Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Ан-Намль 27:45–61
27:45–59Страница 381
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ ٤٥
Мы послали к самудянам их брата Салиха, чтобы они поклонялись Аллаху, но они стали двумя препирающимися группами.
قَالَ يَٰقَوۡمِ لِمَ تَسۡتَعۡجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِۖ لَوۡلَا تَسۡتَغۡفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٦
Он сказал: «О мой народ! Почему вы торопите зло прежде добра? Почему вы не просите у Аллаха прощения? Быть может, вы будете помилованы».
قَالُواْ ٱطَّيَّرۡنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَۚ قَالَ طَٰٓئِرُكُمۡ عِندَ ٱللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ ٤٧
Они сказали: «Мы видим дурное предзнаменование в тебе и тех, кто с тобой». Он сказал: «Ваше дурное предзнаменование - у Аллаха, но вы являетесь народом, который подвергают искушению».
وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ٤٨
В городе было девять человек, которые распространяли на земле нечестие и ничего не улучшали.
قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدۡنَا مَهۡلِكَ أَهۡلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٤٩
Они сказали: «Поклянитесь друг другу Аллахом, что ночью мы обязательно нападем на Салиха и его семью, а потом скажем его близкому родственнику, что мы не присутствовали при убийстве его семьи и что мы говорим правду».
وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٠
Они замыслили хитрость, и Мы замыслили хитрость, но они не ощущали этого.
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥١
Посмотри же, каким был конец их хитрости! Мы уничтожили их вместе со всем их народом.
فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥٢
Вот их дома, разрушенные за то, что они поступали несправедливо. Воистину, в этом - знамения для людей знающих.
وَأَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٣
А тех, которые уверовали и были богобоязненны, Мы спасли.
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٥٤
Вот Лут (Лот) сказал своему народу: «Неужели вы будете совершать мерзость, видя это?
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ٥٥
Неужели вы будете приходить с вожделением к мужчинам вместо женщин? О нет! Вы - невежественный народ!».
۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٥٦
В ответ его народ смог лишь сказать: «Прогоните семью Лута (Лота) из вашего селения. Воистину, эти люди хотят очиститься».
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَٰهَا مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٥٧
Мы спасли его вместе с его семьей, кроме его жены. Мы предопределили ей оказаться в числе оставшихся позади.
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٥٨
Мы пролили на них дождь. Как же пагубен дождь тех, кого предостерегали!
قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ ٥٩
Скажи: «Хвала Аллаху, и мир Его избранным рабам! Аллах лучше или те, кого вы приобщаете в сотоварищи?».
صفحة ١٧٣
القِصَّةُ الثّالِثَةُ: قِصَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قُرِئَ (أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ ) بِالضَّمِّ عَلى اتْباعِ النُّونِ الباءَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ.
الثّانِي: المُرادُ قَوْمُ صالِحٍ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم أحَدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما آمَنُوا لِأنَّهم نَظَرُوا في حُجَّتِهِ فَعَرَفُوا صِحَّتَها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خَصْمًا لِمَن لَمْ يَقْبَلْها، وإذا كانَ هَذا الِاخْتِصامُ في بابِ الدِّينِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِدالَ في بابِ الدِّينِ حَقٌّ وفِيهِ إبْطالُ التَّقْلِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الحِجاجُ تَوَعَّدَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَذابِ، فَقالُوا: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، فَعِنْدَهُ قالَ صالِحٌ: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَكَّنَكم مِنَ التَّوَصُّلِ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ، فَلِماذا تَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى اسْتِعْجالِ عَذابِهِ ؟
وثانِيهِما: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِجَهْلِهِمْ: إنَّ العُقُوبَةَ الَّتِي يَعِدُها صالِحٌ إنْ وقَعَتْ عَلى زَعْمِهِ أتَيْنا حِينَئِذٍ واسْتَغْفَرْنا، فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَنا ويَدْفَعُ العَذابَ عَنّا، فَخاطَبَهم صالَحٌ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ، وقالَ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنَ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ.
صفحة ١٧٤
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ العِقابُ وبِالحَسَنَةِ الثَّوابُ، فَأمّا وصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ فَهو مَجازٌ وسَبَبُ هَذا التَّجْوِيزِ، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وأمّا وصْفُ الرَّحْمَةِ بِأنَّها حَسَنَةٌ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَجازٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، ثُمَّ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ أجابُوهُ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وهو قَوْلُهم: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ أيْ تَشاءَمْنا بِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصِيبُنا مِن شِدَّةٍ وقَحْطٍ فَهو بِشُؤْمِكَ وبِشُؤْمِ مَن مَعَكَ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُسافِرًا فَيَمُرُّ بِطائِرٍ فَيَزْجُرُهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيَمَّنَ، وإنْ مَرَّ بارِحًا تَشاءَمَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ وهو قَدَرُ اللَّهِ وقِسْمَتُهُ، فَأجابَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ السَّبَبُ الَّذِي مِنهُ يَجِيءُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللَّهِ، وهو قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، إنْ شاءَ رَزَقَكم وإنْ شاءَ حَرَمَكم. وقِيلَ: بَلِ المُرادُ إنَّ جَزاءَ الطِّيَرَةِ مِنكم عِنْدَ اللَّهِ وهو العِقابُ، والأقْرَبُ الوجه الأوَّلُ؛ لِأنَّ القَوْمَ أشارُوا إلى الأمْرِ الحاصِلِ فَيَجِبُ في جَوابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا جَهْلٌ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ غَيْرَهم دَعاهم إلى هَذا القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الشَّيْطانَ يَفْتِنُكم بِوَسْوَسَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةَ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ لا الواحِدُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَمْزِجُونَ ذَلِكَ الفَسادَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاحِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما هَمُّوا بِهِ مِن أمْرِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا أوْ خَبَرًا في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ قالُوا مُتَقاسِمِينَ، والبَياتُ مُتابَعَةُ العَدُوِّ لَيْلًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ يَعْنِي لَوِ اتَّهَمَنا قَوْمُهُ حَلَفْنا لَهم أنّا لَمْ نَحْضُرْ. وقُرِئَ (مَهْلَكَ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ وكَسْرِها مِن هَلَكَ، ومُهْلَكٌ بِضَمِّ المِيمِ مِن أهْلَكَ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ والمَكانُ والزَّمانُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في مَكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، شُبِّهَ بِمَكْرِ الماكِرِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا إلى ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ، ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ، وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهم، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً فَطَبِقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَهَلَكُوا وهَلَكَ الباقُونَ بِالصَّيْحَةِ.
وثانِيها: جاءُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ مِلْءَ دارِ صالِحٍ فَدَمَغُوهم بِالحِجارَةِ، يَرَوْنَ الأحْجارَ ولا يَرَوْنَ رامِيًا.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ صالِحًا بِمَكْرِهِمْ فَتَحَرَّزَ عَنْهم فَذاكَ مَكْرُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ رَفَعَهُ بَدَلًا مِنَ العاقِبَةِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي تُدَمِّرُهم، أوْ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى لِأنّا، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، أيْ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمُ الدَّمارَ.
صفحة ١٧٥
أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةً﴾ فَهو حالٌ عَمِلَ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ تِلْكَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (خاوِيَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القِصَّةُ الرّابِعَةُ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ الُسَّلامُ ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أم مّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: واذْكُرْ لُوطًا، أوْ أرْسَلَنا لُوطًا بِدَلالَةِ: ولَقَدْ أرْسَلْنا عَلَيْهِ، وإذْ بَدَلٌ عَلى الأوَّلِ، ظَرْفٌ عَلى الثّانِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَهو عَلى وجْهِ التَّنْكِيرِ، وإنْ كانَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ورُبَّما كانَ التَّوْبِيخُ بِمِثْلِ هَذا اللَّفْظِ أبْلَغَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ، ولا يَتَكاتَمُونَ، وذَلِكَ أحَدُ ما لِأجْلِهِ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنهم، فَذَكَرَ في تَوْبِيخِهِ لَهم ما لَهُ عَظُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بَصَرُ القَلْبِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ الذَّكَرَ لِلذَّكَرِ، فَهي مُضادَّةٌ لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ.
وثالِثُها: تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكم وما نَزَلَ بِهِمْ، فَإنْ قُلْتَ: فَسَّرْتَ تُبْصِرُونَ بِالعِلْمِ وبَعْدَهُ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ عُلَماءَ وجُهَلاءَ ؟ قُلْتُ: أرادَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِأنَّها فاحِشَةٌ مَعَ عِلْمِكم بِذَلِكَ، أوْ تَجْهَلُونَ العاقِبَةَ أوْ أرادَ بِالجَهْلِ السَّفاهَةَ والمَجانَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ جَهْلَهم بِأنْ حَكى عَنْهم أنَّهم أجابُوا عَنْ هَذا الكَلامِ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُ فَقالَ:
صفحة ١٧٦
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فَجَعَلُوا الَّذِي لِأجْلِهِ يُخْرَجُونَ أنَّهم يَتَطَهَّرُونَ مِن هَذا الصَّنِيعِ الفاحِشِ، وهَذا يُوجِبُ تَنْعِيمَهم وتَعْظِيمَهم أوْلى، لَكِنْ في المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الهُزُءِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ نَجّاهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ وأهْلَكَ الباقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ القَصَصِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
القَوْلُ في خِطابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ القَصَصِ، والمَعْنى: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إهْلاكِهِمْ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى بِأنْ أرْسَلَهم ونَجّاهُمُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كالمُخالِفِ لِمَن قَبْلَهُ في أمْرِ العَذابِ؛ لِأنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُرْتَفِعٌ عَنْ قَوْمِهِ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ عَلى ما خَصَّهُ بِهَذِهِ النِّعَمِ، وبِأنْ يُسَلِّمَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ فَهو تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهَكُّمٌ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ: أنَّهم آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يُؤْثِرُ عاقِلٌ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِزِيادَةِ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ، فَقِيلَ لَهم هَذا الكَلامُ تَنْبِيهًا عَلى نِهايَةِ ضَلالِهِمْ وجَهْلِهِمْ. وقُرِئَ (يُشْرِكُونَ) بِالياءِ والتّاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: ”«بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ» “ .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِدَّةِ فُصُولٍ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَدارُ هَذا الفَصْلِ عَلى بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الخالِقُ لِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ ما لا مَنفَعَةَ مِنهُ البَتَّةَ ؟ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنْواعًا:
27:60Страница 382
أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ ٦٠
Кто создал небеса и землю и ниспослал вам с неба воду? Посредством нее Мы взрастили прекрасные сады. Вы не смогли бы взрастить деревья в них. Так есть ли бог, кроме Аллаха? Нет, но они являются людьми, которые уклоняются от истины (или равняют с Аллахом вымышленных богов).
النوع الأوَّلُ - ما يَتَعَلَّقُ بِالسَّماواتِ
﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفَرْقُ بَيْنَ أمْ وأمْ في ﴿أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ و﴿أمَّنْ خَلَقَ﴾ أنَّ الأُولى مُتَّصِلَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى أيُّهُما خَيْرٌ، وهَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ، والحَدِيقَةُ: البُسْتانُ عَلَيْهِ سُورٌ مِنَ الإحْداقِ وهو الإحاطَةُ، وقِيلَ: (ذاتَ) لِأنَّ المَعْنى جَماعَةُ حَدائِقِ ذاتِ بَهْجَةٍ، كَما يُقالُ: النِّساءُ ذَهَبَتْ، والبَهْجَةُ الحُسْنُ؛ لِأنَّ النّاظِرَ يَبْتَهِجُ بِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ﴾ أغَيْرُهُ يُقْرَنُ بِهِ ويُجْعَلُ شَرِيكًا لَهُ، وقُرِئَ (أإلَهًا مَعَ اللَّهِ) بِمَعْنى تَدْعُونَ أوْ تُشْرِكُونَ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ الَّذِي اخْتَصَّ بِأنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ، وجَعَلَ السَّماءَ مَكانًا لِلْماءِ، والأرْضَ لِلنَّباتِ، وذَكَرَ أعْظَمَ النِّعَمِ وهي الحَدائِقُ ذاتُ البَهْجَةِ، ونَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ هَذا الإنْباتَ في الحَدائِقِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ أحَدَنا لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَما احْتاجَ إلى غَرْسٍ ومُصابَرَةٍ عَلى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، وإذا كانَ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِهَذا الإنْعامِ وجَبَ أنْ يُخَصَّ بِالعِبادَةِ، ثم قال: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ وقَدِ
صفحة ١٧٧
اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: يَعْدِلُونَ عَنْ هَذا الحَقِّ الظّاهِرِ، وقِيلَ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ سِواهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ أوَّلُ سُورَةِ الأنْعامِ.
المسألة الثّالِثَةُ: يُقالُ ما حِكْمَةُ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ ؟ جَوابُهُ: أنَّهُ لا شُبْهَةَ لِلْعاقِلِ في أنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ ومُنْزِلَ الماءَ مِنَ السَّماءِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، ورُبَّما عَرَضَتِ الشُّبْهَةُ في أنَّ مُنْبِتَ الشَّجَرَةَ هو الإنْسانُ، فَإنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: أنا الَّذِي أُلْقِي البَذْرَ في الأرْضِ الحَرَّةِ، وأُسْقِيها الماءَ، وأسْعى في تَشْمِيسِها، وفاعِلُ السَّبَبِ فاعِلٌ لِلْمُسَبَّبِ، فَإذَنْ أنا المُنْبِتُ لِلشَّجَرَةِ، فَلَمّا كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا، لا جَرَمَ أزالَ هَذا الِاحْتِمالَ، فَرَجَعَ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وقالَ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَأْتِي بِالبَذْرِ، والسَّقْيِ، والكَرَبِ، والتَّشْمِيسِ، ثُمَّ لا يَأْتِي عَلى وِفْقِ مُرادِهِ، والَّذِي يَقَعُ عَلى وِفْقِ مُرادِهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ جاهِلًا بِطَبْعِهِ ومِقْدارِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا لَها ؟ فَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ حَسُنَ الِالتِفاتُ هَهُنا.
27:61Страница 382
أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١
Кто сделал землю жилищем, проложил по ее расщелинам реки, воздвиг на ней незыблемые горы и установил преграду между морями? Есть ли бог, кроме Аллаха? Нет, но большинство их не знает этого.
النوع الثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ
﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿أمَّنْ جَعَلَ﴾ وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن ﴿أمَّنْ خَلَقَ﴾ فَكانَ (حُكْمُها) حُكْمَهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن مَنافِعِ الأرْضِ أُمُورًا أرْبَعَةً:
المَنفَعَةُ الأُولى: كَوْنُها قَرارًا وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ دَحاها وسَوّاها لِلِاسْتِقْرارِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَها مُتَوَسِّطَةً في الصَّلابَةِ والرَّخاوَةِ، فَلَيْسَتْ في الصَّلابَةِ كالحَجَرِ الَّذِي يَتَألَّمُ الإنْسانُ بِالِاضْطِجاعِ عَلَيْهِ، ولَيْسَتْ في الرَّخاوَةِ كالماءِ الَّذِي يَغُوصُ فِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَها كَثِيفَةً غَبْراءَ لِيَسْتَقِرَّ عَلَيْها النُّورُ، ولَوْ كانَتْ لَطِيفَةً لَما اسْتَقَرَّ النُّورُ عَلَيْها، ولَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ النُّورُ عَلَيْها لَصارَتْ مِن شِدَّةِ بَرْدِها بِحَيْثُ تَمُوتُ الحَيَواناتُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الشَّمْسَ بِسَبَبِ مَيْلِ مَدارِها عَنْ مَدارِ مِنطَقَةِ الكُلِّ بِحَيْثُ تَبْعُدُ تارَةً وتَقْرُبُ أُخْرى مِن سَمْتِ الرَّأْسِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما اخْتَلَفَتِ الفُصُولُ، ولَما حَصَلَتِ المَنافِعُ.
الخامِسُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَها ساكِنَةً، فَإنَّها لَوْ كانَتْ مُتَحَرِّكَةً لَكانَتْ إمّا مُتَحَرِّكَةٌ عَلى الِاسْتِقامَةِ أوْ عَلى الِاسْتِدارَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: لا يَحْصُلُ الِانْتِفاعُ بِالسُّكْنى عَلى الأرْضِ.
السّادِسُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَها كِفاتًا لِلْأحْياءِ والأمْواتِ، وأنَّهُ يَطْرَحُ عَلَيْها كُلَّ قَبِيحٍ، ويُخْرِجُ مِنها كُلَّ مَلِيحٍ.
المَنفَعَةُ الثّانِيَةُ لِلْأرْضِ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ أقْسامَ المِياهِ المُنْبَعِثَةِ عَنِ الأرْضِ أرْبَعَةٌ:
الأوَّلُ: ماءُ العُيُونِ السَّيّالَةُ، وهي تَنْبَعِثُ مِن أبْخِرَةٍ كَثِيرَةِ المادَّةِ قَوِيَّةِ الِانْدِفاعِ تُفَجِّرُ الأرْضَ بِقُوَّةٍ، ثُمَّ لا يَزالُ يَسْتَتْبِعُ جُزْءٌ مِنها جُزْءًا.
الثّانِي: ماءُ العُيُونِ الرّاكِدَةِ، وهي تَحْدُثُ مِن أبْخِرَةٍ بَلَغَتْ مِن قُوَّتِها أنِ انْدَفَعَتْ
صفحة ١٧٨
إلى وجْهِ الأرْضِ ولَمْ تَبْلُغْ مِن قُوَّتِها وكَثْرَةِ مادَّتِها أنْ يَطْرُدَ تالِيها سابِقَها.
الثّالِثُ: مِياهُ القُنِيِّ والأنْهارِ وهي مُتَوَلِّدَةٌ مِن أبْخِرَةٍ ناقِصَةِ القُوَّةِ عَلى أنْ تَشُقَّ الأرْضَ، فَإذا أُزِيلَ عَنْ وجْهِها ثِقَلُ التُّرابِ صادَفَتْ حِينَئِذٍ تِلْكَ الأبْخِرَةُ مَنفَذًا تَنْدَفِعُ إلَيْهِ بِأدْنى حَرَكَةٍ.
الرّابِعُ: مِياهُ الآبارِ وهي نَبْعِيَّةٌ كَمِياهِ الأنْهارِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ سَيْلٌ إلى مَوْضِعٍ يَسِيلُ إلَيْهِ، ونِسْبَةُ القُنِيِّ إلى الآبارِ نِسْبَةُ العُيُونِ الرّاكِدَةِ، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ لَوْلا صَلابَةُ الأرْضِ لَما اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الأبْخِرَةُ في باطِنِها؛ إذْ لَوْلا اجْتِماعُها في باطِنِها لَما حَدَثَتْ هَذِهِ العُيُونُ في ظاهِرِها.
المَنفَعَةُ الثّالِثَةُ لِلْأرْضِ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ والمُرادُ مِنها الجِبالُ، فَنَقُولُ: أكْثَرُ العُيُونِ والسُّحُبِ والمَعْدِنِيّاتِ إنَّما تَكُونُ في الجِبالِ أوْ فِيما يَقْرُبُ مِنها، أمّا العُيُونُ فَلِأنَّ الأرْضَ إذا كانَتْ رَخْوَةً نَشِفَتِ الأبْخِرَةُ عَنْها فَلا يَجْتَمِعُ مِنها قَدْرٌ يُعْتَدُّ بِهِ، فَإذَنْ هَذِهِ الأبْخِرَةُ لا تَجْتَمِعُ إلّا في الأرْضِ الصَّلْبَةِ والجِبالُ أصْلَبُ الأرْضِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ أقْواها عَلى حَبْسِ هَذا البُخارِ حَتّى يَجْتَمِعَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مادَّةً لِلْعُيُونِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَقَرُّ الجَبَلِ مَمْلُوءًا ماءً، ويَكُونَ الجَبَلُ في حَقْنِهِ الأبْخِرَةَ مِثْلَ الأنْبِيقِ الصَّلْبِ المُعَدِّ لِلتَّقْطِيرِ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ البُخارِ يَتَحَلَّلُ، ونَفَسُ الأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ كالقَرْعَةِ، والعُيُونُ كالأذْنابِ، والبُخارُ كالقَوابِلِ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّ أكْثَرَ العُيُونِ إنَّما تَنْفَجِرُ مِنَ الجِبالِ وأقَلُّها في البَرارِي، وذَلِكَ الأقَلُّ لا يَكُونُ إلّا إذا كانَتِ الأرْضُ صَلْبَةً. وأمّا أنَّ أكْثَرَ السُّحُبِ تَكُونُ في الجِبالِ فَلِوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: أنَّ في باطِنِ الجِبالِ مِنَ النَّداواتِ ما لا يَكُونُ في باطِنِ الأرْضِينَ الرَّخْوَةِ.
وثانِيها: إنَّ الجِبالَ بِسَبَبِ ارْتِفاعِها أبْرَدُ، فَلا جَرَمَ يَبْقى عَلى ظاهِرِها مِنَ الأنْداءِ ومِنَ الثُّلُوجِ ما لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ سائِرِ الأرْضِينَ.
وثالِثُها: أنَّ الأبْخِرَةَ الصّاعِدَةَ تَكُونُ مَحْبُوسَةً بِالجِبالِ فَلا تَتَفَرَّقُ ولا تَتَحَلَّلُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ أسْبابَ كَثْرَةِ السُّحُبِ في الجِبالِ أكْثَرُ؛ لِأنَّ المادَّةَ فِيها ظاهِرًا وباطِنًا أكْثَرُ، والِاحْتِقانَ أشَدُّ، والسَّبَبُ المُحَلِّلُ وهو الحَرُّ أقَلُّ، فَلِذَلِكَ كانَتِ السُّحُبُ في الجِبالِ أكْثَرَ. وأمّا المَعْدِنِيّاتُ المُحْتاجَةُ إلى أبْخِرَةٍ يَكُونُ اخْتِلاطُها بِالأرْضِيَّةِ أكْثَرَ وإلى بَقاءِ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ يَتِمُّ النُّضْجُ فِيها فَلا شَيْءَ لَها في هَذا المَعْنى كالجِبالِ.
المَنفَعَةُ الرّابِعَةُ لِلْأرْضِ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَفْسُدَ العَذْبُ بِالِاخْتِلاطِ، وأيْضًا فَلْيُنْتَفَعْ بِذَلِكَ الحاجِزِ، وأيْضًا المُؤْمِنُ في قَلْبِهِ بَحْرانِ بَحْرُ الإيمانِ والحِكْمَةِ وبَحْرُ الطُّغْيانِ والشَّهْوَةِ، وهو بِتَوْفِيقِهِ جَعَلَ بَيْنَهُما حاجِزًا لِكَيْ لا يُفْسَدَ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وقالَ بَعْضُ الحُكَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ (الرَّحِمَنِ: ٢٠) قالَ عِنْدَ عَدَمِ البَغْيِ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ (الرَّحِمَنِ: ٢٢) فَعِنْدَ عَدَمِ البَغْيِ في القَلْبِ يَخْرُجُ الدِّينُ والإيمانُ بِالشُّكْرِ، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ جَعَلَ البَحْرَ مِلْحًا ؟ قُلْنا: لَوْلا مُلُوحَتُهُ لَأجَنَ، وانْتَشَرَ فَسادُ أُجُونَتِهِ في الأرْضِ، وأحْدَثَ الوَباءَ العامَّ. واعْلَمْ أنَّ اخْتِصاصَ البَحْرِ بِجانِبٍ مِنَ الأرْضِ دُونَ جانِبٍ أمْرٌ غَيْرُ واجِبٍ، بَلِ الحَقُّ أنَّ البَحْرَ يَنْتَقِلُ في مُدَدٍ لا تَضْبُطُها التَّوارِيخُ المَنقُولَةُ مِن قَرْنٍ إلى قَرْنٍ؛ لِأنَّ اسْتِمْدادَ البَحْرِ في الأكْثَرِ مِنَ الأنْهارِ، والأنْهارُ تَسْتَمِدُّ في الأكْثَرِ مِنَ العُيُونِ، وأمّا مِياهُ السَّماءِ فَإنَّ حُدُوثَها في فَصْلٍ بِعَيْنِهِ دُونَ فَصْلٍ، ثُمَّ لا العُيُونُ ولا مِياهُ السَّماءِ يَجِبُ أنْ تَتَشابَهَ أحْوالُها في بِقاعٍ واحِدَةٍ بِأعْيانِها تَشابُهًا مُسْتَمِرًّا فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ العُيُونِ يَغُورُ، وكَثِيرًا ما تَقْحَطُ السَّماءُ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن نُضُوبِ الأوْدِيَةِ والأنْهارِ فَيَعْرِضُ بِسَبَبِ ذَلِكَ نُضُوبُ البِحارِ، وإذا حَدَثَتِ العُيُونُ مِن جانِبٍ آخَرَ حَدَثَتِ
صفحة ١٧٩
الأنْهارُ هُناكَ فَحَصَلَتِ البِحارُ مِن ذَلِكَ الجانِبِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ الَّتِي فِيها هَذِهِ المَنافِعُ الجَلِيلَةُ وجَبَ أنْ يَكُونَ هو المُخْتَصُّ بِالإلَهِيَّةِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٦٣) عَلى عَظِيمِ جَهْلِهِمْ بِالذَّهابِ عَنْ هَذا التَّفَكُّرِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии