَقْتُلُونَ“ ومَوْضِعُ تَقْتُلُونَ رَفْعٌ إذا كانَ خَبَرًا ولا مَوْضِعَ لَهُ إذا كانَ صِلَةً. قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ في الصِّلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ [طه: ١٧] يَعْنِي وما تِلْكَ الَّتِي بِيَمِينِكَ.

ورابِعُها: هَؤُلاءِ تَأْكِيدٌ لِأنْتُمْ، والخَبَرُ ”تَقْتُلُونَ“، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ ?

صفحة ١٥٧

﴿أنْفُسَكُمْ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ الوُجُوهَ، وأصَحُّها أنَّ المُرادَ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَتْلُ البَعْضِ لِلْبَعْضِ قَدْ يُقالُ فِيهِ إنَّهُ قَتْلٌ لِلنَّفْسِ إذْ كانَ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ وبَيَّنّا المُرادَ بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ ما هو.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَظاهَرُونَ“ بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ فَوَجْهُ التَّخْفِيفِ الحَذْفُ لِإحْدى التّاءَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢] ووَجْهُ التَّشْدِيدِ إدْغامُ التّاءِ في الظّاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ والحَذْفُ أخَفُّ والإدْغامُ أدَلُّ عَلى الأصْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّظاهُرَ هو التَّعاوُنُ، ولَمّا كانَ الإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ وقَتْلُ البَعْضِ بَعْضًا مِمّا تَعْظُمُ بِهِ الفِتْنَةُ واحْتِيجَ فِيهِ إلى اقْتِدارٍ وغَلَبَةٍ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم فَعَلُوهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعانَةِ بِمَن يُظاهِرُهم عَلى الظُّلْمِ والعُدْوانِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الظُّلْمَ كَما هو مُحَرَّمٌ فَكَذا إعانَةُ الظّالِمِ عَلى ظُلْمِهِ مُحَرَّمَةٌ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أقْدَرَ الظّالِمَ عَلى الظُّلْمِ وأزالَ العَوائِقَ والمَوانِعَ وسَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّهْوَةَ الدّاعِيَةَ إلى الظُّلْمِ كانَ قَدْ أعانَهُ عَلى الظُّلْمِ، فَلَوْ كانَتْ إعانَةُ الظّالِمِ عَلى ظُلْمِهِ قَبِيحَةً لَوَجَبَ أنْ لا يُوجَدَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى وإنْ مَكَّنَ الظّالِمَ مِن ذَلِكَ فَقَدْ زَجَرَهُ عَنِ الظُّلْمِ بِالتَّهْدِيدِ والزَّجْرِ، بِخِلافِ المُعِينِ لِلظّالِمِ عَلى ظُلْمِهِ فَإنَّهُ يُرَغِّبُهُ فِيهِ ويُحَسِّنُهُ في عَيْنِهِ ويَدْعُوهُ إلَيْهِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ قَدْرَ ذَنْبِ المُعِينِ مِثْلُ قَدْرِ ذَنْبِ المُباشِرِ، بَلِ الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى أنَّهُ دُونَهُ لِأنَّ الإعانَةَ لَوْ حَصَلَتْ بِدُونِ المُباشَرَةِ لَما أثَّرَتْ في حُصُولِ الظُّلْمِ ولَوْ حَصَلَتِ المُباشَرَةُ بِدُونِ الإعانَةِ لَحَصَلَ الضَّرَرُ والظُّلْمُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُباشَرَةَ أدْخَلُ في الحُرْمَةِ مِنَ الإعانَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ: (أُسارى تُفادُوهم) بِالألِفِ فِيهِما، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِغَيْرِ ألِفٍ فِيهِما والباقُونَ: ”أُسارى“ بِال ألِفِ و”تُفْدُوهم“ بِغَيْرِ ألِفٍ و”الأسْرى“ جَمْعُ أسِيرٍ كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وفي أُسارى قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ أسْرى كَسَكْرى وسُكارى.

والثّانِي: جَمْعُ أسِيرٍ، وفَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ الأسْرى والأُسارى، وقالَ: الأُسارى الَّذِينَ في وِثاقٍ، والأسْرى الَّذِينَ في اليَدِ، كَأنَّهُ يَذْهَبُ إلى أنَّ أُسارى أشَدُّ مُبالَغَةً، وأنْكَرَ ثَعْلَبٌ ذَلِكَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: الِاخْتِيارُ أُسارى بِال ألِفِ لِأنَّ عَلَيْهِ أكْثَرَ الأئِمَّةِ ولِأنَّهُ أدَلُّ عَلى مَعْنى الجَمْعِ إذْ كانَ يُقالُ بِكَثْرَةٍ فِيهِ، وهو قَلِيلٌ في الواحِدِ نَحْوَ شُكاعى ولِأنَّها لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تُفْدُوهم وتُفادُوهم لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ تُفْدُوهم مِنَ الفِداءِ وهو العِوَضُ مِنَ الشَّيْءِ صِيانَةً لَهُ، يُقالُ: فَداهُ فِدْيَةً وتُفادُوهم مِنَ المُفاداةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُفادُوهُمْ﴾ وصْفٌ لَهم بِما هو طاعَةٌ وهو

صفحة ١٥٨

التَّخْلِيصُ مِنَ الأسْرِ بِبَذْلِ مالٍ أوْ غَيْرِهِ لِيَعُودُوا إلى كُفْرِهِمْ، وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٍ أنَّهُ ضِدُّ ذَلِكَ، والمُرادُ أنَّكم مَعَ القَتْلِ والإخْراجِ إذا وقَعَ أسِيرٌ في أيْدِيكم لَمْ تَرْضَوْا مِنهُ إلّا بِأخْذِ مالٍ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيْكم ثُمَّ عِنْدَها تُخْرِجُونَهُ مِنَ الأسْرِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ والمُفَسِّرُونَ: إنَّما أتَوْا مِن جِهَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ هَذا القَوْلَ راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ أنَّهُ إذا كانَ في الكِتابِ الَّذِي مَعَكم نَبَأُ مُحَمَّدٍ فَجَحَدْتُمُوهُ فَقَدْ آمَنتُمْ بِبَعْضِ الكِتابِ وكَفَرْتُمْ بِبَعْضٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ يَحْتَمِلُ لَفْظَ المُفاداةِ لِأنَّ الباذِلَ عَنِ الأسِيرِ يُوصَفُ بِأنَّهُ فاداهُ، والآخِذَ مِنهُ لِلتَّخْلِيصِ يُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ، إلّا أنَّ الَّذِي أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلَيْهِ أقْرَبُ، لِأنَّ عَوْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى أُمُورٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُها بَعْدَ آياتٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم: الَّذِينَ أُخْرِجُوا والَّذِينَ فُودُوا فَرِيقٌ واحِدٌ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ كانا أخَوَيْنِ كالأوْسِ والخَزْرَجِ، فافْتَرَقُوا فَكانَتِ النَّضِيرُ مَعَ الخَزْرَجِ وقُرَيْظَةُ مَعَ الأوْسِ. فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُقاتِلُ مَعَ حُلَفائِهِ وإذا غَلَبُوا خَرَّبُوا دِيارَهم وأخْرَجُوهم وإذا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَعَيَّرَتْهُمُ العَرَبُ وقالُوا: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم ثُمَّ تَفْدُونَهم فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم وحُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهم، ولَكِنّا نَسْتَحِي أنْ نُذِلَّ حُلَفاءَنا، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ الَّذِينَ أخْرَجُوهم فُودُوا ولَكِنَّهم قَوْمٌ آخَرُونَ فَعابَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ فَفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ كَأنَّهُ قِيلَ والقِصَّةُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم.

الثّانِي: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الإخْراجِ أُعِيدَ ذِكْرُهُ تَوْكِيدًا لِأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَهُما بِكَلامٍ فَمَوْضِعُهُ عَلى هَذا رَفْعٌ كَأنَّهُ قِيلَ وإخْراجُهم مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، ثُمَّ أُعِيدَ ذِكْرُ إخْراجِهِمْ مُبَيِّنًا لِلْأوَّلِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: إخْراجُهم كُفْرٌ، وفِداؤُهم إيمانٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ، ولَمْ يَذُمَّهم عَلى الفِداءِ، وإنَّما ذَمَّهم عَلى المُناقَضَةِ إذْ أتَوْا بِبَعْضِ الواجِبِ وتَرَكُوا البَعْضَ، وقَدْ تَكُونُ المُناقَضَةُ أدْخَلَ في الذَّمِّ لا يُقالُ هَبْ أنَّ ذَلِكَ الإخْراجَ مَعْصِيَةٌ، فَلِمَ سَمّاها كُفْرًا مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العاصِيَ لا يَكْفُرُ؛ لِأنّا نَقُولُ لَعَلَّهم صَرَّحُوا أنَّ ذَلِكَ الإخْراجَ غَيْرُ واجِبٍ مَعَ أنَّ صَرِيحَ التَّوْراةِ كانَ دالًّا عَلى وُجُوبِهِ.

وثانِيهِما: المُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم في تَمَسُّكِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّ الحُجَّةَ في أمْرِهِما عَلى سَواءٍ يَجْرِي مَجْرى طَرِيقَةِ السَّلَفِ مِنهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ ويَكْفُرُوا بِبَعْضٍ والكُلُّ في المِيثاقِ سَواءٌ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ فَأصْلُ الخِزْيِ الذُّلُّ والمَقْتُ. يُقالُ: أخْزاهُ اللَّهُ، إذا مَقَتَهُ وأبْعَدَهُ، وقِيلَ: أصْلُهُ الِاسْتِحْياءُ، فَإذا قِيلَ: أخْزاهُ اللَّهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْقَعَهُ مَوْقِعًا يُسْتَحَيا مِنهُ، وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنهُ الذَّمُّ العَظِيمُ، واخْتَلَفُوا في هَذا الخِزْيِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ الجِزْيَةُ والصَّغارُ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا دَلالَةَ عَلى أنَّ الجِزْيَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرِيعَتِهِمْ، بَلْ إنْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَحَّ هَذا الوَجْهُ، لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الخِزْيِ الواقِعِ بِأهْلِ الذِّمَّةِ أخْذَ الجِزْيَةِ مِنهم.

وثانِيها: إخْراجُ بَنِي النَّضِيرِ مِن دِيارِهِمْ، وقَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ وسَبْيُ ذَرارِيهِمْ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى الحاضِرِينَ في

صفحة ١٥٩

زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وثالِثُها: وهو الأوْلى أنَّ المُرادَ مِنهُ الذَّمُّ العَظِيمُ والتَّحْقِيرُ البالِغُ مِن غَيْرِ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِبَعْضِ الوُجُوهِ دُونَ بَعْضٍ والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ”خِزْيٌ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّمَّ واقِعٌ في النِّهايَةِ العُظْمى.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّ عَذابَ الدَّهْرِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الصّانِعَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشَدَّ مِن عَذابِ اليَهُودِ، فَكَيْفَ قالَ في حَقِّ اليَهُودِ: ﴿يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ والجَوابُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ أشَدُّ مِنَ الخِزْيِ الحاصِلِ في الدُّنْيا، فَلَفْظُ ”الأشَدِّ“ وإنْ كانَ مُطْلَقًا إلّا أنَّ المُرادَ أشَدُّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ بِتاءِ الخِطابِ والباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وجْهُ الأوَّلِ: البِناءُ عَلى أوَّلِ الكَلامِ، أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، ووَجْهُ الثّانِي: البِناءُ عَلى أنَّهُ آخِرُ الكَلامِ واخْتِيارُ الخِطابِ لِأنَّ عَلَيْهِ الأكْثَرَ ولِأنَّهُ أدَلُّ عَلى المَعْنى لِتَغْلِيبِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وزَجْرٌ عَظِيمٌ عَنِ المَعْصِيَةِ وبِشارَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى الطّاعَةِ، لِأنَّ الغَفْلَةَ إذا كانَتْ مُمْتَنِعَةً عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّهُ أقْدَرُ القادِرِينَ وصَلَتِ الحُقُوقُ لا مَحالَةَ إلى مُسْتَحِقِّيها.

