Ар-РазиАль Имран · 3:78–80

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:78–80

3:78Страница 60

وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٨

Среди них есть такие, которые искажают Писание своими языками, чтобы вы приняли за Писание то, что не относится к нему. Они говорят: «Это - от Аллаха». А ведь это вовсе не от Аллаха! Они сознательно возводят навет на Аллаха.

﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ نازِلَةٌ في اليَهُودِ بِلا شَكٍّ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في حَقِّ اليَهُودِ وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ نازِلَةً في اليَهُودِ أيْضًا، واعْلَمْ أنَّ ”اللَّيَّ“ عِبارَةٌ عَنْ عَطْفِ الشَّيْءِ ورَدِّهِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى الِاعْوِجاجِ، يُقالُ: لَوَيْتُ يَدَهُ، والتَوى الشَّيْءُ إذا انْحَرَفَ، والتَوى فُلانٌ عَلَيَّ إذا غَيَّرَ أخْلاقَهُ عَنِ الِاسْتِواءِ إلى ضِدِّهِ، ولَوى لِسانَهُ عَنْ كَذا إذا غَيَّرَهُ، ولَوى فُلانًا عَنْ رَأْيِهِ إذا أمالَهُ عَنْهُ، وفي الحَدِيثِ: ”«لَيُّ الواجِدِ ظُلْمٌ» “، وقالَ تَعالى: ﴿وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] .

إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَفي تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُ: ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ﴾ مَعْناهُ وأنْ يَعْمِدُوا إلى اللَّفْظَةِ فَيُحَرِّفُونَها في حَرَكاتِ الإعْرابِ تَحْرِيفًا يَتَغَيَّرُ بِهِ المَعْنى، وهَذا كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ فَلا يَبْعُدُ مِثْلُهُ في العِبْرانِيَّةِ، فَلَمّا فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ في الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ التَّوْراةِ كانَ ذَلِكَ هو المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ﴾، وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ.

الثّانِي: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: إنَّ النَّفَرَ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ كَتَبُوا كِتابًا شَوَّشُوا فِيهِ نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وخَلَطُوهُ بِالكِتابِ الَّذِي كانَ فِيهِ نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ قالُوا: ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ لَيَّ اللِّسانِ تَثَنِّيهِ بِالتَّشَدُّقِ والتَّنَطُّعِ والتَّكَلُّفِ وذَلِكَ مَذْمُومٌ، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قِراءَتِهِمْ لِذَلِكَ الكِتابِ الباطِلِ بِلَيِّ اللِّسانِ ذَمًّا لَهم وعَيْبًا ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْها بِالقِراءَةِ، والعَرَبُ تُفَرِّقُ بَيْنَ ألْفاظِ المَدْحِ والذَّمِّ في الشَّيْءِ الواحِدِ، فَيَقُولُونَ في المَدْحِ: خَطِيبٌ مُصْقِعٌ، وفي الذَّمِّ: مِكْثارٌ ثَرْثارٌ.

فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ المُرادُ قِراءَةُ ذَلِكَ الكِتابِ الباطِلِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، ثُمَّ قالَ: ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ وما هو الكِتابُ الحَقُّ المُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بَقِيَ هاهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إلى ما يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (لِتَحْسَبُوهُ) ؟

صفحة ٩٥

الجَوابُ: إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ﴾ وهو المُحَرَّفُ.

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ يُمْكِنُ إدْخالُ التَّحْرِيفِ في التَّوْراةِ مَعَ شُهْرَتِها العَظِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ ؟

الجَوابُ: لَعَلَّهُ صَدَرَ هَذا العَمَلُ عَنْ نَفَرٍ قَلِيلٍ، يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّواطُؤُ عَلى التَّحْرِيفِ، ثُمَّ إنَّهم عَرَضُوا ذَلِكَ المُحَرَّفَ عَلى بَعْضِ العَوامِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ هَذا التَّحْرِيفُ مُمْكِنًا، والأصْوَبُ عِنْدِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ يُحْتاجُ فِيها إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ وتَأمُّلِ القَلْبِ، والقَوْمُ كانُوا يُورِدُونَ عَلَيْها الأسْئِلَةَ المُشَوَّشَةَ والِاعْتِراضاتِ المُظْلِمَةَ، فَكانَتْ تَصِيرُ تِلْكَ الدَّلائِلُ مُشْتَبِهَةً عَلى السّامِعِينَ، واليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ: مُرادُ اللَّهِ مِن هَذِهِ الآياتِ ما ذَكَرْناهُ لا ما ذَكَرْتُمْ، فَكانَ هَذا هو المُرادَ بِالتَّحْرِيفِ، وبِلَيِّ الألْسِنَةِ وهَذا مِثْلُ ما أنَّ المُحِقَّ في زَمانِنا إذا اسْتَدَلَّ بِآيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، فالمُبْطِلُ يُورِدُ عَلَيْهِ الأسْئِلَةَ والشُّبُهاتِ ويَقُولُ: لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ ما ذَكَرْتَ، فَكَذا في هَذِهِ الصُّورَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، وكُرِّرَ هَذا الكَلامُ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، أمّا المُحَقِّقُونَ فَقالُوا: المُغايَرَةُ حاصِلَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما لَمْ يَكُنْ في الكِتابِ لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ قَدْ ثَبَتَ تارَةً بِالكِتابِ، وتارَةً بِالسُّنَّةِ، وتارَةً بِالإجْماعِ، وتارَةً بِالقِياسِ والكُلُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا نَفْيٌ خاصٌّ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ النَّفْيُ العامُّ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ التَّوْراةَ، ويَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، أنَّهُ مَوْجُودٌ في كُتُبِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِثْلِ أشْعِياءَ، وأرْمِياءَ، وحَيْقُوقَ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ في نِسْبَةِ ذَلِكَ التَّحْرِيفِ إلى اللَّهِ كانُوا مُتَحَيِّرِينَ، فَإنْ وجَدُوا قَوْمًا مِنَ الأغْمارِ والبُلْهِ الجاهِلِينَ بِالتَّوْراةِ نَسَبُوا ذَلِكَ المُحَرَّفَ إلى أنَّهُ مِنَ التَّوْراةِ، وإنْ وجَدُوا قَوْمًا أذْكِياءَ زَعَمُوا أنَّهُ مَوْجُودٌ في كُتُبِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ بِهِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى فَقالا: لَوْ كانَ لَيُّ اللِّسانِ بِالتَّحْرِيفِ والكَذِبِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَصَدَقَ اليَهُودُ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَزِمَ الكَذِبُ في قَوْلِهِ تَعالى: إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم أضافُوا إلى اللَّهِ ما هو مِن عِنْدِهِ، واللَّهُ يَنْفِي عَنْ نَفْسِهِ ما هو مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ قالَ: وكَفى خِزْيًا لِقَوْمٍ يَجْعَلُونَ اليَهُودَ أوْلى بِالصِّدْقِ مِنَ اللَّهِ، قالَ: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَرْقٌ، وإذا لَمْ يَبْقَ الفَرْقُ لَمْ يَحْسُنِ العَطْفُ، وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْ هَذا السُّؤالِ أيْضًا مِن وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَ المَخْلُوقِ مِن عِنْدِ الخالِقِ أوْكَدَ مِن كَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ مِن عِنْدِ الآمِرِ بِهِ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الأقْوى أوْلى.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ مُطْلَقٌ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا يَنْفِي كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِن عِنْدِهِ لا بِالخَلْقِ ولا بِالحُكْمِ.

والجَوابُ: أمّا قَوْلُ الجُبّائِيِّ لَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ لَزِمَ التَّكْرارُ، فَجَوابُهُ ما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ في الكِتابِ وهَذا لا يَمْنَعُ مِن

صفحة ٩٦

كَوْنِهِ حُكْمًا لِلَّهِ تَعالى ثابِتًا بِقَوْلِ الرَّسُولِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثَبَتَ نَفْيُ كَوْنِهِ حُكْمًا لِلَّهِ تَعالى وعَلى هَذا الوَجْهِ زالَ التَّكْرارُ.

وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الكَعْبِيُّ، فَجَوابُهُ: أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُنْطَبِقًا عَلى السُّؤالِ، والقَوْمُ ما كانُوا في ادِّعاءِ أنَّ ما ذَكَرُوهُ وفَعَلُوهُ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، بَلْ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ ونازِلٌ في كِتابِهِ.

فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ عائِدًا إلى هَذا المَعْنى لا إلى غَيْرِهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَظْهَرُ فَسادُ ما ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الثّانِي واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾، والمَعْنى أنَّهم يَتَعَمَّدُونَ ذَلِكَ الكَذِبَ مَعَ العِلْمِ.

واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ مِنَ التَّحْرِيفِ تَغْيِيرَ ألْفاظِ التَّوْراةِ، وإعْرابَ ألْفاظِها، فالمُقْدِمُونَ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا طائِفَةً يَسِيرَةً يَجُوزُ التَّواطُؤُ مِنهم عَلى الكَذِبِ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ تَشْوِيشَ دَلالَةِ تِلْكَ الآياتِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ في وُجُوهِ الِاسْتِدْلالاتِ لَمْ يَبْعُدْ إطْباقُ الخَلْقِ الكَثِيرِ عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

3:79–80Страница 60

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩

Если Аллах даровал человеку Писание, власть (знание или умение принимать решения) и пророчество, то ему не подобает говорить людям: «Будьте рабами мне, а не Аллаху». Напротив, будьте духовными наставниками, поскольку вы обучаете Писанию и изучаете его.

وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠

Ему также не подобает приказывать вам признавать ангелов и пророков своими господами. Разве он станет приказывать вам совершить неверие после того, как вы стали мусульманами?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ عادَةَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن جُمْلَةِ ما حَرَّفُوهُ ما زَعَمُوا أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، وأنَّهُ كانَ يَأْمُرُ قَوْمَهُ بِعِبادَتِهِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ الآيَةَ، وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّانِي: قِيلَ «إنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ مِنَ اليَهُودِ ورَئِيسَ وفْدِ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ أوْ أنْ نَأْمُرَ بِغَيْرِ عِبادَةِ اللَّهِ، فَما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي“»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّالِثُ:

صفحة ٩٧

«قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ» “ .

الرّابِعُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ أحَدًا لا يَنالُ مِن دَرَجاتِ الفَضْلِ والمَنزِلَةِ ما نالُوهُ، فاللَّهُ تَعالى قالَ لَهم: إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ وجَبَ أنْ لا تَشْتَغِلُوا بِاسْتِعْبادِ النّاسِ واسْتِخْدامِهِمْ ولَكِنْ يَجِبُ أنْ تَأْمُرُوا النّاسَ بِالطّاعَةِ لِلَّهِ والِانْقِيادِ لِتَكالِيفِهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكم أنْ تَحُثُّوا النّاسَ عَلى الإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ ظُهُورَ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وهَذا الوَجْهُ يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الآيَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ، أنَّهم لَوْ أرادُوا أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَمَنَعَهُمُ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥]، وقالَ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٤] .

الثّانِي: أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ لا يَحْسُنُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ ادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، مِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُمُ الكِتابَ والوَحْيَ وهَذا لا يَكُونُ إلّا في النُّفُوسِ الطّاهِرَةِ والأرْواحِ الطَّيِّبَةِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، والنَّفْسُ الطّاهِرَةُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصْدُرَ عَنْها هَذِهِ الدَّعْوى، ومِنها أنَّ إيتاءَ النُّبُوَّةِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ كَمالِ العِلْمِ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن هَذِهِ الدَّعْوى، وبِالجُمْلَةِ فَلِلْإنْسانِ قُوَّتانِ: نَظَرِيَّةٌ وعَمَلِيَّةٌ، وما لَمْ تَكُنِ القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ كامِلَةً بِالعُلُومِ والمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ ولَمْ تَكُنِ القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ مُطَهَّرَةً عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ لا تَكُونُ النَّفْسُ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ، وحُصُولُ الكَمالاتِ في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ يَمْنَعُ مِن مِثْلِ هَذا القَوْلِ والِاعْتِقادِ.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُشَرِّفُ عَبْدَهُ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ إلّا إذا عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقُولُ مِثْلَ هَذا الكَلامِ.

الرّابِعُ: أنَّ الرَّسُولَ ادَّعى أنَّهُ يُبَلِّغُ الأحْكامَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، واحْتَجَّ عَلى صِدْقِهِ في هَذِهِ الدَّعْوى فَلَوْ أمَرَهم بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ دَلالَةُ المُعْجِزَةِ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ ذَلِكَ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلى كُلِّ الخَلْقِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ آتاهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ، وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ التَّحْرِيمَ لَما كانَ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِلنَّصارى في ادِّعائِهِمْ ذَلِكَ عَلى المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ مَنِ ادَّعى عَلى رَجُلٍ فِعْلًا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ فُلانًا لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبًا لَهُ فِيما ادَّعى عَلَيْهِ، وإنَّما أرادَ في ادِّعائِهِمْ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُمُ: اتَّخِذُونِي إلَهًا مِن دُونِ اللَّهِ، فالمُرادُ إذَنْ ما قَدَّمْناهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] عَلى سَبِيلِ النَّفْيِ لِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، لا عَلى وجْهِ التَّحْرِيمِ والحَظْرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، والمُرادُ النَّفْيُ لا النَّهْيُ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ إشارَةٌ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ ذَكَرَها عَلى تَرْتِيبٍ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكِتابَ السَّماوِيَّ يَنْزِلُ أوَّلًا ثُمَّ إنَّهُ يَحْصُلُ في عَقْلِ النَّبِيِّ فَهْمُ ذَلِكَ الكِتابِ وإلَيْهِ

صفحة ٩٨

الإشارَةُ بِالحُكْمِ، فَإنَّ أهْلَ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ هو العِلْمُ، قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] يَعْنِي العِلْمَ والفَهْمَ، ثُمَّ إذا حَصَلَ فَهْمُ الكِتابِ، فَحِينَئِذٍ يُبَلِّغُ ذَلِكَ إلى الخَلْقِ وهو النُّبُوَّةُ فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: القِراءَةُ الظّاهِرَةُ، ثُمَّ يَقُولَ بِنَصْبِ اللّامِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِرَفْعِها، أمّا النَّصْبُ فَعَلى تَقْدِيرِ: لا تَجْتَمِعُ النُّبُوَّةُ وهَذا القَوْلُ، والعامِلُ فِيهِ ”أنْ“ وهو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ بِمَعْنى: ثُمَّ أنْ يَقُولَ، وأمّا الرَّفْعُ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَكى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أنَّهُ لُغَةُ مُزَيْنَةَ يَقُولُونَ لِلْعَبِيدِ عِبادًا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ يَقُولُ لَهم كُونُوا رَبّانِيِّينَ، فَأضْمَرَ القَوْلَ عَلى حَسَبِ مَذْهَبِ العَرَبِ في جَوازِ الإضْمارِ إذا كانَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أيْ فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ”الرَّبّانِيِّ“ أقْوالًا:

الأوَّلُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: الرَّبّانِيُّ المَنسُوبُ إلى الرَّبِّ، بِمَعْنى كَوْنِهِ عالِمًا بِهِ، ومُواظِبًا عَلى طاعَتِهِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ إلَهِيٌّ إذا كانَ مُقْبِلًا عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ وطاعَتِهِ، وزِيادَةُ الألِفِ والنُّونِ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما قالُوا: شَعْرانِيٌّ ولِحْيانِيٌّ ورَقَبانِيٌّ إذا وُصِفَ بِكَثْرَةِ الشَّعْرِ وطُولِ اللِّحْيَةِ وغِلَظِ الرَّقَبَةِ، فَإذا نَسَبُوا إلى الشَّعْرِ قالُوا: شَعْرِيٌّ، وإلى الرَّقَبَةِ رَقَبِيٌّ، وإلى اللِّحْيَةِ لِحْيِيٌّ.

والثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ ”الرَّبّانِيُّونَ“ أرْبابُ العِلْمِ واحِدُهم رَبّانِيٌّ، وهو الَّذِي يَرُبُّ العِلْمَ ويَرُبُّ النّاسَ أيْ: يُعَلِّمُهم ويُصْلِحُهم ويَقُومُ بِأمْرِهِمْ، فالألِفُ والنُّونُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالُوا: رَيّانُ وعَطْشانُ وشَبْعانُ وعُرْيانٌ، ثُمَّ ضُمَّتْ إلَيْهِ ياءُ النِّسْبَةِ كَما قِيلَ: لِحْيانِيٌّ ورَقَبانِيٌّ، قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ ”الرَّبّانِيُّ“ مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ عَلى مَعْنى التَّخْصِيصِ بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ وبِطاعَتِهِ، وعَلى قَوْلِ المُبَرِّدِ ”الرَّبّانِيُّ“ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّبّانِيُّ هو الَّذِي يَرُبُّ النّاسَ، فالرَّبّانِيُّونَ هم وُلاةُ الأُمَّةِ والعُلَماءُ، وذَكَرَ هَذا أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ [المائدة: ٦٣] أيِ الوُلاةُ والعُلَماءُ وهُما الفَرِيقانِ اللَّذانِ يُطاعانِ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لا أدْعُوكم إلى أنْ تَكُونُوا عِبادًا لِي، ولَكِنْ أدْعُوكم إلى أنْ تَكُونُوا مُلُوكًا وعُلَماءَ بِاسْتِعْمالِكم أمْرَ اللَّهِ تَعالى ومُواظَبَتِكم عَلى طاعَتِهِ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوالِي سُمِّيَ رَبّانِيًّا؛ لِأنَّهُ يُطاعُ كالرَّبِّ تَعالى، فَنُسِبَ إلَيْهِ.

الرّابِعُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أحْسَبُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ إنَّما هي عِبْرانِيَّةٌ، أوْ سُرْيانِيَّةٌ، وسَواءٌ كانَتْ عَرَبِيَّةً أوْ عِبْرانِيَّةً، فَهي تَدُلُّ عَلى الإنْسانِ الَّذِي عَلِمَ وعَمِلَ بِما عَلِمَ، واشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِ طُرُقِ الخَيْرِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما: (تَعْلَمُونَ) مِنَ العِلْمِ، وهي

صفحة ٩٩

قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، ونافِعٍ.

والثّانِيَةُ: (تُعَلِّمُونَ) مِنَ التَّعْلِيمِ وهي قِراءَةُ الباقِينَ مِنَ السَّبْعَةِ وكِلاهُما صَوابٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَهُ في أنْفُسِهِمْ ويُعَلِّمُونَهُ غَيْرَهم، واحْتَجَّ أبُو عَمْرٍو عَلى أنَّ قِراءَتَهُ أرْجَحُ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ: (تَدْرُسُونَ) ولَمْ يَقُلْ بِالتَّشْدِيدِ.

الثّانِي: أنَّ التَّشْدِيدَ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ والمَفْعُولُ هاهُنا واحِدٌ، وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالتَّشْدِيدِ فَزَعَمُوا أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ النّاسَ الكِتابَ، أوْ غَيْرَكُمُ الكِتابَ، وحُذِفَ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ بِهِ قَدْ يُحْذَفُ مِنَ الكَلامِ كَثِيرًا، ثُمَّ احْتَجُّوا عَلى أنَّ التَّشْدِيدَ أوْلى بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّعْلِيمَ يَشْتَمِلُ عَلى العِلْمِ ولا يَنْعَكِسُ فَكانَ التَّعْلِيمُ أوْلى.

الثّانِي: أنَّ الرَّبّانِيِّينَ لا يَكْتَفُونَ بِالعِلْمِ حَتّى يَضُمُّوا إلَيْهِ التَّعْلِيمَ لِلَّهِ تَعالى ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مُرَّةَ بْنِ شَراحِيلَ: كانَ عَلْقَمَةُ مِنَ الرَّبّانِيِّينَ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ القُرْآنَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلَ ابْنُ جِنِّي في ”المُحْتَسَبِ“، عَنْ أبِي حَيْوَةَ أنَّهُ قَرَأ (تُدْرِسُونَ) بِضَمِّ التّاءِ ساكِنَةِ الدّالِ مَكْسُورَةِ الرّاءِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا مَنقُولًا مِن دَرَسَ هو، أوْ دَرَّسَ غَيْرَهُ، وكَذَلِكَ قَرَأ وأقْرَأ غَيْرَهُ، وأكْثَرُ العَرَبِ عَلى دَرَسَ ودَرَّسَ، وعَلَيْهِ جاءَ المَصْدَرُ عَلى التَّدْرِيسِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ما“ في القِراءَتَيْنِ، هي الَّتِي بِمَعْنى المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ، والتَّقْدِيرُ: كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ ومُعَلِّمِينَ وبِسَبَبِ دِراسَتِكُمُ الكِتابَ، ومِثْلُ هَذا مِن كَوْنِ ”ما“ مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى المَصْدَرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥]، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ العِلْمَ والتَّعْلِيمَ والدِّراسَةَ تُوجِبُ عَلى صاحِبِها كَوْنَهُ رَبّانِيًّا، والسَّبَبُ لا مَحالَةَ مُغايِرٌ لِلْمُسَبِّبِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ رَبّانِيًّا، أمْرًا مُغايِرًا لِكَوْنِهِ عالِمًا، ومُعَلِّمًا، ومُواظِبًا عَلى الدِّراسَةِ، وما ذاكَ إلّا أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَكُونُ تَعَلُّمُهُ لِلَّهِ، وتَعْلِيمُهُ ودِراسَتُهُ لِلَّهِ، وبِالجُمْلَةِ أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُ إلى جَمِيعِ الأفْعالِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ، والصّارِفُ لَهُ عَنْ كُلِّ الأفْعالِ الهَرَبَ عَنْ عِقابِ اللَّهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الرَّسُولَ يَأْمُرُ جَمِيعَ الخَلْقِ بِهَذا المَعْنى ثَبَتَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنهُ أنْ يَأْمُرَ الخَلْقَ بِعِبادَتِهِ، وحاصِلُ الحَرْفِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو أنَّ الرَّسُولَ هو الَّذِي يَكُونُ مُنْتَهى جَهْدِهِ وجِدِّهِ صَرْفَ الأرْواحِ والقُلُوبِ عَنِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، فَمِثْلُ هَذا الإنْسانِ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَصْرِفَ عُقُولَ الخَلْقِ عَنْ طاعَةِ الحَقِّ إلى طاعَةِ نَفْسِهِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ يَمْتَنِعُ في أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِعِبادَتِهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العِلْمَ والتَّعْلِيمَ والدِّراسَةَ تُوجِبُ كَوْنَ الإنْسانِ رَبّانِيًّا، فَمَنِ اشْتَغَلَ بِالتَّعَلُّمِ والتَّعْلِيمِ لا لِهَذا المَقْصُودِ ضاعَ سَعْيُهُ وخابَ عَمَلُهُ وكانَ مِثْلُهُ مِثْلَ مَن غَرَسَ شَجَرَةً حَسْناءَ مُونِقَةً بِمَنظَرِها ولا مَنفَعَةَ بِثَمَرِها؛ ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وقَلْبٍ لا يَخْشَعُ» “ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ: ”ولا يَأْمُرَكم“ بِنَصْبِ الرّاءِ والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا النَّصْبُ فَوَجْهُهُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى: ”ثُمَّ يَقُولَ“ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ تُجْعَلَ ”لا“ مَزِيدَةً، والمَعْنى: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ويَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، كَما تَقُولُ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ أُكْرِمَهُ ثُمَّ يُهِينَنِي ويَسْتَخِفَّ بِي.

والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ ”لا“ غَيْرَ

صفحة ١٠٠

مَزِيدَةٍ، والمَعْنى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ، واليَهُودَ والنَّصارى عَنْ عِبادَةِ عُزَيْرٍ والمَسِيحِ، فَلَمّا قالُوا: أتُرِيدُ أنْ نَتَّخِذَكَ رَبًّا ؟ قِيلَ لَهم: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَةِ نَفْسِهِ ويَنْهاهم عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، وأمّا القِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ انْقِضاءِ الآيَةِ وتَمامِ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ عَنِ الأوَّلِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ”ولَنْ يَأْمُرَكم“ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ولا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا يَأْمُرُكم مُحَمَّدٌ، وقِيلَ: لا يَأْمُرُكُمُ الأنْبِياءُ بِأنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ أرْبابًا كَما فَعَلَتْهُ قُرَيْشٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما خَصَّ المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الَّذِينَ وُصِفُوا مِن أهْلِ الكِتابِ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُحْكَ عَنْهم إلّا عِبادَةُ المَلائِكَةِ وعِبادَةُ المَسِيحِ وعُزَيْرٍ، فَلِهَذا المَعْنى خَصَّهُما بِالذِّكْرِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الهَمْزَةُ في ”أيَأْمُرُكُمُ“ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُسْلِمِينَ وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا الرَّسُولَ ﷺ في أنْ يَسْجُدُوا لَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الكُفْرُ بِاللَّهِ هو الجَهْلُ بِهِ والإيمانُ بِاللَّهِ هو المَعْرِفَةُ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وظاهِرُ هَذا يَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ فَلَمّا حَصَلَ الكُفْرُ هاهُنا مَعَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإيمانَ بِهِ لَيْسَ هو المَعْرِفَةَ والكُفْرَ بِهِ تَعالى لَيْسَ هو الجَهْلَ بِهِ.

والجَوابُ: أنَّ قَوْلَنا: الكُفْرُ بِاللَّهِ هو الجَهْلُ بِهِ لا نَعْنِي بِهِ مُجَرَّدَ الجَهْلِ بِكَوْنِهِ مَوْجُودًا، بَلْ نَعْنِي بِهِ الجَهْلَ بِذاتِهِ وبِصِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ وصِفاتِهِ الإضافِيَّةِ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، فَلَمّا جَهِلَ هَذا فَقَدْ جَهِلَ بَعْضَ صِفاتِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English