Ар-РазиАль Имран · 3:26–31

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:26–31, продолжение

والثّالِثُ: يُخْرِجُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطَّيْرَ مِنَ البَيْضَةِ وبِالعَكْسِ. والرّابِعُ: يُخْرِجُ السُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ وبِالعَكْسِ، والنَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ وبِالعَكْسِ، قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والكَلِمَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْكُلِّ، أمّا الكُفْرُ والإيمانُ فَقالَ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢ ] يُرِيدُ كانَ كافِرًا فَهَدَيْناهُ فَجَعَلَ المَوْتَ كُفْرًا والحَياةَ إيمانًا، وسَمّى إخْراجَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ إحْياءً، وجَعَلَ قَبْلَ ذَلِكَ مَيْتَةً فَقالَ: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الرُّومِ: ٥٠ ] وقالَ: ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [فاطِرٍ: ٩ ] وقالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨ ] .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يُعْطِي مَن يَشاءُ ما يَشاءُ لا يُحاسِبُهُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ، إذْ لَيْسَ فَوْقَهُ مَلِكٌ يُحاسِبُهُ بَلْ هو المَلِكُ، يُعْطِي مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

والثّانِي: تَرْزُقُ مَن تَشاءُ [ رِزْقًا ]غَيْرَ مَقْدُورٍ ولا مَحْدُودٍ، بَلْ تَبْسُطُهُ لَهُ وتُوَسِّعُهُ عَلَيْهِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يُنْفِقُ بِغَيْرِ حِسابٍ إذا وُصِفَ عَطاؤُهُ بِالكَثْرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في تَكْثِيرِ مالِ الإنْسانِ: عِنْدَهُ مالٌ لا يُحْصى.

والثّالِثُ: تَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، يَعْنِي عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِأنَّ مَن أعْطى عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ فَقَدْ أعْطى بِحِسابٍ، وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى: إنَّكَ لا تَرْزُقُ عِبادَكَ عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.

3:28Страница 53

لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨

Верующие не должны считать неверующих своими помощниками и друзьями вместо верующих. А кто поступает так, тот не имеет никакого отношения к Аллаху, за исключением тех случаев, когда вы действительно опасаетесь их. Аллах предостерегает вас от Самого Себя, и к Аллаху предстоит прибытие.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾

فِي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ في تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ في المُعامَلَةِ مَعَ النّاسِ، لِأنَّ كَمالَ الأمْرِ لَيْسَ إلّا في شَيْئَيْنِ:

التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ قالَ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ الثّانِي: لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى مالِكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الرَّغْبَةُ فِيما عِنْدَهُ، وعِنْدَ أوْلِيائِهِ دُونَ أعْدائِهِ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: جاءَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ إلى قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ المُسْلِمِينَ: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ، واحْذَرُوا أنْ يَفْتِنُوكم عَنْ دِينِكم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وغَيْرِهِ، وكانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ ويُخْبِرُونَهم بِالأخْبارِ ويَرْجُونَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفَرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها «نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وكانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ، فَفي يَوْمِ الأحْزابِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ مَعِيَ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ اليَهُودِ وقَدْ رَأيْتُ أنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ وهَذِهِ صِفَةُ الكافِرِ.

قُلْنا: مَعْنى الآيَةِ فَلَيْسَ مِن ولايَةِ اللَّهِ في شَيْءٍ، وهَذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ في تَحْرِيمِ مُوالاةِ الكافِرِينَ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ آياتٍ كَثِيرَةً في هَذا المَعْنى مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٨ ] وقَوْلُهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢٢ ] وقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائِدَةِ: ٥١] وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [المُمْتَحِنَةِ: ١ ] وقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .

واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ المُؤْمِنِ مُوالِيًا لِلْكافِرِ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ راضِيًا بِكُفْرِهِ ويَتَوَلّاهُ لِأجْلِهِ، وهَذا مَمْنُوعٌ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ كانَ مُصَوِّبًا لَهُ في ذَلِكَ الدِّينِ، وتَصْوِيبُ الكُفْرِ كُفْرٌ والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَبْقى مُؤْمِنًا مَعَ كَوْنِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ وهَذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ فَلا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المُمْتَحِنَةِ: ١ ] فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خِطابًا في

صفحة ١١

شَيْءٍ يَبْقى المُؤْمِنُ مَعَهُ مُؤْمِنًا.

وثانِيها: المُعاشَرَةُ الجَمِيلَةُ في الدُّنْيا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ.

والقِسْمُ الثّالِثُ: وهو كالمُتَوَسِّطِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ هو أنَّ مُوالاةَ الكُفّارِ بِمَعْنى الرُّكُونِ إلَيْهِمْ والمَعُونَةِ، والمُظاهَرَةِ، والنُّصْرَةِ، إمّا بِسَبَبِ القَرابَةِ، أوْ بِسَبَبِ المَحَبَّةِ مَعَ اعْتِقادِ أنَّ دِينَهُ باطِلٌ فَهَذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ إلّا أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، لِأنَّ المُوالاةَ بِهَذا المَعْنى قَدْ تَجُرُّهُ إلى اسْتِحْسانِ طَرِيقَتِهِ والرِّضا بِدِينِهِ، وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنِ الإسْلامِ فَلا جَرَمَ هَدَّدَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ فَقالَ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ بِمَعْنى أنْ يَتَوَلَّوْهم دُونَ المُؤْمِنِينَ، فَأمّا إذا تَوَلَّوْهم وتَوَلَّوُا المُؤْمِنِينَ مَعَهم فَذَلِكَ لَيْسَ بِمَنهِيٍّ عَنْهُ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ فِيهِ زِيادَةُ مَزِيَّةٍ، لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُوالِي غَيْرَهُ ولا يَتَّخِذُهُ مُوالِيًا فالنَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِهِ مُوالِيًا لا يُوجِبُ النَّهْيَ عَنْ أصْلِ مُوالاتِهِ.

قُلْنا: هَذانِ الِاحْتِمالانِ وإنْ قاما في الآيَةِ إلّا أنَّ سائِرَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ مُوالاتُهم دَلَّتْ عَلى سُقُوطِ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كُسِرَتِ الذّالُ مِن (يَتَّخِذِ) لِأنَّها مَجْزُومٌ لِلنَّهْيِ، وحُرِّكَتْ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، قالَ الزَّجّاجُ: ولَوْ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ لَجازَ، ويَكُونُ المَعْنى عَلى الرَّفْعِ أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَّخِذَ الكافِرَ ولِيًّا.

واعْلَمْ أنَّ مَعْنى النَّهْيِ ومَعْنى الخَبَرِ يَتَقارَبانِ؛ لِأنَّهُ مَتّى كانَتْ صِفَةُ المُؤْمِنِ أنْ لا يُوالِيَ الكافِرَ كانَ لا مَحالَةَ مَنهِيًّا عَنْ مُوالاةِ الكافِرِ، ومَتى كانَ مَنهِيًّا عَنْ ذَلِكَ، كانَ لا مَحالَةَ مِن شَأْنِهِ وطَرِيقَتِهِ أنْ لا يَفْعَلَ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣ ] أيْ مِن غَيْرِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ دُونَ مُخْتَصٌّ بِالمَكانِ، تَقُولُ: زَيْدٌ جَلَسَ دُونَ عَمْرٍو؛ أيْ في مَكانٍ أسْفَلَ مِنهُ، ثُمَّ إنَّ مَن كانَ مُبايِنًا لِغَيْرِهِ في المَكانِ فَهو مُغايِرٌ لَهُ فَجُعِلَ لَفْظُ دُونَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى غَيْرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ وفِيهِ حَذْفٌ، والمَعْنى فَلَيْسَ مِن ولايَةِ اللَّهِ في شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الوَلايَةِ يَعْنِي أنَّهُ مُنْسَلِخٌ مِن ولايَةِ اللَّهِ تَعالى رَأْسًا، وهَذا أمْرٌ مَعْقُولٌ فَإنَّ مُوالاةَ الوَلِيِّ ومُوالاةَ عَدُوِّهِ ضِدّانِ قالَ الشّاعِرُ:

تُوِدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبٍ

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلَيْسَ مِن دِينِ اللَّهِ في شَيْءٍ وهَذا أبْلَغُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ: تُقاةً بِالإمالَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ: بَيْنَ التَّفْخِيمِ والإمالَةِ، والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ تَقِيَّةً، وإنَّما جازَتِ الإمالَةُ لِتُؤْذِنَ أنَّ الألِفَ مِنَ الياءِ، وتُقاةً وزْنُها فُعْلَةً نَحْوَ تُؤْدَةٍ وتُخْمَةٍ، ومَن فَخَّمَ فَلِأجْلِ الحَرْفِ المُسْتَعْلِي وهو القافُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: تَقَيْتُهُ تُقاةً، وتُقًى، وتُقْيَةً، وتَقْوى، فَإذا قُلْتَ اتَّقَيْتُ كانَ مَصْدَرُهُ

صفحة ١٢

الِاتِّقاءَ، وإنَّما قالَ تَتَّقُوا ثُمَّ قالَ تُقاةً ولَمْ يَقُلِ اتِّقاءً اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: جَلَسَ جَلْسَةً، ورَكِبَ رَكْبَةً، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] وقالَ الشّاعِرُ:

وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا

فَأجْراهُ مَجْرى الإعْطاءِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تُقاةً هاهُنا مِثْلَ رُماةٍ فَيَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «قالَ الحَسَنُ: أخَذَ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ، فَقالَ: أفَتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، وكانَ مُسَيْلِمَةُ يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ بَنِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٌ رَسُولُ قُرَيْشٍ، فَتَرَكَهُ ودَعا الآخَرَ فَقالَ أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أفَتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقالَ: إنِّي أصَمُّ ثَلاثًا، فَقَدَّمَهُ وقَتَلَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أمّا هَذا المَقْتُولُ فَمَضى عَلى يَقِينِهِ وصِدْقِهِ فَهَنِيئًا لَهُ، وأمّا الآخَرُ فَقَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلا تَبِعَةَ عَلَيْهِ» .

واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦ ] .

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلتَّقِيَّةِ أحْكامًا كَثِيرَةً ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَها.

الحُكْمُ الأوَّلُ: أنَّ التَّقِيَّةَ إنَّما تَكُونُ إذا كانَ الرَّجُلُ في قَوْمٍ كُفّارٍ، ويَخافُ مِنهم عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ فَيُدارِيهِمْ بِاللِّسانِ، وذَلِكَ بِأنْ لا يُظْهِرَ العَداوَةَ بِاللِّسانِ، بَلْ يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُظْهِرَ الكَلامَ المُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ والمُوالاةِ، ولَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يُضْمِرَ خِلافَهُ، وأنْ يُعَرِّضَ في كُلِّ ما يَقُولُ، فَإنَّ التَّقِيَّةَ تَأْثِيرُها في الظّاهِرِ لا في أحْوالِ القُلُوبِ.

الحُكْمُ الثّانِي لِلتَّقِيَّةِ: هو أنَّهُ لَوْ أفْصَحَ بِالإيمانِ والحَقِّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ التَّقِيَّةُ كانَ ذَلِكَ أفْضَلَ، ودَلِيلُهُ ما ذَكَرْناهُ في قِصَّةِ مُسَيْلِمَةَ.

الحُكْمُ الثّالِثُ لِلتَّقِيَّةِ: أنَّها إنَّما تَجُوزُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ المُوالاةِ والمُعاداةِ، وقَدْ تَجُوزُ أيْضًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ الدِّينِ فَأمّا ما يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إلى الغَيْرِ كالقَتْلِ والزِّنا وغَصْبِ الأمْوالِ والشَّهادَةِ بِالزُّورِ وقَذْفِ المُحْصَناتِ وإطْلاعِ الكُفّارِ عَلى عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ البَتَّةَ.

الحُكْمُ الرّابِعُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ أنَّ التَّقِيَّةَ إنَّما تَحِلُّ مَعَ الكُفّارِ الغالِبِينَ إلّا أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الحالَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إذا شاكَلَتِ الحالَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ حَلَّتِ التَّقِيَّةُ مُحاماةً عَلى النَّفْسِ.

الحُكْمُ الخامِسُ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ، وهَلْ هي جائِزَةٌ لِصَوْنِ المالِ يُحْتَمَلُ أنْ يُحْكَمَ فِيها بِالجَوازِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ”«حُرْمَةُ مالِ المُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ» “ ولِقَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهو شَهِيدٌ» “ ولِأنَّ الحاجَةَ إلى المالِ شَدِيدَةٌ، والماءُ إذا بِيعَ بِالغَبْنِ سَقَطَ فَرْضُ الوُضُوءِ، وجازَ الِاقْتِصارُ عَلى التَّيَمُّمِ دَفْعًا لِذَلِكَ القَدْرِ مِن نُقْصانِ المالِ، فَكَيْفَ لا يَجُوزُ هاهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.

الحُكْمُ السّادِسُ: قالَ مُجاهِدٌ: هَذا الحُكْمُ كانَ ثابِتًا في أوَّلِ الإسْلامِ لِأجْلِ ضَعْفِ المُؤْمِنِينَ فَأمّا بَعْدَ قُوَّةِ دَوْلَةِ الإسْلامِ فَلا، ورَوى عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى، لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ واجِبٌ بِقَدْرِ الإمْكانِ.

صفحة ١٣

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقابَ نَفْسِهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: أنْ تَعْصُوهُ فَتَسْتَحِقُّوا عِقابَهُ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ النَّفْسِ أنَّهُ لَوْ قالَ: ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ فَهَذا لا يُفِيدُ أنَّ الَّذِي أُرِيدَ التَّحْذِيرُ مِنهُ هو عِقابٌ يَصْدُرُ مِنَ اللَّهِ أوْ مِن غَيْرِهِ، فَلَمّا ذَكَرَ النَّفْسَ زالَ هَذا الِاشْتِباهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ العِقابَ الصّادِرَ عَنْهُ يَكُونُ أعْظَمَ أنْواعِ العِقابِ؛ لِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى دَفْعِهِ ومَنعِهِ مِمّا أرادَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ النَّفْسَ هاهُنا تَعُودُ إلى اتِّخاذِ الأوْلِياءِ مِنَ الكُفّارِ، أيْ يَنْهاهُمُ اللَّهُ عَنْ نَفْسِ هَذا الفِعْلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ يُحَذِّرُكم عِقابَهُ عِنْدَ مَصِيرِكم إلى اللَّهِ.

3:29Страница 53

قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩

Скажи: «Скроете ли вы то, что у вас в груди, или обнародуете, Аллах все равно знает об этом. Он знает о том, что на небесах и на земле. Аллах способен на всякую вещь».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ظاهِرًا وباطِنًا واسْتَثْنى عَنْهُ التَّقِيَّةَ في الظّاهِرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ عَلى أنْ يَصِيرَ الباطِنُ مُوافِقًا لِلظّاهِرِ في وقْتِ التَّقِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أقْدَمَ عِنْدَ التَّقِيَّةِ عَلى إظْهارِ المُوالاةِ، فَقَدْ يَصِيرُ إقْدامُهُ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ سَبَبًا لِحُصُولِ تِلْكَ المُوالاةِ في الباطِنِ، فَلا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ عالِمٌ بِالبَواطِنِ كَعِلْمِهِ بِالظَّواهِرِ، فَيَعْلَمُ العَبْدُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُجازِيَهُ عَلى كُلِّ ما عَزَمَ عَلَيْهِ في قَلْبِهِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ شَرْطٌ وقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ جَزاءٌ ولا شَكَّ أنَّ الجَزاءَ مُتَرَتِّبٌ عَلى الشَّرْطِ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، فَهَذا يَقْتَضِي حُدُوثَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

والجَوابُ: أنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَصَلَ الآنَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِهِ الآنَ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّبَدُّلَ والتَّجَدُّدَ إنَّما وقَعَ في النِّسَبِ والإضافاتِ والتَّعْلِيقاتِ لا في حَقِيقَةِ العِلْمِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَها غَوْرٌ عَظِيمٌ وهي مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ.

السُّؤالُ الثّانِي: مَحَلُّ البَواعِثِ والضَّمائِرِ هو القَلْبُ، فَلِمَ قالَ: ﴿إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنْ تُخْفُوا ما في قُلُوبِكم ؟ .

الجَوابُ: لِأنَّ القَلْبَ في الصَّدْرِ، فَجازَ إقامَةُ الصَّدْرِ مَقامَ القَلْبِ كَما قالَ: ﴿يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ [النّاسِ: ٥ ] وقالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحَجِّ: ٤٦ ] .

صفحة ١٤

السُّؤالُ الثّالِثُ: إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدًا عَلى كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ فَهو تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ.

الجَوابُ: ذَكَرْنا تَفْصِيلَ هَذا الكَلامِ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٤ ] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ رُفِعَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٤ ] جُزِمَ الأفاعِيلُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٥ ] فَرُفِعَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشُّورى: ٢٤ ] رَفْعًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ غايَةُ التَّحْذِيرِ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِما فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ الضَّمِيرُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إتْمامًا لِلتَّحْذِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ كانَ عالِمًا بِما في قَلْبِهِ، وكانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ اسْتِحْقاقِهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، فَكانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى إيصالِ حَقِّ كُلِّ أحَدٍ إلَيْهِ، فَيَكُونُ في هَذا تَمامُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.

3:30Страница 54

يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠

В тот день, когда каждая душа увидит все добро и зло, которое она совершила, ей захочется, чтобы между ней и между ее злодеяниями было огромное расстояние. Аллах предостерегает вас от Самого Себя. Аллах сострадателен к рабам.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بابِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ومِن تَمامِ الكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ.

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في العامِلِ في قَوْلِهِ: (يَوْمَ) وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَصِيرِ والتَّقْدِيرُ: وإلى اللَّهِ المَصِيرُ يَوْمَ تَجِدُ.

الثّانِي: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ في الآيَةِ السّابِقَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

الثّالِثُ: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ قَدِيرٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا، وخُصَّ هَذا اليَوْمُ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ مِنَ الأيّامِ بِمَنزِلَتِهِ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى تَفْضِيلًا لَهُ لِعِظَمَ شَأْنِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤ ] .

الرّابِعُ: أنَّ العامِلَ فِيهِ قَوْلُهُ: (تَوَدُّ) والمَعْنى: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ كَذا وكَذا في ذَلِكَ اليَوْمِ.

الخامِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا بِمُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ العَمَلَ لا يَبْقى، ولا يُمْكِنُ وِجْدانُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن

صفحة ١٥

وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يَجِدُ صَحائِفَ الأعْمالِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٩ ] وقالَ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٦ ] .

الثّانِي: أنَّهُ يَجِدُ جَزاءَ الأعْمالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (مُحْضَرًا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الصَّحائِفَ تَكُونُ مُحْضَرَةً يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ جَزاءَ العَمَلِ يَكُونُ مَحْضَرًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ، فالتَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ حاصِلانِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: الأظْهَرُ أنْ يُجْعَلَ (ما) هاهُنا بِمَنزِلَةِ الَّذِي، ويَكُونُ ”عَمِلَتْ“ صِلَةً لَها، ويَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى ”ما“ الأوَّلِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ شَرْطِيَّةً، وإلّا كانَ يَلْزَمُ أنْ يَنْصِبَ ”تَوَدُّ“ أوْ يَخْفِضَهُ، ولَمْ يَقْرَأْهُ أحَدٌ إلّا بِالرَّفْعِ، فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ ”ما“ هاهُنا بِمَعْنى الَّذِي.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً عَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، ”ودَّتْ“ .

قُلْنا: لا كَلامَ في صِحَّتِهِ لَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أوْقَعُ، لِأنَّهُ حِكايَةُ حالِ الكافِرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأكْثَرُ مُوافَقَةً لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: الواوُ واوُ العَطْفِ، والتَّقْدِيرُ: تَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:الأوَّلُ: أنَّهُ صِفَةٌ لِلسُّوءِ، والتَّقْدِيرُ: وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ الَّذِي تَوَدُّ أنْ يَبْعُدَ ما بَيْنَها وبَيْنَهُ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ تَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا حالَ ما تَوَدُّ بُعْدَهُ عَنْها.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا تَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ المُذْنِبِينَ، ومَوْضِعُ الكَرَمِ واللُّطْفِ هَذا، وذَلِكَ لِأنَّهُ نَصَّ في جانِبِ الثَّوابِ عَلى كَوْنِهِ مُحْضَرًا، وأمّا في جانِبِ العِقابِ فَلَمْ يَنُصَّ عَلى الحُضُورِ، بَلْ ذَكَرَ أنَّهم يَوَدُّونَ الفِرارَ مِنهُ، والبُعْدَ عَنْهُ، وذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعْدِ أوْلى بِالوُقُوعِ مِن جانِبِ الوَعِيدِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأمَدُ، الغايَةُ الَّتِي يُنْتَهى إلَيْها ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] .

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّمَنِّي مَعْلُومٌ، سَواءٌ حَمَلْنا لَفْظَ الأمَدِ عَلى الزَّمانِ أوْ عَلى المَكانِ، إذِ المَقْصُودُ تَمَنِّي بُعْدَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وهو لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ رَؤُوفٌ بِهِمْ حَيْثُ حَذَّرَهم مِن نَفْسِهِ، وعَرَّفَهم كَمالَ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ، ورَغَّبَهم في اسْتِيجابِ رَحْمَتِهِ، وحَذَّرَهم مِنِ اسْتِحْقاقِ غَضَبِهِ، قالَ الحَسَنُ: ومِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ أنْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ رَؤُوفٌ بِالعِبادِ حَيْثُ أمْهَلَهم لِلتَّوْبَةِ والتَّدارُكِ والتَّلافِي. الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وهو لِلْوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ وهو المَوْعِدُ لِيَعْلَمَ العَبْدُ أنَّ وعْدَهُ ورَحْمَتَهُ، غالِبٌ عَلى وعِيدِهِ وسَخَطِهِ.

والرّابِعُ: وهو أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مُخْتَصٌّ، قالَ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٣ ] وقالَ تَعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنْسانِ: ٦ ]

صفحة ١٦

فَكانَ المَعْنى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ والفُسّاقِ ذَكَرَ وعْدَ أهْلِ الطّاعَةِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ كَما هو مُنْتَقِمٌ مِنَ الفُسّاقِ، فَهو رَؤُوفٌ بِالمُطِيعِينَ والمُحْسِنِينَ.

3:31Страница 54

قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١

Скажи: «Если вы любите Аллаха, то следуйте за мной, и тогда Аллах возлюбит вас и простит вам ваши грехи, ведь Аллах - Прощающий, Милосердный».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا دَعا القَوْمَ إلى الإيمانِ بِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، دَعاهم إلى ذَلِكَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ وهو أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةِ: ١٨ ] فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ويُرْوى «أنَّهُ ﷺ وقَفَ عَلى قُرَيْشٍ وهم في المَسْجِدِ الحَرامِ يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ واللَّهِ لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّما نَعْبُدُ هَذِهِ حُبًّا لِلَّهِ تَعالى؛ لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ويُرْوى أنَّ النَّصارى قالُوا: إنَّما نُعَظِّمُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ واحِدٍ مِن فِرَقِ العُقَلاءِ يَدَّعِي أنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ، ويَطْلُبُ رِضاهُ وطاعَتَهُ، فَقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: قُلْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ادِّعاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى فَكُونُوا مُنْقادِينَ لِأوامِرِهِ مُحْتَرِزِينَ عَنْ مُخالَفَتِهِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أنَّ مَن كانَ مُحِبًّا لِلَّهِ تَعالى لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في غايَةِ الحَذَرِ مِمّا يُوجِبُ سَخَطَهُ، وإذا قامَتِ الدَّلالَةُ القاطِعَةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَبَتْ مُتابَعَتُهُ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ المُتابَعَةُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ ما حَصَلَتْ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ المُسْتَقْصى في المَحَبَّةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥ ] والمُتَكَلِّمُونَ مُصِرُّونَ عَلى أنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ مَحَبَّةِ إعْظامِهِ وإجْلالِهِ، أوْ مَحَبَّةِ طاعَتِهِ، أوْ مَحَبَّةِ ثَوابِهِ، قالُوا: لِأنَّ المَحَبَّةَ مِن جِنْسِ الإرادَةِ، والإرادَةُ لا تَعَلُّقَ لَها إلّا بِالحَوادِثِ وإلّا بِالمَنافِعِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في كُلِّ شَيْءٍ إنَّهُ إنَّما كانَ مَحْبُوبًا لِأجْلِ مَعْنًى آخَرَ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ والدَّوْرُ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى شَيْءٍ يَكُونُ مَحْبُوبًا بِالذّاتِ، كَما أنّا نَعْلَمُ أنَّ اللَّذَّةَ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، فَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، وكَذَلِكَ أنّا إذا سَمِعْنا أخْبارَ رُسْتَمَ واسْفَنْدَيارَ في شَجاعَتِهِما مالَ القَلْبُ إلَيْهِما مَعَ أنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ لَنا في ذَلِكَ المَيْلِ، بَلْ رُبَّما نَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ مَعْصِيَةٌ لا يَجُوزُ لَنا أنْ نُصِرَّ عَلَيْها، فَعَلِمْنا أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، كَما أنَّ اللَّذَّةَ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، وكَمالُ الكَمالِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَكانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَحْبُوبًا لِذاتِهِ مِن ذاتِهِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَهُ الَّذِينَ تَجَلّى لَهم أثَرٌ مِن آثارِ كَمالِهِ وجَلالِهِ.

قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وأمّا مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ فَهي عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ تَعالى إيصالَ الخَيْراتِ والمَنافِعِ في الدِّينِ والدُّنْيا إلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القَوْمُ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا مُحِبِّينَ لِلَّهِ تَعالى، وكانُوا يُظْهِرُونَ الرَّغْبَةَ في أنْ يُحِبَّهُمُ اللَّهُ تَعالى، والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنَّ الإلْزامَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي، لِأنَّ المُعْجِزاتِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْكم مُتابَعَتِي. الثّانِي: إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ أنْ يُحِبَّكُمُ اللَّهُ فاتَّبِعُونِي لِأنَّكم

صفحة ١٧

إذا اتَّبَعْتُمُونِي فَقَدْ أطَعْتُمُ اللَّهَ، واللَّهُ تَعالى يُحِبُّ كُلَّ مَن أطاعَهُ، وأيْضًا فَلَيْسَ في مُتابَعَتِي إلّا أنِّي دَعَوْتُكم إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِ وتَرْكِ تَعْظِيمِ غَيْرِهِ، ومَن أحَبَّ اللَّهَ كانَ راغِبًا فِيهِ، لِأنَّ المَحَبَّةَ تُوجِبُ الإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى المَحْبُوبِ، والإعْراضَ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ غَيْرِ المَحْبُوبِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خاضَ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ في الطَّعْنِ في أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى وكَتَبَ هاهُنا ما لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَكْتُبَ مِثْلَهُ في كُتُبِ الفُحْشِ، فَهَبْ أنَّهُ اجْتَرَأ عَلى الطَّعْنِ في أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ اجْتَرَأ عَلى كَتْبِهِ مِثْلَ ذَلِكَ الكَلامِ الفاحِشِ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، نَسْألُ اللَّهَ العِصْمَةَ والهِدايَةَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ والمُرادُ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ إعْطاؤُهُ الثَّوابَ، ومِن غُفْرانِ ذَنْبِهِ إزالَةُ العِقابِ، وهَذا غايَةُ ما يَطْلُبُهُ كُلُّ عاقِلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَعْنِي غَفُورٌ في الدُّنْيا يَسْتُرُ عَلى العَبْدِ أنْواعَ المَعاصِي رَحِيمٌ في الآخِرَةِ بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English