Ар-РазиАль Имран · 3:171–175

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:171–175

3:171Страница 72

۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١

Они радуются милости Аллаха и щедрости и тому, что Аллах не теряет награды верующих,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كَما يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ عَلى ما ذَكَرَ فَهم يَسْتَبْشِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِما رُزِقُوا مِنَ النَّعِيمِ، وإنَّما أعادَ لَفْظَ ”يَسْتَبْشِرُونَ“ لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ الأوَّلَ كانَ بِأحْوالِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ، والِاسْتِبْشارُ الثّانِي كانَ بِأحْوالِ أنْفُسِهِمْ خاصَّةً.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ ذَكَرَ فَرَحَهم بِأحْوالِ أنْفُسِهِمْ، والفَرَحُ عَيْنُ الِاسْتِبْشارِ ؟

قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الِاسْتِبْشارَ هو الفَرَحُ التّامُّ فَلا يَلْزَمُ التَّكْرارُ.

والثّانِي: لَعَلَّ المُرادَ حُصُولُ الفَرَحِ بِما حَصَلَ في الحالِ، وحُصُولُ الِاسْتِبْشارِ بِما عَرَفُوا أنَّ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ تَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ النِّعْمَةُ هي الثَّوابُ والفَضْلُ هو التَّفَضُّلُ الزّائِدُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِبْشارَهم بِسَعادَةِ إخْوانِهِمْ أتَمُّ مِنِ اسْتِبْشارِهِمْ بِسَعادَةِ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الِاسْتِبْشارَ الأوَّلَ في الذِّكْرِ هو بِأحْوالِ الإخْوانِ، وهَذا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ فَرَحَ الإنْسانِ بِصَلاحِ أحْوالِ إخْوانِهِ ومُتَعَلِّقِيهِ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن فَرَحِهِ بِصَلاحِ أحْوالِ نَفْسِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ ”وإنَّ اللَّهَ“ بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها عَلى مَعْنى: وبِأنَّ اللَّهَ، والتَّقْدِيرُ: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وبِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ، والقِراءَةُ الأُولى أتَمُّ وأكْمَلُ لِأنَّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ الِاسْتِبْشارُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَقَطْ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ يَكُونُ الِاسْتِبْشارُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ وطَلَبِ الأجْرِ، ولا شَكَّ أنَّ المَقامَ الأوَّلَ أكْمَلُ لِأنَّ كَوْنَ العَبْدِ مُشْتَغِلًا بِطَلَبِ اللَّهِ أتَمُّ مِنِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ أجْرِ عَمَلِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن إيصالِ الثَّوابِ والسُّرُورِ العَظِيمِ إلى الشُّهَداءِ

صفحة ٧٩

لَيْسَ حُكْمًا مَخْصُوصًا بِهِمْ، بَلْ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُوصِلُ إلَيْهِ ذَلِكَ الأجْرَ والثَّوابَ ولا يُضِيعُهُ ألْبَتَّةَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ عِنْدَنا دالَّةٌ عَلى العَفْوِ عَنْ فُسّاقِ أهْلِ الصَّلاةِ لِأنَّهُ بِإيمانِهِ اسْتَحَقَّ الجَنَّةَ، فَلَوْ بَقِيَ بِسَبَبِ فِسْقِهِ في النّارِ مُؤَبَّدًا مُخَلَّدًا لَما وصَلَ إلَيْهِ أجْرُ إيمانِهِ، فَحِينَئِذٍ يَضِيعُ أجْرُ المُؤْمِنِينَ عَلى إيمانِهِمْ وذَلِكَ خِلافُ الآيَةِ.

3:172Страница 72

ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢

которые ответили Аллаху и Посланнику после того, как им нанесли ранение. Тем из них, которые вершили добро и были богобоязненны, уготована великая награда.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ المُؤْمِنِينَ عَلى غَزْوَتَيْنِ، تُعْرَفُ إحْداهُما بِغَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ، والثّانِيَةُ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وكِلاهُما مُتَّصِلَةٌ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ، أمّا غَزْوَةُ حَمْراءِ الأسَدِ فَهي المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في مَحَلِّ (الَّذِينَ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّهُ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ إلى آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ هو الخَفْضَ عَلى النَّعْتِ لِلْمُؤْمِنِينَ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ وهو الأصَحُّ: أنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ لَمّا انْصَرَفُوا مِن أُحُدٍ وبَلَغُوا الرَّوْحاءَ نَدِمُوا، وقالُوا: إنّا قَتَلْنا أكْثَرَهم ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا القَلِيلُ فَلِمَ تَرَكْناهم ؟ بَلِ الواجِبُ أنْ نَرْجِعَ ونَسْتَأْصِلَهم، فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأرادَ أنْ يُرْهِبَ الكُفّارَ ويُرِيَهم مِن نَفْسِهِ ومِن أصْحابِهِ قُوَّةً، فَنَدَبَ أصْحابَهُ إلى الخُرُوجِ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ وقالَ: لا أُرِيدُ أنْ يَخْرُجَ الآنَ مَعِي إلّا مَن كانَ مَعِي في القِتالِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ مَعَ قَوْمٍ مِن أصْحابِهِ، قِيلَ كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ، وهو مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ، فَألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ فانْهَزَمُوا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى عُنُقِهِ ساعَةً، ثُمَّ كانَ المَحْمُولُ يَحْمِلُ الحامِلَ ساعَةً أُخْرى، وكانَ كُلُّ ذَلِكَ لِإثْخانِ الجِراحاتِ فِيهِمْ، وكانَ فِيهِمْ مَن يَتَوَكَّأُ عَلى صاحِبِهِ ساعَةً، ويَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ ساعَةً.

والثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ لَمّا رَجَعَ النّاسُ إلَيْهِ ﷺ بَعْدَ الهَزِيمَةِ فَشَدَّ بِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ حَتّى كَشَفَهم، وكانُوا قَدْ هَمُّوا بِالمُثْلَةِ فَدَفَعَهم عَنْها بَعْدَ أنْ مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فانْهَزَمُوا، وصَلّى عَلَيْهِمْ ﷺ ودَفَنَهم بِدِمائِهِمْ، وذَكَرُوا أنَّ صَفِيَّةَ جاءَتْ لِتَنْظُرَ إلى أخِيها حَمْزَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلزُّبَيْرِ: رُدَّها لِئَلّا تَجْزَعَ مِن مُثْلَةِ أخِيها، فَقالَتْ: قَدْ بَلَغَنِي ما فُعِلَ بِهِ، وذَلِكَ يَسِيرٌ في جَنْبِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِلزُّبَيْرِ: فَدَعْها تَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقالَتْ خَيْرًا واسْتَغْفَرَتْ لَهُ. وجاءَتِ امْرَأةٌ قَدْ قُتِلَ زَوْجُها وأبُوها وأخُوها وابْنُها فَلَمّا رَأتِ النَّبِيَّ ﷺ وهو حَيٌّ قالَتْ: إنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ هَدَرٌ. فَهَذا ما قِيلَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ

صفحة ٨٠

الآيَةِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَجابَ: بِمَعْنى أجابَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) وقِيلَ: أجابَ، فَعَلَ الإجابَةَ، واسْتَجابَ: طَلَبَ أنْ يَفْعَلَ الإجابَةَ، لِأنَّ الأصْلَ في الِاسْتِفْعالِ طَلَبُ الفِعْلِ، والمَعْنى: أجابُوا وأطاعُوا اللَّهَ في أوامِرِهِ وأطاعُوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ الجِراحاتُ القَوِيَّةُ.

3:173–174Страница 72

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣

Люди сказали им: «Народ собрался против вас. Побойтесь же их». Однако это лишь приумножило их веру, и они сказали: «Нам достаточно Аллаха, и как прекрасен этот Попечитель и Хранитель!».

فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤

Они вернулись с милостью от Аллаха и щедротами. Зло не коснулось их, и они последовали за довольством Аллаха. Воистину, Аллах обладает великой милостью.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: (أحْسَنُوا) دَخَلَ تَحْتَهُ الِائْتِمارُ بِجَمِيعِ المَأْمُوراتِ، وقَوْلُهُ: (واتَّقَوْا) دَخَلَ تَحْتَهُ الِانْتِهاءُ عَنْ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ، والمُكَلَّفُ عِنْدَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ العَظِيمَ.

الثّانِي: أحْسَنُوا في طاعَةِ الرَّسُولِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واتَّقَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الِاسْتِجابَةُ لِلرَّسُولِ وإنْ بَلَغَ الأمْرُ بِهِمْ في الجِراحاتِ ما بَلَغَ مِن بَعْدِ أنْ يَتَمَكَّنُوا مَعَهُ مِنَ النُّهُوضِ.

الثّالِثُ: أحْسَنُوا فِيما أتَوْا بِهِ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، واتَّقَوُا ارْتِكابَ شَيْءٍ مِنَ المَنهِيّاتِ بَعْدَ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ﴾ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ قَدْ أحْسَنُوا واتَّقَوْا كُلُّهم لا بَعْضُهم.

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .

* * *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا عَزَمَ عَلى أنْ يَنْصَرِفَ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ نادى: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى فَنَقْتَتِلُ بِها إنْ شِئْتَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعُمَرَ: قُلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا حَضَرَ الأجَلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ مَعَ قَوْمِهِ حَتّى نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وألْقى اللَّهُ تَعالى الرُّعْبَ في قَلْبِهِ، فَبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ، فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وقَدْ قَدِمَ نُعَيْمٌ مُعْتَمِرًا، فَقالَ: يا نُعَيْمُ إنِّي وعَدْتُ مُحَمَّدًا أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وإنَّ هَذا عامُ جَدْبٍ ولا يُصْلِحُنا إلّا عامٌ نَرْعى فِيهِ الشَّجَرَ ونَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وقَدْ بَدا لِي أنْ أرْجِعَ، ولَكِنْ إنْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ ولَمْ أخْرُجْ زادَ بِذَلِكَ جَراءَةً، فاذْهَبْ إلى المَدِينَةِ فَثَبِّطْهم ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ، فَخَرَجَ نُعَيْمٌ فَوَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ فَقالَ لَهم: ما هَذا بِالرَّأْيِ، أتَوْكم في دِيارِكم وقَتَلُوا أكْثَرَكم فَإنْ ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لَمْ يَرْجِعْ مِنكم أحَدٌ، فَوَقَعَ هَذا الكَلامُ في قُلُوبِ قَوْمٍ مِنهم، فَلَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ قالَ: ”والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ

صفحة ٨١

إلَيْهِمْ ولَوْ وحْدِي“ ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، ومَعَهُ نَحْوُ سَبْعِينَ رَجُلًا فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وذَهَبُوا إلى أنْ وصَلُوا إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وهي ماءٌ لِبَنِي كِنانَةَ، وكانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهم يَجْتَمِعُونَ فِيها كُلَّ عامٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، ولَمْ يَلْقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ، ووافَقُوا السُّوقَ، وكانَتْ مَعَهم نَفَقاتٌ وتِجاراتٌ، فَباعُوا واشْتَرَوْا أُدْمًا وزَبِيبًا ورَبِحُوا وأصابُوا بِالدِّرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ، وانْصَرَفُوا إلى المَدِينَةِ سالِمِينَ غانِمِينَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ إلى مَكَّةَ فَسَمّى أهْلُ مَكَّةَ جَيْشَهُ جَيْشَ السَّوِيقِ، وقالُوا: إنَّما خَرَجْتُمْ لِتَشْرَبُوا السَّوِيقَ، فَهَذا هو الكَلامُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَحَلِّ (الَّذِينَ) وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ جَرٌّ، صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَقْدِيرِ: واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ.

الثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (لِلَّذِينَ أحْسَنُوا) .

الثّالِثُ: أنَّهُ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ) مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ.

وفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا القائِلَ هو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ كَما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما جازَ إطْلاقُ لَفْظِ النّاسِ عَلى الإنْسانِ الواحِدِ، لِأنَّهُ إذا قالَ الواحِدُ قَوْلًا ولَهُ أتْباعٌ يَقُولُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ أوْ يَرْضَوْنَ بِقَوْلِهِ، حَسُنَ حِينَئِذٍ إضافَةُ ذَلِكَ الفِعْلِ إلى الكُلِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] . ﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وإنَّما فَعَلَهُ أسْلافُهم، إلّا أنَّهُ أُضِيفَ إلَيْهِمْ لِمُتابَعَتِهِمْ لَهم عَلى تَصْوِيبِهِمْ في تِلْكَ الأفْعالِ، فَكَذا هَهُنا يَجُوزُ أنْ يُضافَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ الرّاضِينَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الواحِدِ.

الثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ: أنَّ رَكْبًا مِن عَبْدِ القَيْسِ مَرُّوا بِأبِي سُفْيانَ، فَدَسَّهم إلى المُسْلِمِينَ لِيُجَبِّنُوهم وضَمِنَ لَهم عَلَيْهِ جُعْلًا.

الثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ، قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ تَجَهَّزُوا لِلْمَسِيرِ إلى بَدْرٍ لِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ: القَوْمُ قَدْ أتَوْكم في دِيارِكم، فَقَتَلُوا الأكْثَرِينَ مِنكم، فَإنْ ذَهَبْتُمْ إلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ مِنكم أحَدٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ المُرادُ بِالنّاسِ هو أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ ورُؤَساءُ عَسْكَرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أيْ جَمَعُوا لَكُمُ الجُمُوعَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الجَيْشَ جَمْعًا ويَجْمَعُونَهُ جُمُوعًا، وقَوْلُهُ: (فاخْشَوْهم) أيْ فَكُونُوا خائِفِينَ مِنهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ولَمْ يُقِيمُوا لَهُ وزْنًا، فَقالَ تَعالى: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَزادَهم) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: عائِدٌ إلى الَّذِينَ ذَكَرُوا هَذِهِ التَّخْوِيفاتِ.

والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى نَفْسِ قَوْلِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: فَزادَهم ذَلِكَ القَوْلُ إيمانًا، وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ لِأنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ في الإيمانِ لَمّا حَصَلَتْ عِنْدَ سَماعِ هَذا القَوْلِ حَسُنَتْ إضافَتُها إلى هَذا القَوْلِ وإلى هَذا القائِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالزِّيادَةِ في الإيمانِ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ المُخَوِّفَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، بَلْ حَدَثَ في قُلُوبِهِمْ عَزْمٌ مُتَأكِّدٌ عَلى مُحارَبَةِ الكُفّارِ، وعَلى طاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ ثَقُلَ

صفحة ٨٢

ذَلِكَ أوْ خَفَّ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ فِيهِمْ مَن بِهِ جِراحاتٌ عَظِيمَةٌ، وكانُوا مُحْتاجِينَ إلى المُداواةِ، وحَدَثَ في قُلُوبِهِمْ وُثُوقٌ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِمْ ويُؤَيِّدُهم في هَذِهِ المُحارَبَةِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ لا عَنِ التَّصْدِيقِ بَلْ عَنِ الطّاعاتِ، وإنَّهُ يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى وُقُوعِ الزِّيادَةِ، والَّذِينَ لا يَقُولُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: الزِّيادَةُ إنَّما وقَعَتْ في مَراتِبِ الإيمانِ وفي شَعائِرِهِ، فَصَحَّ القَوْلُ بِوُقُوعِ الزِّيادَةِ في الإيمانِ مَجازًا.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الواقِعَةُ تَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدِ انْهَزَمُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، والعادَةُ جارِيَةٌ بِأنَّهُ إذا انْهَزَمَ أحَدُ الخَصْمَيْنِ عَنِ الآخَرِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِ الغالِبِ قُوَّةٌ وشِدَّةُ اسْتِيلاءٍ، وفي قَلْبِ المَغْلُوبِ انْكِسارٌ وضَعْفٌ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَلَبَ القَضِيَّةَ هَهُنا، فَأوْدَعَ قُلُوبَ الغالِبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ الخَوْفَ والرُّعْبَ، وأوْدَعَ قُلُوبَ المَغْلُوبِينَ القُوَّةَ والحَمِيَّةَ والصَّلابَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّواعِيَ والصَّوارِفَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّها مَتى حَدَثَتْ في القُلُوبِ وقَعَتِ الأفْعالُ عَلى وفْقِها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ والمُرادُ أنَّهم كُلَّما ازْدادُوا إيمانًا في قُلُوبِهِمْ أظْهَرُوا ما يُطابِقُهُ فَقالُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ كافِينا اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

وحَسْبُكَ مِن غِنًى شِبَعٌ ورِيٌّ

أيْ يَكْفِيكَ الشِّبَعُ والرِّيُّ، وأمّا ”الوَكِيلُ“ فَفِيهِ أقْوالٌ:

أحَدُها: أنَّهُ الكَفِيلُ. قالَ الشّاعِرُ:

ذَكَرْتُ أبا أرْوى فَبِتُّ كَأنَّنِي ∗∗∗ بِرَدِّ الأُمُورِ الماضِياتِ وكِيلُ

أرادَ كَأنَّنِي بِرَدِّ الأُمُورِ كَفِيلٌ.

الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الوَكِيلُ: الكافِي، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ ”نِعْمَ“ سَبِيلُها أنْ يَكُونَ الَّذِي بَعْدَها مُوافِقًا لِلَّذِي قَبْلَها، تَقُولُ: رازِقُنا اللَّهُ ونِعْمَ الرّازِقُ، وخالِقُنا اللَّهُ ونِعْمَ الخالِقُ، وهَذا أحْسَنُ مِن قَوْلِ مَن يَقُولُ: خالِقُنا اللَّهُ ونِعْمَ الرّازِقُ، فَكَذا هَهُنا تَقْدِيرُ الآيَةِ: يَكْفِينا اللَّهُ ونِعْمَ الكافِي.

الثّالِثُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو المَوْكُولُ إلَيْهِ، والكافِي والكَفِيلُ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى وكِيلًا، لِأنَّ الكافِيَ يَكُونُ الأمْرُ مَوْكُولًا إلَيْهِ، وكَذا الكَفِيلُ يَكُونُ الأمْرُ مَوْكُولًا إلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ، والمَعْنى: وخَرَجُوا فانْقَلَبُوا، فَحَذَفَ الخُرُوجَ لِأنَّ الِانْقِلابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ فَضُرِبَ فانْفَلَقَ، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: النِّعْمَةُ هَهُنا العافِيَةُ، والفَضْلُ التِّجارَةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ مَنافِعُ الدُّنْيا، والفَضْلُ ثَوابُ الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ لَمْ يُصِبْهم قَتْلٌ ولا جِراحٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ في طاعَةِ رَسُولِهِ ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْفِيقِ فِيما فَعَلُوا، وفي ذَلِكَ إلْقاءُ الحَسْرَةِ في قُلُوبِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْهم وإظْهارٌ لِخَطَأِ رَأْيِهِمْ حَيْثُ حَرَمُوا أنْفُسَهم مِمّا فازَ بِهِ هَؤُلاءِ، ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: هَلْ يَكُونُ هَذا غَزْوًا، فَأعْطاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الغَزْوِ ورَضِيَ عَنْهم.

صفحة ٨٣

واعْلَمْ أنَّ أهْلَ المَغازِي اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ الواقِدِيُّ إلى تَخْصِيصِ الآيَةِ الأُولى بِواقِعَةِ حَمْراءِ الأسَدِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ بِبَدْرٍ الصُّغْرى، ومِنهم مَن يَجْعَلُ الآيَتَيْنِ في وقْعَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ عَهْدٍ بِالقَرْحِ، فالمَدْحُ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ المَدْحِ عَلى الخُرُوجِ عَلى العَدُوِّ مِن وقْتِ إصابَةِ القَرْحِ لِمَسِّهِ، والقَوْلُ الآخَرُ أيْضًا مُحْتَمَلٌ. والقَرْحُ عَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يُفَسَّرَ بِالهَزِيمَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ انْهَزَمُوا ثُمَّ أحْسَنُوا الأعْمالَ بِالتَّوْبَةِ واتَّقَوُا اللَّهَ في سائِرِ أُمُورِهِمْ، ثُمَّ اسْتَجابُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ عازِمِينَ عَلى الثَّوابِ مُوَطِّنِينَ أنْفُسَهم عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، بِحَيْثُ لَمّا بَلَغَهم كَثْرَةُ جُمُوعِهِمْ لَمْ يَفْتَرُوا ولَمْ يَفْشَلُوا، وتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ ورَضُوا بِهِ كافِيًا ومُعِينًا فَلَهم أجْرٌ عَظِيمٌ لا يَحْجُبُهم عَنْهُ ما كانَ مِنهم مِنَ الهَزِيمَةِ إذْ كانُوا قَدْ تابُوا عَنْها، واللَّهُ أعْلَمُ.

3:175Страница 73

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥

Это всего лишь дьявол пугает вас своими помощниками. Не бойтесь их, а бойтесь Меня, если вы являетесь верующими.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ (الشَّيْطانُ) خَبَرُ (ذَلِكم) بِمَعْنى: إنَّما ذَلِكُمُ المُثَبِّطُ هو الشَّيْطانُ و(يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِتَثْبِيطِهِ، أوِ (الشَّيْطانُ) صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ و(يُخَوِّفُ) الخَبَرُ، والمُرادُ بِالشَّيْطانِ الرَّكْبُ، وقِيلَ: نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وسُمِّيَ شَيْطانًا لِعُتُوِّهِ وتَمَرُّدِهِ في الكُفْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقِيلَ: هو الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ بِالوَسْوَسَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِالشَّيْطانِ إنَّما خَوَّفُوا المُؤْمِنِينَ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي وحُذِفَ الجارُّ، ومِثالُ حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] أيْ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، ومِثالُ حَذْفِ الجارِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] مَعْناهُ: لِيُنْذِرَكم بِبَأْسٍ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] أيْ لِيُنْذِرَكم بِيَوْمِ التَّلاقِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، وأبِي عَلِيٍّ. قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ”يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ“ .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا عَلى قَوْلِ القائِلِ: خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ، كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُ الأمْوالَ، أيْ أعْطَيْتُ القَوْمَ الأمْوالَ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أوْلى مِنِ ادِّعاءٍ جارٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا) أيْ لِيُنْذِرَكم بَأْسًا، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ أيْ لِيُنْذِرَكم يَوْمَ التَّلاقِ، والتَّخْوِيفُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ مِن غَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، تَقُولُ: خافَ زَيْدٌ القِتالَ، وخَوَّفْتُهُ القِتالَ، وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ“ .

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ المُنافِقِينَ لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتالِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى: الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ ويُؤْثِرُونَ أمْرَهُ، فَأمّا أوْلِياءُ اللَّهِ، فَإنَّهم لا يَخافُونَهُ إذا خَوَّفَهم ولا يَنْقادُونَ لِأمْرِهِ ومُرادِهِ مِنهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ، فالقَوْلُ الأوَّلُ فِيهِ مَحْذُوفانِ، والثّانِي فِيهِ مَحْذُوفٌ واحِدٌ، والثّالِثُ لا حَذْفَ فِيهِ. وأمّا الأوْلِياءُ فَهُمُ المُشْرِكُونَ والكُفّارُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ الكِنايَةُ في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ عائِدَةٌ

صفحة ٨٤

إلى الأوْلِياءِ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ عائِدَةٌ إلى ”النّاسِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ فَتَقْعُدُوا عَنِ القِتالِ وتَجْبُنُوا (وخافُونِ) فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وسارِعُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي أنْ تُؤْثِرُوا خَوْفَ اللَّهِ عَلى خَوْفِ النّاسِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English