Ар-РазиАз‑Зумар · 39:59–66

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аз-Зумар 39:59–66

39:59Страница 465

بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩

О нет! К тебе явились Мои знамения, но ты счел их ложью, возгордился и был одним из неверующих.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”يا حَسْرَتى“ عَلى الأصْلِ و”يا حَسْرَتايَ“ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ عَنْهُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيْ أنَّهُ ما كانَ مُكْتَفِيًا بِذَلِكَ التَّقْصِيرِ بَلْ كانَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالدِّينِ، قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكْفِهِ أنْ ضَيَّعَ طاعَةَ اللَّهِ حَتّى سَخِرَ مِن أهْلِها، ومَحَلُّ ”وإنْ كُنْتُ“ نَصْبٌ عَلى الحالَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ وأنا ساخِرٌ، أيْ فَرَّطْتُ في حالِ سُخْرِيَتِي.

النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ أهْلِ العَذابِ أنَّهم يَذْكُرُونَهُ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ .

النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ هَذا المُقَصِّرَ أتى بِثَلاثَةِ أشْياءَ؛ أوَّلُها: الحَسْرَةُ عَلى التَّفْرِيطِ في الطّاعَةِ. وثانِيها: التَّعَلُّلُ بِفَقْدِ الهِدايَةِ. وثالِثُها: بِتَمَنِّي الرَّجْعَةِ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ كَلامِهِمْ بِأنْ قالَ: التَّعَلُّلُ بِفَقْدِ الهِدايَةِ باطِلٌ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ كانَتْ حاضِرَةً والأعْذارَ زائِلَةٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلى﴾ جَوابُ النَّفْيِ ولَيْسَ في الكَلامِ لَفْظُ النَّفْيِ إلّا أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ أنَّهُ ما هَدانِي، فَلا جَرَمَ حَسُنَ ذِكْرُ لَفْظَةِ ”بَلى“ بَعْدَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ واقِعَةٌ عَلى التَّذْكِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ لِأنَّ النَّفْسَ تَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى فَخُوطِبَ بِالذَّكَرِ، ورَوى الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ عَلى التَّأْنِيثِ، قالَ أبُو عَبِيدٍ: لَوْ صَحَّ هَذا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَكانَ حُجَّةً لا يَجُوزُ لِأحَدٍ تَرْكُها، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْنَدٍ؛ لِأنَّ الرَّبِيعَ لَمْ يُدْرِكْ أُمَّ سَلَمَةَ، وأمّا وجْهُ التَّأْنِيثِ فَهو أنَّهُ ذَكَرَ النَّفْسَ، ولَفْظُ النَّفْسِ ورَدَ في القُرْآنِ في أكْثَرَ الأمْرِ عَلى التَّأْنِيثِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] و﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٣]، ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفَجْرِ: ٢٧] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآياتُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالقَدَرِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُقالُ: فُلانٌ أسْرَفَ عَلى نَفْسِهِ، عَلى وجْهِ الذَّمِّ، إلّا لِما يَكُونُ مِن قِبَلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ تَحْصُلُ مِن قِبَلِهِمْ لا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.

وثانِيها: أنَّ طَلَبَ الغُفْرانِ والرَّجاءِ في ذَلِكَ أوِ اليَأْسِ لا يَحْسُنُ إلّا إذا كانَ الفِعْلُ فِعْلَ العَبْدِ.

وثالِثُها: إضافَةُ الإنابَةِ والإسْلامِ إلَيْهِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهُ العَذابُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِن مُحاوَلَتِهِما مَعَ نُزُولِ العَذابِ، ومَذْهَبُهم أنَّ الكافِرَ لَمْ يَتَمَكَّنْ قَطُّ مِن ذَلِكَ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِما هو المُخْتارُ لِلِاتِّباعِ.

وخامِسُها: ذَمُّهُ لَهم عَلى أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِما يُوجِبُ العَذابَ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ.

وسادِسُها: قَوْلُهم: ﴿ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ ولا يَتَحَسَّرُ المَرْءُ عَلى أمْرٍ سَبَقَ مِنهُ إلّا وكانَ يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَفْعَلَهُ.

وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ ومَن لا يَقْدِرُ عَلى الإيمانِ - كَما يَقُولُ القَوْمُ - ولا يَكُونُ الإيمانُ مِن فِعْلِهِ لا يَكُونُ

صفحة ٨

مُفَرِّطًا.

وثامِنُها: ذَمُّهُ لَهم بِأنَّهم مِنَ السّاخِرِينَ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا أنْ تَكُونَ السُّخْرِيَةُ فِعْلَهم، وكانَ يَصِحُّ مِنهم أنْ لا يَفْعَلُوهُ.

وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ أيْ مَكَّنَنِي ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وعَلى هَذا قَوْلُهم: إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّقْوى فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مِنهُ؟

وعاشِرُها: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ وعَلى قَوْلِهِمْ: لَوْ رَدَّهُ اللَّهُ أبَدًا كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ ولَيْسَ فِيهِ إلّا قُدْرَةُ الكُفْرِ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يَكُونَ مُحْسِنًا.

والحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى مُوَبِّخًا لَهم: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ لا أنَّ الحُجَّةَ لَهم عَلى اللَّهِ، ولَوْ أنَّ الأمْرَ كَما قالُوا لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: قَدْ جاءَتْنا الآياتُ ولَكِنَّكَ خَلَقْتَ فِينا التَّكْذِيبَ بِها ولَمْ تُقْدِرْنا عَلى التَّصْدِيقِ بِها.

والثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ والكُفْرِ، عَلى وجْهِ الذَّمِّ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأشْياءُ أفْعالًا لَهم لَما صَحَّ الكَلامُ، والجَوابُ عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُعارَضَةٌ، بِما أنَّ القُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى يُضِلُّ ويَمْنَعُ ويَصْدُرُ مِنهُ اللِّينُ والقَسْوَةُ والِاسْتِدْراجُ، ولَمّا كانَ هَذا التَّفْسِيرُ مَمْلُوءًا مِنهُ لَمْ يَكُنْ إلى الإعادَةِ حاجَةٌ.

39:60–62Страница 465

وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠

В День воскресения ты увидишь тех, которые возводили навет на Аллаха, с почерневшими лицами. Разве не в Геенне обитель возгордившихся?

وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١

Аллах спасет богобоязненных, и они обретут успех (или по причине их успеха). Зло не коснется их, и они не будут опечалены.

ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢

Аллах - Творец всякой вещи. Он - Попечитель и Хранитель всякой вещи.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن نَوْعٍ آخَرَ مِن تَقْرِيرِ الوَعِيدِ والوَعْدِ، أمّا الوَعِيدُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ، أحَدُهُما: أنَّ هَذا التَّكْذِيبَ كَيْفَ هُوَ؟ والثّانِي: أنَّ هَذا السَّوادَ كَيْفَ هُوَ؟

البَحْثُ الأوَّلُ: عَنْ حَقِيقَةِ هَذا التَّكْذِيبِ، فَنَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّ الكَذِبَ هو الإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، ومِنهم مَن قالَ: هَذا القَدْرُ لا يَكُونُ كَذِبًا بَلِ الشَّرْطُ في كَوْنِهِ كَذِبًا أنْ يَقْصِدَ الإتْيانَ بِخَبَرٍ يُخالِفُ المُخْبَرَ عَنْهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَذْكُرُ أقْوالَ النّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ:

قالَ الكَعْبِيُّ: ويَرُدُّ الجَبْرَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ يَعْنِي أنَّهُ ما هَدانِي بَلْ أضَلَّنِي، فَلَمّا حَكى اللَّهُ عَنِ الكُفّارِ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا عائِدًا إلى ذَلِكَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما بالُ أقْوامٍ يُصَلُّونَ ويَقْرَءُونَ القُرْآنَ، يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ كَتَبَ الذُّنُوبَ عَلى العِبادِ، وهم كَذَبَةٌ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ مُسَوِّدٌ وُجُوهَهم» “ . واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا: آخِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ صارَتْ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةً أقْوامٌ مُتَكَبِّرُونَ، والتَّكَبُّرُ لا يَلِيقُ بِمَن يَقُولُ: أنا لا أقْدِرُ عَلى الخَلْقِ والإعادَةِ والإيجادِ، وإنَّما القادِرُ عَلَيْهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، أمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يُرِيدُ شَيْئًا وأنا أُرِيدُ بِضِدِّهِ، فَيَحْصُلُ مُرادِي ولا يَحْصُلُ مُرادُ اللَّهِ، فالتَّكَبُّرُ بِهَذا القائِلِ ألْيَقُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ فاسِدٌ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِاليَهُودِ والنَّصارى، ومِنهم مَن قالَ:

صفحة ٩

إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمُشْرِكِي العَرَبِ، قالَ القاضِي: يَجِبُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ مِنَ المُشَبِّهَةِ والمُجْبِرَةِ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن وصَفَ اللَّهَ بِما لا يَلِيقُ بِهِ نَفْيًا وإثْباتًا، فَأضافَ إلَيْهِ ما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ أوْ نَزَّهَهُ عَمّا يَجِبُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، فالكُلُّ مِنهم داخِلُونَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ، فَتَخْصِيصُ الآيَةِ بِالمُجْبِرَةِ والمُشَبِّهَةِ أوِ اليَهُودِ والنَّصارى لا يَجُوزُ، واعْلَمْ أنّا لَوْ أجْرَيْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى عُمُومِها كَما ذَكَرَهُ القاضِي لَزِمَهُ تَكْفِيرُ الأُمَّةِ؛ لِأنَّكَ لا تَرى فِرْقَةً مِن فِرَقِ الأُمَّةِ إلّا وقَدْ حَصَلَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ شَدِيدٌ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّهُ حَصَلَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ أبِي هاشِمٍ وأهْلِ السُّنَّةِ في مَسائِلَ كَثِيرَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، ويَلْزَمُ عَلى قانُونِ قَوْلِ القاضِي تَكْفِيرُ أحَدِهِما، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ الكَذِبُ المَذْكُورُ في الآيَةِ عَلى ما إذا قَصَدَ الإخْبارَ عَنِ الشَّيْءِ مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ كاذِبٌ فِيما يَقُولُ، ومِثالُ هَذا كُفّارُ قُرَيْشٍ فَإنَّهم كانُوا يَصِفُونَ تِلْكَ الأصْنامَ بِالإلَهِيَّةِ مَعَ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ، مَعَ أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ القَوْلَ بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا وأباحَ كَذا، وكانَ قائِلُهُ عالِمًا بِأنَّهُ كَذِبٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإلْحاقُ مِثْلَ هَذا الوَعِيدِ بِهَذا الجاهِلِ الكَذّابِ الضّالِّ المُضِلِّ يَكُونُ مُناسِبًا، أمّا مَن لَمْ يَقْصِدْ إلّا الحَقَّ والصِّدْقَ لَكِنَّهُ أخْطَأ، يَبْعُدُ إلْحاقُ هَذا الوَعِيدِ بِهِ.

البَحْثُ الثّانِي: الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ السَّوادِ الحاصِلِ في وُجُوهِهِمْ، والأقْرَبُ أنَّهُ سَوادٌ مُخالِفٌ لِسائِرِ أنْواعِ السَّوادِ، وهو سَوادٌ يَدُلُّ عَلى الجَهْلِ بِاللَّهِ والكَذِبِ عَلى اللَّهِ، وأقُولُ: إنَّ الجَهْلَ ظُلْمَةٌ، والظُّلْمَةُ تُتَخَيَّلُ كَأنَّها سَوادٌ، فَسَوادُ قُلُوبِهِمْ أوْجَبَ سَوادَ وُجُوهِهِمْ، وتَحْتَ هَذا الكَلامِ أسْرارٌ عَمِيقَةٌ مِن مَباحِثِ أحْوالِ القِيامَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذا الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ القاضِي: المُرادُ بِهِ مَنِ اتَّقى كُلَّ الكَبائِرِ؛ إذْ لا يُوصَفُ بِالِاتِّقاءِ المُطْلَقِ إلّا مَن كانَ هَذا حالَهُ، فَيُقالُ لَهُ: أمْرُكَ عَجِيبٌ جِدًّا فَإنَّكَ قُلْتَ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وجَبَ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ فَعَلى هَذا القانُونِ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ذَلِكَ الكَذِبَ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ الكَذِبِ أنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الوَعْدِ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ وأنْ يَكُونَ قَوْلُكَ: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ المُرادُ مِنهُ مَنِ اتَّقى كُلَّ الكَبائِرِ فاسِدًا، فَثَبَتَ أنَّ التَّعَصُّبَ يَحْمِلُ الرَّجُلَ العاقِلَ عَلى الكَلِماتِ المُتَناقِضَةِ، بَلِ الحَقُّ أنْ تَقُولَ: المُتَّقِي هو الآتِي بِالِاتِّقاءِ، والآتِي بِالِاتِّقاءِ في صُورَةٍ واحِدَةٍ آتٍ بِمُسَمّى الِاتِّقاءِ، وبِهَذا الحَرْفِ قُلْنا: الأمْرُ المُطْلَقُ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ، ثُمَّ ذَلِكَ الِاتِّقاءُ غَيْرُ مَذْكُورٍ بِعَيْنِهِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الِاتِّقاءِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرَهُ، وهَذا هو الكَذِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَنِ اتَّقى عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ وجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذا الوَعْدِ الكَرِيمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”بِمَفازاتِهِمْ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ بِمَفازَتِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ، وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: كِلاهُما صَوابٌ؛ إذْ يُقالُ في الكَلامِ: قَدْ تَبَيَّنَ أمْرُ القَوْمِ،

صفحة ١٠

وأُمُورُ القَوْمِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الإفْرادُ لِلْمَصْدَرِ ووَجْهُ الجَمْعِ أنَّ المَصادِرَ قَدْ تُجْمَعُ إذا اخْتَلَفَتْ أجْناسُها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحْزابِ: ١٠] ولا شَكَّ أنَّ لِكُلِّ مُتَّقٍ نَوْعًا آخَرَ مِنَ المَفازَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَفازَةُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الفَوْزِ وهو السَّعادَةُ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّ النَّجاةَ في القِيامَةِ حَصَلَتْ بِسَبَبِ فَوْزِهِمْ في الدُّنْيا بِالطّاعاتِ والخَيْراتِ، فَعَبَّرَ عَنِ الفَوْزِ بِأوْقاتِها ومَواضِعِها.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ كالتَّفْسِيرِ لِتِلْكَ النَّجاةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُنَجِّيهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وهَذِهِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ؛ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يَمَسُّهُ السُّوءُ كانَ فارِغَ البالِ بِحَسْبِ الحالِ عَمّا وقَعَ في قَلْبِهِ بِسَبَبِ فَواتِ الماضِي، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّهُ سَلِمَ عَنْ كُلِّ الآفاتِ، ونَسْألُ اللَّهَ الفَوْزَ بِهَذِهِ الدَّرَجاتِ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَنالُهُمُ الخَوْفُ والرُّعْبُ في القِيامَةِ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ .

39:63–64Страница 465

لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣

Ему принадлежат ключи небес и земли. А те, которые не веруют в знамения Аллаха, являются потерпевшими убыток.

قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤

Скажи: «Неужели вы повелеваете мне поклоняться кому-либо другому вместо Аллаха, о невежды?».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أطالَ الكَلامَ في شَرْحِ الوَعْدِ والوَعِيدِ عادَ إلى دَلائِلَ الإلَهِيَّةِ والتَّوْحِيدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عَلى أنَّ أعْمالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأطْنَبْنا هُناكَ في الأسْئِلَةِ والأجْوِبَةِ، فَلا فائِدَةَ هاهُنا في الإعادَةِ، إلّا أنَّ الكَعْبِيَّ ذَكَرَ هاهُنا كَلِماتٍ فَنَذْكُرُها ونُجِيبُ عَنْها، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ولَيْسَ مِنَ المَدْحِ أنْ يَخْلُقَ الكُفْرَ والقَبائِحَ فَلا يَصِحُّ أنْ يَحْتَجَّ المُخالِفُ بِهِ، وأيْضًا فَلَمْ يَكُنْ في صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ خِلافٌ في أعْمالِ العِبادِ، بَلْ كانَ الخِلافُ بَيْنَهم وبَيْنَ المَجُوسِ والزَّنادِقَةِ في خَلْقِ الأمْراضِ والسِّباعِ والهَوامِّ، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ أنَّها جَمِيعًا مِن خَلْقِهِ، وأيْضًا لَفْظَةُ ”كُلِّ“ قَدْ لا تُوجِبُ العُمُومَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ: ٢٣] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحْقافِ: ٢٥] وأيْضًا لَوْ كانَتْ أعْمالُ العِبادِ مِن خَلْقِ اللَّهِ لَما ضافَها إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٩] ولَما صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٨] ولَما صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] فَهَذا جُمْلَةُ ما ذَكَرَهُ الكَعْبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ سِوى أفْعالِ خَلْقِهِ الَّتِي صَحَّ

صفحة ١١

فِيها الأمْرُ والنَّهْيُ واسْتَحَقُّوا بِها الثَّوابَ والعِقابَ، ولَوْ كانَتْ أفْعالُهم خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى ما جازَ ذَلِكَ فِيهِ كَما لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في ألْوانِهِمْ وصُوَرِهِمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الخَلْقُ هو التَّقْدِيرُ لا الإيجادُ، فَإذا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ عِبادِهِ أنَّهم يَفْعَلُونَ الفِعْلَ الفُلانِيَّ فَقَدْ قَدَّرَ ذَلِكَ الفِعْلَ، فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِدًا لَهُ.

واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ قَدْ ذَكَرْناهُ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَمَن أرادَ الوُقُوفَ عَلَيْهِ فَلْيُطالِعْ هَذا المَوْضُوعَ مِن هَذا الكِتابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ فالمَعْنى أنَّ الأشْياءَ كُلَّها مَوْكُولَةٌ إلَيْهِ فَهو القائِمُ بِحِفْظِها وتَدْبِيرِها مِن غَيْرِ مُنازِعٍ ولا مُشارِكٍ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَوْ وقَعَ بِتَخْلِيقِ العَبْدِ لَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ غَيْرَ مَوْكُولٍ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى وكِيلًا عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُنافِي عُمُومَ الآيَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكُ أمْرِها وحافِظُها، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ حافِظَ الخَزائِنِ ومُدَبِّرَ أمْرِها هو الَّذِي بِيَدِهِ مَقالِيدُها، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ ألْقَيْتُ مَقالِيدَ المُلْكِ إلَيْهِ، وهي المَفاتِيحُ، قالَ صاحِبُ: ”الكَشّافِ“: ولا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، وقِيلَ: مِقْلِيدٌ ومَقالِيدُ، وقِيلَ: مِقْلادٌ ومَقالِيدُ، مِثْلَ مِفْتاحٍ ومَفاتِيحٍ، وقِيلَ: إقْلِيدٌ وأقالِيدٌ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والكَلِمَةُ أصْلُها فارِسِيَّةٌ، إلّا أنَّ القَوْمَ لَمّا عَرَّبُوها صارَتْ عَرَبِيَّةً.

واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَرِيبٌ مِنَ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ هُناكَ، قِيلَ: سَألَ عُثْمانُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَقالَ: ”«يا عُثْمانُ ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ، تَفْسِيرُها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ بِيَدِهِ الخَيْرُ، يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» “ هَكَذا نَقَلَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: صَرِيحُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا خاسِرَ إلّا كافِرٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن لَمْ يَكُنْ كافِرًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ لَهُ حَظٌّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أوْرَدَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ سُؤالًا، وهو أنَّهُ بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّصَلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزُّمَرِ: ٦١] أيْ يُنَجِّي اللَّهُ المُتَّقِينَ بِمَفازَتِهِمْ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واعْتَرَضَ ما بَيْنَهُما أنَّهُ خالِقٌ لِلْأشْياءِ كُلِّها، وأنَّ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . وأقُولُ: هَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: أنَّ وُقُوعَ الفاصِلِ الكَبِيرِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِعِيدٌ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، وعَطْفُ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لا يَجُوزُ، بَلِ الأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِالصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ والجَلالَيَّةِ، وهو كَوْنُهُ خالِقًا لِلْأشْياءِ كُلِّها، وكَوْنُهُ مالِكًا لِمَقالِيدِ

صفحة ١٢

السَّماواتِ والأرْضِ بِأسْرِها، قالَ بَعْدَهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِهَذِهِ الآياتِ الظّاهِرَةِ الباهِرَةِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

39:65–66Страница 465

وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥

Тебе и твоим предшественникам уже было внушено: «Если ты станешь приобщать сотоварищей, то тщетными будут твои деяния и ты непременно окажешься одним из потерпевших убыток».

بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦

Поклоняйся же одному Аллаху и будь в числе благодарных.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (تَأْمُرُونَنِي) بِنُونَيْنِ ساكِنَةَ الياءِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشّامِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو الأصْلُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (تَأْمُرُونِّي) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ عَلى إسْكانِ الأُولى وإدْغامِها في الثّانِيَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (تَأْمُرُونِي) بِنُونٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، عَلى حَذْفِ إحْدى النُّونَيْنِ، والباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ مَنصُوبٌ بِأعْبُدُ، و﴿تَأْمُرُونِّي﴾ اعْتِراضٌ، ومَعْناهُ: أفَغَيْرَ اللَّهِ أعْبُدُ بِأمْرِكُمْ؟ وذَلِكَ حِينَ قالَ لَهُ المُشْرِكُونَ: أسْلِمْ بِبَعْضِ آلِهَتِنا ونُؤْمِنُ بِإلَهِكَ، وأقُولُ: نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ١٤] وقَدْ ذَكَرْنا في تِلْكَ الآيَةِ وجْهَ الحِكْمَةِ في تَقْدِيمِ الفِعْلِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما وصَفَهم بِالجَهْلِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ وصْفُ الإلَهِ بِكَوْنِهِ خالِقًا لِلْأشْياءِ وبِكَوْنِهِ مالِكًا لِمَقالِيدَ السَّماواتِ والأرْضِ، وظاهِرُ كَوْنِ هَذِهِ الأصْنامِ جَماداتٍ أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ومَن أعْرَضَ عَنْ عِبادَةِ الإلَهِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ المُقَدَّسَةِ، واشْتَغَلَ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأجْسامِ الخَسِيسَةِ، فَقَدْ بَلَغَ في الجَهْلِ مَبْلَغًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿أيُّها الجاهِلُونَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ وصْفَهم بِهَذا الأمْرِ لائِقٌ بِهَذا المَوْضِعِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ التّامَّ مَعَ الدَّلائِلِ القَوِيَّةِ والجَوابِ عَنِ الشُّبَهاتِ في مَسْألَةِ الإحْباطِ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”لَيُحْبَطَنَّ عَمَلُكَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وقُرِئَ بِالياءِ والنُّونِ؛ أيْ: لَيُحْبِطْنَّ اللَّهُ، أوِ الشِّرْكُ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ أُوحِيَ إلَيْهِ وإلى مَن قَبْلَهُ حالَ شِرْكِهِ عَلى التَّعْيِينِ؟ والجَوابُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ مِثْلُهُ. أوْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم لَئِنْ أشْرَكْتَ، كَما تَقُولُ: كَسانا حُلَّةً؛ أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنّا.

السُّؤالُ الثّانِي: ما الفَرْقُ بَيْنَ اللّامَيْنِ؟ الجَوابُ: الأُولى مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ، والثّانِيَةُ: لامُ الجَوابِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ صَحَّ هَذا الكَلامُ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ رُسُلَهُ لا يُشْرِكُونَ ولا تُحْبَطُ أعْمالُهُمْ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا يَلْزَمُ مِن صِدْقِها صِدْقُ جُزْأيْها، ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: لَوْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا لَكانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، قَضِيَّةٌ صادِقَةٌ مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن جُزْأيْها غَيْرُ صادِقٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢] ولَمْ يَلْزَمْ مِن هَذا صِدْقُ القَوْلِ بِأنَّ فِيهِما آلِهَةً وبِأنَّهُما قَدْ فَسَدَتا.

السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ؟ والجَوابُ: كَما أنَّ طاعاتِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ أفْضَلُ مِن طاعاتِ غَيْرِهِمْ، فَكَذَلِكَ القَبائِحُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهم؛ فَإنَّها بِتَقْدِيرِ الصُّدُورِ تَكُونُ أقْبَحَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسْراءِ: ٧٥] فَكانَ المَعْنى ضِعْفَ الشِّرْكِ الحاصِلِ مِنهُ، وبِتَقْدِيرِ حُصُولِهِ مِنهُ يَكُونُ تَأْثِيرُهُ في جانِبِ غَضَبِ اللَّهِ أقْوى وأعْظَمَ.

صفحة ١٣

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ ذَكَرَ ما هو المَقْصُودُ فَقالَ: ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾، والمَقْصُودُ مِنهُ ما أمَرُوهُ بِهِ مِنَ الإسْلامِ بِبَعْضِ آلِهَتِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: إنَّكم تَأْمُرُونَنِي بِأنْ لا أعْبُدَ إلّا غَيْرَ اللَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ يُفِيدُ أنَّهم عَيَّنُوا عَلَيْهِ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ: إنَّهم بِئْسَما قالُوا، ولَكِنْ أنْتَ عَلى الضِّدِّ مِمّا قالُوا، فَلا تَعْبُدْ إلّا اللَّهَ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عَلى ما هَداكَ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا عِبادَةُ الإلَهِ القادِرِ عَلى الإطْلاقِ العَلِيمِ الحَكِيمِ، وعَلى ما أرْشَدَكَ إلى أنَّهُ يَجِبُ الإعْراضُ عَنْ عِبادَةِ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English