2:86Страница 13

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦

Они купили мирскую жизнь за Последнюю жизнь. Их мучения не будут облегчены, и им не будет оказана помощь.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ تَحْصِيلِ لَذّاتِ الدُّنْيا ولَذّاتِ الآخِرَةِ مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ واللَّهُ سُبْحانَهُ مَكَّنَ المُكَلَّفَ مِن تَحْصِيلِ أيِّهِما شاءَ وأرادَ، فَإذا اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِ أحَدِهِما فَقَدْ فَوَّتَ الآخَرَ عَلى نَفْسِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ ما أعْرَضَ اليَهُودُ عَنْهُ مِنَ الإيمانِ بِما في كُتُبِهِمْ وما حَصَلَ في أيْدِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ ولَذّاتِ الدُّنْيا كالبَيْعِ والشِّراءِ، وذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في نِهايَةِ الذَّمِّ لَهم لِأنَّ المَغْبُونَ في البَيْعِ والشِّراءِ في الدُّنْيا مَذْمُومٌ حَتّى يُوصَفَ بِأنَّهُ تَغَيَّرَ في عَقْلِهِ فَبِأنْ يُذَمَّ مُشْتَرِي مَتاعِ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ أوْلى.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في دُخُولِ الفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُخَفَّفُ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: العَطْفُ عَلى ﴿اشْتَرَوُا﴾ والقَوْلُ الآخَرُ بِمَعْنى جَوابِ الأمْرِ، كَقَوْلِكَ أُولَئِكَ الضُّلّالُ انْتَبِهْ فَلا خَيْرَ فِيهِمْ، والأوَّلُ أوْجَهُ لِأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى الإضْمارِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بَعْضُهم حَمَلَ التَّخْفِيفَ عَلى أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ بَلْ يَدُومُ، لِأنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ لَكانَ قَدْ خَفَّ، وحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلى شِدَّتِهِ لا عَلى دَوامِهِ والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ قَدْ يَخِفُّ بِالِانْقِطاعِ وقَدْ يَخِفُّ بِالقِلَّةِ في

صفحة ١٦٠

كُلِّ وقْتٍ أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَإذا وصَفَ تَعالى عَذابَهم بِأنَّهُ لا يُخَفَّفُ اقْتَضى ذَلِكَ نَفْيَ جَمِيعِ ما ذَكَرْناهُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْيِ النُّصْرَةِ في الآخِرَةِ يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يَدْفَعُ هَذا العَذابَ عَنْهم ولا هم يُنْصَرُونَ عَلى مَن يُرِيدُ عَذابَهم، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْيِ النُّصْرَةِ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً عَلى صَنِيعِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَلِيقُ إلّا بِالآخِرَةِ، لِأنَّ عَذابَ الدُّنْيا وإنْ حَصَلَ فَيَصِيرُ كالحُدُودِ الَّتِي تُقامُ عَلى المُقَصِّرِ ولِأنَّ الكُفّارَ قَدْ يَصِيرُونَ غالِبِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ في بَعْضِ الأوْقاتِ.

2:87Страница 13

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧

Мы даровали Мусе (Моисею) Писание и отправили вслед за ним череду посланников. Мы даровали Исе (Иисусу), сыну Марьям (Марии), ясные знамения и укрепили его Святым Духом (Джибрилем). Неужели каждый раз, когда посланник приносил вам то, что было вам не по душе, вы проявляли высокомерие, нарекали лжецами одних и убивали других?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أفاضَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ إنَّهم قابَلُوهُ بِالكُفْرِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ اليَهُودِ مِن قَبْلُ بِأنَّهم يُخالِفُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى في قَتْلِ أنْفُسِهِمْ وإخْراجِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ وبَيَّنَ أنَّهم بِهَذا الصَّنِيعِ اشْتَرَوُا الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، زادَ في تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا الكِتابُ فَهو التَّوْراةُ آتاهُ اللَّهُ إيّاها جُمْلَةً واحِدَةً، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّوْراةَ لَمّا نَزَلَتْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِحَمْلِها فَلَمْ يُطِقْ ذَلِكَ، فَبَعَثَ اللَّهُ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنها مَلَكًا فَلَمْ يُطِيقُوا حَمْلَها فَخَفَّفَها اللَّهُ عَلى مُوسى فَحَمَلَها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَفَّيْنا، أتْبَعْنا مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ يَأْتِي في قَفاهُ الشَّيْءُ، أيْ بَعْدَ نَحْوِ ذَنَبِهِ مِنَ الذَّنَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتِ الرُّسُلُ تَتَواتَرُ ويَظْهَرُ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ إلى أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ جاءَ بِشَرِيعَةٍ مُجَدِّدَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الشَّرِيعَةِ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا فِيها، قالَ القاضِي: إنَّ الرَّسُولَ الثّانِيَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى شَرِيعَةِ الأوَّلِ حَتّى لا يُؤَدِّيَ إلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِعَيْنِها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، مَعَ أنَّ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ مَحْفُوظَةٌ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها بِالتَّواتُرِ عَنِ الأُوَلِ، لِأنَّ الرَّسُولَ إذا كانَ هَذا حالَهُ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَعْلَمَ مِن جِهَةٍ إلّا ما كانَ قَدْ عَلِمَ مِن قَبْلُ أوْ يُمْكِنْ أنْ يَعْلَمَ مِن قَبْلُ، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا لا شَرِيعَةَ مَعَهُ أصْلًا، تُبَيِّنُ العَقْلِيّاتِ لِهَذِهِ العِلَّةِ، فَكَذا القَوْلُ في مَسْألَتِنا: فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ في الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونُوا قَدْ أتَوْا بِشَرِيعَةٍ

صفحة ١٦١

جَدِيدَةٍ إنْ كانَتِ الأُولى مَحْفُوظَةً أوْ مُحْيِيَةً لِبَعْضِ ما انْدَرَسَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الأُولى. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن بَعْثَةِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ تَنْفِيذَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ السّالِفَةِ عَلى الأُمَّةِ أوْ نَوْعًا آخَرَ مَنِ الألْطافِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ ؟ وبِالجُمْلَةِ فالقاضِي ما أتى في هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا بِإعادَةِ الدَّعْوى، فَلِمَ قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ بَعْثُ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ إلّا لِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ أوْ لِإحْياءِ شَرِيعَةٍ انْدَرَسَتْ وهَلِ النِّزاعُ وقَعَ إلّا في هَذا ؟

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَؤُلاءِ الرُّسُلُ هم: يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ، وشَمْعُونُ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ وشَعْياءُ، وأرْمِياءُ، وعُزَيْرٌ، وحِزْقِيلُ، وإلْياسُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وغَيْرُهم.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْمَلَ ذِكْرَ الرَّسُولِ ثُمَّ فَصَّلَ ذِكْرَ عِيسى لِأنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ جاءُوا بِشَرِيعَةِ مُوسى فَكانُوا مُتَّبِعِينَ لَهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ عِيسى، لِأنَّ شَرْعَهُ نَسَخَ أكْثَرَ شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ عِيسى بِالسُّرْيانِيَّةِ أيْشُوعُ، ومَرْيَمُ بِمَعْنى الخادِمِ، وقِيلَ: مَرْيَمُ بِالعِبْرانِيَّةِ مِنَ النِّساءِ كَزِيرٍ مِنَ الرِّجالِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في البَيِّناتِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: المُعْجِزاتُ مِن إحْياءِ المَوْتى ونَحْوِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وثانِيها: أنَّها الإنْجِيلُ.

وثالِثُها: وهو الأقْوى أنَّ الكُلَّ يَدْخُلُ فِيهِ، لِأنَّ المُعْجِزَ يُبَيِّنُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَما أنَّ الإنْجِيلَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ شَرِيعَتِهِ فَلا يَكُونُ لِلتَّخْصِيصِ مَعْنًى.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ وأيَّدْناهُ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”القُدْسِ“ بِالتَّخْفِيفِ والباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ وهُما لُغَتانِ مِثْلَ رُعُبٌ ورُعْبٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الرُّوحِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن رُوحِ القُدُسِ الرُّوحُ المُقَدَّسَةُ كَما يُقالُ: حاتِمُ الجُودِ ورَجُلُ صِدْقٍ فَوُصِفَ جِبْرِيلُ بِذَلِكَ تَشْرِيفًا لَهُ وبَيانًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: سُمِّي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ الدِّينُ كَما يَحْيا البَدَنُ بِالرُّوحِ فَإنَّهُ هو المُتَوَلِّي لِإنْزالِ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، والمُكَلَّفُونَ في ذَلِكَ يَحْيَوْنَ في دِينِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ الرُّوحانِيَّةُ وكَذَلِكَ سائِرُ المَلائِكَةِ غَيْرَ أنَّ رُوحانِيَّتَهُ أتَمُّ وأكْمَلُ.

الرّابِعُ: سُمِّيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُوحًا، لِأنَّهُ ما ضَمَّتْهُ أصْلابُ الفُحُولِ وأرْحامُ الأُمَّهاتِ.

وثانِيها: المُرادُ بِرُوحِ القُدُسِ الإنْجِيلُ، كَما قالَ في القُرْآنِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ الدِّينَ يَحْيا بِهِ ومَصالِحَ الدُّنْيا تَنْتَظِمُ لِأجْلِهِ.

وثالِثُها: أنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ المَوْتى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

ورابِعُها: أنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي نُفِخَ فِيهِ والقُدُسُ هو اللَّهُ تَعالى فَنَسَبَ رُوحَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى نَفْسِهِ

صفحة ١٦٢

تَعْظِيمًا لَهُ وتَشْرِيفًا، كَما يُقالُ: بَيْتُ اللَّهِ وناقَةُ اللَّهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِهِ الرُّوحُ الَّذِي يَحْيا بِهِ الإنْسانُ.

واعْلَمْ أنَّ إطْلاقَ اسْمِ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ وعَلى الإنْجِيلِ وعَلى الِاسْمِ الأعْظَمِ مَجازٌ لِأنَّ الرُّوحَ هو الرِّيحُ المُتَرَدِّدُ في مَخارِقِ الإنْسانِ ومَنافِذِهِ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ ما كانَتْ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِالرُّوحِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ أنَّ الرُّوحَ كَما أنَّهُ سَبَبٌ لِحَياةِ الرَّجُلِ، فَكَذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبَبٌ لِحَياةِ القُلُوبِ بِالعُلُومِ، والإنْجِيلُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الشَّرائِعِ وحَياتِها، والِاسْمُ الأعْظَمُ سَبَبٌ لِأنْ يُتَوَسَّلَ بِهِ إلى تَحْصِيلِ الأغْراضِ إلّا أنَّ المُشابَهَةَ بَيْنَ مُسَمّى الرُّوحِ وبَيْنَ جِبْرِيلَ أتَمُّ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ مِن هَواءٍ نُورانِيٍّ لَطِيفٍ فَكانَتِ المُشابَهَةُ أتَمَّ، فَكانَ إطْلاقُ اسْمِ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ أوْلى.

وثانِيها: أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ فِيهِ أظْهَرُ مِنها فِيما عَداهُ.

وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ يَعْنِي قَوَّيْناهُ، والمُرادُ مِن هَذِهِ التَّقْوِيَةِ الإعانَةُ وإسْنادُ الإعانَةِ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةٌ وإسْنادُها إلى الإنْجِيلِ والِاسْمِ الأعْظَمِ مَجازٌ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.

ورابِعُها: وهو أنَّ اخْتِصاصَ عِيسى بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن آكَدِ وُجُوهِ الِاخْتِصاصِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِثْلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ هو الَّذِي بَشَّرَ مَرْيَمَ بِوِلادَتِها وإنَّما وُلِدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي رَبّاهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ وكانَ يَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سارَ وكانَ مَعَهُ حِينَ صَعِدَ إلى السَّماءِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ فَهو نِهايَةُ الذَّمِّ لَهم، لِأنَّ اليَهُودَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أتاهُمُ الرَّسُولُ بِخِلافِ ما يَهْوُونَ كَذَّبُوهُ، وإنْ تَهَيَّأ لَهم قَتْلُهُ قَتَلُوهُ. وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ لِإرادَتِهِمُ الرِّفْعَةَ في الدُّنْيا وطَلَبِهِمْ لَذّاتِها والتَّرَؤُّسَ عَلى عامَّتِهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وكانَتِ الرُّسُلُ تُبْطِلُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهم لِأجْلِ ذَلِكَ ويُوهِمُونَ عَوامَّهم كَوْنَهم كاذِبِينَ ويَحْتَجُّونَ في ذَلِكَ بِالتَّحْرِيفِ وسُوءِ التَّأْوِيلِ، ومِنهم مَن كانَ يَسْتَكْبِرُ عَلى الأنْبِياءِ اسْتِكْبارَ إبْلِيسَ عَلى آدَمَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلّا قِيلَ وفَرِيقًا قَتَلْتُمْ ؟ وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يُرادَ الحالُ الماضِيَةُ لِأنَّ الأمْرَ فَظِيعٌ فَأُرِيدَ اسْتِحْضارُهُ في النُّفُوسِ وتَصْوِيرُهُ في القُلُوبِ.

الثّانِي: أنْ يُرادَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَهم بَعْدُ لِأنَّكم حاوَلْتُمْ قَتْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَوْلا أنِّي أعْصِمُهُ مِنكم ولِذَلِكَ سَحَرْتُمُوهُ وسَمَمْتُمْ لَهُ الشّاةَ. وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ”«ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي. فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي» “ واللَّهُ أعْلَمُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English