Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:86–91
3:86–89Страница 61
كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٦
Как же Аллах наставит на прямой путь людей, которые стали неверующими после того, как уверовали и засвидетельствовали правдивость Посланника, и после того, как к ним явились ясные знамения? Аллах не ведет прямым путем несправедливых людей.
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ٨٧
Их воздаянием является проклятие Аллаха, ангелов и всех людей.
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٨
Они пребудут там (под проклятием или в Аду) вечно! Их мучения не будут облегчены, и они не получат отсрочки,
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٨٩
кроме тех, которые раскаялись после этого и исправили содеянное. Воистину, Аллах - Прощающий, Милосердный.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ الإسْلامِ والإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أكَّدَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ بِأنْ بَيَّنَ وعِيدَ مَن تَرَكَ الإسْلامَ، فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَشَرَةِ رَهْطٍ كانُوا آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ أخَذُوا يَتَرَبَّصُونَ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ فِيهِمْ مَن تابَ فاسْتَثْنى التّائِبَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . الثّانِي: نُقِلَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ ومَن دانَ بِدِينِهِمْ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وكانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَلَمّا بُعِثَ وجاءَهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ كَفَرُوا بَغْيًا وحَسَدًا.
والثّالِثُ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ وهو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ حِينَ نَدِمَ عَلى رِدَّتِهِ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنِ اسْألُوا لِي هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَأرْسَلَ إلَيْهِ أخُوهُ بِالآيَةِ، فَأقْبَلَ إلى المَدِينَةِ وتابَ عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ وقَبِلَ الرَّسُولُ ﷺ تَوْبَتَهُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، ومِنهم مَن جَعَلَ ابْتِداءَ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ:
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [البقرة: ١٦١]، ثُمَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفِيها أيْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي: أنَّها في قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الإسْلامِ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا عَلى ما شَرَحْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُقَلاءُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّ أُصُولَنا تَشْهَدُ بِأنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ الخَلْقِ إلى الدِّينِ بِمَعْنى التَّعْرِيفِ، ووَضْعِ الدَّلائِلِ وفِعْلِ الألْطافِ، إذْ لَوْ يَعُمُّ الكُلَّ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَصارَ الكافِرُ والضّالُّ مَعْذُورًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ لَمْ يَهْدِ هَؤُلاءِ الكُفّارَ، فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الهِدايَةِ بِشَيْءٍ آخَرَ سِوى نَصْبِ الدَّلائِلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعُ الألْطافِ الَّتِي يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ ثَوابًا لَهم عَلى إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقالَ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦]، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ المُهْتَدِيَ قَدْ يَزِيدُهُ اللَّهُ هُدًى.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ
صفحة ١١٢
قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وقالَ: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [يونس: ٩] . والثّالِثُ: أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ خَلْقَ المَعْرِفَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ المَعْرِفَةَ كانَ مُؤْمِنًا مُهْتَدِيًا، وإذا لَمْ يَخْلُقْها كانَ كافِرًا ضالًّا، ولَوْ كانَ الكُفْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَصِحَّ أنْ يَذُمَّهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يُضافَ الكُفْرُ إلَيْهِمْ، لَكِنَّ الآيَةَ ناطِقَةٌ بِكَوْنِهِمْ مَذْمُومِينَ بِسَبَبِ الكُفْرِ وكَوْنِهِمْ فاعِلِينَ لِلْكُفْرِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾، فَأضافَ الكُفْرَ إلَيْهِمْ وذَمَّهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ، فَهَذا جُمْلَةُ أقْوالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَقالُوا: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ خَلْقُ المَعْرِفَةِ، قالُوا: وقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في دارِ التَّكْلِيفِ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَقْصِدُ العَبْدُ إلى تَحْصِيلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُهُ عَقِيبَ قَصْدِ العَبْدِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: كَيْفَ يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهِمُ المَعْرِفَةَ وهم قَصَدُوا تَحْصِيلَ الكُفْرِ أوْ أرادُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿واشْهَدُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ، والتَّقْدِيرُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا وبَعْدَ أنْ شَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ؛ لِأنَّ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لا يَجُوزُ فَهو في الظّاهِرِ وإنِ اقْتَضى عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لَكِنَّهُ في المَعْنى عَطَفَ الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ.
الثّانِي: أنَّ الواوَ لِلْحالِ بِإضْمارِ ”قَدْ“، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ حالَ ما شَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وبَعْدَ الشَّهادَةِ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وقَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ، فَعَطَفَ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أنَّ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ، وجَوابُهُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، والشَّهادَةَ هي الإقْرارُ بِاللِّسانِ، وهُما مُتَغايِرانِ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْإقْرارِ بِاللِّسانِ وأنَّهُ مَعْنًى قائِمٌ بِالقَلْبِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَعْظَمَ كُفْرَ القَوْمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ خِصالٍ ثَلاثٍ: أحَدُها: بَعْدَ الإيمانِ، وثانِيها: بَعْدَ شَهادَةِ كَوْنِ الرَّسُولِ حَقًّا. وثالِثُها: بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الكُفْرُ صَلاحًا بَعْدَ البَصِيرَةِ وبَعْدَ إظْهارِ الشَّهادَةِ، فَيَكُونُ الكُفْرُ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ أقْبَحَ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الكُفْرِ يَكُونُ كالمُعانَدَةِ والجُحُودِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ زَلَّةَ العالِمِ أقْبَحُ مِن زَلَّةِ الجاهِلِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا﴾، وقالَ في آخِرِها: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهَذا تَكْرارٌ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ مُخْتَصٌّ بِالمُرْتَدِّينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَمَّمَ ذَلِكَ الحُكْمَ في المُرْتَدِّ وفي الكافِرِ الأصْلِيِّ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ سُمِّيَ الكافِرُ ظالِمًا ؟
الجَوابُ: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣]، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الكافِرَ أوْرَدَ نَفْسَهُ مَوارِدَ
صفحة ١١٣
البَلاءِ والعِقابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ، فَكانَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ يَمْنَعُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن هِدايَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِ، بَلْ كَما لا يَهْدِيهِمْ في الدُّنْيا يَلْعَنُهُمُ اللَّعْنَ العَظِيمَ ويُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ والخُلُودِ.
واعْلَمْ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ مُخالِفَةٌ لِلَعْنَةِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ لَعْنَتَهُ بِالإبْعادِ مِنَ الجَنَّةِ وإنْزالِ العُقُوبَةِ والعَذابِ، واللَّعْنَةُ مِنَ المَلائِكَةِ هي بِالقَوْلِ، وكَذَلِكَ مِنَ النّاسِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ لَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِذَلِكَ. وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ عَمَّ جَمِيعَ النّاسِ ومَن يُوافِقُهُ لا يَلْعَنُهُ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ لَهُ أنْ يَلْعَنَهُ وإنْ كانَ لا يَلْعَنُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ في الآخِرَةِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقالَ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ حَصَلَ اللَّعْنُ لِلْكُفّارِ مِنَ الكُفّارِ.
والثّالِثُ: كَأنَّ النّاسَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والكُفّارَ لَيْسُوا مِنَ النّاسِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ لَعْنَ الثَّلاثِ قالَ: (أجْمَعِينَ) .
الرّابِعُ: وهو الأصَحُّ عِنْدِي أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ يَلْعَنُونَ المُبْطِلَ والكافِرَ، ولَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ ولا بِكافِرٍ، فَإذا لَعَنَ الكافِرَ وكانَ هو في عِلْمِ اللَّهِ كافِرًا، فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَهُ وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها) أيْ خالِدِينَ في اللَّعْنَةِ، فَما خُلُودُ اللَّعْنَةِ ؟ .
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّخْلِيدَ في اللَّعْنَةِ عَلى مَعْنى أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزالُ يَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ ومَن مَعَهم في النّارِ، فَلا يَخْلُو شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ مِن أنْ يَلْعَنَهم لاعِنٌ مِن هَؤُلاءِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِخُلُودِ اللَّعْنِ خُلُودُ أثَرِ اللَّعْنِ؛ لِأنَّ اللَّعْنَ يُوجِبُ العِقابَ، فَعُبِّرَ عَنْ خُلُودِ أثَرِ اللَّعْنِ بِخُلُودِ اللَّعْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠٠، ١٠١] .
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها) أيْ في جَهَنَّمَ، فَعَلى هَذا الكِنايَةُ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (خالِدِينَ فِيها) نُصِبَ عَلى الحالِ مِمّا قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ مَعْنى الإنْظارِ التَّأْخِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فالمَعْنى أنَّهُ لا يَجْعَلُ عَذابَهم أخَفَّ ولا يُؤَخِّرُ العِقابَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، وهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ العَذابَ المُلْحِقَ بِالكافِرِ مَضَرَّةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ المَنافِعِ دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، نَعُوذُ مِنهُ بِاللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والمَعْنى إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّوْبَةَ وحْدَها لا تَكْفِي حَتّى يَنْضافَ إلَيْها العَمَلُ الصّالِحُ، فَقالَ: (وأصْلَحُوا) أيْ أصْلَحُوا باطِنَهم مَعَ الحَقِّ بِالمُراقَباتِ وظاهِرَهم مَعَ الخَلْقِ بِالعِباداتِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْلِنُوا بِأنّا كُنّا عَلى الباطِلِ حَتّى أنَّهُ لَوِ اغْتَرَّ بِطَرِيقَتِهِمُ الفاسِدَةِ مُغْتَرٌّ رَجَعَ عَنْها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: غَفُورٌ لِقَبائِحِهِمْ في الدُّنْيا بِالسَّتْرِ، رَحِيمٌ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ.
الثّانِي: غَفُورٌ بِإزالَةِ العِقابِ، رَحِيمٌ بِإعْطاءِ الثَّوابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ﴾
صفحة ١١٤
﴿يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِأنَّهُ الجَزاءُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ تابُوا فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم.
3:90Страница 61
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ٩٠
Воистину, от тех, которые стали неверующими после того, как уверовали, а потом приумножили свое неверие, не будет принято их покаяние. Они и есть заблудшие.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا فِيما بِهِ يَزْدادُ الكُفْرُ، والضّابِطُ أنَّ المُرْتَدَّ يَكُونُ فاعِلًا لِلزِّيادَةِ بِأنْ يُقِيمَ ويُصِرَّ فَيَكُونَ الإصْرارُ كالزِّيادَةِ، وقَدْ يَكُونُ فاعِلًا لِلزِّيادَةِ بِأنْ يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الكُفْرِ كُفْرًا آخَرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ عِنْدَ المَبْعَثِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِسَبَبِ طَعْنِهِمْ فِيهِ في كُلِّ وقْتٍ، ونَقْضِهِمْ مِيثاقَهُ، وفِتْنَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْكارِهِمْ لِكُلِّ مُعْجِزَةٍ تَظْهَرُ.
الثّانِي: أنَّ اليَهُودَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ كَفَرُوا بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ عِيسى والإنْجِيلَ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والقُرْآنَ.
والثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الَّذِينَ ارْتَدُّوا وذَهَبُوا إلى مَكَّةَ، وازْدِيادُهُمُ الكُفْرَ أنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِمَكَّةَ نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ.
الرّابِعُ: المُرادُ فِرْقَةٌ ارْتَدُّوا، ثُمَّ عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ النِّفاقَ كُفْرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الآيَةِ الأوْلى بِقَبُولِ تَوْبَةِ المُرْتَدِّينَ، وحَكَمَ في هَذِهِ الآيَةِ بِعَدَمِ قَبُولِها وهو يُوهِمُ التَّناقُضَ، وأيْضًا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ مَتى وُجِدَتِ التَّوْبَةُ بِشُرُوطِها فَإنَّها تَكُونُ مَقْبُولَةً لا مَحالَةَ، فَلِهَذا اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعَطاءٌ: السَّبَبُ أنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨] . الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى ما إذا تابُوا بِاللِّسانِ ولَمْ يَحْصُلْ في قُلُوبِهِمْ إخْلاصٌ. الثّالِثُ: قالَ القاضِي والقَفّالُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ مَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ وبَيَّنَ أنَّهُ أهْلُ اللَّعْنَةِ إلّا أنْ يَتُوبَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ كَفَرَ مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ تِلْكَ التَّوْبَةِ فَإنَّ التَّوْبَةَ الأُولى تَصِيرُ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ وتَصِيرُ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ، قالَ: وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ بِالآيَةِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَإنْ كانُوا كَذَلِكَ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم.
الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ الَّذِي لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مِنَ الكُفّارِ هو الَّذِي يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ اليَهُودَ والمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مائِتُونَ عَلى الكُفْرِ داخِلُونَ في جُمْلَةِ مَن لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهم.
الخامِسُ: لَعَلَّ المُرادَ ما إذا تابُوا عَنْ تِلْكَ الزِّيادَةِ فَقَطْ، فَإنَّ التَّوْبَةَ عَنْ تِلْكَ الزِّيادَةِ لا تَصِيرُ مَقْبُولَةً ما لَمْ تَحْصُلِ التَّوْبَةُ عَنِ الأصْلِ.
صفحة ١١٥
وأقُولُ: جُمْلَةُ هَذِهِ الجَواباتِ إنَّما تَتَمَشّى عَلى ما إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لا عَلى الِاسْتِغْراقِ وإلّا فَكَمْ مِن مُرْتَدٍّ تابَ عَنِ ارْتِدادِهِ تَوْبَةً صَحِيحَةً مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ في زَمانِ التَّكْلِيفِ، فَأمّا الجَوابُ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ القَفّالِ والقاضِي فَهو جَوابٌ مُطَّرِدٌ سَواءٌ حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ أوْ عَلى الِاسْتِغْراقِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ يَنْفِي كَوْنَ غَيْرِهِمْ ضالًّا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ كُلَّ كافِرٍ فَهو ضالٌّ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ أوْ كانَ كافِرًا في الأصْلِ. والجَوابُ: هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم هُمُ الضّالُّونَ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ.
السُّؤالُ الثّانِي: وصَفَهم أوَّلًا بِالتَّمادِي عَلى الكُفْرِ والغُلُوِّ فِيهِ، والكُفْرُ أقْبَحُ أنْواعِ الضَّلالِ، والوَصْفُ إنَّما يُرادُ لِلْمُبالَغَةِ، والمُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ بِوَصْفِ الشَّيْءِ بِما هو أقْوى حالًا مِنهُ لا بِما هو أضْعَفُ حالًا مِنهُ.
والجَوابُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ أنَّهُمُ الضّالُّونَ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَحْصُلُ المُبالَغَةُ.
3:91Страница 61
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٩١
Воистину, от тех, которые не уверовали и умерли неверующими, не будет принято даже золото размером с землю, если кто-нибудь из них попытается откупиться этим. Им уготованы мучительные страдания, и не будет у них помощников.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الكافِرَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: الَّذِي يَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ تَوْبَةً صَحِيحَةً مَقْبُولَةً، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
وثانِيها: الَّذِي يَتُوبُ عَنْ ذَلِكَ الكُفْرِ تَوْبَةً فاسِدَةً وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقالَ: إنَّهُ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ. وثالِثُها: الَّذِي يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ البَتَّةَ وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾، قالَ الواحِدِيُّ: مِلْءُ الشَّيْءِ قَدْرُ ما يَمْلَؤُهُ، وانْتَصَبَ ”﴿ذَهَبًا﴾“ عَلى التَّفْسِيرِ، ومَعْنى التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تامًّا إلّا أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، كَقَوْلِهِ: عِنْدِي عِشْرُونَ، فالعَدَدُ مَعْلُومٌ، والمَعْدُودُ مُبْهَمٌ، فَإذا قُلْتَ: دِرْهَمًا فَسَّرْتَ العَدَدَ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: هو أحْسَنُ النّاسِ فَقَدْ أخْبَرْتَ عَنْ حُسْنِهِ، ولَمْ تُبَيِّنْ في ماذا، فَإذا قُلْتَ وجْهًا أوْ فِعْلًا فَقَدْ بَيَّنْتَهُ ونَصَبْتَهُ عَلى التَّفْسِيرِ، وإنَّما نَصَبْتَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ ما يَخْفِضُهُ ولا ما يَرْفَعُهُ، فَلَمّا خَلا مِن هَذَيْنِ نُصِبَ لِأنَّ النَّصْبَ أخَفُّ الحَرَكاتِ فَيُجْعَلُ كَأنَّهُ لا عامِلَ فِيهِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ الأعْمَشُ ”ذَهَبٌ“ بِالرَّفْعِ رَدًّا عَلى مِلْءِ، كَما يُقالُ: عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجالٌ.
وهاهُنا ثَلاثَةُ أسْئِلَةٍ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قِيلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ”لَنْ تُقْبَلَ“ بِغَيْرِ فاءٍ وفي هَذِهِ الآيَةِ ”فَلَنْ يُقْبَلَ“ بِالفاءِ ؟ .
صفحة ١١٦
الجَوابُ: أنَّ دُخُولَ الفاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى الشَّرْطِ والجَزاءِ، وعِنْدَ عَدَمِ الفاءِ لَمْ يُفْهَمْ مِنَ الكَلامِ كَوْنُهُ شَرْطًا وجَزاءً، تَقُولُ: الَّذِي جاءَنِي لَهُ دِرْهَمٌ، فَهَذا لا يُفِيدُ أنَّ الدِّرْهَمَ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ المَجِيءِ، وإذا قُلْتَ: الَّذِي جاءَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَهَذا لا يُفِيدُ أنَّ الدِّرْهَمَ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ المَجِيءِ، فَذِكْرُ الفاءِ في هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَدَمَ قَبُولِ الفِدْيَةِ مُعَلَّلٌ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ ؟ .
الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّها لِلْعَطْفِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَقَرَّبَ إلى اللَّهِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ مَعَ كُفْرِهِ، ولَوِ افْتَدى مِنَ العَذابِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ الأنْبارِيِّ قالَ: وهَذا أوْكَدُ في التَّغْلِيظِ؛ لِأنَّهُ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ القَبُولِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.
الثّانِي: (الواوُ) دَخَلَتْ لِبَيانِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ يَحْتَمِلُ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ، فَنَصَّ عَلى نَفْيِ القَبُولِ بِجِهَةِ الفِدْيَةِ.
الثّالِثُ: وهو وجْهٌ خَطَرَ بِبالِي، وهو أنَّ مَن غَضِبَ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، فَإذا أتْحَفَهُ ذَلِكَ العَبْدُ بِتُحْفَةٍ وهَدِيَّةٍ لَمْ يَقْبَلْها البَتَّةَ إلّا أنَّهُ قَدْ يَقْبَلُ مِنهُ الفِدْيَةَ، فَأمّا إذا لَمْ يَقْبَلْ مِنهُ الفِدْيَةَ أيْضًا كانَ ذَلِكَ غايَةَ الغَضَبِ، والمُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ بِتِلْكَ المَرْتَبَةِ الَّتِي هي الغايَةُ، فَحَكَمَ تَعالى بِأنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهم مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوْ كانَ واقِعًا عَلى سَبِيلِ الفِداءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا بِهَذا الطَّرِيقِ، فَبِأنْ لا يَكُونَ مَقْبُولًا مِنهُ بِسائِرِ الطُّرُقِ أوْلى.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الكافِرَ لا يَمْلِكُ يَوْمَ القِيامَةِ نَقِيرًا ولا قِطْمِيرًا، ومَعْلُومٌ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَمْلِكَ الذَّهَبَ فَلا يَنْفَعُ الذَّهَبُ البَتَّةَ في الدّارِ الآخِرَةِ، فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ .
الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَلَوْ أنَّهم كانُوا قَدْ أنْفَقُوا في الدُّنْيا مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهم؛ لِأنَّ الطّاعَةَ مَعَ الكُفْرِ لا تَكُونُ مَقْبُولَةً، والثّانِي: أنَّ الكَلامَ وقَعَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، فالذَّهَبُ كِنايَةٌ عَنْ أعَزِّ الأشْياءِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ أنَّ الكافِرَ يَوْمَ القِيامَةِ قَدَرَ عَلى أعَزِّ الأشْياءِ ثُمَّ قَدَرَ عَلى بَذْلِهِ في غايَةِ الكَثْرَةِ لَعَجَزَ أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ أنَّهم آيِسُونَ مِن تَخْلِيصِ النَّفْسِ مِنَ العِقابِ.
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الوَعِيدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ لا يُمْكِنُهُ تَخْلِيصُ النَّفْسِ مِنَ العَذابِ، أرْدَفَهُ بِصِفَةِ ذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الوَعِيدِ قَوْلُهُ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم عَنْ هَذا العَذابِ الألِيمِ بِسَبَبِ الفِدْيَةِ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم عَنْهُ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ والإعانَةِ والشَّفاعَةِ، ولِأصْحابِنا أنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ الشَّفاعَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَتَمَ تَعْدِيدَ وعِيدِ الكُفّارِ بِعَدَمِ النُّصْرَةِ والشَّفاعَةِ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا المَعْنى في حَقِّ غَيْرِ الكافِرِ بَطَلَ تَخْصِيصُ هَذا الوَعِيدِ بِالكُفْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии