Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аз-Зумар 39:22–32, продолжение
وأيْضًا إذا أرادَ أنْ يُحِيطَ عَقْلُهُ بِمَعْنى الأزَلِ فَيَتَقَدَّمَ في ذِهْنِهِ بِمِقْدارِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمَ أيْضًا بِحَسَبِ كُلِّ لَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِ تِلْكَ المُدَّةِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ، ولا يَزالُ يَحْتالُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَخَيَّلُ في الذِّهْنِ، فَإذا بالَغَ وتَوَغَّلَ وظَنَّ أنَّهُ اسْتَحْضَرَ مَعْنى الأزَلِ، قالَ العَقْلُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ ما اسْتَحْضَرْتُهُ فِيَّ فَهو مُتَناهٍ، والأزَلُ هو الوُجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ المُتَناهِيَةِ، فَهَهُنا يَتَحَيَّرُ العَقْلُ ويَقْشَعِرُّ الجِلْدُ، وأمّا إذا تَرَكَ هَذا الِاعْتِبارَ، وقالَ هَهُنا مَوْجُودٌ، والمَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، فَإنْ كانَ واجِبًا فَهو دائِمًا مُنَزَّهٌ عَنِ الأوَّلِ والآخِرِ، وإنْ كانَ مُمْكِنًا فَهو مُحْتاجٌ إلى الواجِبِ فَيَكُونُ أزَلِيًّا أبَدِيًّا، فَإذا اعْتَبَرَ العَقْلُ فَهِمَ مَعْنى الأزَلِيَّةِ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ لا يَجِبُ قَصْرُهُما عَلى سَماعِ آيَةِ العَذابِ وآيَةِ الرَّحْمَةِ، بَلْ ذاكَ أُولى تِلْكَ المَراتِبِ، وبَعْدَهُ مَراتِبُ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ في حُصُولِ تِلْكَ الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: القُرْآنُ دَلَّ عَلى أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ مَوْصُوفُونَ بِأنَّهم عِنْدَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، تارَةً تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وأُخْرى تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ فِيهِ أنَّ عُقُولَهم تَزُولُ وأنَّ أعْضاءَهم تَضْطَرِبُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ تِلْكَ الأحْوالَ لَوْ حَصَلَتْ لَكانَتْ مِنَ الشَّيْطانِ، وأقُولُ: هَهُنا بَحْثٌ آخَرُ، وهو أنَّ الشَّيْخَ أبا حامِدٍ الغَزالِيَّ أوْرَدَ مَسْألَةً في كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ، وهي أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَظْهَرُ عَلَيْهِ الوَجْدُ الشَّدِيدُ التّامُّ عِنْدَ سَماعِ الأبْياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى شَرْحِ الوَصْلِ والهَجْرِ، وعِنْدَ سَماعِ الآياتِ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ سَلَّمَ هَذا المَعْنى وذَكَرَ العُذْرَ فِيهِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وأنا أقُولُ: إنِّي خُلِقْتُ مَحْرُومًا عَنْ هَذا المَعْنى، فَإنِّي كُلَّما تَأمَّلْتُ في أسْرارِ القُرْآنِ اقْشَعَرَّ
صفحة ٢٣٨
جِلْدِي ووَقَفَ شَعْرِي وحَصَلَتْ في قَلْبِي دَهْشَةٌ ورَوْعَةٌ، وكُلَّما سَمِعْتُ تِلْكَ الأشْعارِ غَلَبَ الهَزْلُ عَلَيَّ وما وجَدْتُ ألْبَتَّةَ في نَفْسِي مِنها أثَرًا، وأظُنُّ أنَّ المَنهَجَ القَوِيمَ والصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو هَذا، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ الأشْعارَ كَلِماتٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى وصْلٍ وهَجْرٍ وبُغْضٍ وحُبٍّ تَلِيقُ بِالخَلْقِ، وإثْباتُهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، وأمّا الِانْتِقالُ مِن تِلْكَ الأحْوالِ إلى مَعانٍ لائِقَةٍ بِجَلالِ اللَّهِ فَلا يَصِلُ إلَيْها إلّا العُلَماءُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وأمّا المَعانِي الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها القُرْآنُ فَهي أحْوالٌ لائِقَةٌ بِجَلالِ اللَّهِ، فَمَن وقَفَ عَلَيْها عَظُمَ الوَلَهُ في قَلْبِهِ، فَإنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ نُورُ الإيمانِ وجَبَ أنْ يَعْظُمَ اضْطِرابُهُ عِنْدَ سَماعِ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] إلى آخِرِ الآيَةِ.
والثّانِي: وهو أنِّي سَمِعْتُ بَعْضَ المَشايِخِ قالَ: كَما أنَّ الكَلامَ لَهُ أثَرٌ، فَكَذَلِكَ صُدُورُ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ القائِلِ المُعَيَّنِ لَهُ أثَرٌ، لِأنَّ قُوَّةَ نَفْسِ القائِلِ تُعِينُ عَلى نَفاذِ الكَلامِ في الرُّوحِ، والقائِلُ في القُرْآنِ هُنا هو اللَّهُ بِواسِطَةِجِبْرِيلَ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ المَعْصُومِ، والقائِلُ هُناكَ شاعِرٌ كَذّابٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الشَّهْوَةِ وداعِيَةِ الفُجُورِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَدارَ القُرْآنِ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأمّا الشِّعْرُ فَمَدارُهُ عَلى الباطِلِ، قالَ تَعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ فُرُوقٌ ظاهِرَةٌ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالوُجْدانِ مِنَ النَّفْسِ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُخْبِرُ عَمّا يَجِدُهُ مِن نَفْسِهِ، والَّذِي وجَدْتُهُ مِنَ النَّفْسِ والعَقْلِ ما ذَكَرْتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ ما بَقِيَ مِنَ المُشْكِلاتِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَذْكُرُها في مَعْرِضِ السُّؤالِ والجَوابِ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ تَرْكِيبُ لَفْظِ القُشَعْرِيرَةِ، الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكِيبُهُ مِن حُرُوفِ التَّقَشُّعِ، وهو الأدِيمُ اليابِسُ، مَضْمُومًا إلَيْها حَرْفٌ رابِعٌ، وهو الرّاءُ؛ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنَ الخَوْفِ ووَقَفَ شَعْرُهُ، وذَلِكَ مَثَلٌ في شِدَّةِ الخَوْفِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وما الوَجْهُ في تَعَدِّيهِ بِحَرْفِ ”إلى“ ؟ والجَوابُ: التَّقْدِيرُ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم حالَ وُصُولِها إلى حَضْرَةِ اللَّهِ، وهو لا يُحَسُّ بِالإدْراكِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ ”إلى ذِكْرِ اللَّهِ“، ولَمْ يَقُلْ: إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ مَن أحَبَّ اللَّهَ لِأجْلِ رَحْمَتِهِ فَهو ما أحَبَّ اللَّهَ، وإنَّما أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَهُ، وأمّا مَن أحَبَّ اللَّهَ لا لِشَيْءٍ سِواهُ، فَهَذا هو المُحِبُّ المُحِقُّ، وهو الدَّرَجَةُ العالِيَةُ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَلْ قالَ: إلى ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وأيْضًا قالَ لِأُمَّةِ مُوسى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقالَ أيْضًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ قالَ في جانِبِ الخَوْفِ قُشَعْرِيرَةُ الجُلُودِ فَقَطْ، وفي جانِبِ الرَّجاءِ لِينُ الجُلُودِ والقُلُوبِ مَعًا ؟ والجَوابُ: لِأنَّ المُكاشَفَةَ في مَقامِ الرَّجاءِ أكْمَلُ مِنها في مَقامِ الخَوْفِ، لِأنَّ الخَيْرَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ، ومَحَلُّ المُكاشَفاتِ هو القُلُوبُ والأرْواحُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
صفحة ٢٣٩
، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكِتابِ، وهو هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وهو الَّذِي شَرَحَ صَدْرَهُ أوَّلًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ مَن جَعَلَ قَلْبَهُ قاسِيًا مُظْلِمًا بَلِيدَ الفَهْمِ مُنافِيًا لِقَبُولِ هَذِهِ الهِدايَةِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ واسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ وسُؤالاتُ المُعْتَزِلَةِ وجَوّاباتُ أصْحابِنا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى القاسِيَةِ قُلُوبُهم بِحُكْمٍ في الدُّنْيا وبِحُكْمٍ في الآخِرَةِ، أمّا حُكْمُهم في الدُّنْيا فَهو الضَّلالُ التّامُّ؛ كَما قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾، وأمّا حُكْمُهم في الآخِرَةِ فَهو العَذابُ الشَّدِيدُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الحُسْنِ والصَّباحَةِ، وهو أيْضًا صَوْمَعَةُ الحَواسِّ، وإنَّما يَتَمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ الوَجْهِ، وأثَرُ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لا يَظْهَرُ إلّا في الوَجْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨ – ٤٢ ] ويُقالُ لِمُقَدَّمِ القَوْمِ: يا وجْهَ العَرَبِ، ويُقالُ لِلطَّرِيقِ الدّالِّ عَلى كُنْهِ حالِ الشَّيْءِ: وجْهُ كَذا هو كَذا، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ أشْرَفَ الأعْضاءِ هو الوَجْهُ، فَإذا وقَعَ الإنْسانُ في نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ يَدَهُ وِقايَةً لِوَجْهِهِ وفِداءً لَهُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ القادِرُ عَلى الِاتِّقاءِ يَجْعَلُ كُلَّ ما سِوى الوَجْهِ فِداءً لِلْوَجْهِ - لا جَرَمَ حَسُنَ جَعْلُ الِاتِّقاءِ بِالوَجْهِ كِنايَةً عَنِ العَجْزِ عَنِ الِاتِّقاءِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ: لا عَيْبَ فِيهِمْ إلّا هَذا، وهو لَيْسَ بِعَيْبٍ، فَلا عَيْبَ فِيهِمْ إذَنْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكَذا هَهُنا لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِالوَجْهِ، وهَذا لَيْسَ بِاتِّقاءٍ، فَلا قُدْرَةَ لَهم عَلى الِاتِّقاءِ ألْبَتَّةَ، ويُقالُ أيْضًا: إنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ يُلْقى مَغْلُولَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ، ولا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَ النّارَ إلّا بِوَجْهِهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ كَمَن هو آمِنٌ مِنَ العَذابِ، فَحُذِفَ الخَبَرُ كَما حُذِفَ في نَظائِرِهِ، وسُوءُ العَذابِ شِدَّتُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِ القاسِيَةِ قُلُوبُهم في الآخِرَةِ بَيَّنَ أيْضًا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِمْ في العَذابِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى حالِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أتاهُمُ العَذابُ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، فَإذا كانَ التَّكْذِيبُ حاصِلًا هَهُنا لَزِمَ حُصُولُ العَذابِ؛ اسْتِدْلالًا بِالعِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْسَبُونَ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ الشَّرَّ يَأْتِيهِمْ مِنها، بَيْنَما هم آمِنُونَ إذْ أتاهُمُ العَذابُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَوَقَّعُوا الأمْنَ مِنها، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أتاهُمُ العَذابُ في الدُّنْيا بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ أتاهُمُ الخِزْيُ، وهو الذُّلُّ والصَّغارُ والهَوانُ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القَيْدِ أنَّ العَذابَ التّامَّ هو أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الألَمُ مَقْرُونًا بِالهَوانِ والذُّلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ وإنْ نَزَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ والخِزْيُ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فالعَذابُ المُدَّخَرُ لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ التَّخْوِيفُ والتَّرْهِيبُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الفَوائِدَ المُتَكاثِرَةَ والنَّفائِسَ المُتَوافِرَةَ في هَذِهِ المَطالِبِ بَيَّنَ
صفحة ٢٤٠
تَعالى أنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ البَياناتُ إلى حَدِّ الكَمالِ والتَّمامِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَقْصُودُ ظاهِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ، ودَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّهُ يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ، وقَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِالتَّعْلِيلِ أيْضًا، ومُشْعِرٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ إرادَةُ حُصُولِ التَّذَكُّرِ والعِلْمِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ البَياناتُ النّافِعَةُ والبَيِّناتُ الباهِرَةُ مَوْجُودَةً في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وُصِفَ القُرْآنُ بِالمَدْحِ والثَّناءِ، فَقالَ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأمْثالَ لِيَحْصُلَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ، والشَّيْءُ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِغَرَضٍ آخَرَ يَكُونُ مُحْدَثًا، فَإنَّ القَدِيمَ هو الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا في الأزَلِ، وهَذا يُمْتَنَعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما أتى بِهِ لِغَرَضِ كَذا وكَذا.
والثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وإنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما صارَتْ دالَّةً عَلى هَذِهِ المَعانِي بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحِهِمْ، وما كانَ حُصُولُهُ بِسَبَبِ أوْضاعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ كانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، والقُرْآنُ عِبارَةٌ عَنِ القِراءَةِ، والقِراءَةُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ، فَكانَ فِعْلًا ومَفْعُولًا، والجَوابُ: أنّا نَحْمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى الحُرُوفِ والأصْواتِ، وهي حادِثَةٌ ومُحْدَثَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْتَصَبَ عَلى المَدْحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: كَوْنُهُ قُرْآنًا، والمُرادُ كَوْنُهُ مَتْلُوًّا في المَحارِيبِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وثانِيها: كَوْنُهُ عَرَبِيًّا، والمُرادُ أنَّهُ أعْجَزَ الفُصَحاءَ والبُلَغاءَ عَنْ مُعارَضَتِهِ كَما قالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وثالِثُها: كَوْنُهُ ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ والمُرادُ بَراءَتُهُ عَنِ التَّناقُضِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، فالمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى.
وفِيهِ بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ التَّذَكُّرَ مُتَقَدِّمٌ عَلى الِاتِّقاءِ، لِأنَّهُ إذا تَذَكَّرَهُ وعَرَفَهُ ووَقَفَ عَلى فَحْواهُ وأحاطَ بِمَعْناهُ، حَصَلَ الِاتِّقاءُ والِاحْتِرازُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
39:29–32Страница 461
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩
Аллах приводит в качестве притчи мужа, принадлежащего нескольким несговорчивым партнерам, и мужа, принадлежащего только одному человеку. Равны ли они в притче? Хвала надлежит Аллаху, но большинство их не знает этого.
إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠
Воистину, ты смертен, и они смертны.
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١
А потом, в День воскресения, вы будете препираться у своего Господа.
۞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
Кто может быть несправедливее того, кто возвел навет на Аллаха и счел ложью правду, когда она явилась ему? Разве не в Геенне обитель неверующих?
صفحة ٢٤١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في شَرْحِ وعِيدِ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ مَثَلِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ وقُبْحِ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُتَشاكِسُونَ المُخْتَلِفُونَ العَسِرُونَ، يُقالُ: شَكِسَ يَشْكَسُ شُكُوسًا وشَكَسًا إذا عَسُرَ، وهو رَجُلٌ شَكِسٌ، أيْ عَسِرٌ، وتَشاكَسَ إذا تَعاسَرَ، قالَ اللَّيْثُ: التَّشاكُسُ التَّنازُعُ والِاخْتِلافُ، ويُقالُ: اللَّيْلُ والنَّهارُ مُتَشاكِسانِ، أيْ أنَّهُما مُتَضادّانِ إذا جاءَ أحَدُهُما ذَهَبَ الآخَرُ، وقَوْلُهُ: فِيهِ صِلَةُ شُرَكاءَ؛ كَما تَقُولُ اشْتَرَكُوا فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”سالِمًا“ بِالألِفِ وكَسْرِ اللّامِ، يُقالُ: سَلِمَ فَهو سالِمٌ، والباقُونَ ”سَلَمًا“ بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ بِغَيْرِ الألِفِ، ويُقالُ أيْضًا: بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ العَيْنِ، أمّا مَن قَرَأ ”سالِمًا“ فَهو اسْمُ الفاعِلِ، تَقْدِيرُ مُسَلَّمٍ، فَهو سالِمٌ، وأمّا سائِرُ القِراءاتِ فَهي مَصادِرُ سَلِمَ، والمَعْنى ذا سَلامَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿لِرَجُلٍ﴾ أيْ ذا خُلُوصٍ لَهُ مِنَ الشَّرِكَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: سَلِمَتْ لَهُ الضَّيْعَةُ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ لِرَجُلٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: اضْرِبْ لِقَوْمِكَ مَثَلًا، وقُلْ لَهم ما يَقُولُونَ في رَجُلٍ مِنَ المَمالِيكِ قَدِ اشْتَرَكَ فِيهِ شُرَكاءُ، بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ وتَنازُعٌ، كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَدَّعِي أنَّهُ عَبْدُهُ، فَهم يَتَجاذَبُونَهُ في حَوائِجِهِمْ، وهو مُتَحَيِّرٌ في أمْرِهِ، فَكُلَّما أرْضى أحَدَهم غَضِبَ الباقُونَ، وإذا احْتاجَ في مُهِمٍّ إلَيْهِمْ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَرُدُّهُ إلى الآخَرِ، فَهو يَبْقى مُتَحَيِّرًا لا يَعْرِفُ أيُّهم أوْلى بِأنْ يَطْلُبَ رِضاهُ، وأيَّهم يُعِينُهُ في حاجاتِهِ، فَهو بِهَذا السَّبَبِ في عَذابٍ دائِمٍ وتَعَبٍ مُقِيمٍ، ورَجُلٍ آخَرَ لَهُ مَخْدُومٌ واحِدٌ يَخْدِمُهُ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، وذَلِكَ المَخْدُومُ يُعِينُهُ عَلى مُهِمّاتِهِ، فَأيُّ هَذَيْنِ العَبْدَيْنِ أحْسَنُ حالًا وأحْمَدُ شَأْنًا، والمُرادُ تَمْثِيلُ حالِ مَن يُثْبِتُ آلِهَةً شَتّى، فَإنَّ أُولَئِكَ الآلِهَةَ تَكُونُ مُتَنازِعَةً مُتَغالِبَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقالَ: ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] فَيَبْقى ذَلِكَ المُشْرِكُ مُتَحَيِّرًا ضالًّا، لا يَدْرِي أيَّ هَؤُلاءِ الآلِهَةِ يَعْبُدُ، وعَلى رُبُوبِيَّةِ أيِّهِمْ يَعْتَمِدُ، ومِمَّنْ يَطْلُبُ رِزْقَهُ، ومِمَّنْ يَلْتَمِسُ رِفْقَهُ، فَهَمُّهُ شِفاعٌ، وقَلْبُهُ أوْزاعٌ.
أمّا مَن لَمْ يُثْبِتْ إلّا إلَهًا واحِدًا فَهو قائِمٌ بِما كَلَّفَهُ عارِفٌ بِما أرْضاهُ وما أسْخَطَهُ، فَكانَ حالُ هَذا أقْرَبَ إلى الصَّلاحِ مِن حالِ الأوَّلِ، وهَذا مَثَلٌ ضُرِبَ في غايَةِ الحُسْنِ في تَقْبِيحِ الشِّرْكِ وتَحْسِينِ التَّوْحِيدِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا المِثالُ لا يَنْطَبِقُ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ لِأنَّها جَماداتٌ، فَلَيْسَ بَيْنَها مُنازَعَةٌ ولا مُشاكَسَةٌ، قُلْنا: إنَّ عَبَدَةَ الأصْنامِ مُخْتَلِفُونَ، مِنهم مَن يَقُولُ: هَذِهِ الأصْنامُ تَماثِيلُ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ، فَهم في الحَقِيقَةِ إنَّما يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ السَّبْعَةَ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ يُثْبِتُونَ بَيْنَ هَذِهِ الكَواكِبِ مُنازَعَةً ومُشاكَسَةً، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ: زُحَلُ هو النَّحْسُ الأعْظَمُ، والمُشْتَرِي هو السَّعْدُ الأعْظَمُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: هَذِهِ الأصْنامُ تَماثِيلُ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ حَوادِثِ هَذا العالَمِ يَتَعَلَّقُ بِرُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بَيْنَ تِلْكَ الأرْواحِ مُنازَعَةٌ ومُشاكَسَةٌ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَثَلُ مُطابِقًا، ومِنهم مَن يَقُولُ: هَذِهِ الأصْنامُ تَماثِيلُ الأشْخاصِ مِنَ العُلَماءِ والزُّهّادِ الَّذِينَ مَضَوْا، فَهم يَعْبُدُونَ هَذِهِ التَّماثِيلَ لِتَصِيرَ أُولَئِكَ الأشْخاصُ مِنَ العُلَماءِ والزُّهّادِ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ تَزْعُمُ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم أنَّ المُحِقَّ هو
صفحة ٢٤٢
ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي هو عَلى دِينِهِ، وأنَّ مَن سِواهُ مُبْطِلٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا يَنْطَبِقُ المِثالُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المِثالَ مُطابِقٌ لِلْمَقْصُودِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾، فالتَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِيانِ صِفَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿مَثَلًا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَعْنى: هَلْ تَسْتَوِي صِفَتاهُما وحالَتاهُما، وإنَّما اقْتَصَرَ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقُرِئَ: ”مَثَلَيْنِ“، ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا بَطَلَ القَوْلُ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الواحِدُ الأحَدُ الحَقُّ، ثَبَتَ أنَّ الحَمْدَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَمْدَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، وأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ هو اللَّهُ لا غَيْرُهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ لَمّا سَبَقَتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الظّاهِرَةُ والبَيِّناتُ الباهِرَةُ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى حُصُولِ هَذِهِ البَياناتِ وظُهُورِ هَذِهِ البَيِّناتِ، وإنْ كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ لَمْ يَعْرِفُوها ولَمْ يَقِفُوا عَلَيْها، ولَمّا تَمَّمَ اللَّهُ هَذِهِ البَياناتِ قالَ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ .
والمُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ وإنْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى هَذِهِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الحِرْصِ والحَسَدِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ بِهَذا، فَإنَّكَ سَتَمُوتُ وهم أيْضًا سَيَمُوتُونَ، ثُمَّ تُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وتَخْتَصِمُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والعادِلُ الحَقُّ يَحْكُمُ بَيْنَكم، فَيُوصِلُ إلى كُلِّ واحِدٍ ما هو حَقُّهُ، وحِينَئِذٍ يَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، والصِّدِّيقُ مِنَ الزِّنْدِيقِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ أيْ: إنَّكَ وإيّاهم وإنْ كُنْتُمْ أحْياءً، فَإنَّكَ وإيّاهم في أعْدادِ المَوْتى، لِأنَّ كُلَّ ما هو آتٍ آتٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نَوْعًا آخَرَ مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ، وهو أنَّهم يَكْذِبُونَ، ويَضُمُّونَ إلَيْهِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ القائِلَ المُحِقَّ، أمّا أنَّهم يَكْذِبُونَ فَهو أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا وشُرَكاءَ.
وأمّا أنَّهم مُصِرُّونَ عَلى تَكْذِيبِ الصّادِقِينَ، فَلِأنَّهم يُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالوَعِيدِ فَقالَ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾، ومِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في تَكْفِيرِ المُخالِفِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُخالِفَ في المَسائِلِ القَطْعِيَّةِ كُلِّها يَكُونُ كاذِبًا في قَوْلِهِ، ويَكُونُ مُكَذِّبًا لِلْمَذْهَبِ الَّذِي هو الحَقُّ، فَوَجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذا الوَعِيدِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии