Ар-РазиАль‑Ахзаб · 33:1–6

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

الأحزاب

Аль-Ахзаб

Союзники · Мединская · 73 аята

33:1Страница 418

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١

О Пророк! Бойся Аллаха и не повинуйся неверующим и лицемерам. Воистину, Аллах - Знающий, Мудрый.

صفحة ١٦٤

سُورَةُ الأحْزابِ

سَبْعُونَ وثَلاثُ آياتٍ، وهي مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ

﷽

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾

﷽

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ في تَفْسِيرِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الفَرْقِ بَيْنَ النِّداءِ والمُنادى بِقَوْلِهِ: يا رَجُلُ ويا أيُّها الرَّجُلُ، وقَدْ قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ، ونَحْنُ نَقُولُ: قَوْلُ القائِلِ: يا رَجُلُ يَدُلُّ عَلى النِّداءِ، وقَوْلُهُ: يا أيُّها الرَّجُلُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا ويُنْبِئُ عَنْ خَطَرِ خَطْبِ المُنادى لَهُ أوْ غَفْلَةِ المُنادى. أمّا الثّانِي: فَمَذْكُورٌ. وأمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ قَوْلَهُ: “ يا أيُّ “ جَعَلَ المُنادى غَيْرَ مَعْلُومٍ أوَّلًا فَيَكُونُ كُلُّ سامِعٍ مُتَطَلِّعًا إلى المُنادى، فَإذا خَصَّ واحِدًا كانَ في ذَلِكَ إنْباءُ الكُلِّ لِتَطَلُّعِهِمْ إلَيْهِ، وإذا قالَ: يا زَيْدُ أوْ يا رَجُلُ لا يَلْتَفِتُ إلى جانِبِ المُنادى إلّا المَذْكُورُ. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿ياأيُّها﴾ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى غَفْلَةِ النَّبِيِّ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿النَّبِيُّ﴾ يُنافِي الغَفْلَةَ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ خَبِيرٌ فَلا يَكُونُ غافِلًا فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى خَطَرِ الخَطْبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأمْرُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ اشْتِغالِ المَأْمُورِ بِالمَأْمُورِ بِهِ، إذْ لا يَصْلُحُ أنْ يُقالَ لِلْجالِسِ: اجْلِسْ ولِلسّاكِتِ اسْكُتْ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُتَّقِيًا، فَما الوَجْهُ فِيهِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: مَنقُولٌ، وهو أنَّهُ أُمِرَ بِالمُداوَمَةِ، فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَقُولَ القائِلُ لِلْجالِسِ: اجْلِسْ هَهُنا إلى أنْ أجِيئَكَ، ويَقُولُ القائِلُ لِلسّاكِتِ: قَدْ أصَبْتَ فاسْكُتْ تَسْلَمْ، أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ.

والثّانِي وهو مَعْقُولٌ لَطِيفٌ: وهو أنَّ المَلِكَ يَتَّقِي مِنهُ عِبادُهُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بَعْضُهم يَخافُ مِن عِقابِهِ، وبَعْضُهم يَخافُ مِن قَطْعِ ثَوابِهِ، وثالِثٌ يَخافُ مِنِ احْتِجابِهِ. فالنَّبِيُّ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّقْوى بِالمَعْنى الأوَّلِ ولا بِالمَعْنى الثّانِي، وأمّا الثّالِثُ فالمُخْلِصُ لا يَأْمَنُهُ ما دامَ في الدُّنْيا، وكَيْفَ والأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ شاغِلَةٌ، والآدَمِيُّ في الدُّنْيا تارَةً مَعَ اللَّهِ، وأُخْرى مُقْبِلٌ عَلى ما لا بُدَّ مِنهُ، وإنْ كانَ مَعَهُ اللَّهُ وإلى هَذا إشارَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ [فصلت: ٦] يَعْنِي يُرْفَعُ الحِجابُ عَنِّي

صفحة ١٦٥

وقْتَ الوَحْيِ ثُمَّ أعُودُ إلَيْكم كَأنِّي مِنكم، فالأمْرُ بِالتَّقْوى يُوجِبُ اسْتِدامَةَ الحُضُورِ.

الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلَّ لَحْظَةٍ كانَ يَزْدادُ عِلْمُهُ ومَرْتَبَتُهُ حَتّى كانَ حالُهُ فِيما مَضى بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو فِيهِ تَرْكًا لِلْأفْضَلِ، فَكانَ لَهُ في كُلِّ ساعَةٍ تَقْوى مُتَجَدِّدَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ عَلى هَذا أُمِرَ بِما لَيْسَ فِيهِ، وإلى هَذا أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: «مَنِ اسْتَوى يَوْماهُ فَهو مَغْبُونٌ» ولِأنَّهُ طَلَبَ مِن رَبِّهِ بِأمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِهِ زِيادَةَ العِلْمِ حَيْثُ قالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وأيْضًا إلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: “ «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي، فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» “ يَعْنِي يَتَجَدَّدُ لَهُ مَقامٌ يَقُولُ الَّذِي أتَيْتُ بِهِ مِنَ الشُّكْرِ والعِبادَةِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.

إذا عُلِمَ هَذا فالنَّبِيُّ ﷺ بِحُكْمِ ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كانَ قَدْ وقَعَ لَهُ خَوْفٌ ما يَسِيرٌ مِن جِهَةِ ألْسِنَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ ومِن أيْدِيهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فَأمَرَهُ اللَّهُ بِتَقْوى أُخْرى فَوْقَ ما يَتَّقِيهِ بِحَيْثُ تُنْسِيهِ الخَلْقَ ولا يُرِيدُ إلّا الحَقَّ وزادَ اللَّهُ بِهِ دَرَجَتَهُ فَكانَ ذَلِكَ بِشارَةً لَهُ في ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ أنْتَ ما بَقِيتَ في الدَّرَجَةِ الَّتِي يُقْنَعُ مِنكَ بِتَقْوى مِثْلَ تَقْوى الآحادِ أوْ تَقْوى الأوْتادِ بَلْ لا يُقْنَعُ مِنكَ إلّا بِتَقْوى تُنْسِيكَ نَفْسَكَ.

ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ يَخافُ فَوْتَ مالٍ إنْ هَجَمَ عَلَيْهِ غاشِمٌ يَقْصِدُ قَتْلَهُ يَذْهَلُ عَنِ المالِ ويَهْرُبُ ويَتْرُكُهُ، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِمِثْلِ هَذِهِ التَّقْوى، ومَعَ هَذِهِ التَّقْوى لا يَبْقى الخَوْفُ مِن أحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ، وخَرَجَ هَذا مَخْرَجَ قَوْلِ القائِلِ لِمَن يَخافُ زَيْدًا أوْ عَمْرًا: خَفْ عَمْرًا فَإنَّ زَيْدًا لا يَقْدِرُ عَلَيْكَ إذا كانَ عَمْرٌو مَعَكَ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا بِالخَوْفِ مِن عَمْرٍو فَإنَّهُ يَخافُ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ نَهْيًا عَنِ الخَوْفِ مِن زَيْدٍ في ضِمْنِ الأمْرِ بِزِيادَةِ الخَوْفِ مِن عَمْرٍو حَتّى يُنْسِيَهُ زَيْدًا.

* *

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ يُقَرِّرُ قَوْلَنا أيِ اتَّقِ اللَّهَ تَقْوى تَمْنَعُكَ مِن طاعَتِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِمَ خَصَّ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَنْبَغِي أنْ لا يُطِيعَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ ؟ نَقُولُ: لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الغَيْرِ لا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّ غَيْرَهُما لا يَطْلُبُ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الِاتِّباعَ، ولا يَتَوَقَّعُ أنْ يَصِيرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ مُطِيعًا لَهُ بَلْ يَقْصِدُ اتِّباعَهُ ولا يَكُونُ عِنْدَهُ إلّا مُطاعًا.

والثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ مَنَعَهُ مِن طاعَةِ الكُلِّ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ طاعَتَهُ فَهو كافِرٌ أوْ مُنافِقٌ، لِأنَّ مَن يَأْمُرُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأمْرٍ أمْرَ إيجابٍ مُعْتَقِدًا عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ يُعاقِبُهُ بِحَقٍّ يَكُونُ كافِرًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّقْوى يَنْبَغِي تَكُونُ عَنْ صَمِيمِ قَلْبِكَ لا تُخْفِي في نَفْسِكَ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ، كَما يَفْعَلُهُ الَّذِي يَرى مِن نَفْسِهِ الشَّجاعَةَ حَيْثُ يَخافُ في نَفْسِهِ ويَتَجَلَّدُ، فَإنَّ التَّقْوى مِنَ اللَّهِ وهو عَلِيمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿حَكِيمًا﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ وهْمِ مُتَوَهِّمٍ وهو أنَّ مُتَوَهِّمًا لَوْ قالَ: إذا قالَ اللَّهُ شَيْئًا، وقالَ جَمِيعُ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ مَعَ أنَّهم أقارِبُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيْئًا آخَرَ ورَأوُا المَصْلَحَةَ فِيهِ وذَكَرُوا وجْهًا مَعْقُولًا، فاتِّباعُهم لا يَكُونُ إلّا مَصْلَحَةً، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّهُ حَكِيمٌ. ولا تَكُونُ المَصْلَحَةُ إلّا في قَوْلِ الحَكِيمِ، فَإذا أمَرَكَ اللَّهُ بِشَيْءٍ فاتَّبِعْهُ ولَوْ مَنَعَكَ أهْلُ العالَمِ عَنْهُ.

33:2–4Страница 418

وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢

Следуй тому, что внушается тебе в откровении от твоего Господа. Воистину, Аллах ведает о том, что вы совершаете.

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣

Уповай на Аллаха, и довольно того, что Аллах является Попечителем и Хранителем!

مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤

Аллах не даровал человеку двух сердец в одном теле. Он не сделал вашими матерями тех ваших жен, которых вы объявляете запретными для себя, и не сделал ваших приемных сыновей вашими сыновьями. Это - всего лишь слова из ваших уст. Аллах же глаголет истину и наставляет на прямой путь.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾

يُقَرِّرُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ حَكِيمٌ فاتِّباعُهُ هو الواجِبُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لَمّا قالَ: إنَّهُ عَلِيمٌ بِما في قُلُوبِ العِبادِ بَيَّنَ أنَّهُ عالِمٌ خَبِيرٌ بِأعْمالِكم فَسَوُّوا قُلُوبَكم وأصْلِحُوا أعْمالَكم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ يَعْنِي اتَّقِ اللَّهَ وإنْ تَوَهَّمْتَ مِن أحَدٍ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّهُ كَفى بِهِ دافِعًا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ مَعَهُ شَيْءٌ وإنْ ضَرَّ لا يَنْفَعُ مَعَهُ شَيْءٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي مَعْمَرٍ كانَ يَقُولُ: لِي قَلْبانِ أعْلَمُ وأفْهَمُ بِأحَدِهِما أكْثَرَ مِمّا يَفْهَمُ مُحَمَّدٌ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أيْ ما جَعَلَ لِرَجُلٍ قَلْبَيْنِ كَما لَمْ يَجْعَلْ لِرَجُلٍ أمِينٍ ولا لِابْنِ أبَوَيْنِ، وكِلاهُما ضَعِيفٌ بَلِ الحَقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمّا أمَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِاتِّقاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا لَهُ بِتَقْوى لا يَكُونُ فَوْقَها تَقْوى، ومَن يَتَّقِي ويَخافُ شَيْئًا خَوْفًا شَدِيدًا لا يَدْخُلُ في قَلْبِهِ شَيْءٌ آخَرُ، ألا تَرى أنَّ الخائِفَ الشَّدِيدَ الخَوْفِ يَنْسى مُهِمّاتِهِ حالَةَ الخَوْفِ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، ومِن حَقِّها أنْ لا يَكُونَ في قَلْبِكَ تَقْوى غَيْرِ اللَّهِ؛ فَإنَّ المَرْءَ لَيْسَ لَهُ قَلْبانِ حَتّى يَتَّقِيَ بِأحَدِهِما اللَّهَ وبِالآخَرِ غَيْرَهُ، فَإنِ اتَّقى غَيْرَهُ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِصَرْفِ القَلْبِ عَنْ جِهَةِ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالمُتَّقِي الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ يَتَّقِي اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَّقِيَ أحَدًا ولا مِثْلَ ما اتَّقَيْتَ في حِكايَةِ زَيْنَبَ زَوْجَةِ زَيْدٍ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يَعْنِي: مِثْلُ تِلْكَ التَّقْوى لا يَنْبَغِي أنْ تَدْخُلَ في قَلْبِكَ. ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتِلْكَ الحالَةِ ذَكَرَ ما يَدْفَعُ عَنْهُ السُّوءَ، فَقالَ: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ أيْ وما جَعَلَ اللَّهُ دَعِيَّ المَرْءِ ابْنَهُ، ثُمَّ قَدَّمَ عَلَيْهِ ما هو دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى انْدِفاعِ القُبْحِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أيْ إنَّكم إذا قُلْتُمْ لِأزْواجِكم: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَلا تَصِيرُ هي أُمًّا بِإجْماعِ الكُلِّ. أمّا في الإسْلامِ فَلِأنَّهُ ظِهارٌ لا يُحَرِّمُ الوَطْءَ، وأمّا في الجاهِلِيَّةِ فَلِأنَّهُ كانَ طَلاقًا حَتّى كانَ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِها مِن جَدِيدٍ، فَإذا كانَ قَوْلُ القائِلِ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ أُمِّي أوْ كَظَهْرِ أُمِّي لا يُوجِبُ صَيْرُورَةَ الزَّوْجَةِ أُمًّا كَذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ لِلدَّعِيِّ: أنْتَ أبِي لا يُوجِبُ كَوْنَهُ ابْنًا فَلا تَصِيرُ زَوْجَتُهُ زَوْجَةَ الِابْنِ، فَلَمْ

صفحة ١٦٧

يَكُنْ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ في ذَلِكَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ خَوْفُكَ مِنَ النّاسِ لَهُ وجْهٌ، كَيْفَ ولَوْ كانَ أمْرًا مَخُوفًا ما كانَ يَجُوزُ أنْ تَخافَ غَيْرَ اللَّهِ أوْ لَيْسَ لَكَ قَلْبانِ وقَلْبُكَ مَشْغُولٌ بِتَقْوى اللَّهِ فَما كانَ يَنْبَغِي أنْ تَخافَ أحَدًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ وهو أنَّ الكَلامَ المُعْتَبَرَ عَلى قِسْمَيْنِ.

أحَدُهُما: كَلامٌ يَكُونُ عَنْ شَيْءٍ كانَ فَيُقالُ.

والثّانِي: كَلامٌ يُقالُ فَيَكُونُ كَما قِيلَ. والأوَّلُ كَلامُ الصّادِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ ما يَكُونُ، والآخَرُ كَلامُ الصِّدِّيقِينَ الَّذِينَ إذا قالُوا شَيْئًا جَعَلَهُ اللَّهُ كَما قالُوهُ. وكِلاهُما صادِرٌ عَنْ قَلْبٍ، والكَلامُ الَّذِي يَكُونُ بِالفَمِ فَحَسْبُ هو مِثْلُ نَهِيقِ الحِمارِ أوْ نُباحِ الكَلْبِ؛ لِأنَّ الكَلامَ المُعْتَبَرَ هو الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ والَّذِي لا يَكُونُ عَنْ قَلْبٍ ورَوِيَّةٍ لا اعْتِمادَ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى لَمّا كَرَّمَ ابْنَ آدَمَ وفَضَّلَهُ عَلى سائِرِ الحَيَواناتِ يَنْبَغِي أنْ يَحْتَرِزَ مِنَ التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِها.

فَقَوْلُ القائِلِ: هَذا ابْنُ فُلانٍ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ لَيْسَ كَلامًا فَإنَّ الكَلامَ في الفُؤادِ وهَذا في الفَمِ لا غَيْرُ. واللَّطِيفَةُ هي أنَّ اللَّهَ تَعالى هَهُنا قالَ: ﴿ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] يَعْنِي نِسْبَةَ الشَّخْصِ إلى غَيْرِ الأبِ قَوْلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ ولا يَخْرُجُ مِن قَلْبٍ ولا يَدْخُلُ أيْضًا في قَلْبٍ فَهو قَوْلٌ بِالفَمِ مِثْلُ أصْواتِ البَهائِمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ إمّا عَنْ عَقْلٍ أوْ عَنْ شَرْعٍ، فَإذا قالَ: فُلانٌ ابْنُ فُلانٍ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَنْ حَقِيقَةٍ أوْ يَكُونَ عَنْ شَرْعٍ بِأنْ يَكُونَ ابْنَهُ شَرْعًا، وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الحَقِيقَةَ كَمَن تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ ولَدًا وكانَتِ الزَّوْجَةُ مِن قَبْلُ زَوْجَةَ شَخْصٍ آخَرَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِنهُ، فَإنّا نُلْحِقُهُ بِالزَّوْجِ الثّانِي لِقِيامِ الفِراشِ، ونَقُولُ: إنَّهُ ابْنُهُ، وفي الدَّعِيِّ لَمْ تُوجَدِ الحَقِيقَةُ ولا ورَدَ الشَّرْعُ بِهِ لِأنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ وهَذا خِلافُ الحَقِّ؛ لِأنَّ أباهُ مَشْهُورٌ ظاهِرٌ.

ووَجْهٌ آخَرُ فِيهِ وهو أنَّهم قالُوا هَذِهِ زَوْجَةُ الِابْنِ فَتَحْرُمُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: هي لَكَ حَلالٌ، وقَوْلُهم لا اعْتِبارَ بِهِ فَإنَّهُ بِأفْواهِهِمْ كَأصْواتِ البَهائِمِ، وقَوْلُ اللَّهِ حَقٌّ فَيَجِبُ اتِّباعُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ يَعْنِي يَجِبُ اتِّباعُهُ لِكَوْنِهِ حَقًّا ولِكَوْنِهِ هادِيًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهو أنَّ الكَلامَ الَّذِي بِالفَمِ فَحَسْبُ يُشْبِهُ صَوْتَ البَهائِمِ الَّذِي يُوجَدُ لا عَنْ قَلْبٍ، ثُمَّ إنَّ الكَلامَ الَّذِي بِالقَلْبِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا وقَدْ يَكُونُ باطِلًا؛ لِأنَّ مَن يَقُولُ شَيْئًا عَنِ اعْتِقادٍ قَدْ يَكُونُ مُطابِقًا فَيَكُونُ حَقًّا، وقَدْ لا يَكُونُ فَيَكُونُ باطِلًا، فالقَوْلُ الَّذِي بِالقَلْبِ - وهو المُعْتَبَرُ مِن أقْوالِكم - قَدْ يَكُونُ حَقًّا، وقَدْ يَكُونُ باطِلًا لِأنَّهُ يَتْبَعُ الوُجُودَ، وقَوْلُ اللَّهِ حَقٌّ لِأنَّهُ يَتْبَعُهُ الوُجُودُ فَإنَّهُ يَقُولُ عَمّا كانَ أوْ يَقُولُ فَيَكُونُ، فَإذَنْ قَوْلُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن أقْوالِكُمُ الَّتِي عَنْ قُلُوبِكم، فَكَيْفَ تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلى أقْوالِكُمُ الَّتِي بِأفْواهِكم ؟ ! فَإذَنْ لا يَجُوزُ أنْ تَأْخُذُوا بِقَوْلِكُمُ الكاذِبِ اللّاغِي وتَتْرُكُوا قَوْلَ اللَّهِ الحَقَّ، فَمَن يَقُولُ: بِأنَّ تَزَوُّجَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِزَيْنَبَ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا يَكُونُ قَدْ تَرَكَ قَوْلَ اللَّهِ الحَقَّ وأخَذَ بِقَوْلٍ خَرَجَ عَنِ الفَمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اتِّباعَ ما أنْزَلَ اللَّهُ خَيْرٌ مِنَ الأخْذِ بِقَوْلِ الغَيْرِ.

33:5Страница 418

ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥

Зовите их (приемных детей) по именам их отцов. Это более справедливо перед Аллахом. Если же вы не знаете их отцов, то они являются вашими братьями по вере и вашими близкими. Не будет на вас греха, если вы совершите ошибку, если только вы не вознамерились совершить такое в сердце. Аллах - Прощающий, Милосердный.

صفحة ١٦٨

ثُمَّ بَيَّنَ الهِدايَةَ وقالَ: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ أرْشَدُ وقالَ: ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ أعْدَلُ، فَإنَّهُ وضْعُ الشَّيْءِ في مَوْضِعِهِ، وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَرَكَ الإضافَةَ لِلْعُمُومِ، أيْ أعْدَلُ كُلِّ كَلامٍ كَقَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ أكْبَرُ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ مَنوِيًّا كَأنَّهُ قالَ: ذَلِكَ أقْسَطُ مِن قَوْلِكم هو ابْنُ فُلانٍ، ثُمَّ تَمَّمَ الإرْشادَ وقالَ: (﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ يَعْنِي قُولُوا لَهم: إخْوانُنا وأخُو فُلانٍ، فَإنْ كانُوا مُحَرَّرِينَ فَقُولُوا: مَوْلى فُلانٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَ القائِلِ لِغَيْرِهِ: يا بُنَيَّ بِطَرِيقِ الشَّفَقَةِ، وقَوْلُ القائِلِ لِغَيْرِهِ: يا أبِي بِطَرِيقِ التَّعْظِيمِ، فَإنَّهُ مِثْلُ الخَطَأِ، ألا تَرى أنَّ اللَّغْوَ في اليَمِينِ مِثْلُ الخَطَأِ وسَبْقِ اللِّسانِ، فَكَذَلِكَ سَبْقُ اللِّسانِ في قَوْلِ القائِلِ: ابْنِي، والسَّهْوُ في قَوْلِهِ ابْنِي مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى إثْباتِ النَّسَبِ سَواءٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ وهو الجُناحُ، يَعْنِي ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ جُناحٌ.

﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ويَرْحَمُ المُذْنِبَ، وقَدْ ذَكَرْنا كَلامًا شافِيًا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ في مَواضِعَ، ونُعِيدُ بَعْضَها هَهُنا فَنَقُولُ: المَغْفِرَةُ هو أنْ يَسْتَرِدَّ القادِرُ القَبِيحَ الصّادِرَ مِمَّنْ تَحْتَ قُدْرَتِهِ حَتّى إنَّ العَبْدَ إذا سَتَرَ عَيْبَ سَيِّدِهِ مَخافَةَ عِقابِهِ لا يُقالُ إنَّهُ غَفَرَ لَهُ، والرَّحْمَةُ هو أنْ يَمِيلَ إلَيْهِ بِالإحْسانِ لِعَجْزِ المَرْحُومِ إلَيْهِ لا لِعِوَضٍ، فَإنَّ مَن مالَ إلى إنْسانٍ قادِرٍ كالسُّلْطانِ لا يُقالُ رَحِمَهُ، وكَذا مَن أحْسَنَ إلى غَيْرِهِ رَجاءً في خَيْرِهِ أوْ عِوَضًا عَمّا صَدَرَ مِنهُ آنِفًا مِنَ الإحْسانِ لا يُقالُ رَحِمَهُ، إذا عُلِمَ هَذا فالمَغْفِرَةُ إذا ذُكِرَتْ قَبْلَ الرَّحْمَةِ يَكُونُ مَعْناها أنَّهُ سَتَرَ عَيْبَهُ ثُمَّ رَآهُ مُفْلِسًا عاجِزًا فَرَحِمَهُ وأعْطاهُ ما كَفاهُ، وإذا ذُكِرَتِ المَغْفِرَةُ بَعْدَ الرَّحْمَةِ وهو قَلِيلٌ يَكُونُ مَعْناها أنَّهُ مالَ إلَيْهِ لِعَجْزِهِ فَتَرَكَ عِقابَهُ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ بَلْ سَتَرَ ذُنُوبَهُ.

33:6Страница 418

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦

Пророк ближе к верующим, чем они сами, а его жены - их матери. В соответствии с предписанием Аллаха, кровные родственники ближе друг к другу, чем верующие и мухаджиры, если только вы не сделаете добро своим друзьям. Так было записано в Писании (Хранимой скрижали).

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِصِحَّةِ ما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التَّزَوُّجِ بِزَيْنَبَ، وكَأنَّ هَذا جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ وهو أنَّ قائِلًا لَوْ قالَ: هَبْ أنَّ الأدْعِياءَ لَيْسُوا بِأبْناءٍ كَما قُلْتَ لَكِنَّ مَن سَمّاهُ غَيْرُهُ ابْنًا إذا كانَ لِدَعِيِّهِ شَيْءٌ حَسَنٌ لا يَلِيقُ بِمُرُوءَتِهِ أنْ يَأْخُذَهُ مِنهُ ويَطْعَنَ فِيهِ عُرْفًا. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ دَفْعَ الحاجاتِ عَلى مَراتِبَ: دَفْعَ حاجَةِ الأجانِبِ، ثُمَّ دَفْعَ حاجَةِ الأقارِبِ الَّذِينَ عَلى حَواشِي النَّسَبِ، ثُمَّ دَفْعَ حاجَةِ الأُصُولِ والفُصُولِ، ثُمَّ دَفْعَ حاجَةِ النَّفْسِ. والأوَّلُ عُرْفًا دُونَ الثّانِي وكَذَلِكَ شَرْعًا، فَإنَّ العاقِلَةَ تَتَحَمَّلُ الدِّيَةُ عَنْهم ولا تَتَحَمَّلُها عَنِ الأجانِبِ، والثّانِي دُونَ الثّالِثِ أيْضًا وهو ظاهِرٌ بِدَلِيلِ النَّفَقَةِ، والثّالِثُ دُونَ الرّابِعِ فَإنَّ النَّفْسَ تُقَدَّمُ عَلى الغَيْرِ، وإلَيْهِ أشارَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ

صفحة ١٦٩

والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: “ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ» “ إذا عَلِمْتَ هَذا فالإنْسانُ إذا كانَ مَعَهُ ما يُغَطِّي بِهِ إحْدى الرِّجْلَيْنِ أوْ يَدْفَعُ بِهِ حاجَةً عَنْ أحَدِ شِقَّيْ بَدَنِهِ، فَلَوْ أخَذَ الغِطاءَ مِن أحَدِهِما وغَطّى بِهِ الآخَرَ لا يَكُونُ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ. فَضْلًا عَنْ أنْ يَقُولَ بِئْسَما فَعَلْتَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أحَدُ العُضْوَيْنِ أشْرَفَ مِنَ الآخَرِ مِثْلَ ما إذا وقى الإنْسانُ عَيْنَهُ بِيَدِهِ، ويَدْفَعُ البَرْدَ عَنْ رَأْسِهِ الَّذِي هو مَعْدِنُ حَواسِّهِ ويَتْرُكُ رِجْلَهُ تَبْرُدُ فَإنَّهُ الواجِبُ عَقْلًا، فَمَن يَعْكِسُ الأمْرَ يُقالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ. وإذا تَبَيَّنَ هَذا فالنَّبِيُّ ﷺ أوْلى بِالمُؤْمِنِ مِن نَفْسِهِ، فَلَوْ دَفَعَ المُؤْمِنُ حاجَةَ نَفْسِهِ دُونَ حاجَةِ نَبِيِّهِ يَكُونُ مَثَلُهُ مَثَلَ مَن يَدْهُنُ شَعْرَهُ ويَكْشِفُ رَأْسَهُ في بَرْدٍ مُفْرِطٍ قاصِدًا بِهِ تَرْبِيَةَ شَعْرِهِ ولا يَعْلَمُ أنَّهُ يُؤْذِي رَأْسَهُ الَّذِي لا نَباتَ لِشَعْرِهِ إلّا مِنهُ، فَكَذَلِكَ دَفْعُ حاجَةِ النَّفْسِ فَراغُها إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ولا عِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ العِبادَةِ إلّا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ دَفَعَ الإنْسانُ حاجَتَهُ لا لِلْعِبادَةِ فَهو لَيْسَ دَفْعًا لِلْحاجَةِ؛ لِأنَّ دَفْعَ الحاجَةِ ما هو فَوْقَ تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ وهَذا لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ حاجَةً، وإذا كانَ لِلْعِبادَةِ فَتَرْكُ النَّبِيِّ الَّذِي مِنهُ يَتَعَلَّمُ كَيْفِيَّةَ العِبادَةِ في الحاجَةِ ودَفْعِ حاجَةِ النَّفْسِ مِثْلُ تَرْبِيَةِ الشَّعْرِ مَعَ إهْمالِ أمْرِ الرَّأْسِ، فَتَبَيَّنَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذا أرادَ شَيْئًا حَرُمَ عَلى الأُمَّةِ التَّعَرُّضُ إلَيْهِ في الحِكْمَةِ الواضِحَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ تَقْرِيرٌ آخَرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ زَوْجَةَ النَّبِيِّ ﷺ ما جَعَلَها اللَّهُ تَعالى في حُكْمِ الأُمِّ إلّا لِقَطْعِ نَظَرِ الأُمَّةِ عَمّا تَعَلَّقَ بِهِ غَرَضُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإذا تَعَلَّقَ خاطِرُهُ بِامْرَأةٍ شارَكَتِ الزَّوْجاتِ في التَّعَلُّقِ فَحَرُمَتْ مِثْلَ ما حَرُمَتْ أزْواجُهُ عَلى غَيْرِهِ، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قالَ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّ غَيْرَ مَن ولَدَتْ لا تَصِيرُ أُمًّا بِوَجْهٍ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ جَوابٌ عَنْ هَذا مَعْناهُ أنَّ الشَّرْعَ مِثْلُ الحَقِيقَةِ، ولِهَذا يَرْجِعُ العاقِلُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اعْتِبارِ الحَقِيقَةِ إلى الشَّرِيعَةِ. كَما أنَّ امْرَأتَيْنِ إذا ادَّعَتْ كُلُّ واحِدَةٍ ولَدًا بِعَيْنِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهُما بَيِّنَةٌ وحَلَفَتْ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى حُكِمَ لَها بِالوَلَدِ، وإنْ تَبَيَّنَ أنَّ الَّتِي حَلَفَتْ دُونَ البُلُوغِ أوْ بِكْرٌ بِبَيِّنَةٍ لا يُحْكَمُ لَها بِالوَلَدِ، فَعُلِمَ أنَّ عِنْدَ عَدَمِ الوُصُولِ إلى الحَقِيقَةِ يُرْجَعُ إلى الشَّرْعِ، لا بَلْ في بَعْضِ المَواضِعِ عَلى النُّدُورِ تَغْلُبُ الشَّرِيعَةُ الحَقِيقَةَ، فَإنَّ الزّانِيَ لا يُجْعَلُ أبًا لِوَلَدِ الزِّنا.

إذا ثَبَتَ هَذا فالشّارِعُ لَهُ الحُكْمُ، فَقَوْلُ القائِلِ: هَذِهِ أُمِّي. قَوْلٌ يُفْهَمُ لا عَنْ حَقِيقَةٍ ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ. وأمّا قَوْلُ الشّارِعِ فَهو حَقٌّ، والَّذِي يُؤَيِّدُهُ هو أنَّ الشّارِعَ بِهِ الحَقائِقُ حَقائِقُ فَلَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيها، ألا تَرى أنَّ الأُمَّ ما صارَتْ أُمًّا إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ الوَلَدَ في رَحِمِها، ولَوْ خَلَقَهُ في جَوْفِ غَيْرِها لَكانَتِ الأُمُّ غَيْرَها، فَإذا كانَ هو الَّذِي يَجْعَلُ الأُمَّ الحَقِيقِيَّةَ أُمًّا فَلَهُ أنْ يُسَمِّيَ امْرَأةً أُمًّا ويُعْطِيَها حُكْمَ الأُمُومَةِ.

والمَعْقُولُ في جَعْلِ أزْواجِهِ أُمَّهاتِنا هو أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ زَوْجَةَ الأبِ مُحَرَّمَةً عَلى الِابْنِ، لِأنَّ الزَّوْجَةَ مَحَلُّ الغَيْرَةِ والتَّنازُعِ فِيها، فَإنَّ تَزَوُّجَ الِابْنِ بِمَن كانَتْ تَحْتَ الأبِ يُفْضِي ذَلِكَ إلى قَطْعِ الرَّحِمِ والعُقُوقِ، لَكِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشْرَفُ وأعْلى دَرَجَةً مِنَ الأبِ وأوْلى بِالإرْضاءِ، فَإنَّ الأبَ يُرَبِّي في الدُّنْيا فَحَسْبُ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُرَبِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ زَوْجاتُهُ مِثْلَ زَوْجاتِ الآباءِ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ إنَّ النَّبِيَّ أبُوكم ؟ ويَحْصُلُ هَذا المَعْنى، أوْ لَمْ يَقُلْ إنَّ أزْواجَهُ أزْواجُ أبِيكم ؟ فَنَقُولُ: لِحِكْمَةٍ وهي أنَّ النَّبِيَّ لَمّا بَيَّنّا أنَّهُ إذا أرادَ زَوْجَةَ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ وجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُها لِيَتَزَوَّجَ بِها النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَوْ قالَ: أنْتَ أبُوهم لَحَرُمَ عَلَيْهِ زَوْجاتُ المُؤْمِنِينَ عَلى التَّأْبِيدِ، ولِأنَّهُ لَمّا جَعَلَهُ أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، والنَّفْسُ مُقَدَّمٌ عَلى الأبِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: “ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ

صفحة ١٧٠

بِمَن تَعُولُ» “ ولِذَلِكَ فَإنَّ المُحْتاجَ إلى القُوتِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ صَرْفُهُ إلى الأبِ، ويَجِبُ عَلَيْهِ صَرْفُهُ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ إنَّ أزْواجَهُ لَهم حُكْمُ زَوْجاتِ الأبِ حَتّى لا تَحْرُمَ أوْلادُهُنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ ولا أخَواتُهُنَّ ولا أُمَّهاتُهُنَّ، وإنْ كانَ الكُلُّ يَحْرُمْنَ في الأُمِّ الحَقِيقِيَّةِ والرَّضاعِيَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ إشارَةً إلى المِيراثِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ إشارَةٌ إلى الوَصِيَّةِ، يَعْنِي إنْ أوْصَيْتُمْ فَغَيْرُ الوارِثِينَ أوْلى، وإنْ لَمْ تُوصُوا فالوارِثُونَ أوْلى بِمِيراثِكم وبِما تَرَكْتُمْ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا أيُّ تَعَلُّقٍ لِلْمِيراثِ والوَصِيَّةِ بِما ذَكَرْتَ ؟ نَقُولُ: تَعَلُّقٌ قَوِيٌّ خَفِيٌّ لا يَتَبَيَّنُ إلّا لِمَن هَداهُ اللَّهُ بِنُورِهِ، وهو أنَّ غَيْرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حالِ حَياتِهِ لا يَصِيرُ لَهُ مالُ الغَيْرِ، وبَعْدَ وفاتِهِ لا يَصِيرُ مالُهُ لِغَيْرِ ورَثَتِهِ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حالِ حَياتِهِ كانَ يَصِيرُ لَهُ مالُ الغَيْرِ إذا أرادَهُ ولا يَصِيرُ مالُهُ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى عَوَّضَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ قَطْعِ مِيراثِهِ بِقُدْرَتِهِ عَلى تَمَلُّكِ مالِ الغَيْرِ، وعَوَّضَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ ما تَرَكَهُ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، حَتّى لا يَكُونَ حَرَجٌ عَلى المُؤْمِنِينَ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذا أرادَ شَيْئًا يَصِيرُ لَهُ ثُمَّ يَمُوتُ ويَبْقى لِوَرَثَتِهِ فَيُفَوَّتُ عَلَيْهِمْ ولا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ يَعْنِي بَيْنَكُمُ التَّوارُثُ فَيَصِيرُ مالُ أحَدِكم لِغَيْرِهِ بِالإرْثِ، والنَّبِيُّ لا تَوارُثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أقارِبِهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ بَدَلُ هَذا أنَّهُ أوْلى في حَياتِهِ بِما في أيْدِيكم.

الثّانِي: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ دَلِيلًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ وهو أنَّ أُولِي الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، ثُمَّ إذا أرادَ أحَدٌ بِرًّا مَعَ صَدِيقٍ فَيُوصِي لَهُ بِشَيْءٍ فَيَصِيرُ أوْلى مِن قَرِيبِهِ وكَأنَّهُ بِالوَصِيَّةِ قَطَعَ الإرْثَ وقالَ: هَذا مالِي لا يَنْتَقِلُ عَنِّي إلّا إلى مَن أُرِيدُهُ، فَكَذَلِكَ اللَّهُ تَعالى جَعَلَ لِصَدِيقِهِ مِنَ الدُّنْيا ما أرادَهُ ثُمَّ ما يَفْضُلُ مِنهُ يَكُونُ لِغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: في القُرْآنِ وهو آيَةُ المَوارِيثِ والوَصِيَّةِ.

والثّانِي: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English