Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:39–41
3:39Страница 55
فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩
Когда он стоял на молитве в молельне, ангелы воззвали к нему: «Аллах радует тебя вестью о Йахье (Иоанне), который подтвердит Слово от Аллаха и будет господином, воздержанным мужем и пророком из числа праведников».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٣١
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (فَناداهُ المَلائِكَةُ)، عَلى التَّذْكِيرِ والإمالَةِ، والباقُونَ عَلى التَّأْنِيثِ عَلى اللَّفْظِ، وقِيلَ: مَن ذَكَّرَ فَلِأنَّ الفِعْلَ قَبْلَ الِاسْمِ، ومَن أنَّثَ فَلِأنَّ الفِعْلَ لِلْمَلائِكَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”المِحْرابَ“ بِالإمالَةِ، والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَناداهُ جِبْرِيلُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النِّداءَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا في التَّشْرِيفِ أعْظَمُ، فَإنْ دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ أنَّ المُنادِيَ كانَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَطْ صِرْنا إلَيْهِ، وحَمَلْنا هَذا اللَّفْظَ عَلى التَّأْوِيلِ، فَإنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يَأْكُلُ الأطْعِمَةَ الطَّيِّبَةَ، ويَلْبَسُ الثِّيابَ النَّفِيسَةَ، أيْ يَأْكُلُ مِن هَذا الجِنْسِ، ويَلْبَسُ مِن هَذا الجِنْسِ، مَعَ أنَّ المَعْلُومَ أنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ جَمِيعَ الأطْعِمَةِ، ولَمْ يَلْبَسْ جَمِيعَ الأثْوابِ، فَكَذا هاهُنا، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وهم نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ؛ إنَّ النّاسَ: يَعْنِي أبا سُفْيانَ، قالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: إذا كانَ القائِلُ رَئِيسًا جازَ الإخْبارُ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِاجْتِماعِ أصْحابِهِ مَعَهُ، فَلَمّا كانَ جِبْرِيلُ رَئِيسَ المَلائِكَةِ، وقَلَّما يُبْعَثُ إلّا ومَعَهُ جَمْعٌ صَحَّ ذَلِكَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ كانَتْ مَشْرُوعَةً في دِينِهِمْ، والمِحْرابُ قَدْ ذَكَرْنا مَعْناهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أمّا البِشارَةُ فَقَدْ فَسَّرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ عَرَّفَ زَكَرِيّا أنَّهُ سَيَكُونُ في الأنْبِياءِ رَجُلٌ اسْمُهُ يَحْيى ولَهُ ذُرِّيَّةٌ عالِيَةٌ، فَإذا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ المُسَمّى بِيَحْيى هو ولَدُكَ كانَ ذَلِكَ بِشارَةً لَهُ بِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والثّانِي: أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِوَلَدٍ اسْمُهُ يَحْيى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ”إنَّ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، أمّا الكَسْرُ فَعَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ لِأنَّ النِّداءَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، وأمّا الفَتْحُ فَتَقْدِيرُهُ: فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَبْشُرُكَ“ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ ”يُبَشِّرُكَ“ وقُرِئَ أيْضًا ”يُبْشِرُكَ“ قالَ أبُو زَيْدٍ يُقالُ: بَشَرَ يَبْشُرُ بِشْرًا، وبَشَّرَ يُبَشِّرُ تَبْشِيرًا، وأبْشَرَ يُبْشِرُ ثَلاثُ لُغاتٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَحْيى“ بِالإمالَةِ لِأجْلِ الياءِ والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وأمّا أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ يَحْيى فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِ يَحْيى ثَلاثَةَ أنْواعٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ويَحْيى مَعْرِفَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: أنَّها كِتابٌ مِنَ اللَّهِ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِمْ: أنْشَدَ فُلانٌ كَلِمَةً، والمُرادُ بِهِ القَصِيدَةُ الطَّوِيلَةُ.
