Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:83–85
3:83Страница 60
أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٨٣
Неужели они ищут иной религии, помимо религии Аллаха, в то время, как Ему покорились все, кто на небесах и на земле, по своей воле или по принуждению, и к Нему они будут возвращены.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شَرْعٌ شَرَعَهُ اللَّهُ وأوْجَبَهُ عَلى جَمِيعِ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، لَزِمَ أنَّ كُلَّ مَن كَرِهَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ طالِبًا دِينًا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَلِهَذا قالَ بَعْدَهُ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”يَبْغُونَ“ و”يُرْجَعُونَ“ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتِها، لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: رَدًّا لِهَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] .
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ حِكايَةَ أخْذِ المِيثاقِ حَتّى يُبَيِّنَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَلْزَمُهُمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ قالَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِنْكارِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ”تَبْغُونَ“ بِالتّاءِ خِطابًا لِلْيَهُودِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ و”يُرْجَعُونَ“
صفحة ١٠٧
بِالياءِ لِيَرْجِعَ إلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وقَرَأ الباقُونَ فِيهِما بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ خِطابٌ كَقَوْلِهِ: ﴿أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ﴾، وأيْضًا فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ ولِكُلِّ أحَدٍ: أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ مَعَ عِلْمِكم بِأنَّهُ أسْلَمَ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ مَرْجِعَكم إلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ والمُرادُ اسْتِنْكارُ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ أوْ تَقْرِيرُ أنَّهم يَفْعَلُونَهُ، ومَوْضِعُ الهَمْزَةِ هو لَفْظَةُ ”يَبْغُونَ“ تَقْدِيرُهُ: أيَبْغُونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ ؟ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ إنَّما يَكُونُ عَنِ الأفْعالِ والحَوادِثِ، إلّا أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ المَفْعُولَ الَّذِي هو (غَيْرَ دِينِ اللَّهِ) عَلى فِعْلِهِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْبُودِ الباطِلِ، وأمّا الفاءُ فَلِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: التَّقْدِيرُ: فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ، فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَوْ قِيلَ أوَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ جازَ إلّا أنَّ في الفاءِ فائِدَةً زائِدَةً كَأنَّهُ قِيلَ: أفَبَعْدَ أخْذِ هَذا المِيثاقِ المُؤَكَّدِ بِهَذِهِ التَّأْكِيداتِ البَلِيغَةِ تَبْغُونَ ؟ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «رُوِيَ أنَّ فَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ اخْتَصَمُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ادَّعى أنَّهُ أوْلى بِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالُوا: ما نَرْضى بِقَضائِكَ ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ويَبْعُدُ عِنْدِي حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا السَّبَبِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، والِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَها بِما قَبْلَها، فالوَجْهُ في الآيَةِ أنَّ هَذا المِيثاقَ لَمّا كانَ مَذْكُورًا في كُتُبِهِمْ وهم كانُوا عارِفِينَ بِذَلِكَ، فَقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النُّبُوَّةِ، فَلَمْ يَبْقَ لِكُفْرِهِمْ سَبَبٌ إلّا مُجَرَّدَ العَداوَةِ والحَسَدِ فَصارُوا كَإبْلِيسَ الَّذِي دَعاهُ الحَسَدُ إلى الكُفْرِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَتى كانُوا طالِبِينَ دِينًا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، ومَعْبُودًا سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
* * *
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّمَرُّدَ عَلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضَ عَنْ حُكْمِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ فَقالَ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإسْلامُ، هو الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ والخُضُوعُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَفي خُضُوعِ كُلِّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ عِنْدِي أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِهِ ولا يُعْدَمُ إلّا بِإعْدامِهِ، فَإذَنْ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو مُنْقادٌ خاضِعٌ لِجَلالِ اللَّهِ في طَرَفَيْ وُجُودِهِ وعَدَمِهِ، وهَذا هو نِهايَةُ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ، ثُمَّ إنَّ في هَذا الوَجْهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى وهي أنَّ قَوْلَهُ: ”﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾“ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ ولَهُ أسْلَمَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ لا لِغَيْرِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تُفِيدُ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا بِتَكْوِينِهِ ولا يَفْنى إلّا بِإفْنائِهِ سَواءٌ كانَ عَقْلًا أوْ نَفْسًا أوْ رُوحًا أوْ جِسْمًا أوْ جَوْهَرًا أوْ عَرَضًا أوْ فاعِلًا أوْ فِعْلًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
الوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى الِامْتِناعِ عَلَيْهِ في مُرادِهِ، وإمّا أنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِ
صفحة ١٠٨
طَوْعًا أوْ كَرْهًا، فالمُسْلِمُونَ الصّالِحُونَ يَنْقادُونَ لِلَّهِ طَوْعًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، ويَنْقادُونَ لَهُ كَرْهًا فِيما يُخالِفُ طِباعَهم مِنَ المَرَضِ والفَقْرِ والمَوْتِ وأشْباهِ ذَلِكَ، وأمّا الكافِرُونَ فَهم يَنْقادُونَ لِلَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ حالٍ كَرْهًا لِأنَّهم لا يَنْقادُونَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مُسْتَسْلِمُونَ لَهُ سُبْحانَهُ كَرْهًا؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُهم دَفْعُ قَضائِهِ وقَدَرِهِ. الثّالِثُ: أسْلَمَ المُسْلِمُونَ طَوْعًا، والكافِرُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ كَرْهًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] .
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ الخَلْقِ مُنْقادُونَ لِإلَهِيَّتِهِ طَوْعًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ومُنْقادُونَ لِتَكالِيفِهِ وإيجادِهِ لِلْآلامِ كَرْهًا. الخامِسُ: أنَّ انْقِيادَ الكُلِّ إنَّما حَصَلَ وقْتَ أخْذِ المِيثاقِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
السّادِسُ: قالَ الحَسَنُ: الطَّوْعُ لِأهْلِ السَّماواتِ خاصَّةً، وأمّا أهْلُ الأرْضِ فَبَعْضُهم بِالطَّوْعِ وبَعْضُهم بِالكُرْهِ. وأقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ هَذا وهو قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وفِيهِ أسْرارٌ عَجِيبَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، فالمُرادُ أنَّ مَن خالَفَهُ في العاجِلِ فَسَيَكُونُ مَرْجِعُهُ إلَيْهِ، والمُرادُ إلى حَيْثُ لا يَمْلِكُ الضُّرَّ والنَّفْعَ سِواهُ، وهَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ لِمَن خالَفَ الدِّينَ الحَقَّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الطَّوْعُ الِانْقِيادُ، يُقالُ: طاعَهُ يَطُوعُهُ طَوْعًا إذا انْقادَ لَهُ وخَضَعَ، وإذا مَضى لِأمْرِهِ فَقَدْ أطاعَهُ، وإذا وافَقَهُ فَقَدْ طاوَعَهُ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ طاعَ لَهُ وأطاعَ، فانْتَصَبَ طَوْعًا وكَرْهًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، وتَقْدِيرُهُ طائِعًا وكارِهًا، كَقَوْلِكَ أتانِي راكِضًا، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أتانِي كَلامًا أيْ مُتَكَلِّمًا؛ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ بِضَرْبٍ لِلْإتْيانِ واللَّهُ أعْلَمُ.
3:84Страница 61
قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٨٤
Скажи: «Мы уверовали в Аллаха и в ниспосланное нам, в ниспосланное Ибрахиму (Аврааму), Исмаилу (Измаилу), Исхаку (Исааку), Йакубу (Иакову) и коленам (двенадцати сыновьям Йакуба) ивдарованное Мусе (Моисею), Исе (Иисусу) и пророкам от их Господа. Мы не делаем различий между ними, и Ему одному мы покоряемся».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ إنَّما أخَذَ المِيثاقَ عَلى الأنْبِياءِ في تَصْدِيقِ الرَّسُولِ الَّذِي يَأْتِي مُصَدِّقًا لِما مَعَهم بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِن صِفَةِ - مُحَمَّدٍ ﷺ - كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، فَقالَ: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وُحِّدَ الضَّمِيرُ في ”قُلْ“، وجُمِعَ في ”آمَنّا“ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حِينَ خاطَبَهُ، إنَّما خاطَبَهُ بِلَفْظِ الوُحْدانِ، وعَلَّمَهُ أنَّهُ حِينَ يُخاطِبُ القَوْمَ يُخاطِبُهم بِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ
صفحة ١٠٩
والتَّفْخِيمِ، مِثْلَما يَتَكَلَّمُ المُلُوكُ والعُظَماءُ.
والثّانِي: أنَّهُ خاطَبَهُ أوَّلًا بِخِطابِ الوُحْدانِ لِيَدُلَّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّهُ لا مُبَلِّغَ لِهَذا التَّكْلِيفِ مِنَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ إلّا هو، ثُمَّ قالَ: ”آمَنّا“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ حِينَ يَقُولُ هَذا القَوْلَ فَإنَّ أصْحابَهُ يُوافِقُونَهُ عَلَيْهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى عَيَّنَهُ في هَذا التَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ ”قُلْ“ لِيُظْهِرَ بِهِ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم ثُمَّ قالَ ”آمَنّا“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مِن خَواصِّهِ، بَلْ هو لازِمٌ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدَّمَ الإيمانَ بِاللَّهِ عَلى الإيمانِ بِالأنْبِياءِ، لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ أصْلُ الإيمانِ بِالنُّبُوَّةِ، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لِأنَّ كُتُبَ سائِرِ الأنْبِياءِ حَرَّفُوها وبَدَّلُوها فَلا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِها إلّا بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكانَ ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ كالأصْلِ لِما أُنْزِلَ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ فَلِهَذا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ، وفي المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ ذَكَرَ بَعْضَ الأنْبِياءِ وهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ يَعْتَرِفُ أهْلُ الكِتابِ بِوُجُودِهِمْ، ويَخْتَلِفُونَ في نُبُوَّتِهِمْ، ”والأسْباطُ“ هم أسْباطُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهَ أُمَمَهُمُ الِاثْنَيْ عَشَرَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وإنَّما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى الإقْرارَ بِنُبُوَّةِ كُلِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِفَوائِدَ: إحْداها: إثْباتُ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُصَدِّقًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ هَذا الشَّرْطَ كانَ مُعْتَبَرًا في أخْذِ المِيثاقِ.
وثانِيها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَذاهِبَ أهْلِ الكِتابِ مُتَناقِضَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم إنَّما يُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ الَّذِي يُصَدِّقُونَهُ لِمَكانِ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ عَلَيْهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلَيْهِ كانَ نَبِيًّا، وعَلى هَذا يَكُونُ تَخْصِيصُ البَعْضِ بِالتَّصْدِيقِ والبَعْضِ بِالتَّكْذِيبِ مُتَناقِضًا، بَلِ الحَقُّ تَصْدِيقُ الكُلِّ والِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ الكُلِّ.
وثالِثُها: أنَّهُ قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إصْرارَهم عَلى تَكْذِيبِ بَعْضِ الأنْبِياءِ إعْراضٌ عَنْ دِينِ اللَّهِ ومُنازَعَةٌ مَعَ اللَّهِ، فَهاهُنا أظْهَرَ الإيمانَ بِنُبُوَّةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، لِيَزُولَ عَنْهُ وعَنْ أُمَّتِهِ ما وصَفَ أهْلَ الكِتابِ بِهِ مِن مُنازَعَةِ اللَّهِ في الحُكْمِ والتَّكْلِيفِ.
ورابِعُها: أنَّ في الآيَةِ الأُولى ذَكَرَ أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ عَلى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ أنْ يُؤْمِنُوا بِكُلِّ مَن أتى بَعْدَهم مِنَ الرُّسُلِ، وهاهُنا أخَذَ المِيثاقَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنْ يُؤْمِنَ بِكُلِّ مَن أتى قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ولَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ المِيثاقَ لِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً مِن هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ البَتَّةَ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ عَدّى ”أُنْزِلَ“ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، وفِيما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِها بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ ؟ قُلْنا: لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الوَحْيَ يَنْزِلُ مِن فَوْقَ ويَنْتَهِي إلى الرُّسُلِ، فَجاءَ تارَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ وأُخْرى بِالآخَرِ، وقِيلَ أيْضًا إنَّما قِيلَ: ”عَلَيْنا“ في حَقِّ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ الوَحْيَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ ”وإلَيْنا“ في حَقِّ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ الوَحْيَ يَأْتِيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ عَلى وجْهِ الِانْتِهاءِ وهَذا تَعَسُّفٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ)، (وأنْزَلَ إلَيْكَ الكِتابَ)، وإلى قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ الإيمانَ بِهَؤُلاءِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا ونُسِخَتْ شَرائِعُهم كَيْفَ يَكُونُ ؟ وحَقِيقَةُ الخِلافِ، أنَّ شَرْعَهُ لَمّا صارَ مَنسُوخًا، فَهَلْ تَصِيرُ نُبُوَّتُهُ مَنسُوخَةً ؟ فَمَن قالَ إنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً قالَ: نُؤْمِنُ أنَّهم كانُوا أنْبِياءَ ورُسُلًا، ولا نُؤْمِنُ بِأنَّهُمُ الآنَ أنْبِياءُ ورُسُلٌ، ومَن قالَ: إنَّ نَسْخَ الشَّرِيعَةِ لا يَقْتَضِي نَسْخَ النُّبُوَّةِ، قالَ: نُؤْمِنُ أنَّهم أنْبِياءُ ورُسُلٌ في الحالِ. فَتَنَبَّهْ لِهَذا المَوْضِعِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: التَّفَرُّقُ قَدْ يَكُونُ بِتَفْضِيلِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ القَوْلِ بِأنَّهم ما كانُوا عَلى سَبِيلٍ واحِدٍ في الطّاعَةِ لِلَّهِ، والمُرادُ
صفحة ١١٠
مِن هَذا الوَجْهِ يَعْنِي: نُقِرُّ بِأنَّهم كانُوا بِأسْرِهِمْ عَلى دِينٍ واحِدٍ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وفي الِانْقِيادِ لِتَكالِيفِ اللَّهِ.
الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ بِأنْ نُؤْمِنَ بِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ كَما تَفَرَّقَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ ”﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾“ أيْ لا نُفَرِّقُ ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وذَمَّ قَوْمًا وصَفَهم بِالتَّفَرُّقِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: إنَّ إقْرارَنا بِنُبُوَّةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ إنَّما كانَ لِأجْلِ كَوْنِنا مُنْقادِينَ لِلَّهِ تَعالى مُسْتَسْلِمِينَ لِحُكْمِهِ وأمْرِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَهُ عَلى خِلافِ الَّذِينَ خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾“ أيْ مُسْتَسْلِمُونَ لِأمْرِ اللَّهِ بِالرِّضا وتَرْكِ المُخالَفَةِ وتِلْكَ صِفَةُ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وهم أهْلُ السِّلْمِ والكافِرُونَ يُوصَفُونَ بِالمُحارَبَةِ لِلَّهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] . الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والتَّقْدِيرُ: لَهُ أسْلَمْنا لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن سُمْعَةٍ ورِياءٍ وطَلَبِ مالٍ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَهم بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ فَإنَّهم لا يَفْعَلُونَ ولا يَقُولُونَ إلّا لِلسُّمْعَةِ والرِّياءِ وطَلَبِ الأمْوالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
3:85Страница 61
وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥
От того, кто ищет иную религию помимо ислама, это никогда не будет принято, и в Последней жизни он окажется среди потерпевших урон.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في آخِرِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدِّينَ لَيْسَ إلّا الإسْلامُ، وأنَّ كُلَّ دِينٍ سِوى الإسْلامِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللَّهِ، لِأنَّ القَبُولَ لِلْعَمَلِ هو أنْ يَرْضى اللَّهُ ذَلِكَ العَمَلَ، ويَرْضى عَنْ فاعِلِهِ ويُثِيبَهُ عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن لَهُ دِينٌ سِوى الإسْلامِ فَكَما أنَّهُ لا يَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الخاسِرِينَ، والخُسْرانُ في الآخِرَةِ يَكُونُ بِحِرْمانِ الثَّوابِ، وحُصُولِ العِقابِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يَلْحَقُهُ مِنَ التَّأسُّفِ والتَّحَسُّرِ عَلى ما فاتَهُ في الدُّنْيا مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، وعَلى ما تَحَمَّلَهُ مِنَ التَّعَبِ والمَشَقَّةِ في الدُّنْيا في تَقْرِيرِهِ ذَلِكَ الدِّينَ الباطِلَ، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ إذْ لَوْ كانَ الإيمانُ غَيْرَ الإسْلامِ لَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الإيمانُ مَقْبُولًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ إلّا أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] يَقْتَضِي كَوْنَ الإسْلامِ مُغايِرًا لِلْإيمانِ، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ الأُولى عَلى العُرْفِ الشَّرْعِيِّ، والآيَةُ الثّانِيَةِ عَلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии