Ар-РазиАн‑Нур · 24:2

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Ан-Нур 24:2

24:2Страница 350

ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

Прелюбодейку и прелюбодея - каждого из них высеките сто раз. Пусть не овладевает вами жалость к ним ради религии Аллаха, если вы веруете в Аллаха и в Последний день. А свидетелями их наказания пусть будет группа верующих.

الحُكْمُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى

﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي﴾ رَفْعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ عَلى مَعْنى: فِيما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الزّانِيَةُ والزّانِي؛ أيْ: فاجْلِدُوهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (فاجْلِدُوا) وإنَّما دَخَلَتِ الفاءُ؛ لِكَوْنِ الألِفِ واللّامِ بِمَعْنى (الَّذِي) وتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، تَقْدِيرُهُ الَّتِي زَنَتْ والَّذِي زَنى فاجْلِدُوهُما، كَما تَقُولُ: مَن زَنا فاجْلِدُوهُ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وقُرِئَ ”والزّانِ“ بِلا ياءٍ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى نَوْعَيْنِ، أحَدُهُما: ما يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِيّاتِ. والثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالعَقْلِيّاتِ. ونَحْنُ نَأْتِي عَلى البابَيْنِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

النوع الأوَّلُ: الشَّرْعِيّاتُ، واعْلَمْ أنَّ الزِّنا حَرامٌ وهو مِنَ الكَبائِرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ.

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَهُ بِالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٨] وقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٣٢]،

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ المِائَةَ فِيها بِكَمالِها بِخِلافِ حَدِّ القَذْفِ وشُرْبِ الخَمْرِ، وشَرَعَ

صفحة ١١٥

فِيهِ الرَّجْمَ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ الرَّأْفَةِ وأمَرَ بِشُهُودِ الطّائِفَةِ لِلتَّشْهِيرِ، وأوْجَبَ كَوْنَ تِلْكَ الطّائِفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الفاسِقَ مِن صُلَحاءِ قَوْمِهِ أخْجَلُ.

وثالِثُها: ما رَوى حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«يا مَعْشَرَ النّاسِ اتَّقُوا الزِّنا فَإنَّ فِيهِ سِتَّ خِصالٍ؛ ثَلاثٌ في الدُّنْيا وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، أمّا الَّتِي في الدُّنْيا فَيُذْهِبُ البَهاءَ، ويُورِثُ الفَقْرَ، ويُنْقِصُ العُمْرَ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ فَسُخْطُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وسُوءُ الحِسابِ، وعَذابُ النّارِ» “ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ”قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: وأنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» “ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفُرْقانِ: ٦٨]، واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ البَحْثُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ أُمُورٍ.

أحَدُها: عَنْ ماهِيَّةِ الزِّنا.

وثانِيها: عَنْ أحْكامِ الزِّنا.

وثالِثُها: عَنِ الشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ في كَوْنِ الزِّنا مُوجِبًا لِتِلْكَ الأحْكامِ.

ورابِعُها: عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ حُصُولُ الزِّنا.

وخامِسُها: أنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْلِدُوهُمْ﴾ مَن هُمْ؟

وسادِسُها: أنَّ الرَّجْمَ والجَلْدَ المَأْمُورَ بِهِما في الزِّنا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُما؟

البَحْثُ الأوَّلُ: عَنْ ماهِيَّةِ الزِّنا؛ قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إيلاجِ فَرْجٍ في فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٌ قَطْعًا، وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ اللُّواطَةَ هَلْ يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ الزِّنا أمْ لا؟ فَقالَ قائِلُونَ: نَعَمْ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَما رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«إذا أتى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُما زانِيانِ» “ وأمّا المَعْنى فَهو أنَّ اللِّواطَ مِثْلُ الزِّنا صُورَةً ومَعْنًى. أمّا الصُّورَةُ فَلِأنَّ الزِّنا عِبارَةٌ عَنْ إيلاجِ فَرْجٍ في فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٌ قَطْعًا، والدُّبُرُ أيْضًا فَرْجٌ؛ لِأنَّ القُبُلَ إنَّما سُمِّيَ فَرَجًا لِما فِيهِ مِنَ الِانْفِراجِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ في الدُّبُرِ، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّ في العُرْفِ لا تُسَمّى اللُّواطَةُ زِنًا، ولَكِنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في أصْلِ اللُّغَةِ، كَما يُقالُ: هَذا طَبِيبٌ ولَيْسَ بِعالِمٍ مَعَ أنَّ الطِّبَّ عِلْمٌ، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّ الزِّنا قَضاءٌ لِلشَّهْوَةِ مِن مَحَلٍّ مُشْتَهًى طَبْعًا عَلى جِهَةِ الحَرامِ المَحْضِ، وهَذا مَوْجُودٌ في اللِّواطِ؛ لِأنَّ القُبُلَ والدُّبُرَ يُشْتَهَيانِ؛ لِأنَّهُما يَشْتَرِكانِ في المَعانِي الَّتِي هي مُتَعَلِّقُ الشَّهْوَةِ مِنَ الحَرارَةِ واللِّينِ وضِيقِ المَدْخَلِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ مَن يَقُولُ بِالطَّبائِعِ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ المَحَلَّيْنِ، وإنَّما المُفَرِّقُ هو الشَّرْعُ في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، فَهَذا حُجَّةُ مَن قالَ: اللِّواطُ داخِلٌ تَحْتَ اسْمِ الزِّنا. وأمّا الأكْثَرُونَ مِن أصْحابِنا فَقَدْ سَلَّمُوا أنَّ اللِّواطَ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ اسْمِ الزِّنا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: العُرْفُ المَشْهُورُ مِن أنَّ هَذا لِواطٌ ولَيْسَ بِزِنًا وبِالعَكْسِ، والأصْلُ عَدَمُ التَّغْيِيرِ.

وثانِيها: لَوْ حَلَفَ لا يَزْنِي فَلاطَ لا يَحْنَثُ. وثالِثُها: أنَّ الصَّحابَةَ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ اللِّواطِ وكانُوا عالِمِينَ بِاللُّغَةِ، فَلَوْ سُمِّيَ اللِّواطُ زِنًا لَأغْناهم نَصُّ الكِتابِ في حَدِّ الزِّنا عَنِ الِاخْتِلافِ والِاجْتِهادِ، وأمّا الحَدِيثُ فَهو مَحْمُولٌ عَلى الإثْمِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا أتَتِ المَرْأةُ المَرْأةَ فَهُما زانِيَتانِ» “ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«اليَدانِ تَزْنِيانِ والعَيْنانِ تَزْنِيانِ» “ وأمّا القِياسُ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الفَرْجَ وإنْ كانَ سُمِّيَ فَرْجًا لِما فِيهِ مِنَ الِانْفِراجِ، فَلا يَجِبُ أنْ يُسَمّى كُلُّ ما فِيهِ انْفِراجٌ بِالفَرْجِ، وإلّا لَكانَ الفَمُ والعَيْنُ فَرْجًا، وأيْضًا فَهم سَمَّوُا النَّجْمَ نَجْمًا لِظُهُورِهِ، ثُمَّ ما سَمَّوْا كُلَّ ظاهِرٍ نَجْمًا. وسَمَّوُا الجَنِينَ جَنِينًا لِاسْتِتارِهِ، وما سَمَّوْا كُلَّ مُسْتَتِرٍ جَنِينًا، واعْلَمْ أنَّ لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في فِعْلِ

صفحة ١١٦

اللِّواطِ قَوْلَيْنِ، أصَحُّهُما: عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنا، إنْ كانَ مُحْصَنًا يُرْجَمُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا يُجْلَدُ مِائَةً ويُغَرَّبُ عامًا.

وثانِيهِما: يُقْتَلُ الفاعِلُ والمَفْعُولُ بِهِ، سَواءٌ كانَ مُحْصَنًا أوْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» “ ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ أوْجُهٌ:

أحَدُها: تُحَزُّ رَقَبَتُهُ كالمُرْتَدِّ.

وثانِيها: يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وأحْمَدَ وإسْحاقَ.

وثالِثُها: يُهْدَمُ عَلَيْهِ جِدارٌ، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ورابِعُها: يُرْمى مِن شاهِقِ جَبَلٍ حَتّى يَمُوتَ، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ. وإنَّما ذَكَرُوا هَذِهِ الوُجُوهَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَذَّبَ قَوْمَ لُوطٍ بِكُلِّ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحِجْرِ: ٧٤]. وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يُحَدُّ اللِّواطِيُّ بَلْ يُعَذَّرُ، أمّا المَفْعُولُ بِهِ فَإنْ كانَ عاقِلًا بالِغًا طائِعًا، فَإنْ قُلْنا: عَلى الفاعِلِ القَتْلُ فَيُقْتَلُ المَفْعُولُ بِهِ عَلى صِفَةِ قَتْلِ الفاعِلِ؛ لِلْخَبَرِ، وإنْ قُلْنا: عَلى الفاعِلِ حَدُّ الزِّنا فَعَلى المَفْعُولِ بِهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ مُحْصَنًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ، وقِيلَ: إنْ كانَتِ امْرَأةً مُحْصَنَةً فَعَلَيْها الرَّجْمُ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّها لا تَصِيرُ مُحَصَنَةً بِالتَّمْكِينِ في الدُّبُرِ، فَلا يَلْزَمُها حَدُّ المُحْصَناتِ كَما لَوْ كانَ المَفْعُولُ بِهِ ذَكَرًا. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ اللِّواطَ إمّا أنْ يُساوِيَ الزِّنا في الماهِيَّةِ أوْ يُساوِيَهُ في لَوازِمِ هَذِهِ الماهِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ الحَدُّ. بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا أتى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُما زانِيانِ» “ فاللَّفْظُ دَلَّ عَلى كَوْنِ اللّائِطِ زانِيًا، واللَّفْظُ الدّالُّ بِالمُطابَقَةِ عَلى ماهِيَّةٍ دالٌّ بِالِالتِزامِ عَلى حُصُولِ جَمِيعِ لَوازِمِها، ودَلالَةُ المُطابَقَةِ والِالتِزامِ مُشْتَرِكانِ في أصْلِ الدَّلالَةِ، فاللَّفْظُ الدّالُّ عَلى حُصُولِ الزِّنا دالٌّ عَلى حُصُولِ جَمِيعِ اللَّوازِمِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا إنْ تَحَقَّقَ مُسَمّى الزِّنا في اللِّواطِ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مُسَمّى الزِّنا وجَبَ أنْ يَتَحَقَّقَ لَوازِمُ مُسَمّى الزِّنا لِما ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى تَحَقُّقِ ماهِيَّةٍ دالٌّ عَلى تَحَقُّقِ جَمِيعِ تِلْكَ اللَّوازِمِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ الماهِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في الدَّلالَةِ عَلى جَمِيعِ تِلْكَ اللَّوازِمِ، لَكِنَّ مِن لَوازِمِ الزِّنا وُجُوبَ الحَدِّ، فَوَجَبَ أنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ في اللِّواطِ. أكْثَرُ ما في البابِ أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا أتَتِ المَرْأةُ المَرْأةَ فَهُما زانِيَتانِ» “ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ العَمَلِ هُناكَ تَرْكُهُ هاهُنا.

الثّانِي: أنَّ اللّائِطَ يَجِبُ قَتْلُهُ فَوَجَبَ أنْ يُقْتَلَ رَجْمًا. بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوا الفاعِلَ مِنهُما والمَفْعُولَ بِهِ» “. وبَيانُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا وجَبَ قَتْلُهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ زانِيًا وإلّا لَما جازَ قَتْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا لِإحْدى ثَلاثٍ» “ وهاهُنا لَمْ يُوجَدْ كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، ولا قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدِ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ لَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ وُجِدَ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ وجَبَ الرَّجْمُ لِهَذا الحَدِيثِ.

الثّالِثُ: نَقِيسُ اللِّواطَ عَلى الزِّنا، والجامِعُ أنَّ الطَّبْعَ داعٍ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الِالتِذاذِ وهو قَبِيحٌ فَيُناسِبُ الزَّجْرَ، والحَدُّ يَصْلُحُ زاجِرًا عَنْهُ. قالُوا: والفَرْقُ مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ وُجِدَ في الزِّنا داعِيانِ، فَكانَ وُقُوعُهُ أكْثَرَ فَسادًا، فَكانَتِ الحاجَةُ إلى الزّاجِرِ أتَمَّ.

الثّانِي: أنَّ الزِّنا يَقْتَضِي فَسادَ الأنْسابِ. والجَوابُ: إلْغاؤُهُما بِوَطْءِ العَجُوزِ الشَّوْهاءِ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِوُجُوهٍ.

أحَدُها: اللِّواطُ لَيْسَ بِزِنًا عَلى ما تَقَدَّمَ، فَوَجَبَ أنْ لا

صفحة ١١٧

يُقْتَلَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا لِإحْدى ثَلاثٍ» “.

وثانِيها: أنَّ اللِّواطَ لا يُساوِي الزِّنا في الحاجَةِ إلى شَرْعِ الزّاجِرِ، ولا في الجِنايَةِ فَلا يُساوِيهِ في الحَدِّ. بَيانُ عَدَمِ المُساواةِ في الحاجَةِ أنَّ اللِّواطَ وإنْ كانَتْ يَرْغَبُ فِيها الفاعِلُ لَكِنْ لا يَرْغَبُ فِيها المَفْعُولُ طَبْعًا بِخِلافِ الزِّنا، فَإنَّ الدّاعِيَ حاصِلٌ مِنَ الجانِبَيْنِ، وأمّا عَدَمُ المُساواةِ في الجِنايَةِ فَلِأنَّ في الزِّنا إضاعَةَ النِّسَبِ ولا كَذَلِكَ اللِّواطُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ لا يُساوِيَهُ في العُقُوبَةِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ يَنْفِي شَرْعَ الحَدِّ لِكَوْنِهِ ضَرَرًا، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الزِّنا، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى في اللِّواطِ عَلى الأصْلِ.

وثالِثُها: أنَّ الحَدَّ كالبَدَلِ عَنِ المَهْرِ فَلَمّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِاللِّواطِ المَهْرُ فَكَذا الحَدُّ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ اللِّواطَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُساوِيًا لِلزِّنا في ماهِيَّتِهِ لَكِنَّهُ يُساوِيهِ في الأحْكامِ.

وعَنِ الثّانِي: أنَّ اللِّواطَ وإنْ كانَ لا يَرْغَبُ فِيهِ المَفْعُولُ بِهِ لَكَنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ اشْتِدادِ رَغْبَةِ الفاعِلِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ.

وعَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجامِعِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى حُرْمَةِ إتْيانِ البَهائِمِ. ولِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في عُقُوبَتِهِ أقْوالٌ.

أحَدُها: يَجِبُ بِهِ حَدُّ الزِّنا فَيُرْجَمُ المُحْصَنُ ويُجْلَدُ غَيْرُ المُحْصَنِ ويُغَرَّبُ.

والثّانِي: أنَّهُ يُقْتَلُ، مُحْصَنًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ. لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن أتى بَهِيمَةً فاقْتُلُوهُ واقْتُلُوها مَعَهُ“ فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما شَأْنُ البَهِيمَةِ؟ فَقالَ: ما أراهُ قالَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَرِهَ أنْ يُؤْكَلَ لَحْمُها وقَدْ عُمِلَ بِها ذَلِكَ العَمَلُ».

والقَوْلُ الثّالِثُ، وهو الأصَحُّ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ والثَّوْرِيِّ وأحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: أنَّ عَلَيْهِ التَّعْزِيزَ؛ لِأنَّ الحَدَّ شُرِعَ لِلزَّجْرِ عَمّا تَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ، وهَذا الفِعْلُ لا تَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ، وضَعَّفُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لِضَعْفِ إسْنادِهِ، وإنْ ثَبَتَ فَهو مُعارَضٌ بِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَهى عَنْ ذَبْحِ الحَيَوانِ إلّا لِأكْلِهِ.

المسألة الثّالِثَةُ: السَّحْقُ مِنَ النِّسْوانِ وإتْيانُ المَيْتَةِ والِاسْتِمْناءُ بِاليَدِ لا يُشْرَعُ فِيها إلّا التَّعْزِيزُ.

* * *

البَحْثُ الثّانِي: عَنْ أحْكامِ الزِّنا. واعْلَمْ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ عُقُوبَةُ الزّانِي الحَبْسُ إلى المَماتِ في حَقِّ الثَّيِّبِ، والأذى بِالكَلامِ في حَقِّ البِكْرِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ [النِّساءِ: ١٥، ١٦] ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فَجُعِلَ حَدُّ الزِّنا عَلى الثَّيِّبِ الرَّجْمَ، وحَدُّ البِكْرِ الجَلْدَ والتَّغْرِيبَ، ولْنَذْكُرْ هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ:

المسألة الأُولى: الخَوارِجُ أنْكَرُوا الرَّجْمَ واحْتَجُّوا فِيهِ بِوُجُوهٍ.

أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] فَلَوْ وجَبَ الرَّجْمُ عَلى المُحْصَنِ لَوَجَبَ نِصْفُ الرَّجْمِ عَلى الرَّقِيقِ، لَكِنَّ الرَّجْمَ لا نِصْفَ لَهُ.

وثانِيها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في القُرْآنِ أنْواعَ المَعاصِي مِنَ الكُفْرِ والقَتْلِ والسَّرِقَةِ، ولَمْ يَسْتَقْصِ في أحْكامِها كَما اسْتَقْصى في بَيانِ أحْكامِ الزِّنا، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى نَهى عَنِ الزِّنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [الإسْراءِ: ٣٢] ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَيْهِ ثانِيًا بِالنّارِ كَما في كُلِّ المَعاصِي، ثُمَّ ذَكَرَ الجَلْدَ ثالِثًا، ثُمَّ خَصَّ الجَلْدَ بِوُجُوبِ إحْضارِ المُؤْمِنِينَ رابِعًا، ثُمَّ خَصَّهُ بِالنَّهْيِ عَنِ الرَّأْفَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ خامِسًا، ثُمَّ أوْجَبَ عَلى مَن رَمى مُسْلِمًا بِالزِّنا ثَمانِينَ جَلْدَةً. وسادِسًا، لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عَلى مَن رَماهُ بِالقَتْلِ والكُفْرِ وهُما أعْظَمُ مِنهُ، ثم قال سابِعًا: ﴿ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النُّورِ: ٤]، ثُمَّ ذَكَرَ ثامِنًا مَن رَمى زَوْجَتَهُ بِما يُوجِبُ

صفحة ١١٨

التَّلاعُنَ واسْتِحْقاقَ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ تاسِعًا أنَّ ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ [النُّورِ: ٣]، ثُمَّ ذَكَرَ عاشِرًا أنَّ ثُبُوتَ الزِّنا مَخْصُوصٌ بِالشُّهُودِ الأرْبَعَةِ، فَمَعَ المُبالَغَةِ في اسْتِقْصاءِ أحْكامِ الزِّنا قَلِيلًا وكَثِيرًا لا يَجُوزُ إهْمالُ ما هو أجَلُّ أحْكامِها وأعْظَمُ آثارِها، ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّجْمَ لَوْ كانَ مَشْرُوعًا لَكانَ أعْظَمَ الآثارِ، فَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ الجَلْدِ عَلى كُلِّ الزُّناةِ، وإيجابُ الرَّجْمِ عَلى البَعْضِ بِخَبَرِ الواحِدِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الكِتابَ قاطِعٌ في مَتْنِهِ، وخَبَرُ الواحِدِ غَيْرُ قاطِعٍ في مَتْنِهِ، والمَقْطُوعُ راجِحٌ عَلى المَظْنُونِ.

واحْتَجَّ الجُمْهُورُ مِنَ المُجْتَهِدِينَ عَلى وُجُوبِ رَجْمِ المُحْصَنِ؛ بِما ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَلَ ذَلِكَ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: رَوى الرَّجْمَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وأبُو هُرَيْرَةَ وبُرَيْدَةُ الأسْلَمِيُّ وزَيْدُ بْنُ خالِدٍ، في آخَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ، وبَعْضُ هَؤُلاءِ الرُّواةِ رَوى خَبَرَ رَجْمِ ماعِزٍ، وبَعْضُهم خَبَرَ اللَّخْمِيَّةِ والغامِدِيَّةِ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”لَوْلا أنْ يَقُولَ النّاسُ زادَ عُمَرُ في كِتابِ اللَّهِ، لَأثْبَتُّهُ في المُصْحَفِ“.

والجَوابُ عَمّا احْتَجُّوا بِهِ أوَّلًا أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالجَلْدِ. فَإنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ. قُلْنا: بَلْ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ الرَّجْمَ مَنقُولٌ بِالتَّواتُرِ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَخْصِيصَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّهُ لا يُسْتَبْعَدُ تَجَدُّدُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَسَبِ تَجَدُّدُ المَصالِحِ، فَلَعَلَّ المَصْلَحَةَ الَّتِي تَقْتَضِي وُجُوبَ الرَّجْمِ حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ.

والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ أنَّهُ نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الجَلْدِ والرَّجْمِ، وهو اخْتِيارُ أحْمَدَ وإسْحاقَ وداوُدَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ.

أحَدُها: أنَّ عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الجَلْدِ، والخَبَرُ المُتَواتِرُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الرَّجْمِ، ولا مُنافاةَ، فَوَجَبَ الجَمْعُ.

وثانِيها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ» “

وثالِثُها: رَوى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ ”«أنَّ رَجُلًا زَنى بِامْرَأةٍ فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَجُلِدَ، ثُمَّ أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ كانَ مُحْصَنًا فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ» “.

ورابِعُها: رُوِيَ «أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَدَ شَراحَةَ الهَمْدانِيَّةَ ثُمَّ رَجَمَها وقالَ: جَلَدْتُها بِكِتابِ اللَّهِ ورَجَمْتُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .

واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُجْتَهِدِينَ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ المُحْصَنَ يُرْجَمُ ولا يُجْلَدُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ.

أحَدُها: قِصَّةُ العَسِيفِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«يا أُنَيْسُ اغْدُ إلى امْرَأةِ هَذا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» “ ولَمْ يَذْكُرِ الجَلْدَ، ولَوْ وجَبَ الجَلْدُ مَعَ الرَّجْمِ لَذَكَرَهُ.

وثانِيها: أنَّ قِصَّةَ ماعِزٍ رُوِيَتْ مِن جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ولَمْ يُذْكَرْ في شَيْءٍ مِنها مَعَ الرَّجْمِ جَلْدٌ، ولَوْ كانَ الجَلْدُ مُعْتَبَرًا مَعَ الرَّجْمِ لَجَلَدَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ جَلَدَهُ لَنُقِلَ كَما نُقِلَ الرَّجْمُ؛ إذْ لَيْسَ أحَدُهُما بِالنَّقْلِ أوْلى مِنَ الآخَرِ، وكَذا في قِصَّةِ الغامِدِيَّةِ حِينَ أقَرَّتْ بِالزِّنا فَرَجَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنْ وضَعَتْ ولَوْ جَلَدَها لَنُقِلَ ذَلِكَ.

وثالِثُها: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ حَتّى يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى، وقَدْ قَرَأْنا: الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَجَمْنا» بَعْدَهُ. فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى هو الرَّجْمُ، ولَوْ كانَ الجَلْدُ واجِبًا مَعَ الرَّجْمِ لَذَكَرَهُ. أمّا الجَوابُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ: فَهو أنَّها مَخْصُوصَةٌ في حَقِّ المُحْصَنِ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةِ ورَجْمٌ

صفحة ١١٩

بِالحِجارَةِ» “ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ قَوْلِهِ: ”«يا أُنَيْسُ اغْدُ إلى امْرَأةِ هَذا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» “ وأمّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَدَ امْرَأةً ثُمَّ رَجَمَها، فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَلِمَ إحْصانَها فَجَلَدَها، ثُمَّ لَمّا عَلِمَ إحْصانَها رَجَمَها، وهو الجَوابُ عَنْ فِعْلِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهَذا ما يُمْكِنُ مِنَ التَّكَلُّفِ في هَذِهِ الأجْوِبَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُجْمَعُ بَيْنَ الجَلْدِ والتَّغْرِيبِ في حَدِّ البِكْرِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُجْلَدُ، وأمّا التَّغْرِيبُ فَمُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ، وقالَ مالِكٌ: يُجْلَدُ الرَّجُلُ ويَغَرَّبُ، وتُجْلَدُ المَرْأةُ ولا تُغَرَّبُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدِيثُ عُبادَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ» “ ويَدُلُّ أيْضًا عَلَيْهِ ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وزَيْدُ بْنُ خالِدٍ: ”«أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِي كانَ عَسِيفًا عَلى هَذا وزَنى بِامْرَأتِهِ، فافْتَدَيْتُ مِنهُ بِوَلِيدَةٍ ومِائَةِ شاةٍ، ثُمَّ أخْبَرَنِي أهْلُ العِلْمِ أنَّ عَلى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وتَغْرِيبَ عامٍ، وأنَّ عَلى امْرَأةِ هَذا الرَّجْمَ، فاقْضِ بَيْنَنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ؛ أمّا الغَنَمُ والوَلِيدَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وأمّا ابْنُكَ فَإنَّ عَلَيْهِ جَلْدَ مِائَةٍ وتَغْرِيبَ عامٍ، ثم قال لِرَجُلٍ مِن أسْلَمَ: اغْدُ يا أُنَيْسُ إلى امْرَأةِ هَذا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» “ واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى نَفْيِ التَّغْرِيبِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ إيجابَ التَّغْرِيبِ يَقْتَضِي نَسْخَ الآيَةِ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ، وقَرَّرُوا النَّسْخَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.

الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ رَتَّبَ الجَلْدَ عَلى فِعْلِ الزِّنا بِالفاءِ، وحَرْفُ الفاءِ لِلْجَزاءِ إلّا أنَّ أئِمَّةَ اللُّغَةِ قالُوا: اليَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ ذِكْرُ شَرْطٍ وجَزاءٍ، وفَسَّرُوا الشَّرْطَ بِالَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ كَلِمَةُ إنَّ، والجَزاءَ بِالَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ الفاءِ، والجَزاءُ اسْمٌ لِما يَقَعُ بِهِ الكِفايَةُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ جازَيْناهُ؛ أيْ: كافَأْناهُ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تُجْزِيكَ ولا تُجْزِي أحَدًا بَعْدَكَ» “ أيْ: تَكْفِيكَ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ: اجْتَزْتُ الإبِلَ بِالعُشْبِ بِالماءِ، وإنَّما تَقَعُ الكِفايَةُ بِالجَلْدِ إذا لَمْ يَجِبْ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَإيجابُ شَيْءٍ آخَرَ يَقْتَضِي نَسْخَ كَوْنِهِ كافِيًا.

الثّانِي: أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ لَمّا كانَ هو الجَلْدَ فَقَدْ كانَ ذَلِكَ كَمالَ الحَدِّ، فَلَوْ جَعَلْنا النَّفْيَ مُعْتَبَرًا مَعَ الجَلْدِ لَكانَ الجَلْدُ بَعْضَ الحَدِّ لا كُلَّ الحَدِّ، فَيُفْضِي إلى نَسْخِ كَوْنِهِ كُلَّ الحَدِّ.

الثّالِثُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ الجَلْدِ كَمالَ الحَدِّ فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ رَدُّ الشَّهادَةِ، ولَوْ جَعَلْناهُ بَعْضَ الحَدِّ لَزالَ ذَلِكَ الحُكْمُ، فَثَبَتَ أنَّ إيجابَ التَّغْرِيبِ يَقْتَضِي نَسْخَ الآيَةِ.

ثانِيها: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: لَوْ كانَ النَّفْيُ مَشْرُوعًا مَعَ الجَلْدِ لَوَجَبَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ تِلاوَةِ الآيَةِ تَوْقِيفُ الصَّحابَةِ عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَعْتَقِدُوا عِنْدَ سَماعِ الآيَةِ أنَّ الجَلْدَ هو كَمالُ الحَدِّ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ اشْتِهارُهُ مِثْلَ اشْتِهارِ الآيَةِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ خَبَرُ النَّفْيِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ بَلْ كانَ وُرُودُهُ مِن طَرِيقِ الآحادِ، عُلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.

وثالِثُها: ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في الأمَةِ: ”«إذا زَنَتْ فاجْلِدُوها، فَإنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، فَإنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها ثُمَّ بِيعُوها ولَوْ بِطَفِيرٍ» “ وفي رِوايَةٍ أُخْرى: ”«فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولا تَثْرِيبَ عَلَيْهِ» “ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ النَّفْيُ ثابِتًا لَذَكَرَهُ مَعَ الجَلْدِ.

ورابِعُها: أنَّهُ إمّا أنْ يُشْرَعَ التَّغْرِيبُ في حَقِّ الأمَةِ أوْ لا يُشْرَعَ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ الإضْرارُ بِالسَّيِّدِ مِن غَيْرِ جِنايَةٍ صَدَرَتْ مِنهُ وهو غَيْرُ جائِزٍ؛ ولِأنَّهُ قالَ ﷺ: ”«بِيعُوها ولَوْ بَطَفِيرٍ» “ ولَوْ وجَبَ نَفْيُها لَما جازَ بَيْعُها؛ لِأنَّ المُكْنَةَ مِن تَسْلِيمِها إلى المُشْتَرِي لا تَبْقى بِالنَّفْيِ، ولا جائِزَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النِّساءِ: ٢٥].

صفحة ١٢٠

وخامِسُها: أنَّ التَّغْرِيبَ لَوْ كانَ مَشْرُوعًا في حَقِّ الرَّجُلِ لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا في حَقِّ المَرْأةِ أوْ لا يَكُونَ، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّ التَّساوِيَ في الجِنايَةِ قَدْ وُجِدَ في حَقِّهِما، وإنْ كانَ مَشْرُوعًا في حَقِّ المَرْأةِ فَإمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا في حَقِّها وحْدَها أوْ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ لِلنَّصِّ والمَعْقُولِ، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ أنْ تُسافِرَ مِن غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ» “ وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الشَّهْوَةَ غالِبَةٌ في النِّساءِ، والِانْزِجارُ بِالدِّينِ إنَّما يَكُونُ في الخَواصِّ مِنَ النّاسِ، فَإنَّ الغالِبَ لِعَدَمِ الزِّنا مِنَ النِّساءِ بِوُجُودِ الحُفّاظِ مِنَ الرِّجالِ، وحَيائِهِنَّ مِنَ الأقارِبِ. وبِالتَّغْرِيبِ تَخْرُجُ المَرْأةُ مِن أيْدِي القُرَباءِ والحُفّاظِ، ثُمَّ يَقِلُّ حَياؤُها لِبُعْدِها عَنْ مَعارِفِها، فَيَنْفَتِحُ عَلَيْها بابُ الزِّنا، فَرُبَّما كانَتْ فَقِيرَةً فَيَشْتَدُّ فَقْرُها في السَّفَرِ، فَيَصِيرُ مَجْمُوعُ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَتْحِ بابِ هَذِهِ الفاحِشَةِ العَظِيمَةِ عَلَيْها. ولا جائِزَ أنْ يُقالَ: إنّا نُغَرِّبُها مَعَ الزَّوْجِ أوِ المَحْرَمِ؛ لِأنَّ عُقُوبَةَ غَيْرِ الجانِي لا تَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنْعامِ: ١٦٤].

وسادِسُها: ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ غَرَّبَ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ في الخَمْرِ إلى خَيْبَرَ، فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ، فَقالَ عُمَرُ: لا أُغَرِّبُ بَعْدَها أحَدًا. ولَمْ يَسْتَثْنِ الزِّنا. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ في البِكْرَيْنِ إذا زَنَيا: يُجْلَدانِ ولا يُنْفَيانِ، وإنَّ نَفْيَهُما مِنَ الفِتْنَةِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ أمَةً لَهُ زَنَتْ فَجَلَدَها ولَمْ يَنْفِها، ولَوْ كانَ النَّفْيُ مُعْتَبَرًا في حَدِّ الزِّنا لَما خَفِيَ ذَلِكَ عَلى أكابِرِ الصَّحابَةِ.

وسابِعُها: ما رُوِيَ ”«أنَّ شَيْخًا وُجِدَ عَلى بَطْنِ جارِيَةٍ يَحْنَثُ بِها في خَرِبَةٍ، فَأُتِيَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: اجْلِدُوهُ مِائَةً. فَقِيلَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ مِن ذَلِكَ. فَقالَ: خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِها وخَلُّوا سَبِيلَهُ» “. ولَوْ كانَ النَّفْيُ واجِبًا لَنَفاهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَمْ يَنْفِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ ضَعِيفًا عاجِزًا عَنِ الحَرَكَةِ، قُلْنا: كانَ يَنْبَغِي أنْ يُكْتَرى لَهُ دابَّةٌ مِن بَيْتِ المالِ يُنْفى عَلَيْها. فَإنْ قِيلَ: كانَ عَسى يَضْعُفُ عَنِ الرُّكُوبِ، قُلْنا: مَن قَدَرَ عَلى الزِّنا كَيْفَ لا يَقْدِرُ عَلى الِاسْتِمْساكِ؟!

وثامِنُها: أنَّ التَّغْرِيبَ نَظِيرُ القَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٦] فَنَزَّلَهُما مَنزِلَةً واحِدَةً، فَإذا لَمْ يُشْرَعَ القَتْلُ في زِنا البِكْرِ وجَبَ أنْ لا يُشْرَعَ أيْضًا نَظِيرُهُ وهو التَّغْرِيبُ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَيْسَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى إلّا إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الأمْرِ بِالجَلْدِ، فَأمّا أنَّ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ هَذا الحَرْفُ فَإنَّهُ يُسَمّى جَزاءً، فَلَيْسَ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ ولا مِن كَلامِ رَسُولِهِ، بَلْ هو قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English