صفحة ٣٢
والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الجُمْهُورِ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هو عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ السُّدِّيُّ: لَقِيَتْ أُمُّ عِيسى أُمَّ يَحْيى - عَلَيْهِما السَّلامُ - وهَذِهِ حامِلٌ بِيَحْيى وتِلْكَ بِعِيسى، فَقالَتْ: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتْ مَرْيَمُ: وأنا أيْضًا حُبْلى، قالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ يَحْيى كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِن عِيسى بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، وكانَ يَحْيى أوَّلَ مَن آمَنَ وصَدَّقَ بِأنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ، ثُمَّ قُتِلَ يَحْيى قَبْلَ رَفْعِ عِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ -، فَإنْ قِيلَ: لِمَ سُمِّيَ عِيسى كَلِمَةً في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خُلِقَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ”كُنْ“ مِن غَيْرِ واسِطَةِ الأبِ، فَلَمّا كانَ تَكْوِينُهُ بِمَحْضِ قَوْلِ اللَّهِ ”كُنْ“ وبِمَحْضِ تَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةِ الأبِ والبَذْرِ، لا جَرَمَ سُمِّيَ: كَلِمَةً كَما يُسَمّى المَخْلُوقُ خَلْقًا، والمَقْدُورُ قُدْرَةً، والمَرْجُوُّ رَجاءً، والمُشْتَهى شَهْوَةً، وهَذا بابٌ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَكَلَّمَ في الطُّفُولِيَّةِ، وآتاهُ اللَّهُ الكِتابَ في زَمانِ الطُّفُولِيَّةِ، فَكانَ في كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا بالِغًا مَبْلَغًا عَظِيمًا، فَسُمِّيَ كَلِمَةً بِهَذا التَّأْوِيلِ وهو مِثْلُ ما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وإقْبالٌ إذا كانَ كامِلًا فِيهِما.
والثّالِثُ: أنَّ الكَلِمَةَ كَما أنَّها تُفِيدُ المَعانِيَ والحَقائِقَ، كَذَلِكَ عِيسى كانَ يُرْشِدُ إلى الحَقائِقِ والأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، فَسُمِّيَ: كَلِمَةً، بِهَذا التَّأْوِيلِ، وهو مِثْلُ تَسْمِيَتِهِ رُوحًا مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ كَما يَحْيا الإنْسانُ بِالرُّوحِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ القُرْآنَ رُوحًا فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] .
والرّابِعُ: أنَّهُ قَدْ ورَدَتِ البِشارَةُ بِهِ في كُتُبِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ، فَلَمّا جاءَ قِيلَ: هَذا هو تِلْكَ الكَلِمَةُ، فَسُمِّيَ كَلِمَةً بِهَذا التَّأْوِيلِ قالُوا: ووَجْهُ المَجازِ فِيهِ أنَّ مَن أخْبَرَ عَنْ حُدُوثِ أمْرٍ فَإذا حَدَثَ ذَلِكَ الأمْرُ قالَ: قَدْ جاءَ قَوْلِي وجاءَ كَلامِي، أيْ ما كُنْتُ أقُولُ وأتَكَلَّمُ بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٦] وقالَ: ﴿ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] .
الخامِسُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُسَمّى بِفَضْلِ اللَّهِ ولُطْفِ اللَّهِ، فَكَذا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ اسْمُهُ العَلَمُ: كَلِمَةَ اللَّهِ، ورُوحَ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ هي كَلامُهُ، وكَلامُهُ عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ، وعَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أصْواتٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في جِسْمٍ مَخْصُوصٍ دالَّةٌ بِالوَضْعِ عَلى مَعانٍ مَخْصُوصَةٍ، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ الصِّفَةَ القَدِيمَةَ أوِ الأصْواتِ الَّتِي هي أعْراضٌ غَيْرُ باقِيَةٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يُقالَ: أنَّها هي ذاتُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا في بَداهَةِ العُقُولِ لَمْ يَبْقَ إلّا التَّأْوِيلُ.
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِيَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: قَوْلُهُ: (وسَيِّدًا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّيِّدُ الحَلِيمُ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ كانَ سَيِّدًا لِلْمُؤْمِنِينَ، رَئِيسًا لَهم في الدِّينِ، أعْنِي في العِلْمِ والحِلْمِ والعِبادَةِ والوَرَعِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الكَرِيمُ عَلى اللَّهِ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الَّذِي لا يَغْلِبُهُ الغَضَبُ، قالَ القاضِي: السَّيِّدُ هو المُتَقَدِّمُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ، فَلَمّا كانَ سَيِّدًا في الدِّينِ كانَ مَرْجُوعًا إلَيْهِ في الدِّينِ وقُدْوَةً في الدِّينِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِنَ العِلْمِ والحِلْمِ والكَرَمِ والعِفَّةِ والزُّهْدِ والوَرَعِ.
* * *
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (وحَصُورًا) وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الحَصُورِ، والحَصْرُ في اللُّغَةِ الحَبْسُ، يُقالُ حَصَرَهُ يَحْصُرُهُ حَصْرًا وحُصِرَ الرَّجُلُ: أيِ اعْتُقِلَ بَطْنُهُ، والحَصُورُ الَّذِي يَكْتُمُ السِّرَّ ويَحْبِسُهُ، والحَصُورُ الضَّيِّقُ البَخِيلُ، وأمّا المُفَسِّرُونَ:
صفحة ٣٣
فَلَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ عاجِزًا عَنْ إتْيانِ النِّساءِ، ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: كانَ ذَلِكَ لِصِغَرِ الآلَةِ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ الإنْزالِ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ القُدْرَةِ، فَعَلى هَذا الحَصُورُ: فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَأنَّهُ قالَ مَحْصُورٌ عَنْهُنَّ، أيْ مَحْبُوسٌ، ومِثْلُهُ رَكُوبٌ بِمَعْنى مَرْكُوبٍ وحَلُوبٌ بِمَعْنى مَحْلُوبٍ، وهَذا القَوْلُ عِنْدَنا فاسِدٌ؛ لِأنَّ هَذا مِن صِفاتِ النُّقْصانِ، وذِكْرُ صِفَةِ النُّقْصانِ في مَعْرِضِ المَدْحِ لا يَجُوزُ، ولِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَسْتَحِقُّ بِهِ ثَوابًا ولا تَعْظِيمًا.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ لا لِلْعَجْزِ بَلْ لِلْعِفَّةِ والزُّهْدِ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَصُورَ هو الَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ حَصْرُ النَّفْسِ ومَنعُها كالأكُولِ الَّذِي يَكْثُرُ مِنهُ الأكْلُ وكَذا الشَّرُوبُ، والظَّلُومُ، والغَشُومُ، والمَنعُ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ كانَ المُقْتَضِي قائِمًا، فَلَوْلا أنَّ القُدْرَةَ والدّاعِيَةَ كانَتا مَوْجُودَتَيْنِ، وإلّا لَما كانَ حاصِرًا لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ حَصُورًا، لِأنَّ الحاجَةَ إلى تَكْثِيرِ الحَصْرِ والدَّفْعِ إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ قُوَّةِ الرَّغْبَةِ والدّاعِيَةِ والقُدْرَةِ، وعَلى هَذا الحَصُورُ: بِمَعْنى الحاصِرِ فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ تَرْكَ النِّكاحِ أفْضَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى مَدَحَهُ بِتَرْكِ النِّكاحِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ النِّكاحِ أفْضَلُ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ التَّرْكَ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أفْضَلُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِالنَّصِّ والمَعْقُولِ، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الأصْلَ في الثّابِتِ بَقاؤُهُ عَلى ما كانَ، والنَّسْخُ عَلى خِلافِ الأصْلِ.
* * *
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: (ونَبِيًّا) واعْلَمْ أنَّ السِّيادَةَ إشارَةٌ إلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: قُدْرَتُهُ عَلى ضَبْطِ مَصالِحِ الخَلْقِ فِيما يَرْجِعُ إلى تَعْلِيمِ الدِّينِ، والثّانِي: ضَبْطُ مَصالِحِهِمْ فِيما يَرْجِعُ إلى التَّأْدِيبِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأمّا الحَصُورُ فَهو إشارَةٌ إلى الزُّهْدِ التّامِّ فَلَمّا اجْتَمَعا حَصَلَتِ النُّبُوَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَهُما إلّا النُّبُوَّةُ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ مِن أوْلادِ الصّالِحِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ خَيْرٌ كَما يُقالُ في الرَّجُلِ الخَيِّرِ ”إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ“ .
والثّالِثُ: أنَّ صَلاحَهُ كانَ أتَمَّ مِن صَلاحِ سائِرِ الأنْبِياءِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ عَصى، أوْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ غَيْرَ يَحْيى فَإنَّهُ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهِمَّ» “ .
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ مَنصِبُ النُّبُوَّةِ أعْلى مِن مَنصِبِ الصَّلاحِ فَلِما وصَفَهُ بِالنُّبُوَّةِ فَما الفائِدَةُ في وصْفِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالصَّلاحِ ؟
قُلْنا: ألَيْسَ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ حُصُولِ النُّبُوَّةِ قالَ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ لِلْأنْبِياءِ قَدْرًا مِنَ الصَّلاحِ لَوِ انْتَقَصَ لانْتَفَتِ النُّبُوَّةُ، فَذَلِكَ القَدْرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ يَجْرِي مَجْرى حِفْظِ الواجِباتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، ثُمَّ بَعْدَ اشْتِراكِهِمْ في ذَلِكَ القَدْرِ تَتَفاوَتُ دَرَجاتُهم في الزِّيادَةِ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ، وكُلُّ مَن كانَ أكْثَرَ نَصِيبًا مِنهُ كانَ أعْلى قَدْرًا واللَّهُ أعْلَمُ.
3:40Страница 55
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠
Закария (Захария) сказал: «Господи! Как может у меня родиться сын, если старость уже настигла меня и жена моя бесплодна?». Аллах сказал: «Так Аллах вершит, что пожелает!».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
صفحة ٣٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (رَبِّ) خِطابٌ مَعَ اللَّهِ أوْ مَعَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ اللَّهِ؛ لِأنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الَّذِينَ نادَوْهُ هُمُ المَلائِكَةُ، وهَذا الكَلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ ذَلِكَ المُنادِي لا مَعَ غَيْرِهِ، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ المَلَكِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَقُولَ لِلْمَلَكِ: يا رَبِّ.
والجَوابُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا نادَوْهُ بِذَلِكَ وبَشَّرُوهُ بِهِ تَعَجَّبَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَجَعَ في إزالَةِ ذَلِكَ التَّعَجُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ المَلائِكَةِ، والرَّبُّ إشارَةٌ إلى المُرَبِّي، ويَجُوزُ وصْفُ المَخْلُوقِ بِهِ، فَإنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يُرَبِّينِي ويُحْسِنُ إلَيَّ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا كانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الَّذِي سَألَ الوَلَدَ، ثُمَّ أجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ فَلِمَ تَعَجَّبَ مِنهُ ولِمَ اسْتَبْعَدَهُ ؟
الجَوابُ: لَمْ يَكُنْ هَذا الكَلامُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ شاكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ خَلْقَ الوَلَدِ مِنَ النُّطْفَةِ إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ العادَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لا نُطْفَةَ إلّا مِن خَلْقٍ، ولا خَلْقَ إلّا مِن نُطْفَةٍ، لَزِمَ التَّسَلْسُلُ ولَزِمَ حُدُوثُ الحَوادِثِ في الأزَلِ وهو مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى لا مِن نُطْفَةٍ أوْ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى لا مِن إنْسانٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مُحالًا مُمْتَنِعًا لَما طَلَبَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ لَيْسَ لِلِاسْتِبْعادِ، بَلْ ذَكَرَ العُلَماءُ فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (أنّى) مَعْناهُ: مِن أيْنَ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: كَيْفَ تُعْطِي ولَدًا عَلى القِسْمِ الأوَّلِ أمْ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ حُدُوثَ الوَلَدِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُعِيدَ اللَّهُ شَبابَهُ ثُمَّ يُعْطِيَهُ الوَلَدَ مَعَ شَيْخُوخَتِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تُعْطِي الوَلَدَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ أمْ عَلى القِسْمِ الثّانِي ؟ فَقِيلَ لَهُ كَذَلِكَ، أيْ عَلى هَذا الحالِ واللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ الحَسَنُ والأصَمُّ.
والثّانِي: أنَّ مَن كانَ آيِسًا مِنَ الشَّيْءِ مُسْتَبْعِدًا لِحُصُولِهِ ووُقُوعِهِ إذا اتَّفَقَ أنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ المَقْصُودُ فَرُبَّما صارَ كالمَدْهُوشِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ فَيَقُولُ: كَيْفَ حَصَلَ هَذا ومِن أيْنَ وقَعَ هَذا ؟! كَمَن يَرى إنْسانًا وهَبَهُ أمْوالًا عَظِيمَةً، يَقُولُ كَيْفَ وهَبْتَ هَذِهِ الأمْوالَ، ومِن أيْنَ سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِهِبَتِها ؟ فَكَذا هاهُنا لَمّا كانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْتَبْعِدًا لِذَلِكَ، ثُمَّ اتَّفَقَ إجابَةُ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ، صارَ مِن عِظَمِ فَرَحِهِ وسُرُورِهِ قالَ ذَلِكَ الكَلامَ.
الثّالِثُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرُوهُ بِيَحْيى لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ يُرْزَقُ الوَلَدَ مِن جِهَةِ أُنْثى أوْ مِن صُلْبِهِ، فَذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِذَلِكَ الِاحْتِمالِ.
الرّابِعُ: أنَّ العَبْدَ إذا كانَ في غايَةِ الِاشْتِياقِ إلى شَيْءٍ فَطَلَبَهُ مِنَ السَّيِّدِ، ثُمَّ إنَّ السَّيِّدَ يَعِدُهُ بِأنَّهُ سَيُعْطِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فالتَذَّ السّائِلُ بِسَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ، فَرُبَّما أعادَ السُّؤالَ لِيُعِيدَ ذَلِكَ الجَوابَ فَحِينَئِذٍ يَلْتَذُّ بِسَماعِ تِلْكَ الإجابَةِ مَرَّةً أُخْرى، فالسَّبَبُ في إعادَةِ زَكَرِيّا هَذا الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن هَذا البابِ.
الخامِسُ: نَقَلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: كانَ دُعاؤُهُ قَبْلَ البِشارَةِ بِسِتِّينَ سَنَةً حَتّى كانَ قَدْ نُسِّيَ ذَلِكَ السُّؤالَ وقْتَ البِشارَةِ فَلَمّا سَمِعَ البِشارَةَ زَمانَ الشَّيْخُوخَةِ لا جَرَمَ اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ عَلى مَجْرى العادَةِ لا شَكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ ما قالَ.
السّادِسُ: نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ سَماعِ البِشارَةِ فَقالَ: إنَّ هَذا الصَّوْتَ مِنَ الشَّيْطانِ، وقَدْ سَخِرَ مِنكَ فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ وكانَ مَقْصُودُهُ مِن هَذا الكَلامِ أنْ يُرِيَهُ اللَّهُ تَعالى آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ الوَحْيِ والمَلائِكَةِ لا مِن إلْقاءِ
صفحة ٣٥
الشَّيْطانِ قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَشْتَبِهَ كَلامُ المَلائِكَةِ بِكَلامِ الشَّيْطانِ عِنْدَ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إذْ لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ عَنْ كُلِّ الشَّرائِعِ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ الوَحْيِ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ لا جَرَمَ حَصَلَ الوُثُوقُ هُناكَ بِأنَّ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ ولا مَدْخَلَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ، أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ الدُّنْيا وبِالوَلَدِ فَرُبَّما لَمْ يَتَأكَّدْ ذَلِكَ المُعْجِزُ فَلا جَرَمَ بَقِيَ احْتِمالُ كَوْنِ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ فَلا جَرَمَ رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يُزِيلَ عَنْ خاطِرِهِ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الكِبَرُ مَصْدَرُ كَبِرَ الرَّجُلُ يَكْبَرُ إذا أسَنَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَوْمَ بُشِّرَ بِالوَلَدِ ابْنَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ وكانَتِ امْرَأتُهُ بِنْتَ تِسْعِينَ وثَمانٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: كُلُّ شَيْءٍ صادَفْتَهُ وبَلَغْتَهُ فَقَدْ صادَفَكَ وبَلَغَكَ، وكُلَّما جازَ أنْ يَقُولَ: بَلَغْتُ الكِبَرَ جازَ أنْ يَقُولَ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ العَرَبِ: لَقِيتُ الحائِطَ، وتَلَقّانِي الحائِطُ.
فَإنْ قِيلَ: يَجُوزُ بَلَغَنِيَ البَلَدُ في مَوْضِعِ بَلَغْتُ البَلَدَ ؟ قُلْنا: هَذا لا يَجُوزُ، والفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّ الكِبَرَ كالشَّيْءِ الطّالِبِ لِلْإنْسانِ فَهو يَأْتِيهِ بِحُدُوثِهِ فِيهِ، والإنْسانُ أيْضًا يَأْتِيهِ بِمُرُورِ السِّنِينَ عَلَيْهِ، أمّا البَلَدُ فَلَيْسَ كالطّالِبِ لِلْإنْسانِ الذّاهِبِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ العاقِرَ مِنَ النِّساءِ الَّتِي لا تَلِدُ، يُقالُ: عَقَرَ يَعْقِرُ عَقْرًا، ويُقالُ أيْضًا: عَقَرَ الرَّجُلُ، وعَقُرَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثَةِ في القافِ إذا لَمْ يُحْمَلْ لَهُ، ورَمْلٌ عاقِرٌ: لا يُنْبِتُ شَيْئًا، واعْلَمْ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ كِبَرَ نَفْسِهِ مَعَ كَوْنِ زَوْجَتِهِ عاقِرًا لِتَأْكِيدِ حالِ الِاسْتِبْعادِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (قالَ) عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، وهو الرَّبُّ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ تَعالى، وأنْ يَكُونَ هو جِبْرِيلَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الصِّفَةِ اللَّهُ، ويَفْعَلُ ما يَشاءُ بَيانٌ لَهُ، أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.
3:41Страница 55
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١
Закария (Захария) сказал: «Господи! Покажи мне знамение». Аллах сказал: «Твое знамение будет в том, что ты будешь три дня разговаривать с людьми только знаками. Много поминай своего Господа и славь Его перед закатом и утром».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾
واعْلَمْ أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفَرْطِ سُرُورِهِ بِما بُشِّرِ بِهِ وثِقَتِهِ بِكَرَمِ رَبِّهِ وإنْعامِهِ عَلَيْهِ أحَبَّ أنْ يَجْعَلَ لَهُ
صفحة ٣٦
عَلامَةً تَدُلُّ عَلى حُصُولِ العُلُوقِ، وذَلِكَ لِأنَّ العُلُوقَ لا يَظْهَرُ في أوَّلِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ هاهُنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، وذَكَرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ثَلاثَ لَيالٍ فَدَلَّ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ تِلْكَ الآيَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الأيّامِ الثَّلاثَةِ مَعَ لَيالِيها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى حَبَسَ لِسانَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَلَمْ يَقْدِرْ أنْ يُكَلِّمَ النّاسَ إلّا رَمْزًا، وفِيهِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ آيَةً عَلى عُلُوقِ الوَلَدِ.
والثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَبَسَ لِسانَهُ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيا، وأقْدَرَهُ عَلى الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ، لِيَكُونَ في تِلْكَ المُدَّةِ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وبِالطّاعَةِ والشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ الجَسِيمَةِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ الشَّيْءُ الواحِدُ عَلامَةً عَلى المَقْصُودِ، وأداءً لِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، فَيَكُونُ جامِعًا لِكُلِّ المَقاصِدِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ تِلْكَ الواقِعَةَ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى المُعْجِزِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى التَّكَلُّمِ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ، وعَجْزَهُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِأُمُورِ الدُّنْيا مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ.
وثانِيها: أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ المُعْجِزِ في تِلْكَ الأيّامِ المَقْدُورَةِ مَعَ سَلامَةِ البِنْيَةِ واعْتِدالِ المِزاجِ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ.
وثالِثُها: أنَّ إخْبارَهُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ فَقَدْ حَصَلَ الوَلَدُ، ثُمَّ إنَّ الأمْرَ خَرَجَ عَلى وفْقِ هَذا الخَبَرِ يَكُونُ أيْضًا مِنَ المُعْجِزاتِ.
القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ المَعْنى أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى آيَةً تَدُلُّهُ عَلى حُصُولِ العُلُوقِ، قالَ آيَتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ، أيْ تَصِيرُ مَأْمُورًا بِأنْ لا تَتَكَلَّمَ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها مَعَ الخَلْقِ، أيْ تَكُونُ مُشْتَغِلًا بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ مُعْرِضًا عَنِ الخَلْقِ والدُّنْيا شاكِرًا اللَّهَ تَعالى عَلى إعْطاءِ مِثْلِ هَذِهِ المَوْهِبَةِ، فَإنْ كانَتْ لَكَ حاجَةٌ دُلَّ عَلَيْها بِالرَّمْزِ فَإذا أُمِرْتَ بِهَذِهِ الطّاعَةِ فاعْلَمْ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي حَسَنٌ مَعْقُولٌ، وأبُو مُسْلِمٍ حَسَنُ الكَلامِ في التَّفْسِيرِ، كَثِيرُ الغَوْصِ عَلى الدَّقائِقِ واللَّطائِفِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عُوقِبَ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ سَألَ الآيَةَ بَعْدَ بِشارَةِ المَلائِكَةِ فَأُخِذَ لِسانُهُ وصُيِّرَ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا رَمْزًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ الرَّمْزِ الحَرَكَةُ، يُقالُ: ارْتَمَزَ إذا تَحَرَّكَ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ: الرّامُوزُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالرَّمْزِ هاهُنا عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الإشارَةِ كَيْفَ كانَتْ بِاليَدِ، أوِ الرَّأْسِ، أوِ الحاجِبِ، أوِ العَيْنِ، أوِ الشَّفَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ بِاللَّفْظِ مِن غَيْرِ نُطْقٍ وصَوْتٍ. قالُوا: وحَمْلُ الرَّمْزِ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى؛ لِأنَّ الإشارَةَ بِالشَّفَتَيْنِ يُمْكِنُ وُقُوعُها بِحَيْثُ تَكُونُ حَرَكاتُ الشَّفَتَيْنِ وقْتَ الرَّمْزِ مُطابِقَةً لِحَرَكاتِهِما عِنْدَ النُّطْقِ فَيَكُونُ الِاسْتِدْلالُ بِتِلْكَ الحَرَكاتِ عَلى المَعانِي الذِّهْنِيَّةِ أسْهَلَ.
والثّالِثُ: وهو أنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِالكَلامِ الخَفِيِّ، وأمّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ فَكانَ مَمْنُوعًا مِنهُ.
فَإنْ قِيلَ: الرَّمْزُ لَيْسَ مِن جِنْسِ الكَلامِ فَكَيْفَ اسْتُثْنِيَ مِنهُ ؟
قُلْنا: لَمّا أدّى ما هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ سُمِّيَ كَلامًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا فَأمّا إنْ
صفحة ٣٧
حَمَلْنا الرَّمْزَ عَلى الكَلامِ الخَفِيِّ فَإنَّ الإشْكالَ زائِلٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ”إلّا رُمُزًا“ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ رَمُوزٍ، كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، وقُرِئَ ”رَمَزًا“ بِفَتْحِ الرّاءِ والمِيمِ جَمْعُ رامِزٍ، كَخادِمٍ وخَدَمٍ، وهو حالٌ مِنهُ ومِنَ النّاسِ، ومَعْنى ”إلّا رَمْزًا“ إلّا مُتَرامِزِينَ، كَما يَتَكَلَّمُ النّاسُ مَعَ الأخْرَسِ بِالإشارَةِ ويُكَلِّمُهم.
* * *
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى حَبَسَ لِسانَهُ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيا ”إلّا رَمْزًا“ فَأمّا في الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، فَقَدْ كانَ لِسانُهُ جَيِّدًا، وكانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ. والثّانِي: إنَّ المُرادَ مِنهُ الذِّكْرُ بِالقَلْبِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ المُسْتَغْرِقِينَ في بِحارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى عادَتُهم في الأوَّلِ أنْ يُواظِبُوا عَلى الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ مُدَّةً فَإذا امْتَلَأ القَلْبُ مِن نُورِ ذِكْرِ اللَّهِ سَكَتَ اللِّسانُ وبَقِيَ الذِّكْرُ في القَلْبِ، ولِذَلِكَ قالُوا: مَن عَرَفَ اللَّهَ كَلَّ لِسانُهُ، فَكَأنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُمِرَ بِالسُّكُوتِ واسْتِحْضارِ مَعانِي الذِّكْرِ والمَعْرِفَةِ واسْتِدامَتِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: (العَشِيِّ) مِن حِينِ نُزُولِ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، قالَ الشّاعِرُ:
فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
والفَيْءُ، إنَّما يَكُونُ مِن حِينِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَتَناهى غُرُوبُها، وأمّا الإبْكارُ فَهو مَصْدَرُ بَكَّرَ يُبَكِّرُ إذا خَرَجَ لِلْأمْرِ في أوَّلِ النَّهارِ، ومِثْلُهُ بَكَرَ وابْتَكَرَ وبَكَّرَ، ومِنهُ الباكُورَةُ لِأوَّلِ الثَّمَرَةِ، هَذا هو أصْلُ اللُّغَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى الضُّحى: إبْكارًا، كَما سُمِّيَ إصْباحًا، وقَرَأ بَعْضُهم ”والأبْكارِ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، جَمْعُ بَكَرٍ كَسَحَرٍ وأسْحارٍ، ويُقالُ: أتَيْتُهُ بَكَرًا بِفَتْحَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: (وسَبِّحْ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ: وصَلِّ لِأنَّ الصَّلاةَ تُسَمّى تَسْبِيحًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ وأيْضًا الصَّلاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، فَجازَ تَسْمِيَةُ الصَّلاةِ بِالتَّسْبِيحِ، وهاهُنا الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى وُقُوعِ هَذا المُحْتَمَلِ وهو مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها وهو قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ فَرْقٌ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ غَيْرُ جائِزٍ.
والثّانِي: وهو أنَّهُ شَدِيدُ المُوافَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [ هُودٍ: ١١٤]، وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии