Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аш-Шуара 26:105–155
26:105–122Страница 371
كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٠٥
Народ Нуха (Ноя) счел лжецами посланников.
إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٠٦
Вот их брат Нух (Ной) сказал им: «Неужели вы не устрашитесь?
إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٠٧
Я являюсь посланником к вам, достойным доверия.
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٠٨
Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне.
وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٩
Я не прошу у вас за это вознаграждения, ибо вознаградит меня только Господь миров.
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١١٠
Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне».
۞ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ ١١١
Они сказали: «Неужели мы поверим тебе, если за тобой последовали самые жалкие люди?».
قَالَ وَمَا عِلۡمِي بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٢
Он сказал: «Не мне знать о том, что они совершают.
إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ ١١٣
Только мой Господь предъявит им счет, если бы вы только понимали.
وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٤
Я не стану прогонять верующих.
إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ١١٥
Я - всего лишь предостерегающий и разъясняющий увещеватель».
قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ ١١٦
Они сказали: «О Нух (Ной)! Если ты не прекратишь, то непременно окажешься одним из тех, кого побили камнями».
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧
Он сказал: «Господи! Мой народ счел меня лжецом.
فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨
Рассуди же нас окончательно и спаси меня и тех верующих, которые со мной».
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩
Мы спасли его и тех, кто был с ним, в переполненном ковчеге,
ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا بَعۡدُ ٱلۡبَاقِينَ ١٢٠
а потом потопили оставшихся.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٢١
Воистину, в этом - знамение, но большинство их не стали верующими.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢
Воистину, твой Господь - Могущественный, Милосердный.
القِصَّةُ الثّالِثَةُ قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? .
صفحة ١٣٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَصَّ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ خَبَرَ مُوسى وإبْراهِيمَ تَسْلِيَةً لَهُ فِيما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ قَصَّ عَلَيْهِ أيْضًا نَبَأ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ كانَ نَبَؤُهُ أعْظَمَ مِن نَبَأِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَدْعُوهم ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، ومَعَ ذَلِكَ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وإنَّما قالَ ”كَذَّبَتْ“ لِأنَّ القَوْمَ مُؤَنَّثٌ وتَصْغِيرُها قُوَيْمَةٌ، وإنَّما حَكى عَنْهم أنَّهم كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم وإنْ كَذَّبُوا نُوحًا لَكِنَّ تَكْذِيبَهُ في المَعْنى يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ طَرِيقَةَ مَعْرِفَةِ الرُّسُلِ لا تَخْتَلِفُ فَمِن حَيْثُ المَعْنى حَكى عَنْهم أنَّهم كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ.
وثانِيهِما: أنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَذَّبُوا بِجَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ تَعالى، إمّا لِأنَّهم كانُوا مِنَ الزَّنادِقَةِ أوْ مِنَ البَراهِمَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أخُوهُمْ﴾ فَلِأنَّهُ كانَ مِنهم، مِن قَوْلِ العَرَبِ يا أخا بَنِي تَمِيمٍ يُرِيدُونَ يا واحِدًا مِنهم، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أوَّلًا خَوَّفَهم، وثانِيًا أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ، أمّا التَّخْوِيفُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ إنَّما قَبِلُوا تِلْكَ الأدْيانَ لِلتَّقْلِيدِ والمُقَلِّدُ إذا خُوِّفَ خافَ، وما لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ في قَلْبِهِ لا يَشْتَغِلُ بِالِاسْتِدْلالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ عَلى جَمِيعِ كَلِماتِهِ قَوْلَهُ: ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ . وأمّا وصْفُهُ نَفْسَهُ فَذاكَ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَشْهُورًا بِالأمانَةِ كَمُحَمَّدٍ ﷺ في قُرَيْشٍ فَكَأنَّهُ قالَ: كُنْتُ أمِينًا مِن قَبْلُ، فَكَيْفَ تَتَّهِمُونِي اليَوْمَ ؟
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ عَلى ما أنا فِيهِ مِنَ ادِّعاءِ الرِّسالَةِ لِئَلّا يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ دَعاهم لِلرَّغْبَةِ، فَإنْ قِيلَ: ولِماذا كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى ؟ جَوابُهُ: لِأنَّهُ في الأوَّلِ أرادَ ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ مُخالَفَتِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ، وفي الثّانِي: ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ مُخالَفَتِي ولَسْتُ آخُذُ مِنكم أجْرًا فَهو في المَعْنى مُخْتَلِفٌ ولا تَكْرارَ فِيهِ، وقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ألا تَتَّقِي اللَّهَ في عُقُوقِي وقَدْ رَبَّيْتُكُ صَغِيرًا ! ألا تَتَّقِي اللَّهَ في عُقُوقِي وقَدْ عَلَّمْتُكَ كَبِيرًا، وإنَّما قَدَّمَ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِطاعَتِهِ، لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ عِلَّةٌ لِطاعَتِهِ فَقَدَّمَ العِلَّةَ عَلى المَعْلُولِ، ثُمَّ إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ أجابُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ .
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”وأتْباعُكَ الأرْذَلُونَ“ جَمْعُ تابِعٍ كَشاهِدٍ وأشْهادٍ أوْ جَمْعُ تَبَعٍ كَبَطَلٍ وأبْطالٍ
صفحة ١٣٤
والواوُ لِلْحالِ وحَقُّها أنْ يُضْمَرَ بَعْدَها قَدْ في ﴿واتَّبَعَكَ﴾ وقَدْ جُمِعَ أرْذالٌ عَلى الصِّحَّةِ وعَلى التَّكْسِيرِ في قَوْلِهِمْ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] والرَّذالَةُ الخِسَّةُ، وإنَّما اسْتَرْذَلُوهم لِاتِّضاعِ نَسَبِهِمْ وقِلَّةِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا، وقِيلَ: كانُوا مِن أهْلِ الصِّناعاتِ الخَسِيسَةِ كالحِياكَةِ والحِجامَةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ في نِهايَةِ الرَّكاكَةِ، لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى الخَلْقِ كافَّةً، فَلا يَخْتَلِفُ الحالُ في ذَلِكَ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغِنى وشَرَفِ المَكاسِبِ ودَناءَتِها، فَأجابَهم نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَوابِ الحَقِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم نَسَبُوهم مَعَ ذَلِكَ إلى أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما آمَنُوا بِالهَوى والطَّمَعِ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] ثم قال: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ مَعْناهُ لا نَعْتَبِرُ إلّا الظّاهِرَ مِن أمْرِهِمْ دُونَ ما يَخْفى، ولَمّا قالَ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ وكانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ثم قال: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ القَوْمَ سَألُوهُ إبْعادَهم لِكَيْ يَتَّبِعُوهُ أوْ لِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى ذَلِكَ، فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِي يَمْنَعُهُ عَنْ طَرْدِهِمْ أنَّهم آمَنُوا بِهِ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ غَرَضَهُ بِما حَمَلَ مِنَ الرِّسالَةِ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ والمُرادُ إنِّي أُخَوِّفُ مَن كَذَّبَنِي ولَمْ يَقْبَلْ مِنِّي، فَمَن قَبِلَ فَهو القَرِيبُ، ومَن رَدَّ فَهو البَعِيدُ، ثُمَّ إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَمَّمَ هَذا الجَوابَ لَمْ يَكُنْ مِنهم إلّا التَّهْدِيدُ، فَقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهم خَوَّفُوهُ بِأنْ يُقْتَلَ بِالحِجارَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَصَلَ اليَأْسُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فَلاحِهِمْ، وقالَ: ﴿رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾ ولَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى بِالتَّكْذِيبِ لِعِلْمِهِ أنَّ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أعْلَمُ، ولَكِنَّهُ أرادَ: إنِّي لا أدْعُوكَ عَلَيْهِمْ لَمّا آذَوْنِي، وإنَّما أدْعُوكَ لِأجْلِكَ ولِأجَلِ دَيْنِكَ ولِأنَّهم كَذَّبُونِي في وحْيِكِ ورِسالَتِكَ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهُمْ﴾ أيْ فاحْكم بَيْنِي وبَيْنَهم، والفَتاحَةُ الحُكُومَةَ، والفَتّاحُ الحاكِمُ لِأنَّهُ يَفْتَحُ المُسْتَغْلَقَ، والمُرادُ مِن هَذا الحُكْمِ إنْزالُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ قالَ عَقِبَهُ: ﴿ونَجِّنِي﴾ ولَوْلا أنَّ المُرادَ إنْزالُ العُقُوبَةِ لَما كانَ لِذِكْرِ النَّجاةِ بَعْدَهُ مَعْنًى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قِصَّتِهِ مَشْرُوحًا في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ.
ثم قال تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفُلْكُ السَّفِينَةُ وجَمْعُهُ فَلَكٌ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] فالواحِدُ بِوَزْنِ قُفْلٍ والجَمْعُ بِوَزْنِ أسَدٍ والمَشْحُونُ المَمْلُوءُ يُقالُ: شَحَنَها عَلَيْهِمْ خَيْلًا ورِجالًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِينَ نَجَوْا مَعَهُ كانَ فِيهِمْ كَثْرَةٌ، وأنَّ الفُلْكَ امْتَلَأ بِهِمْ وبِما صَحِبَهم، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ أنْ أنْجاهم أغْرَقَ الباقِينَ وأنَّ إغْراقَهُ لَهم كانَ كالمُتَأخِّرِ عَنْ نَجاتِهِمْ.
26:123–155Страница 372
كَذَّبَتۡ عَادٌ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣
Адиты сочли лжецами посланников.
إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤
Вот их брат Худ сказал им: «Неужели вы не устрашитесь?
إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٢٥
Я являюсь посланником к вам, достойным доверия.
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٢٦
Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне.
وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٧
Я не прошу у вас за это вознаграждения, ибо вознаградит меня только Господь миров.
أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ ١٢٨
Неужели вы будете понапрасну возводить на каждом холме по примете (по высокому строению),
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ ١٢٩
строить замки (или водохранилища), словно вы будете жить вечно,
وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ ١٣٠
и хватать людей, подобно деспотичным тиранам?
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٣١
Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне.
وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ ١٣٢
Бойтесь Того, Кто помог вам тем, что вам известно.
أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ ١٣٣
Он помог вам домашней скотиной и сыновьями,
وَجَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٣٤
садами и источниками.
إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣٥
Я боюсь того, что вас постигнут мучения в Великий день».
قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَوَعَظۡتَ أَمۡ لَمۡ تَكُن مِّنَ ٱلۡوَٰعِظِينَ ١٣٦
Они сказали: «Нам все равно, будешь ты увещевать или же не будешь в числе тех, которые увещевают.
إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣٧
Это - всего лишь обычаи (или измышления) первых поколений,
وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨
и мы не будем наказаны».
فَكَذَّبُوهُ فَأَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩
Они сочли его лжецом, а Мы погубили их. Воистину, в этом - знамение, но большинство их не стали верующими.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٤٠
Воистину, твой Господь - Могущественный, Милосердный.
كَذَّبَتۡ ثَمُودُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٤١
Самудяне сочли лжецами посланников.
إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٤٢
Вот их брат Салих сказал им: «Неужели вы не устрашитесь?
إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٤٣
Я являюсь посланником к вам, достойным доверия.
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٤٤
Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне.
وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٥
Я не прошу у вас за это вознаграждения, ибо вознаградит меня только Господь миров.
أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦
Неужели вы будете оставлены в безопасности среди того, что есть здесь,
فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ١٤٧
среди садов и источников,
وَزُرُوعٖ وَنَخۡلٖ طَلۡعُهَا هَضِيمٞ ١٤٨
среди посевов и финиковых пальм с нежными плодами,
وَتَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا فَٰرِهِينَ ١٤٩
и будете искусно (или горделиво) высекать в горах жилища?
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٥٠
Бойтесь же Аллаха и повинуйтесь мне,
وَلَا تُطِيعُوٓاْ أَمۡرَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٥١
и не слушайтесь повелений тех, кто излишествует,
ٱلَّذِينَ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ١٥٢
кто распространяет на земле нечестие и ничего не улучшает».
قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٥٣
Они сказали: «Ты - всего лишь один из околдованных.
مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا فَأۡتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٥٤
Ты - всего лишь такой же человек, как и мы. Покажи нам знамение, если ты - один из тех, кто говорит правду».
قَالَ هَٰذِهِۦ نَاقَةٞ لَّهَا شِرۡبٞ وَلَكُمۡ شِرۡبُ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ١٥٥
Он сказал: «Вот верблюдица! Она должна пить, и вы должны пить по определенным дням.
القِصَّةُ الرّابِعَةُ: قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ١٣٥
﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فاتِحَةَ هَذِهِ القِصَّةِ وفاتِحَةَ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واحِدَةٌ فَلا فائِدَةَ في إعادَةِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم وهي ثَلاثَةٌ:
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قُرِئَ ”بِكُلِّ رِيعٍ“ بِالكَسْرِ والفَتْحِ وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ ؟ وهو ارْتِفاعُها، والآيَةُ العَلَمُ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ عَلَمًا يَعْبَثُونَ فِيهِ بِمَن يَمُرُّ في الطَّرِيقِ إلى هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَبْنُونَ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُعْرَفَ بِذَلِكَ غِناهم تَفاخُرًا فَنُهُوا عَنْهُ ونُسِبُوا إلى العَبَثِ.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا مِمَّنْ يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ في أسْفارِهِمْ فاتَّخَذُوا في طَرِيقِهِمْ أعْلامًا طِوالًا فَكانَ ذَلِكَ عَبَثًا لِأنَّهم كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْها بِالنُّجُومِ.
الرّابِعُ: بَنَوْا بِكُلِّ رِيعٍ بُرُوجَ الحَمامِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ المَصانِعُ مَآخِذُ الماءِ، وقِيلَ القُصُورُ المُشَيَّدَةُ والحُصُونُ ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ تَرْجُونَ الخُلْدَ في الدُّنْيا أوْ يُشْبِهُ حالُكم حالَ مَن يَخْلُدُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”كَأنَّكم“، وقُرِئَ ”تُخْلَدُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا، واعْلَمْ أنَّ الأوَّلَ إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ إمّا عَلى السَّرَفِ، أوْ عَلى الخُيَلاءِ.
والثّانِي: إنَّما صارَ مَذْمُومًا لِدَلالَتِهِ عَلى الأمَلِ الطَّوِيلِ والغَفْلَةِ عَنْ أنَّ الدُّنْيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مَقَرٍّ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ بَيَّنَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ السَّرَفِ والحِرْصِ فَإنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ غَيْرِهِمْ مُعامَلَةُ الجَبّارِينَ، وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ هَذا الوَصْفَ في العِبادِ ذَمٌّ وإنْ كانَ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى مَدْحًا فَكَأنَّ مَن يُقْدِمُ عَلى الغَيْرِ لا عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ولَكِنْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْلاءِ يُوصَفُ بِأنَّ بَطْشَهُ بَطْشُ جَبّارٍ، وحاصِلُ الأمْرِ في هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ أنَّ اتِّخاذَ الأبْنِيَةِ العالِيَةِ، يَدُلُّ عَلى حُبِّ العُلُوِّ، واتِّخاذُ المَصانِعِ يَدُلُّ عَلى حُبِّ البَقاءِ، والجَبّارِيَّةُ تَدُلُّ عَلى حُبِّ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ، فَيَرْجِعُ الحاصِلُ إلى أنَّهم أحَبُّوا العُلُوَّ وبَقاءَ العُلُوِّ والتَّفَرُّدَ بِالعُلُوِّ. وهَذِهِ صِفاتُ الإلَهِيَّةِ، وهي مُمْتَنِعَةُ الحُصُولِ لِلْعَبْدِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ اسْتَغْرَقُوا فِيهِ
صفحة ١٣٦
وخَرَجُوا عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وحامُوا حَوْلَ ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وعُنْوانُ كُلِّ كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأشْياءَ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ زِيادَةً في دُعائِهِمْ إلى الآخِرَةِ وزَجْرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا والِاشْتِغالِ بِالسَّرَفِ والحِرْصِ والتَّجَبُّرِ، ثُمَّ وصَلَ بِهَذا الوَعْظِ ما يُؤَكِّدُ القَبُولَ وهو التَّنْبِيهُ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإجْمالِ أوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلِ ثانِيًا فَأيْقَظَهم عَنْ سِنَةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْها حَيْثُ قالَ: ﴿أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَصَّلَها مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَبَلَغَ في دُعائِهِمْ بِالوَعْظِ والتَّرْغِيبِ والتَّخْوِيفِ والبَيانِ النِّهايَةَ فَكانَ جَوابُهم ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أظْهَرُوا قِلَّةَ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ، واسْتِخْفافَهم بِما أوْرَدَهُ فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَعِظْ كانَ أخْصَرَ والمَعْنى واحِدٌ.
جَوابُهُ: لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهِمْ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِكَ أمْ لَمْ تَعِظْ، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِكَلامِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ فَمَن قَرَأ (? خَلْقُ الأوَّلِينَ ) بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ، وتَخَرُّصُهم كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ ما خَلْقُنا هَذا إلّا خَلْقُ القُرُونِ الخالِيَةِ نَحْيا كَحَياتِهِمْ ونَمُوتُ كَمَماتِهِمْ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، ومَن قَرَأ ”خُلُقُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِواحِدَةٍ، فَمَعْناهُ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ، وعادَتُهم كانُوا بِهِ يَدِينُونَ ونَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ إلّا عادَةٌ لَمْ يَزَلْ عَلَيْها النّاسُ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، أوْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنَ الكَذِبِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ كانُوا يُلَفِّقُونَ مِثْلَهُ ويَسْطُرُونَهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أظْهَرُوا بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ نُفُوسِهِمْ فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن إنْكارِ المَعادِ، فَعِنْدَ هَذا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَهم، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الهَلاكِ في سائِرِ السُّوَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии