Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:113–116
3:113–114Страница 64
۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣
Не все они одинаковы. Среди людей Писания есть праведные люди, которые читают аяты Аллаха по ночам, падая ниц.
يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤
Они веруют в Аллаха и в Последний день, велят творить одобряемое, запрещают предосудительное и торопятся совершать добрые дела. Они являются одними из праведников.
صفحة ١٦٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَلامٌ تامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَما وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّ أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم لَيْسُوا سَواءً، وهو تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كانَ تَمامُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ومِنهم أُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، إلّا أنَّهُ أضْمَرَ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ مِن أنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الضِّدِّ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا، فَذِكْرُ أحَدِهِما يَسْتَقِلُّ بِإفادَةِ العِلْمِ بِهِما، فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ إهْمالُ الضِّدِّ الآخَرِ.
قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّيَ لامْرُؤٌ مُطِيعٌ فَلا أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
أرادَ (أمْ غَيٌّ) فاكْتَفى بِذِكْرِ الرُّشْدِ عَنْ ذِكْرِ الغَيِّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ قَدْ جَرى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ فَلا حاجَةَ إلى إضْمارِها مَرَّةً أُخْرى، لِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، وهَذا كَما يُقالُ: زَيْدٌ وعَبْدُ اللَّهِ لا يَسْتَوِيانِ زَيْدٌ عاقِلٌ دَيِّنٌ زَكِيٌّ، فَيُغْنِي عَنْ هَذا أنْ يُقالَ: وعَبْدُ اللَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَذا هَهُنا لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ أغْنى ذَلِكَ عَنِ الإضْمارِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَلامٌ غَيْرُ تامٍّ ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عِنْدَهُ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وأُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، فَأُمَّةٌ رُفِعَ بِلَيْسَ وإنَّما قِيلَ (لَيْسُوا) عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا بُدَّ مِن إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ إلّا أنَّ أكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ أنْكَرُوا هَذا القَوْلَ لِاتِّفاقِ الأكْثَرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ وأمْثالُها لُغَةٌ رَكِيكَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ فُلانٌ وفُلانٌ سَواءٌ، أيْ مُتَساوِيانِ وقَوْمٌ سَواءٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ومَضى الكَلامُ في (سَواءٍ) في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٦٤
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ قالَ لَهم بَعْضُ كِبارِ اليَهُودِ: لَقَدْ كَفَرْتُمْ وخَسِرْتُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى لِبَيانِ فَضْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أهْلَ الكِتابِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصِّفاتِ المَذْمُومَةِ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ لِبَيانِ أنَّ كُلَّ أهْلِ الكِتابِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِمْ مَن يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالصِّفاتِ الحَمِيدَةِ والخِصالِ المَرْضِيَّةِ، قالَ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وعَنْ عَطاءٍ: أنَّها نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ مِن أهْلِ نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَلاثَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا عَلى دِينِ عِيسى وصَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ كُلُّ مَن أُوتِيَ الكِتابَ مِن أهْلِ الأدْيانِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ المُسْلِمُونَ مِن جُمْلَتِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ، فَقالَ: ”أمّا إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الأدْيانِ أحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى هَذِهِ السّاعَةَ غَيْرُكم“» وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ الحاضِرُونَ كانُوا نَفَرًا مِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَقِيلَ: لَيْسَ يَسْتَوِي مِن أهْلِ الكِتابِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأقامُوا صَلاةَ العَتْمَةِ في السّاعَةِ الَّتِي يَنامُ فِيها غَيْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا، ولَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يُقالَ: المُرادُ كُلُّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَسَمّاهُمُ اللَّهُ بِأهْلِ الكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّوْا أنْفُسَهم بِأهْلِ الكِتابِ، حالُهم وصِفَتُهم تِلْكَ الخِصالُ الذَّمِيمَةُ، والمُسْلِمُونَ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِأهْلِ الكِتابِ حالُهم وصِفَتُهم هَكَذا، يَسْتَوِيانِ ؟ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرَ فَضِيلَةِ أهْلِ الإسْلامِ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى مَدَحَ الأُمَّةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ ثَمانِيَةٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّها قائِمَةٌ وفِيها أقْوالٌ. الأوَّلُ: أنَّها قائِمَةٌ في الصَّلاةِ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ فَعَبَّرَ عَنْ تَهَجُّدِهِمْ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ في ساعاتِ اللَّيْلِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا القِيامِ في الصَّلاةِ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ السَّجْدَةَ لا تَكُونُ إلّا في الصَّلاةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ كَوْنِها قائِمَةً: أنَّها ثابِتَةٌ عَلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ الحَقِّ مُلازِمَةٌ لَهُ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ في التَّمَسُّكِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أيْ مُلازِمًا لِلِاقْتِضاءِ ثابِتًا عَلى المُطالَبَةِ مُسْتَقْصِيًا فِيها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] .
وأقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى كَوْنِ المُسْلِمِ قائِمًا بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ، وقَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْلى قائِمٌ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ في العَدْلِ والإحْسانِ فَتَمَّتِ المُعاهَدَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: «يا رَسُولَ
صفحة ١٦٥
اللَّهِ إنْ أُناسًا مِن أهْلِ الكِتابِ يُحَدِّثُونَنا بِما يُعْجِبُنا فَلَوْ كَتَبْناهُ، فَغَضِبَ ﷺ وقالَ: أمُتَهَوِّكُونَ أنْتُمْ يا ابْنَ الخَطّابِ كَما تَهَوَّكَتِ اليَهُودُ، قالَ الحَسَنُ: مُتَحَيِّرُونَ مُتَرَدِّدُونَ ”أما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أتَيْتُكم بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً» “ وفي رِوايَةٍ أُخْرى قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”«إنَّكم لَمْ تُكَلَّفُوا أنْ تَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وإنَّما أُمِرْتُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِهِما وتُفَوِّضُوا عِلْمَهُما إلى اللَّهِ تَعالى، وكُلِّفْتُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيَّ في هَذا الوَحْيِ غُدْوَةً وعَشِيًّا والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أدْرَكَنِي إبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى لَآمَنُوا بِي واتَّبَعُونِي» “ فَهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الثَّباتَ عَلى هَذا الدِّينِ واجِبٌ وعَدَمَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِهِ واجِبٌ فَلا جَرَمَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ .
القَوْلُ الثّالِثُ: ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ أيْ مُسْتَقِيمَةٌ عادِلَةٌ مِن قَوْلِكَ: أقَمْتُ العُودَ فَقامَ بِمَعْنى اسْتَقامَ، وهَذا كالتَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ .
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (يَتْلُونَ ويُؤْمِنُونَ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَتانِ لِقَوْلِهِ: (أُمَّةٌ) أيْ أُمَّةٌ قائِمَةٌ تالُونَ مُؤْمِنُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التِّلاوَةُ القِراءَةُ وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الِاتِّباعِ فَكَأنَّ التِّلاوَةَ هي اتِّباعُ اللَّفْظِ اللَّفْظَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: آياتُ اللَّهِ قَدْ يُرادُ بِها آياتُ القُرْآنِ، وقَدْ يُرادُ بِها أصْنافُ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، والمُرادُ هاهُنا الأُولى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ أصْلُها في اللُّغَةِ الأوْقاتُ والسّاعاتُ وواحِدُها إنى، مِثْلُ: مِعى وأمْعاءٍ، وإنْيٌ مِثْلُ نِحْيٍ وأنْحاءِ، مَكْسُورُ الأوَّلِ ساكِنُ الثّانِي، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَأنَّ الثّانِي مَأْخُوذٌ مِنهُ لِأنَّهُ انْتِظارُ السّاعاتِ والأوْقاتِ، وفي الخَبَرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أخَّرَ المَجِيءَ إلى الجُمُعَةِ ”آذَيْتَ وآنَيْتَ“» أيْ دافَعْتَ الأوْقاتَ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ التِّلاوَةِ كَأنَّهم يَقْرَءُونَ القُرْآنَ في السَّجْدَةِ مُبالَغَةً في الخُضُوعِ والخُشُوعِ إلّا أنَّ القَفّالَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَوى في ”تَفْسِيرِهِ“ حَدِيثًا: أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ألا إنِّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأ راكِعًا أوْ ساجِدًا» “ . الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا والمَعْنى أنَّهم يَقُومُونَ تارَةً يَبْتَغُونَ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ بِأنْواعِ ما يَكُونُ في الصَّلاةِ مِنَ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى وهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] قالَ الحَسَنُ: يُرِيحُ رَأْسَهُ بِقَدَمَيْهِ وقَدَمَيْهِ بِرَأْسِهِ، وهَذا عَلى مَعْنى إرادَةِ الرّاحَةِ وإزالَةِ التَّعَبِ وإحْداثِ النَّشاطِ. الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ أنَّهم يُصَلُّونَ وصَفَهم بِالتَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ، والصَّلاةُ تُسَمّى سُجُودًا وسَجْدَةً ورُكُوعًا ورَكْعَةً وتَسْبِيحًا وتَسْبِيحَةً، قالَ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أيْ صَلُّوا وقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] والمُرادُ الصَّلاةُ. الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْضَعُونَ ويَخْشَعُونَ لِلَّهِ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الخُشُوعَ سُجُودًا كَقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النمل: ٤٩] وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ ذَكَرَها القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
صفحة ١٦٦
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ واعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ كانُوا أيْضًا يَقُومُونَ في اللَّيالِي لِلتَّهَجُّدِ وقِراءَةِ التَّوْراةِ، فَلَمّا مَدَحَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّهَجُّدِ وقِراءَةِ القُرْآنِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِجَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ والإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ يَسْتَلْزِمُ الحَذَرَ مِنَ المَعاصِي، وهَؤُلاءِ اليَهُودُ يُنْكِرُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ ولا يَحْتَرِزُونَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الإيمانُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ.
واعْلَمْ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأفْضَلُ الأعْمالِ الصَّلاةُ وأفْضَلُ الأذْكارِ ذِكْرُ اللَّهِ، وأفْضَلُ المَعارِفِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ ومَعْرِفَةُ المَعادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الصّادِرَةِ عَنْهم، وقَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ إشارَةٌ إلى فَضْلِ المَعارِفِ الحاصِلَةِ في قُلُوبِهِمْ فَكانَ هَذا إشارَةً إلى كَمالِ حالِهِمْ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وفي القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ أكْمَلُ أحْوالِ الإنْسانِ، وهي المَرْتَبَةُ الَّتِي يُقالُ لَها: إنَّها آخِرُ دَرَجاتِ الإنْسانِيَّةِ وأوَّلُ دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ .
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ واعْلَمْ أنَّ الغايَةَ القُصْوى في الكَمالِ أنْ يَكُونَ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، فَكَوْنُ الإنْسانِ تامًّا لَيْسَ إلّا في كَمالِ قُوَّتِهِ العَمَلِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وكَوْنُهُ فَوْقَ التَّمامِ أنْ يَسْعى في تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ، إمّا بِإرْشادِهِمْ إلى ما يَنْبَغِي وهو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، أوْ يَمْنَعُهم عَمّا لا يَنْبَغِي وهو النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ يَنْهَوْنَ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وعَنْ إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ مُطْلَقٌ فَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَهو يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْرُوفٍ وكُلَّ مُنْكَرٍ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّهم يَتَبادَرُونَ إلَيْها خَوْفَ الفَوْتِ بِالمَوْتِ، والآخَرُ: يَعْمَلُونَها غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ العَجَلَةَ مَذْمُومَةٌ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«العَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ والتَّأنِّي مِنَ الرَّحْمَنِ» “ فَما الفَرْقُ بَيْنَ السُّرْعَةِ وبَيْنَ العَجَلَةِ ؟ قُلْنا: السُّرْعَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأنْ يُقَدَّمَ ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ، والعَجَلَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأنْ يُقَدَّمَ ما لا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ، فالمُسارَعَةُ مَخْصُوصَةٌ بِفَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، لِأنَّ مَن رَغِبَ في الأمْرِ، آثَرَ الفَوْرَ عَلى التَّراخِي، قالَ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وأيْضًا العَجَلَةُ لَيْسَتْ مَذْمُومَةً عَلى الإطْلاقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] .
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ والمَعْنى وأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما وُصِفُوا بِهِ مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ الَّذِينَ صَلَحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ورَضِيَهم، واعْلَمْ أنَّ الوَصْفَ بِذَلِكَ غايَةُ المَدْحِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ، فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ بِهَذا الوَصْفِ أكابِرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: بَعْدَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذِي الكِفْلِ وغَيْرِهِمْ ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] وذَكَرَ حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الصَّلاحَ ضِدُّ الفَسادِ، وكُلُّ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فَهو فَسادٌ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في العَقائِدِ، أوْ في الأعْمالِ، فَإذا كانَ كُلُّ ما حَصَلَ مِن بابِ
صفحة ١٦٧
ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، فَقَدْ حَصَلَ الصَّلاحُ، فَكانَ الصَّلاحُ دالًّا عَلى أكْمَلِ الدَّرَجاتِ.
3:115Страница 64
وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥
Какой бы добрый поступок они ни совершили, ничто не будет отвергнуто от них. Ведь Аллах знает богобоязненных.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّمانِيَةَ قالَ: ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، لِأنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، يَتْلُونَ ويَسْجُدُونَ ويُؤْمِنُونَ ويَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ ويُسارِعُونَ، ولَنْ يَضِيعَ لَهم ما يَعْمَلُونَ، والمَقْصُودُ أنَّ جُهّالَ اليَهُودِ لَمّا قالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ إنَّكم خَسِرْتُمْ بِسَبَبِ هَذا الإيمانِ، قالَ تَعالى بَلْ فازُوا بِالدَّرَجاتِ العُظْمى، فَكانَ المَقْصُودُ تَعْظِيمَهم لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِهِمْ أثَرُ كَلامِ أُولَئِكَ الجُهّالِ، ثُمَّ هَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ سائِرَ الخَلْقِ يَدْخُلُونَ فِيهِ نَظَرًا إلى العِلَّةِ.
وأمّا الباقُونَ فَإنَّهم قَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ فَهو ابْتِداءُ خِطابٍ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى أنَّ أفْعالَ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ ذُكِرَتْ، ثُمَّ قالَ: وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِكم هَؤُلاءِ، فَلَنْ تُكْفَرُوهُ، والفائِدَةُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ نَظائِرَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ مُخاطِبَةً لِجَمِيعِ الخَلائِقِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] وأمّا أبُو عَمْرٍو فالمَنقُولُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ بِالقِراءَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أيْ لَنْ تُمْنَعُوا ثَوابَهُ وجَزاءَهُ، وإنَّما سُمِّيَ مَنعُ الجَزاءِ كُفْرًا لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى إيصالَ الثَّوابِ شُكْرًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] وقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فَلَمّا سَمّى إيصالَ الجَزاءِ شُكْرًا سَمّى مَنعَهُ كُفْرًا. والثّانِي: أنَّ الكُفْرَ في اللُّغَةِ هو السَّتْرُ فَسُمِّيَ مَنعُ الجَزاءِ كُفْرًا، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الجَحْدِ والسَّتْرِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ فَعَدّاهُ إلى مَفْعُولَيْنِ مَعَ أنَّ شَكَرَ وكَفَرَ لا يَتَعَدَّيانِ إلّا إلى واحِدٍ يُقالُ شَكَرَ النِّعْمَةَ وكَفَرَها.
قُلْنا: لِأنّا بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الكُفْرِ هاهُنا هو المَنعُ والحِرْمانُ، فَكانَ كَأنَّهُ قالَ: فَلَنْ تُحْرَمُوهُ، ولَنْ تُمْنَعُوا جَزاءَهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِالمُوازَنَةِ مِنَ الذّاهِبِينَ إلى الإحْباطِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُصُولِ أثَرِ فِعْلِ العَبْدِ إلَيْهِ، فَلَوِ انْحَبَطَ ولَمْ يَنْحَبِطْ مِنَ المُحْبَطِ بِمِقْدارِهِ شَيْءٌ لَبَطَلَ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [ الزَّلْزَلَةِ: ٧] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ عَدَمِ الحِرْمانِ والجَزاءِ أقامَ ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وهو أنَّ عَدَمَ إيصالِ الثَّوابِ والجَزاءِ إمّا أنْ يَكُونَ لِلسَّهْوِ والنِّسْيانِ وذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ والبُخْلِ والحاجَةِ وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّهُ إلَهُ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فاسْمُ
صفحة ١٦٨
اللَّهِ تَعالى يَدُلُّ عَلى عَدَمِ العَجْزِ والبُخْلِ والحاجَةِ، وقَوْلُهُ: (عَلِيمٌ) يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الجَهْلِ، وإذا انْتَفَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ امْتَنَعَ المَنعُ مِنَ الجَزاءِ، لِأنَّ مَنعَ الحَقِّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، واللَّهُ أعْلَمُ. إنَّما قالَ: ﴿عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ عالِمٌ بِالكُلِّ بِشارَةً لِلْمُتَّقِينَ بِجَزِيلِ الثَّوابِ ودَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَفُوزُ عِنْدَهُ إلّا أهْلُ التَّقْوى.
3:116Страница 65
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦
Ни имущество, ни дети ничем не помогут перед Аллахом тем, которые не уверовали. Они будут обитателями Огня и пребудут там вечно.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مَرَّةً أحْوالَ الكافِرِينَ في كَيْفِيَّةِ العِقابِ، وأُخْرى أحْوالَ المُؤْمِنِينَ في الثَّوابِ جامِعًا بَيْنَ الزَّجْرِ والتَّرْغِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، فَلَمّا وصَفَ مَن آمَنَ مِنَ الكُفّارِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الحَسَنَةِ أتْبَعَهُ تَعالى بِوَعِيدِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَوْلانِ. الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ بَعْضُ الكُفّارِ ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا. أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَقْصُودَ رُؤَساءِ اليَهُودِ في مُعانَدَةِ الرَّسُولِ ما كانَ إلّا المالَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] . وثانِيها: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَإنَّ أبا جَهْلٍ كانَ كَثِيرَ الِافْتِخارِ بِمالِهِ ولِهَذا السَّبَبِ نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨] . وثالِثُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ، فَإنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ الكُفّارِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّهم كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ، وكانُوا يُعَيِّرُونَ الرَّسُولَ ﷺ وأتْباعَهُ بِالفَقْرِ، وكانَ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمْ أنْ قالُوا: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ عَلى الحَقِّ لَما تَرَكَهُ رَبُّهُ في هَذا الفَقْرِ والشِّدَّةِ، ولِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، ولا دَلِيلَ يُوجِبُ التَّخْصِيصَ فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى عُمُومِهِ، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (يُنْفِقُونَ) عائِدٌ إلى هَذا المَوْضِعِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: (يُنْفِقُونَ) مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الكُفّارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا أيْضًا مَخْصُوصًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما خَصَّ تَعالى الأمْوالَ والأوْلادَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أنْفَعَ الجَماداتِ هو الأمْوالُ وأنْفَعَ الحَيَواناتِ هو الوَلَدُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الكافِرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِما ألْبَتَّةَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ انْتِفاعِهِ
صفحة ١٦٩
بِسائِرِ الأشْياءِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَوْلُهُ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبأ: ٣٧] ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا انْتِفاعَ لَهم بِأمْوالِهِمْ ولا بِأوْلادِهِمْ، قالَ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ لا يَبْقَوْنَ في النّارِ أبَدًا فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ كَلِمَةٌ تُفِيدُ الحَصْرَ فَإنَّهُ يُقالُ: أُولَئِكَ أصْحابُ زَيْدٍ لا غَيْرُهم وهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ لا غَيْرُهم ولَمّا أفادَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ مَعْنى الحَصْرِ ثَبَتَ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ لَيْسَ إلّا لِلْكافِرِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии