Ар-Рази · Тафсир · на арабском
السجدة
Ас-Саджда
Земной поклон · Мекканская · 30 аятов
32:1–3Страница 415
الٓمٓ ١
Алиф. Лам. Мим.
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
Это Писание, в котором нет сомнения, ниспослано Господом миров.
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣
Или же они скажут: «Он измыслил его»? Нет, оно является истиной от твоего Господа, чтобы ты предостерег людей, к которым до тебя не приходил предостерегающий увещеватель, - быть может, они последуют прямым путем.
صفحة ١٤٥
سُورَةُ السَّجْدَةِ
وتُسَمّى سُورَةَ المَضاجِعِ، مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِهِمْ
وهِيَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً، وقِيلَ ثَلاثُونَ آيَةً
﷽
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ دَلِيلَ الوَحْدانِيَّةِ، وذَكَرَ الأصْلَ، وهو الحَشْرُ، وخَتَمَ السُّورَةَ بِهِما، بَدَأ بِبَيانِ الرِّسالَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقَدْ عُلِمَ ما في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها، غَيْرَ أنَّ هَهُنا قالَ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣] وقالَ في البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن يَرى كِتابًا عِنْدَ غَيْرِهِ، فَأوَّلُ ما تَصِيرُ النَّفْسُ طالِبَةً تَطْلُبُ ما في الكِتابِ، فَيَقُولُ: ما هَذا الكِتابُ ؟ فَإذا قِيلَ هَذا فِقْهٌ أوْ تَفْسِيرٌ فَيَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: تَصْنِيفُ مَن هو ؟ ولا يُقالُ أوَّلًا: هَذا الكِتابُ تَصْنِيفُ مَن ؟ ثُمَّ يَقُولُ فِيماذا هو ؟ إذا عَلِمَ هَذا فَقالَ أوَّلًا: هَذا الكِتابُ هُدًى ورَحْمَةٌ، ثُمَّ قالَ هَهُنا: هو كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَهُ بِلَفْظِ رَبِّ العالَمِينَ، لِأنَّ كِتابَ مَن يَكُونُ رَبَّ العالَمِينَ يَكُونُ فِيهِ عَجائِبُ العالَمِينَ، فَتَدْعُو النَّفْسُ إلى مُطالَعَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
يَعْنِي أتَعْتَرِفُونَ بِهِ أمْ تَقُولُونَ هو مُفْتَرًى، ثُمَّ أجابَ وبَيَّنَ أنَّ الحَقَّ أنَّهُ حَقٌّ مِن رَبِّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ فائِدَةَ التَّنْزِيلِ وهو الإنْذارُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ قالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ مَعَ أنَّ النُّذُرَ سَبَقُوهُ.
الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: مَعْقُولٌ والآخَرُ مَنقُولٌ.
أمّا المَنقُولُ فَهو أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ أُمَّةً أُمِّيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو
صفحة ١٤٦
بَعِيدٌ، فَإنَّهم كانُوا مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ، وجَمِيعُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أوْلادِ أعْمامِهِمْ، وكَيْفَ كانَ اللَّهُ يَتْرُكُ قَوْمًا مِن وقْتِ آدَمَ إلى زَمانِ مُحَمَّدٍ بِلا دِينٍ ولا شَرْعٍ ؟ وإنْ كُنْتَ تَقُولُ: بِأنَّهم ما جاءَهم رَسُولٌ بِخُصُوصِهِمْ، يَعْنِي ذَلِكَ القَرْنَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالعَرَبِ، بَلْ أهْلُ الكِتابِ أيْضًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ القَرْنُ قَدْ أتاهم رَسُولٌ، وإنَّما أتى الرُّسُلُ آباءَهم، وكَذَلِكَ العَرَبُ أتى الرُّسُلُ آباءَهم كَيْفَ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ آباءَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا كُفّارًا، ولِأنَّ النَّبِيَّ أوْعَدَهم وأوْعَدَ آباءَهم بِالعَذابِ، وقالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
وأمّا المَعْقُولُ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى عادَتَهُ عَلى أنَّ أهْلَ عَصْرٍ إذا ضَلُّوا بِالكُلِّيَّةِ ولَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَن يَهْدِيهِمْ، يَلْطُفُ بِعِبادِهِ ويُرْسِلُ رَسُولًا، ثُمَّ إنَّهُ إذا أرادَ طُهْرَهم بِإزالَةِ الشِّرْكِ والكُفْرِ مِن قُلُوبِهِمْ وإنْ أرادَ طُهْرَ وجْهِ الأرْضِ بِإهْلاكِهِمْ، ثُمَّ أهْلُ العَصْرِ ضَلُّوا بَعْدَ الرُّسُلِ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ الضَّلالِ الَّذِي كانَ بَعْدَ الهِدايَةِ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ: التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ فَقَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهُمْ﴾ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ إنْذارُهُ مُخْتَصًّا بِمَن لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ، لَكِنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ أتاهم نَذِيرٌ، فَلا يَكُونُ الكِتابُ مُنْزَلًا إلى الرَّسُولِ لِيُنْذِرَ أهْلَ الكِتابِ، فَلا يَكُونُ رَسُولًا إلَيْهِمْ. نَقُولُ: هَذا فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ التَّخْصِيصَ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما عَداهُ.
والثّانِي: أنَّهُ وإنْ قالَ بِهِ قائِلٌ لَكِنَّهُ وافَقَ غَيْرَهُ في أنَّ التَّخْصِيصَ إنْ كانَ لَهُ سَبَبٌ غَيْرُ نَفْيِ ما عَداهُ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما عَداهُ، وهاهُنا وُجِدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ إنْذارَهم كانَ أوْلى، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ولَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّهُ لا يُنْذِرُ غَيْرَهم أوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِإنْذارِ غَيْرِهِمْ، وإنْذارُ المُشْرِكِينَ كانَ أوْلى، لِأنَّ إنْذارَهم كانَ بِالتَّوْحِيدِ والحَشْرِ، وأهْلُ الكِتابِ لَمْ يُنْذَرُوا إلّا بِسَبَبِ إنْكارِهِمُ الرِّسالَةَ فَكانُوا أوْلى بِالذِّكْرِ، فَوَقَعَ التَّخْصِيصُ لِأجْلِ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: هو أنَّ عَلى ما ذَكَرْنا لا يُرَدُّ ما ذَكَرَهُ أصْلًا؛ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَدْ ضَلُّوا ولَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ ضَلالِهِمْ فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ مُرْسَلًا إلى الكُلِّ عَلى دَرَجَةٍ سَواءٍ، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ حُسْنُ ما اخْتَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي تُنْذِرُهم راجِيًا أنْتَ اهْتِداءَهم.
32:4Страница 415
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤
Аллах - Тот, Кто создал небеса и землю и то, что между ними, за шесть дней, а затем вознесся на Трон (или утвердился на Троне). Нет для вас, помимо Него, ни покровителя, ни заступника. Неужели вы не помяните назидание?
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ الرِّسالَةَ بَيَّنَ ما عَلى الرَّسُولِ مِنَ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ وإقامَةِ الدَّلِيلِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ “ اللَّهُ “ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ “ الَّذِي خَلَقَ “ يَعْنِي اللَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَخْلُقْهُما إلّا واحِدٌ فَلا إلَهَ إلّا واحِدٌ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ إشارَةٌ إلى سِتَّةِ أحْوالٍ في نَظَرِ النّاظِرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما ثَلاثَةُ أشْياءَ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها ذاتٌ وصِفَةٌ، فَنَظَرًا إلى خَلْقِهِ ذاتَ السَّماواتِ حالَةٌ، ونَظَرًا إلى خَلْقِهِ صِفاتِها أُخْرى، ونَظَرًا إلى ذاتِ الأرْضِ وإلى صِفاتِها كَذَلِكَ، ونَظَرًا إلى ذَواتِ ما بَيْنَهُما، وإلى صِفاتِها كَذَلِكَ فَهي سِتَّةُ أشْياءَ عَلى سِتَّةِ أحْوالٍ، وإنَّما ذَكَرَ الأيّامَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا نَظَرَ إلى الخَلْقِ رَآهُ فِعْلًا،
صفحة ١٤٧
والفِعْلُ ظَرْفُهُ الزَّمانُ، والأيّامُ أشْهَرُ الأزْمِنَةِ، وإلّا فَقَبْلَ السَّماواتِ لَمْ يَكُنْ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، وهَذا مِثْلُ ما يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ:
إنَّ يَوْمًا وُلِدْتَ فِيهِ كانَ يَوْمًا مُبارَكًا
وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وُلِدَ لَيْلًا ولا يَخْرُجُ عَنْ مُرادِهِ؛ لِأنَّ المُرادَ هو الزَّمانُ الَّذِي هو ظَرْفُ وِلادَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ اعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها عَلى وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: تَرْكُ التَّعَرُّضِ إلى بَيانِ المُرادِ.
وثانِيهُما: التَّعَرُّضُ إلَيْهِ. والأوَّلُ أسْلَمُ وإلى الحِكْمَةِ أقْرَبُ، أمّا أنَّهُ أسْلَمُ؛ فَذَلِكَ لِأنَّ مَن قالَ أنا لا أتَعَرَّضُ إلى بَيانِ هَذا ولا أعْرِفُ المُرادَ مِن هَذا، لا يَكُونُ حالُهُ إلّا حالَ مَن يَتَكَلَّمُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُوبِ الكَلامِ أوْ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأُصُولَ ثَلاثَةٌ: التَّوْحِيدُ والقَوْلُ بِالحَشْرِ والِاعْتِرافُ بِالرُّسُلِ. لَكِنَّ الحَشْرَ أجْمَعْنا واتَّفَقْنا أنَّ العِلْمَ بِهِ واجِبٌ، والعِلْمُ بِتَفْصِيلِهِ أنَّهُ مَتى يَكُونُ غَيْرَ واجِبٍ، ولِهَذا قالَ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] فَكَذَلِكَ اللَّهُ يَجِبُ مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ ونُعُوتِ الكَمالِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وتَعالِيهِ عَنْ وصَماتِ الإمْكانِ وصِفاتِ النُّقْصانِ، ولا يَجِبُ أنْ يَعْلَمَ جَمِيعَ صِفاتِهِ كَما هي، وصِفَةُ الِاسْتِواءِ مِمّا لا يَجِبُ العِلْمُ بِها، فَمَن تَرَكَ التَّعَرُّضَ إلَيْهِ لَمْ يَتْرُكْ واجِبًا، وأمّا مَن يَتَعَرَّضُ إلَيْهِ فَقَدْ يُخْطِئُ فِيهِ فَيَعْتَقِدُ خِلافَ ما هو عَلَيْهِ، فالأوَّلُ غايَةُ ما يَلْزَمُهُ أنَّهُ لا يَعْلَمُ، والثّانِي يَكادُ أنْ يَقَعَ في أنْ يَكُونَ جاهِلًا مُرَكَّبًا، وعَدَمُ العِلْمِ الجَهْلُ المُرَكَّبُ كالسُّكُوتِ والكَذِبِ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّ السُّكُوتَ خَيْرٌ مِنَ الكَذِبِ.
وأمّا إنَّهُ أقْرَبُ إلى الحِكْمَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ مَن يُطالِعُ كِتابًا صَنَّفَهُ إنْسانٌ، وكَتَبَ لَهُ شَرْحًا، والشّارِحُ دُونَ المُصَنِّفِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَأْتِي عَلى جَمِيعِ ما أتى عَلَيْهِ المُصَنِّفُ؛ ولِهَذا كَثِيرًا ما نَرى أنَّ الإنْسانَ يُورِدُ الإشْكالاتِ عَلى المُصَنِّفِ المُتَقَدِّمِ ثُمَّ يَجِيءُ مَن يَنْصُرُ كَلامَهُ ويَقُولُ: لَمْ يُرِدِ المُصَنِّفُ هَذا، وإنَّما أرادَ كَذا وكَذا. وإذا كانَ حالُ الكُتُبِ الحادِثَةِ الَّتِي تُكْتَبُ عَنْ عِلْمٍ قاصِرٍ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِالكِتابِ العَزِيزِ الَّذِي فِيهِ كُلُّ حِكْمَةٍ، يَجُوزُ أنْ يَدَّعِيَ جاهِلٌ أنِّي عَلِمْتُ كُلَّ سِرٍّ في هَذا الكِتابِ، وكَيْفَ ولَوِ ادَّعى عالِمٌ أنِّي عَلِمْتُ كُلَّ سِرٍّ وكُلَّ فائِدَةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الكِتابُ الفُلانِيُّ؛ يُسْتَقْبَحُ مِنهُ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَن يَدَّعِي أنَّهُ عَلِمَ كُلَّ ما في كِتابِ اللَّهِ ؟ !
ثُمَّ لَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كُلَّ ما أنْزَلَهُ؛ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ، ولَعَلَّ في القُرْآنِ ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ أحَدٌ غَيْرُ نَبِيِّهِ؛ فَبَيَّنَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ. إذا ثَبَتَ هَذا عُلِمَ أنَّ في القُرْآنِ ما لا يُعْلَمُ، وهَذا أقْرَبُ إلى ذَلِكَ الَّذِي لا يُعْلَمُ، لِلتَّشابُهِ البالِغِ الَّذِي فِيهِ، لَكِنَّ هَذا المَذْهَبَ لَهُ شَرْطٌ، وهو أنْ يَنْفِيَ بَعْضَ ما يَعْلَمُهُ، قَطْعًا أنَّهُ لَيْسَ بِمُرادٍ، وهَذا لِأنَّ قائِلًا إذا قالَ: إنَّ هَذِهِ الأيّامَ أيّامُ قُرْءِ فُلانَةَ، يُعْلَمُ أنَّهُ لا يُرِيدُ أنَّ هَذِهِ الأيّامَ أيّامُ مَوْتِ فُلانَةَ، ولا يُرِيدُ أنَّ هَذِهِ الأيّامَ أيّامُ سَفَرِ فُلانَةَ، وإنَّما المُرادُ مُنْحَصِرٌ في الطُّهْرِ أوِ الحَيْضِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا يُعْلَمُ أنَّ المُرادَ لَيْسَ ما يُوجِبُ نَقْصًا في ذاتِهِ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ، والجُلُوسُ والِاسْتِقْرارُ المَكانِيُّ مِن ذَلِكَ البابِ؛ فَيَجِبُ القَطْعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ، والتَّوَقُّفُ فِيما يَجُوزُ بَعْدَهُ.
والمَذْهَبُ الثّانِي: خَطَرٌ، ومَن يَذْهَبُ إلَيْهِ فَرِيقانِ: أحَدُهُما: مَن يَقُولُ المُرادُ ظاهِرُهُ وهو القِيامُ والِانْتِصابُ أوِ الِاسْتِقْرارُ المَكانِيُّ، وثانِيهِما: مَن يَقُولُ المُرادُ الِاسْتِيلاءُ. والأوَّلُ جَهْلٌ مَحْضٌ، والثّانِي يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَهْلًا. والأوَّلُ مَعَ كَوْنِهِ جَهْلًا هو بِدْعَةٌ وكادَ يَكُونُ كُفْرًا، والثّانِي وإنْ كانَ جَهْلًا فَلَيْسَ بِجَهْلٍ يُورِثُ بِدْعَةً، وهَذا كَما أنَّ واحِدًا إذا اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ الكُفّارَ ولا يُعاقِبُ أحَدًا مِنهم، يَكُونُ جَهْلًا وبِدْعَةً وكُفْرًا، وإذا اعْتَقَدَ أنَّهُ يَرْحَمُ زَيْدًا الَّذِي هو مَسْتُورُ
صفحة ١٤٨
الحالِ لا يَكُونُ بِدْعَةً، غايَةُ ما يَكُونُ أنَّهُ اعْتِقادٌ غَيْرُ مُطابِقٍ، ومِمّا قِيلَ فِيهِ: إنَّ المُرادَ مِنهُ اسْتَوى عَلى مُلْكِهِ، والعَرْشُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ المُلْكِ، يُقالُ: المَلِكُ قَعَدَ عَلى سَرِيرِ المَمْلَكَةِ بِالبَلْدَةِ الفُلانِيَّةِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلْها، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] إشارَةٌ إلى البُخْلِ، مَعَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِأنَّ عَلى يَدِ اللَّهِ غُلًّا عَلى طَرِيقِ الحَقِيقَةِ، ولَوْ كانَ مُرادُ اللَّهِ ذَلِكَ لَكانَ كَذِبًا -جَلَّ كَلامُ اللَّهِ عَنْهُ- ثُمَّ لِهَذا فَضْلُ تَقْرِيرٍ، وهو أنَّ المُلُوكَ عَلى دَرَجاتٍ، فَمَن يَمْلِكُ مَدِينَةً صَغِيرَةً أوْ بِلادًا يَسِيرَةً ما جَرَتِ العادَةُ بِأنْ يَجْلِسَ أوَّلَ ما يَجْلِسُ عَلى سَرِيرٍ، ومَن يَكُونُ سُلْطانًا يَمْلِكُ البِلادَ الشّاسِعَةَ والدِّيارَ الواسِعَةَ، وتَكُونُ المُلُوكُ في خِدْمَتِهِ يَكُونُ لَهُ سَرِيرٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وقُدّامَهُ كُرْسِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وزِيرُهُ، فالعَرْشُ والكُرْسِيُّ في العادَةِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ عَظَمَةِ المَمْلَكَةِ، فَلَمّا كانَ مَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ في غايَةِ العَظَمَةِ، عَبَّرَ بِما يُنْبِئُ في العُرْفِ عَنِ العَظَمَةِ، ومِمّا يُنَبِّهُكَ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا﴾ [الإنسان: ٢]، ﴿إنّا زَيَّنّا﴾ [الصافات: ٦]، ﴿نَحْنُ أقْرَبُ﴾ [ق: ١٦]، ﴿نَحْنُ نَزَّلْنا﴾ [الحجر: ٩]، أيَظُنُّ أوْ يَشُكُّ مُسْلِمٌ في أنَّ المُرادَ ظاهِرُهُ مِنَ الشَّرِيكِ ؟ وهَلْ يَجِدُ لَهُ مَحْمَلًا، غَيْرَ أنَّ العَظِيمَ في العُرْفِ لا يَكُونُ واحِدًا وإنَّما يَكُونُ مَعَهُ غَيْرُهُ ؟ فَكَذَلِكَ المَلِكُ العَظِيمُ في العُرْفِ لا يَكُونُ إلّا ذا سَرِيرٍ يَسْتَوِي عَلَيْهِ، فاسْتَعْمَلَ ذَلِكَ مُرِيدًا لِلْعَظَمَةِ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ المَقْهُورَ المَغْلُوبَ المَهْزُومَ يُقالُ لَهُ: ضاقَتْ بِهِ الأرْضُ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَهُ مَكانٌ، أيَظُنُّ أنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ أنَّهُ صارَ لا مَكانَ لَهُ ؟ وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الجِسْمُ بِلا مَكانٍ، ولا سِيَّما مَن يَقُولُ بِأنَّ إلَهَهُ في مَكانٍ كَيْفَ يَخْرُجُ الإنْسانُ عَنِ المَكانِ ؟ فَكَما يُقالُ لِلْمَقْهُورِ الهارِبِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَكانٌ مَعَ أنَّ المَكانَ واجِبٌ لَهُ، يُقالُ لِلْقادِرِ القاهِرِ هو مُتَمَكِّنٌ ولَهُ عَرْشٌ، وإنْ كانَ التَّنَزُّهُ عَنِ المَكانِ واجِبًا لَهُ، وعَلى هَذا كَلِمَةُ “ ثُمَّ “ مَعْناها خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ القِصَّةُ أنَّهُ اسْتَوى عَلى المُلْكِ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ أكْرَمَنِي وأنْعَمَ عَلَيَّ مِرارًا، ويَحْكِي عَنْهُ أشْياءَ، ثُمَّ يَقُولُ: إنَّهُ ما كانَ يَعْرِفُنِي ولا كُنْتُ فَعَلْتُ مَعَهُ ما يُجازِينِي بِهَذا. فَنَقُولُ: “ ثُمَّ “ لِلْحِكايَةِ لا لِلْمَحْكِيِّ. الوَجْهُ الآخَرُ: قِيلَ اسْتَوى جاءَ بِمَعْنى اسْتَوْلى عَلى العَرْشِ، واسْتَوى جاءَ بِمَعْنى اسْتَوْلى نَقْلًا واسْتِعْمالًا. أمّا النَّقْلُ فَكَثِيرٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ اللُّغَةِ مِنها دِيوانُ الأدَبِ وغَيْرُهُ مِمّا يُعْتَبَرُ النَّقْلُ عَنْهُ. وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَقَوْلُ القائِلِ:
قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ
وعَلى هَذا فَكَلِمَةُ “ ثُمَّ “ مَعْناها ما ذَكَرْنا كَأنَّهُ قالَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ هَهُنا ما هو أعْظَمُ مِنهُ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، فَإنَّهُ أعْظَمُ مِنَ الكُرْسِيِّ، والكُرْسِيُّ وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ. والوَجْهُ الثّالِثُ: قِيلَ إنَّ المُرادَ الِاسْتِقْرارُ. وهَذا القَوْلُ ظاهِرٌ ولا يُفِيدُ أنَّهُ في مَكانٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: اسْتَقَرَّ رَأْيُ فُلانٍ عَلى الخُرُوجِ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّهُ لا يُرِيدُ أنَّ الرَّأْيَ في مَكانٍ وهو الخُرُوجُ، لِما أنَّ الرَّأْيَ لا يَجُوزُ فِيهِ أنْ يُقالَ إنَّهُ مُتَمَكِّنٌ أوْ هو مِمّا يَدْخُلُ في مَكانٍ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: فَهْمُ التَّمَكُّنِ عِنْدَ اسْتِعْمالِ كَلِمَةِ الِاسْتِقْرارِ مَشْرُوطٌ بِجَوازِ التَّمَكُّنِ، حَتّى إذا قالَ قائِلٌ اسْتَقَرَّ زَيْدٌ عَلى الفُلْكِ أوْ عَلى التَّخْتِ، يُفْهَمُ مِنهُ التَّمَكُّنُ وكَوْنُهُ في مَكانٍ، وإذا قالَ قائِلٌ: اسْتَقَرَّ المُلْكُ عَلى فُلانٍ لا يُفْهَمُ أنَّ المُلْكَ في فُلانٍ.
فَقَوْلُ القائِلِ: اللَّهُ اسْتَقَرَّ عَلى العَرْشِ لا يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ كَوْنُهُ في مَكانٍ ما لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ مِمّا يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ في مَكانٍ أوْ لا يَجُوزُ، فَإذَنْ فَهْمُ كَوْنِهِ في مَكانٍ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَشْرُوطٌ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ في مَكانٍ، فَجَوازُ كَوْنِهِ في مَكانٍ إنِ اسْتُفِيدَ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَلْزَمُ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ وهو مُحالٌ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى العَرْشِ بِمَعْنى كَوْنِ
صفحة ١٤٩
العَرْشِ مَكانًا لَهُ وُجُوهٌ مِنَ القُرْآنِ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ﴾ [الحج: ٦٤] وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، وكُلُّ ما هو في مَكانٍ فَهو في بَقائِهِ مُحْتاجٌ إلى مَكانٍ؛ لِأنَّ بَدِيهَةَ العَقْلِ حاكِمَةٌ بِأنَّ الحَيِّزَ إنْ لَمْ يَكُنْ لا يَكُونُ المُتَحَيِّزُ باقِيًا، فالمُتَحَيِّزُ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفاءِ الحَيِّزِ، وكُلُّ ما يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفاءِ غَيْرِهِ فَهو مُحْتاجٌ إلَيْهِ في اسْتِمْرارِهِ، فالقَوْلُ بِاسْتِقْرارِهِ يُوجِبُ احْتِياجَهُ في اسْتِمْرارِهِ وهو غَنِيٌّ بِالنَّصِّ.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فالعَرْشُ يَهْلِكُ، وكَذَلِكَ كَلُّ مَكانٍ فَلا يَبْقى وهو يَبْقى، فَإذَنْ لا يَكُونُ في ذَلِكَ الوَقْتِ في مَكانٍ، فَجازَ عَلَيْهِ أنْ لا يَكُونَ في مَكانٍ، وما جازَ لَهُ مِنَ الصِّفاتِ وجَبَ لَهُ فَيَجِبُ أنْ لا يَكُونَ في مَكانٍ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] ووَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ هو أنَّ “ عَلى “ إذا اسْتُعْمِلَ في المَكانِ يُفْهَمُ كَوْنُهُ عَلَيْهِ بِالذّاتِ كَقَوْلِنا فُلانٌ عَلى السَّطْحِ، وكَلِمَةُ “ مَعَ “ إذا اسْتُعْمِلَتْ في مُتَمَكِّنَيْنِ يُفْهَمُ مِنها اقْتِرانُهُما بِالذّاتِ كَقَوْلِنا زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو إذا اسْتُعْمِلَ هَذا فَإنْ كانَ اللَّهُ في مَكانٍ ونَحْنُ مُتَمَكِّنُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِلِاقْتِرانِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ كَلِمَةُ “ مَعَ “ تُسْتَعْمَلُ لِكَوْنِ مَيْلِهِ إلَيْهِ وعِلْمِهِ مَعَهُ أوْ نُصْرَتِهِ يُقالُ المَلِكُ الفُلانِيُّ مَعَ المَلِكِ الفُلانِيِّ، أيْ بِالإعانَةِ والنَّصْرِ، فَنَقُولُ: كَلِمَةُ “ عَلى “ تُسْتَعْمَلُ لِكَوْنِ حُكْمِهِ عَلى الغَيْرِ، يَقُولُ القائِلُ: لَوْلا فُلانٌ عَلى فُلانٍ لَأشْرَفَ في الهَلاكِ ولَأشْرَفَ عَلى الهَلاكِ، وكَذَلِكَ يُقالُ: لَوْلا فُلانٌ عَلى أمْلاكِ فُلانٍ أوْ عَلى أرْضِهِ لَما حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنها، ولا أكَلَ حاصِلَها بِمَعْنى الإشْرافِ والنَّظَرِ، فَكَيْفَ لا نَقُولُ في ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ إنَّهُ اسْتَوى عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ كَما نَقُولُ هو مَعْناهُ بِعِلْمِهِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ولَوْ كانَ في مَكانٍ لَأحاطَ بِهِ المَكانُ وحِينَئِذٍ فَإمّا أنْ يُرى وإمّا أنْ لا يُرى، لا سَبِيلَ إلى الثّانِي بِالِاتِّفاقِ؛ لِأنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ في مَكانٍ ولا يُرى باطِلٌ بِالإجْماعِ، وإنْ كانَ يُرى فَيُرى في مَكانٍ أحاطَ بِهِ فَتُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وأمّا إذا لَمْ يَكُنْ في مَكانٍ فَسَواءٌ يُرى أوْ لا يُرى لا يَلْزَمُ أنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ. أمّا إذا لَمْ يُرَ فَظاهِرٌ. وأمّا إذا رُئِيَ فَلِأنَّ البَصَرَ لا يُحِيطُ بِهِ فَلا يُدْرِكُهُ.
وإنَّما قُلْنا: إنَّ البَصَرَ لا يُحِيطُ بِهِ لِأنَّ كُلَّ ما أحاطَ بِهِ البَصَرُ فَلَهُ مَكانٌ يَكُونُ فِيهِ، وقَدْ فَرَضْنا عَدَمَ المَكانِ، ولَوْ تَدَبَّرَ الإنْسانُ القُرْآنَ لَوَجَدَهَ مَمْلُوءًا مِن عَدَمِ جَوازِ كَوْنِهِ في مَكانٍ، كَيْفَ وهَذا الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ هَذا القائِلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى العَرْشِ بِمَعْنى كَوْنِهِ في المَكانِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَلِمَةَ “ ثُمَّ “ لِلتَّراخِي فَلَوْ كانَ عَلَيْهِ بِمَعْنى المَكانِ لَكانَ قَدْ حَصَلَ عَلَيْهِ بَعْدَما لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ، فَقَبْلَهُ إمّا أنْ يَكُونَ في مَكانٍ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ يَلْزَمُ مُحالانِ:
أحَدُهُما: كَوْنُ المَكانِ أزَلِيًّا، ثُمَّ إنَّ هَذا القائِلَ يَدَّعِي مُضادَّةَ الفَلْسَفِيِّ فَيَصِيرُ فَلْسَفِيًّا يَقُولُ بِقِدَمِ سَماءٍ مِنَ السَّماواتِ. والثّانِي: جَوازُ الحَرَكَةِ والِانْتِقالِ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو يُفْضِي إلى حُدُوثِ البارِي أوْ يُبْطِلُ دَلائِلَ حُدُوثِ الأجْسامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكانٌ وما حَصَلَ في مَكانٍ يُحِيلُ العَقْلُ وجُودَهُ بِلا مَكانٍ، ولَوْ جازَ لَما أمْكَنَ أنْ يُقالَ بِأنَّ الجِسْمَ لَوْ كانَ أزَلِيًّا، فَإمّا أنْ يَكُونَ في الأزَلِ ساكِنًا أوْ مُتَحَرِّكًا؛ لِأنَّهُما فَرَّعا الحُصُولَ في مَكانٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ القَوْلُ بِحُدُوثِ اللَّهِ أوْ عَدَمُ القَوْلِ بِحُدُوثِ العالِمِ، لِأنَّهُ إنْ سَلَّمَ أنَّهُ قَبْلَ المَكانِ لا يَكُونُ فَهو القَوْلُ بِحُدُوثِ اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يُسَلِّمْ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجِسْمُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ في مَكانٍ، ثُمَّ حَصَلَ في مَكانٍ فَلا يَتِمُّ دَلِيلُهُ في حُدُوثِ العالَمِ، فَيَلْزَمُهُ أنْ لا يَقُولَ بِحُدُوثِهِ، ثُمَّ إنَّ هَذا القائِلَ يَقُولُ: إنَّكَ تُشَبِّهُ اللَّهَ بِالمَعْدُومِ، فَإنَّهُ لَيْسَ في مَكانٍ ولا يَعْلَمُ أنَّهُ جَعَلَهُ مَعْدُومًا، حَيْثُ أحْوَجَهُ إلى مَكانٍ، وكُلُّ مُحْتاجٍ نَظَرًا إلى عَدَمِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مَعْدُومٌ، ولَوْ كَتَبْنا ما فِيها لَطالَ الكَلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ السَّماواتِ
صفحة ١٥٠
والأرْضِ، قالَ بَعْضُهم: نَحْنُ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ واحِدٌ هو إلَهُ السَّماواتِ، وهَذِهِ الأصْنامُ صُوَرُ الكَواكِبِ مِنها نُصْرَتُنا وقُوَّتُنا، وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ صُوَرُ المَلائِكَةِ عِنْدَ اللَّهِ هم شُفَعاؤُنا فَقالَ اللَّهُ تَعالى: لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ، ولا نُصْرَةَ مِن غَيْرِ اللَّهِ، ولا شَفاعَةَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، فَعِبادَتُكم لَهم -لِهَذِهِ الأصْنامِ- باطِلَةٌ ضائِعَةٌ لا هم خالِقُوكم ولا ناصِرُوكم ولا شُفَعاؤُكم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ما عَلِمْتُمُوهُ مِن أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وخَلْقُ هَذِهِ الأجْسامِ العِظامِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذِهِ الأصْنامِ حَتّى تَنْصُرَكم، والمَلِكُ العَظِيمُ لا يَكُونُ عِنْدَهُ لِهَذِهِ الأشْياءِ الحَقِيرَةِ احْتِرامٌ وعَظَمَةٌ حَتّى تَكُونَ لَها شَفاعَةٌ.
32:5Страница 415
يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥
Он управляет делами с неба до земли, а затем они опять восходят к Нему в течение дня, который продолжается тысячу лет по тому, как вы считаете.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ بَيَّنَ الأمْرَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] والعَظَمَةُ تَتَبَيَّنُ بِهِما، فَإنَّ مَن يَمْلِكُ مَمالِيكَ كَثِيرِينَ عُظَماءَ تَكُونُ لَهُ عَظَمَةٌ، ثُمَّ إذا كانَ أمْرُهُ نافِذًا فِيهِمْ يَزْدادُ في أعْيُنِ الخَلْقِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفاذُ أمْرٍ يَنْقُصُ مِن عَظَمَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ أمْرَهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَلى عِبادِهِ، وتَعْرُجُ إلَيْهِ أعْمالُهُمُ الصّالِحَةُ الصّادِرَةُ عَلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ الأمْرِ، فَإنَّ العَمَلَ أثَرُ الأمْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: أنَّ نُزُولَ الأمْرِ وعُرُوجَ العَمَلِ في مَسافَةِ ألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ وهو في يَوْمٍ، فَإنَّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَيَنْزِلُ في مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، ويَعْرُجُ في مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَهو مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ.
ثانِيها: هو أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى امْتِدادِ نَفاذِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَفَذَ أمْرُهُ غايَةَ النَّفاذِ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ وانْقَطَعَ لا يَكُونُ مِثْلَ مَن يَنْفُذُ أمْرُهُ في سِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ في زَمانٍ يَوْمٌ مِنهُ ألْفُ سَنَةٍ، فَكَمْ يَكُونُ شَهْرٌ مِنهُ، وكَمْ تَكُونُ سَنَةٌ مِنهُ، وكَمْ يَكُونُ دَهْرٌ مِنهُ ؟ وعَلى هَذا الوَجْهِ لا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ لِأنَّ تِلْكَ إذا كانَتْ إشارَةً إلى دَوامِ نَفاذِ الأمْرِ، فَسَواءٌ يُعَبَّرُ بِالألْفِ أوْ بِالخَمْسِينَ ألْفًا لا يَتَفاوَتُ إلّا أنَّ المُبالَغَةَ تَكُونُ في الخَمْسِينَ أكْثَرُ، ونُبَيِّنُ فائِدَتَها في مَوْضِعِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وفِي هَذِهِ لَطِيفَةٌ، وهو أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عالَمَ الأجْسامِ والخَلْقِ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ المَلِكِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عالَمَ الأرْواحِ والأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ والرُّوحُ مِن عالَمِ الأمْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٥] وأشارَ إلى دَوامِهِ بِلَفْظٍ يُوهِمُ الزَّمانَ، والمُرادُ دَوامُ البَقاءِ كَما يُقالُ في العُرْفِ: طالَ زَمانُ فُلانٍ. والزَّمانُ لا يَطُولُ، وإنَّما الواقِعُ في الزَّمانِ يَمْتَدُّ فَيُوجَدُ في أزْمِنَةٍ كَثِيرَةٍ فَيَطُولُ ذَلِكَ فَيَأْخُذُ أزْمِنَةً كَثِيرَةً، فَأشارَ هُناكَ إلى عَظَمَةِ المُلْكِ بِالمَكانِ وأشارَ إلى دَوامِهِ هَهُنا بِالزَّمانِ، فالمَكانُ مِن خَلْقِهِ ومُلْكِهِ، والزَّمانُ بِحُكْمِهِ وأمْرِهِ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ في يَوْمٍ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أمْرُهُ في يَوْمٍ، واليَوْمُ لَهُ ابْتِداءٌ وانْتِهاءٌ، فَيَكُونُ أمْرُهُ في زَمانٍ حادِثٍ، فَيَكُونُ حادِثًا، وبَعْضُ مَن يَقُولُ بِأنَّ اللَّهَ عَلى العَرْشِ اسْتَوى يَقُولُ:
صفحة ١٥١
بِأنَّ أمْرَهُ قَدِيمٌ حَتّى الحُرُوفِ، وكَلِمَةِ “ كُنْ “، فَكَيْفَ فُهِمَ مِن كَلِمَةِ “ عَلى “ كَوْنُهُ في مَكانٍ ؟ ولَمْ يُفْهَمُ مِن كَلِمَةٍ “ في “ كَوْنُ أمْرِهِ في زَمانٍ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا المَلِكَ العَظِيمَ النّافِذَ الأمْرِ غَيْرُ غافِلٍ، فَإنَّ المَلِكَ إذا كانَ آمِرًا ناهِيًا يُطاعُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ولَكِنْ يَكُونُ غافِلًا لا يَكُونُ مَهِيبًا عَظِيمًا كَما يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ خَبِيرًا يَقِظًا لا تَخْفى عَلَيْهِ أُمُورُ المَمالِكِ والمَمالِيكِ، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ .
ولَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ عالَمَ الأشْباحِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ وعالَمَ الأرْواحِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ يَعْلَمُ ما في الأرْواحِ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ يَعْلَمُ ما في الأجْسامِ، أوْ نَقُولُ قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ إشارَةٌ إلى ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ إشارَةٌ إلى ما وُجِدَ وكانَ، وقَدَّمَ العِلْمَ بِالغَيْبِ لِأنَّهُ أقْوى وأشَدُّ إنْباءٍ عَنْ كَمالِ العِلْمِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ عالِمٌ ذَكَرَ أنَّهُ عَزِيزٌ قادِرٌ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ الكَفَرَةِ رَحِيمٌ واسِعُ الرَّحْمَةُ عَلى البَرَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ لَمّا بَيَّنَ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ مِنَ الآفاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ وأتَمَّهُ بِتَوابِعِهِ ومُكَمِّلاتِهِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلَيْها مِنَ الأنْفُسِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَهُ وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى الأشْياءِ رَأيْتَها عَلى ما يَنْبَغِي، صَلابَةُ الأرْضِ لِلنَّباتِ، وسَلاسَةُ الهَواءِ لِلِاسْتِنْشاقِ، وقَبُولُ الِانْشِقاقِ لِسُهُولَةِ الِاسْتِطْراقِ، وسَيَلانُ الماءِ لِنَقْدِرَ عَلَيْهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ، وحَرَكَةُ النّارِ إلى فَوْقُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِثْلَ الماءِ تَتَحَرَّكُ يَمْنَةً ويَسْرَةً لاحْتَرَقَ العالَمُ، فَخُلِقَتْ طالِبَةً لِجِهَةِ فَوْقٍ؛ حَيْثُ لا شَيْءَ هُناكَ يَقْبَلُ الِاحْتِراقَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ قِيلَ المُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ خُلِقَ مَن طِينٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الطِّينَ ماءٌ وتُرابٌ مُجْتَمِعانِ، والآدَمِيُّ أصْلُهُ مَنِيٌّ، والمَنِيُّ أصْلُهُ غِذاءٌ، والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةٌ، وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ بِالآخِرَةِ تَرْجِعُ إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ وُجُودُهُ بِالماءِ والتُّرابِ الَّذِي هو طِينٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии