Ар-РазиАль‑Бакара · 2:91–95

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:91–95

2:91Страница 14

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١

Когда им говорят: «Уверуйте в то, что ниспослал Аллах», - они отвечают: «Мы веруем в то, что было ниспослано нам». Они не веруют в то, что явилось впоследствии, хотя это является истиной, подтверждающей правдивость того, что есть у них. Скажи: «Почему же раньше вы убивали пророков Аллаха, если вы являетесь верующими?».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ أيْضًا مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ: ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا﴾ أيْ بِكُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ، والقائِلُونَ بِالعُمُومِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ لَفْظَةَ ”ما“ بِمَعْنى الَّذِي تُفِيدُ العُمُومَ، قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يُؤْمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ، فَلَمّا آمَنُوا بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ ذَمَّهم عَلى ذَلِكَ ولَوْلا أنَّ لَفْظَةَ ”ما“ تُفِيدُ العُمُومَ لَما حَسُنَ هَذا الذَّمُّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِذَلِكَ: ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ يَعْنِي بِالتَّوْراةِ وكُتُبِ سائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أتَوْا بِتَقْرِيرِ شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم يَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الإنْجِيلُ والقُرْآنُ. وأوْرَدَ هَذِهِ الحِكايَةَ عَنْهم عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ لَهم وذَلِكَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلّا ولَهم طَرِيقٌ إلى أنْ يَعْرِفُوا كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وإلّا كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ وإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وجَبَ الإيمانُ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ بِبَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ دُونَ البَعْضِ تَناقُضٌ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ فَهو كالإشارَةِ إلى ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْبَرَ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ أمَرَ المُكَلَّفِينَ بِالإيمانِ بِهِ وكانَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا لا مَحالَةَ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ الإيمانَ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ وبَعْضِ الكُتُبِ مَعَ الكُفْرِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ وبَعْضِ الكُتُبِ مُحالٌ.

الثّانِي: ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ مُحَمَّدًا صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا ولا اسْتَفادَ مِن أُسْتاذٍ، فَلَمّا أتى بِالحِكاياتِ والقِصَصِ مُوافِقَةً لِما في التَّوْراةِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا عَلِمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما اسْتَفادَها مِنَ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ.

الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْراةِ وجَبَ اشْتِمالُ التَّوْراةِ عَلى الإخْبارِ عَنْ نُبُوَّتِهِ، وإلّا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ بَلْ مُكَذِّبًا لَها وإذا كانَتِ التَّوْراةُ مُشْتَمِلَةً عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم قَدِ اعْتَرَفُوا بِوُجُوبِ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ لَزِمَهم مِن هَذِهِ الجِهَةِ وُجُوبُ الإيمانِ بِالقُرْآنِ وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ مِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ دَعْواهم كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ بِالتَّوْراةِ مُتَناقِضَةٌ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّوْراةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ ودَلَّتْ عَلى أنَّ مَن كانَ صادِقًا في

صفحة ١٧٠

ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ فَإنَّ قَتْلَهُ كُفْرٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ السَّعْيُ في قَتْلِ يَحْيى وزَكَرِيّا وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُفْرًا فَلِمَ سَعَيْتُمْ في ذَلِكَ إنْ صَدَقْتُمْ في ادِّعائِكم كَوْنَكم مُؤْمِنِينَ بِالتَّوْراةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُجادَلَةَ في الدِّينِ مِن حِرَفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ إيرادَ المُناقَضَةِ عَلى الخَصْمِ جائِزٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ وإنْ كانَ خِطابَ مُشافَهَةٍ لَكِنَّ المُرادَ مَن تَقَدَّمَ مِن سَلَفِهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الأنْبِياءَ في ذَلِكَ الزَّمانِ ما كانُوا مَوْجُودِينَ.

وثانِيها: أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ.

وثالِثُها: أنَّهُ لا يَتَأتّى فِيهِ مِن قَبْلُ.

فَأمّا المُرادُ بِهِ الماضِي فَظاهِرٌ لِأنَّ القَرِينَةَ دالَّةٌ عَلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿آمِنُوا﴾ خِطابٌ لِهَؤُلاءِ المَوْجُودِينَ: و﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ حِكايَةُ فِعْلِ أسْلافِهِمْ فَكَيْفَ وُجِّهَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا مَعْناهُ: أنَّكم بِهَذا التَّكْذِيبِ خَرَجْتُمْ مِنَ الإيمانِ بِما آمَنتُمْ كَما خَرَجَ أسْلافُكم بِقَتْلِ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَنِ الإيمانِ بِالباقِينَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ كَيْفَ جازَ قَوْلُهُ: لِمَ تَقْتُلُونَ مِن قَبْلُ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أنا أضْرِبُكَ أمْسُ ؟ والجَوابُ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ فِيما كانَ بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ اللّازِمَةِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَعْرِفُهُ بِما سَلَفَ مِن قُبْحِ فِعْلِهِ: ويْحَكَ لِمَ تَكْذِبُ ؟ كَأنَّكَ قُلْتَ: لَمْ يَكُنْ هَذا مِن شَأْنِكَ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] ولَمْ يُقِلْ ما تَلَتْ لِأنَّهُ أرادَ مِن شَأْنِها التِّلاوَةَ.

والثّانِي: كَأنَّهُ قالَ: لِمَ تَرْضَوْنَ بِقَتْلِ الأنْبِياءِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِالتَّوْراةِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.

2:92Страница 14

۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢

Муса (Моисей) явился к вам с ясными знамениями, но в его отсутствие вы стали поклоняться тельцу, будучи беззаконниками.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ تَكْرِيرَ هَذِهِ الآيَةِ يُغْنِي عَنْ تَفْسِيرِها والسَّبَبُ في تَكْرِيرِها أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى طَرِيقَةَ اليَهُودِ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووَصَفَهم بِالعِنادِ والتَّكْذِيبِ ومَثَّلَهم بِسَلَفِهِمْ في قَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ الَّذِي يُناسِبُ التَّكْذِيبَ لَهم بَلْ يَزِيدُ عَلَيْهِ، أعادَ ذِكْرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما جاءَ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ وأنَّهم مَعَ وُضُوحِ ذَلِكَ أجازُوا أنْ يَتَّخِذُوا العِجْلَ إلَهًا وهو مَعَ ذَلِكَ صابِرٌ ثابِتٌ عَلى الدُّعاءِ إلى رَبِّهِ والتَّمَسُّكِ بِدِينِهِ وشَرْعِهِ فَكَذَلِكَ القَوْلُ في حالِي مَعَكم وإنْ بالَغْتُمْ في التَّكْذِيبِ والإنْكارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

صفحة ١٧١

اعْلَمْ أنَّ في الإعادَةِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ التَّكْرارَ في هَذا وأمْثالِهِ لِلتَّأْكِيدِ وإيجابِ الحُجَّةِ عَلى الخَصْمِ عَلى عادَةِ العَرَبِ.

وثانِيها: أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ مَعَ زِيادَةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ لَجاجِهِمْ.

2:93Страница 14

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩٣

Вот Мы заключили с вами завет и воздвигли над вами гору: «Крепко придерживайтесь того, что Мы даровали вам, и слушайте». Они сказали: «Слышали и ослушаемся». Их сердца впитали любовь к тельцу по причине их неверия. Скажи: «Скверно то, что велит вам ваша вера, если вы вообще являетесь верующими».

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ إظْلالَ الجَبَلِ لا شَكَّ أنَّهُ مِن أعْظَمِ المُخَوِّفاتِ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وصَرَّحُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّخْوِيفَ وإنْ عَظُمَ لا يُوجِبُ الِانْقِيادَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم قالُوا هَذا القَوْلَ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى سَمِعُوهُ فَتَلَقَّوْهُ بِالعِصْيانِ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَوْلِ وإنْ لَمْ يَقُولُوهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١٧٧] وكَقَوْلِهِ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ صَرْفَ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ الدَّلِيلِ لا يَجُوزُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمْ حُبَّ العِجْلِ، وفي وجْهِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ تَداخَلَهم حُبُّهُ والحِرْصُ عَلى عِبادَتِهِ كَما يَتَداخَلُ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ بَيانٌ لِمَكانِ الإشْرابِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] .

الثّانِي: كَما أنَّ الشُّرْبَ مادَّةٌ لِحَياةِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ فَكَذا تِلْكَ المَحَبَّةُ كانَتْ مادَّةً لِجَمِيعِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُشْرِبُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلًا غَيْرَهم فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِوى اللَّهِ، أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: ما أرادَ اللَّهُ أنَّ غَيْرَهم فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهم لِفَرْطِ وُلُوعِهِمْ وإلْفِهِمْ بِعِبادَتِهِ أشْرَبُوا قُلُوبَهم حُبَّهُ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ كَما يُقالُ: فُلانٌ مُعْجَبٌ بِنَفْسِهِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن أشْرَبَ أيْ زَيَّنَهُ عِنْدَهم ودَعاهم إلَيْهِ كالسّامِرِيِّ وإبْلِيسَ وشَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ.

أجابَ الأصْحابُ عَنِ الوَجْهَيْنِ بِأنَّ كِلا الوَجْهَيْنِ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولَمّا أقَمْنا الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ القَطْعِيَّةَ عَلى أنَّ مُحْدِثَ كُلِّ الأشْياءِ هو اللَّهُ لَمْ يَكُنْ بِنا حاجَةٌ إلى تَرْكِ هَذا الظّاهِرِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ فالمُرادُ بِاعْتِقادِهِمُ التَّشْبِيهَ عَلى اللَّهِ وتَجْوِيزِهِمُ العِبادَةَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم بِالتَّوْراةِ لِأنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ عِبادَةُ العِجْلِ، وإضافَةُ الأمْرِ إلى إيمانِهِمْ تَهَكُّمٌ كَما قالَ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] وكَذَلِكَ إضافَةُ الإيمانِ إلَيْهِمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإيمانُ عَرَضٌ ولا يَصِحُّ مِنهُ الأمْرُ والنَّهْيُ لَكِنَّ الدّاعِيَ إلى الفِعْلِ قَدْ يُشَبَّهُ بِالآمِرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فالمُرادُ التَّشْكِيكُ في إيمانِهِمْ والقَدْحُ في صِحَّةِ دَعْواهم.

2:94–95Страница 15

قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٤

Скажи: «Если Последняя обитель у Аллаха предназначена только для вас, а не для других людей, то пожелайте себе смерти, если вы говорите правду».

وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٩٥

Однако они никогда не пожелают себе этого из-за того, что приготовили их руки. Аллах ведает о беззаконниках.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِهِمْ وهو ادِّعاؤُهم أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الخَصْمِ إنْ كانَ كَذا وكَذا فافْعَلْ كَذا إلّا والأوَّلُ مَذْهَبُهُ لِيَصِحَّ إلْزامُ الثّانِي عَلَيْهِ.

وثانِيها: ما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وفي قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] .

وثالِثُها: اعْتِقادُهم في أنْفُسِهِمْ أنَّهم هُمُ المُحِقُّونَ لِأنَّ النَّسْخَ غَيْرُ جائِزٍ في شَرْعِهِمْ، وأنَّ سائِرَ الفِرَقِ مُبْطِلُونَ.

ورابِعُها: اعْتِقادُهم أنَّ انْتِسابَهم إلى أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْنِي يَعْقُوبَ وإسْحاقَ وإبْراهِيمَ يُخَلِّصُهم مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى ويُوَصِّلُهم إلى ثَوابِهِ، ثُمَّ إنَّهم لِهَذِهِ الأشْياءِ عَظَّمُوا شَأْنَ أنْفُسِهِمْ فَكانُوا يَفْتَخِرُونَ عَلى العَرَبِ ورُبَّما جَعَلُوهُ كالحُجَّةِ في أنَّ النَّبِيَّ المُنْتَظَرَ المُبَشَّرَ بِهِ في التَّوْراةِ مِنهم لا مِنَ العَرَبِ وكانُوا يَصْرِفُونَ النّاسَ بِسَبَبِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ احْتَجَّ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ وبَيانُ هَذِهِ المُلازَمَةِ أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ بِالقِياسِ إلى نِعَمِ الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّ نِعَمَ الدُّنْيا عَلى قِلَّتِها كانَتْ مُنَغَّصَةً عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُنازَعَتِهِ مَعَهم بِالجِدالِ والقِتالِ، ومَن كانَ في النِّعَمِ القَلِيلَةِ المُنَغَّصَةِ، ثُمَّ إنْ تَيَقَّنَ أنَّهُ بَعْدَ المَوْتِ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَقِلَ إلى تِلْكَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ راغِبًا في المَوْتِ لِأنَّ تِلْكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ مَطْلُوبَةٌ ولا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالمَوْتِ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الإنْسانُ راضِيًا بِالمَوْتِ مُتَمَنِّيًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَوْ كانَتْ لَهم خالِصَةً لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم ما تَمَنَّوُا المَوْتَ بَلْ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ قَطْعًا بُطْلانُ ادِّعائِهِمْ في قَوْلِهِمْ إنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ.

فَإنْ قِيلَ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَوْ كانَتْ لَهُمُ الدّارُ الآخِرَةُ خالِصَةً لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ، قَوْلُهُ لَأنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ مَطْلُوبٌ ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالمَوْتِ والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا. قُلْنا: الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا نَظَرًا إلى كَوْنِهِ وسِيلَةً إلى ذَلِكَ المَطْلُوبِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ مَكْرُوهًا نَظَرًا إلى ذاتِهِ، والمَوْتُ مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا بِالآلامِ العَظِيمَةِ وما كانُوا يُطِيقُونَها فَلا جَرَمَ ما تَمَنَّوُا المَوْتَ.

صفحة ١٧٣

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ لَهم أنْ يَقْلِبُوا هَذا السُّؤالَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقُولُوا: إنَّكَ تَدَّعِي أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَكَ ولِأُمَّتِكَ دُونَ مَن يُنازِعُكَ في الأمْرِ فَإنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فارْضَ بِأنْ نَقْتُلَكَ ونَقْتُلَ أُمَّتَكَ، فَإنّا نَراكَ ونَرى أُمَّتَكَ في الضُّرِّ الشَّدِيدِ والبَلاءِ العَظِيمِ بِسَبَبِ الجِدالِ والقِتالِ وبَعْدَ المَوْتِ فَإنَّكم تَتَخَلَّصُونَ إلى نَعِيمِ الجَنَّةِ فَوَجَبَ أنْ تَرْضَوْا بِقَتْلِكم !

السُّؤالُ الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَ الدّارُ الآخِرَةُ خالِصَةٌ لِمَن كانَ عَلى دِينِهِمْ لَكِنْ بِشَرْطِ الِاحْتِرازِ عَنِ الكَبائِرِ، فَأمّا صاحِبُ الكَبِيرَةِ فَإنَّهُ يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ أبَدًا لِأنَّهم كانُوا وعِيدِيَّةً أوْ لِأنَّهم جَوَّزُوا في صاحِبِ الكَبِيرَةِ أنَّ يَصِيرَ مُعَذَّبًا فَلِأجْلِ هَذا ما تَمَنَّوُا المَوْتَ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَدْفَعَ هَذا السُّؤالَ بِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّهُ لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً لِأنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ القِيامَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ فَكانَتْ هَذِهِ الأيّامُ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً بِحَسَبِ العَدَدِ لَكِنَّها طَوِيلَةً بِحَسَبِ المُدَّةِ فَلا جَرَمَ ما تَمَنَّوُا المَوْتَ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهى عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ فَقالَ: ”«لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ولَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ أحْيِنِي إنْ كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي وتَوَفَّنِي إنْ كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي» “ وأيْضًا قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨] فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَنْهى عَنِ الِاسْتِعْجالِ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَحَدّى القَوْمَ بِذَلِكَ.

السُّؤالُ الخامِسُ: أنَّ لَفْظَ التَّمَنِّي مُشْتَرِكٌ بَيْنَ التَّمَنِّي الَّذِي هو المَعْنى القائِمُ بِالقَلْبِ وبَيْنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى وهو قَوْلُ القائِلِ: لَيْتَنِي مِتُّ، لِلْيَهُودِ أنْ يَقُولُوا إنَّكَ طَلَبْتَ مِنّا التَّمَنِّي والتَّمَنِّي لَفْظٌ مُشْتَرِكٌ، فَإنْ ذَكَرْناهُ بِاللِّسانِ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: ما أرَدْتُ بِهِ هَذا اللَّفْظَ، وإنَّما أرَدْتُ بِهِ المَعْنى الَّذِي في القَلْبِ وإنْ فَعَلْنا ذَلِكَ المَعْنى القائِمَ بِالقَلْبِ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: كَذَبْتُمْ ما أتَيْتُمْ بِذَلِكَ في قُلُوبِكم ولَمّا عَلِمَ اليَهُودُ أنَّهُ أتى بِلَفْظَةٍ مُشْتَرَكَةٍ لا يُمْكِنُ الِاعْتِراضُ عَلَيْها لا جَرَمَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ.

السُّؤالُ السّادِسُ: هَبْ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَوْ كانَتْ لَهم لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهم ما تَمَنَّوُا المَوْتَ، والِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ ضَعِيفٌ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ القُرْآنِ حَقًّا، والنِّزاعُ لَيْسَ إلّا فِيهِ ؟ .

(الجَوابُ): قَوْلُهُ [ أوَّلًا ] كَوْنُ المَوْتِ مُتَضَمِّنًا لِلْألَمِ يَكُونُ كالصّارِفِ عَنْ تَمَنِّيهِ، قُلْنا كَما أنَّ الألَمَ الحاصِلَ عِنْدَ الحِجامَةِ لا يَصْرِفُ عَنِ الحِجامَةِ لِلْعِلْمِ الحاصِلِ بِأنَّ المَنفَعَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الحِجامَةِ عَظِيمَةٌ وجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّهم لَوْ قَلَبُوا الكَلامَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَزِمَهُ أنْ يَرْضى بِالقَتْلِ، قُلْنا: الفَرْقُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم أنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَقُولُ إنِّي بُعِثْتُ لِتَبْلِيغِ الشَّرائِعِ إلى أهْلِ التَّواتُرِ، وهَذا المَقْصُودُ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ فَلِأجْلِ هَذا لا أرْضى بِالقَتْلِ، وأمّا أنْتُمْ فَلَسْتُمْ كَذَلِكَ فَظَهَرَ الفَرْقُ، قَوْلُهُ ثالِثًا: كانُوا خائِفِينَ مِن عِقابِ الكَبائِرِ، قُلْنا: القَوْمُ ادَّعَوْا كَوْنَ الآخِرَةِ خالِصَةً لَهم وذَلِكَ يُؤَمِّنُهم مِنَ امْتِزاجِ ثَوابِها بِالعِقابِ.

قَوْلُهُ رابِعًا: نُهِيَ عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ قُلْنا هَذا النَّهْيُ طَرِيقَةُ الشَّرْعِ فَيَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ الحالُ فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأوْقاتِ، رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ في غِلالَةٍ فَقالَ لَهُ ابْنُهُ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما هَذا بِزِيِّ المُحارِبِينَ فَقالَ: يا بُنَيَّ لا يُبالِي أبُوكَ أعَلى المَوْتِ سَقَطَ أمْ عَلَيْهِ يَسْقُطُ المَوْتُ، وقالَ عَمّارٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِصِفِّينَ:

صفحة ١٧٤

الآنَ أُلاقِي الأحِبَّهْ مُحَمَّدًا وحِزْبَهْ

وقَدْ ظَهَرَ عَنِ الأنْبِياءِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ تَمَنِّي المَوْتِ عَلى أنَّ هَذا النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِسَبَبٍ مَخْصُوصٍ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَرَّمَ أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ المَوْتَ عِنْدَ الشَّدائِدِ لِأنَّ ذَلِكَ كالجَزَعِ والخُرُوجِ عَنِ الرِّضاءِ بِما قَسَمَ اللَّهُ، فَأيْنَ هَذا مِنَ التَّمَنِّي الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ.

قَوْلُهُ خامِسًا: إنَّهم ما عَرَفُوا أنَّ المُرادَ هو التَّمَنِّي بِاللِّسانِ أوْ بِالقَلْبِ، قُلْنا: التَّمَنِّي في لُغَةِ العَرَبِ لا يُعْرَفُ إلّا ما يَظْهَرُ [ مِنهُ ] كَما أنَّ الخَبَرَ لا يُعْرَفُ إلّا ما يَظْهَرُ بِالقَوْلِ والَّذِي في القَلْبِ مِن ذَلِكَ لا يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ، وأيْضًا فَمِنَ المُحالِ أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم تَمَنَّوُا المَوْتَ ويُرِيدُ بِذَلِكَ ما لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ الغَرَضَ بِذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِظُهُورِهِ.

قَوْلُهُ سادِسًا: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ ما وُجِدَ التَّمَنِّي، قُلْنا مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا لِأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ فَإنَّ بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ يَثْبُتُ القَوْلُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِتَقْدِيرِ حُصُولِ هَذا التَّمَنِّي يَبْطُلُ القَوْلُ بِنُبُوَّتِهِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مِنَ الوَقائِعِ العَظِيمَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُنْقَلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا، ولَمّا لَمْ يُنْقَلْ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ.

وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ تَقَدُّمِهِ في الرَّأْيِ والحَزْمِ وحُسْنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ والوُصُولِ إلى المَنصِبِ الَّذِي وصَلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا والدِّينِ والوُصُولِ إلى الرِّياسَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي انْقادَ لَها المُخالِفُ قَهْرًا والمُوافِقُ طَوْعًا لا يَجُوزُ وهو غَيْرُ واثِقٍ مِن جِهَةِ رَبِّهِ بِالوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ أنْ يَتَحَدّاهم بِأمْرٍ لا يَأْمَنُ عاقِبَةَ الحالِ فِيهِ ولا يَأْمَنُ مِن خَصْمِهِ أنْ يَقْهَرَهُ بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ لِأنَّ العاقِلَ الَّذِي لَمْ يُجَرِّبِ الأُمُورَ لا يَكادُ يَرْضى بِذَلِكَ فَكَيْفَ الحالُ في أعْقَلِ العُقَلاءِ فَيَثْبُتُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أقْدَمَ عَلى تَحْرِيرِ هَذِهِ الأدِلَّةِ إلّا وقَدْ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ.

وثالِثُها: ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا ورَأوْا مَقاعِدَهم مِنَ النّارِ ولَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُباهِلُونَ لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ أهْلًا ولا مالًا» “، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَشَرِقُوا بِهِ ولَماتُوا، وبِالجُمْلَةِ فالأخْبارُ الوارِدَةُ في أنَّهم ما تَمَنَّوْا بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ فَحَصَلَتِ الحُجَّةُ، فَهَذا آخِرُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الِاسْتِدْلالِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ فالمُرادُ الجَنَّةُ لِأنَّها هي المَطْلُوبَةُ مِن دارِ الآخِرَةِ دُونَ النّارِ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ المَكانَ بَلِ المَنزِلَةُ ولا بُعْدَ أيْضًا في حَمْلِهِ عَلى المَكانِ فَلَعَلَّ اليَهُودَ كانُوا مُشَبِّهَةً فاعْتَقَدُوا العِنْدِيَّةَ المَكانِيَّةَ فَأبْطَلَ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ بِالدَّلالَةِ الَّتِي ذَكَرَها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةً﴾ فَنُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ، أيْ سالِمَةً لَكم خاصَّةً بِكم لَيْسَ لِأحَدٍ سِواكم فِيها حَقٌّ، يَعْنِي إنْ صَحَّ قَوْلُكم لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى و(النّاسِ) لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ وهُمُ المُسْلِمُونَ والجِنْسُ أوْلى لِقَوْلِهِ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ولِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَهُنا مَعْهُودٌ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾ فالمُرادُ بِهِ سِوى لا مَعْنى المَكانِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن وُهِبَ مِنهُ مُلْكًا: هَذا لَكَ مِن دُونِ النّاسِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ١٧٥

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا أمْرٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ مَفْقُودٍ وهو كَوْنُهم صادِقِينَ فَلا يَكُونُ الأمْرُ مَوْجُودًا والغَرَضُ مِنهُ التَّحَدِّي وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في دَعْواهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّمَنِّي قَوْلانِ:

أحَدُهُما: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهم يَتَحَدَّوْا بِأنْ يَدْعُوَ الفَرِيقانِ بِالمَوْتِ عَلى أيِّ فَرِيقٍ كانَ أكْذَبَ.

والثّانِي: أنْ يَقُولُوا: لَيْتَنا نَمُوتُ وهَذا الثّانِي أوْلى لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ فَخَبَرٌ قاطِعٌ عَنْ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ وهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ لِأنَّ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي عَلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وسُهُولَةِ الإتْيانِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، أخْبَرَ بِأنَّهم لا يَأْتُونَ بِذَلِكَ، فَهَذا إخْبارٌ جازِمٌ عَنْ أمْرٍ قامَتِ الأماراتُ عَلى ضِدِّهِ فَلا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِ إلّا بِالوَحْيِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ فَهو غَيْبٌ آخَرُ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لا يُوجَدُ ولا في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ الآتِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ ولا شَكَّ أنَّ الإخْبارَ عَنْ عَدَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عُمُومِ الأوْقاتِ فَهُما غَيَبانِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ فَبَيانٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي لَها لا يَتَمَنَّوْنَ [ المَوْتَ ] لِأنَّهم إذا عَلِمُوا سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ وكَثْرَةَ ذُنُوبِهِمْ دَعاهم ذَلِكَ إلى أنْ لا يَتَمَنَّوُا المَوْتَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ فَهو كالزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ لِأنَّهُ إذا كانَ عالِمًا بِالسِّرِّ والنَّجْوى ولَمْ يُمْكِنْ إخْفاءُ شَيْءٍ عَنْهُ صارَ تَصَوُّرُ المُكَلَّفِ لِذَلِكَ مِن أعْظَمِ الصَّوارِفِ عَنِ المَعاصِي، وإنَّما ذَكَرَ الظّالِمِينَ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ ظالِمٌ ولَيْسَ كُلُّ ظالِمٍ كافِرًا فَلَمّا كانَ ذَلِكَ أعَمَّ كانَ أوْلى بِالذِّكْرِ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ وقالَ في سُورَةِ الجُمُعَةِ: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا﴾ [الجُمُعَةِ: ٧ ] فَلِمَ ذَكَرَ هَهُنا (لَنْ) وفي سُورَةِ الجُمُعَةِ ”لا“ ؟ قُلْنا: إنَّهم في هَذِهِ السُّورَةِ، ادَّعَوْا أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مَن دُونِ النّاسِ وادَّعَوْا في سُورَةِ الجُمُعَةِ أنَّهم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ واللَّهُ تَعالى أبْطَلَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ والدَّعْوى الأُولى أعْظَمُ مِنَ الثّانِيَةِ إذِ السَّعادَةُ القُصْوى هي الحُصُولُ في دارِ الثَّوابِ، وأمّا مَرْتَبَةُ الوَلايَةِ فَهي وإنْ كانَتْ شَرِيفَةً إلّا أنَّها إنَّما تُرادُ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى الجَنَّةِ فَلَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ الأوْلى أعْظَمَ لا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى فَسادَ قَوْلِهِمْ بِلَفْظِ: ”لَنْ“ لِأنَّهُ أقْوى الألْفاظِ النّافِيَةِ ولَمّا كانَتِ الدَّعْوى الثّانِيَةُ لَيْسَتْ في غايَةِ العَظَمَةِ لا جَرَمَ اكْتَفى في إبْطالِها بِلَفْظِ ”لا“ لِأنَّهُ لَيْسَ في نِهايَةِ القُوَّةِ في إفادَةِ مَعْنى النَّفْيِ واللَّهُ أعْلَمُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English