Ар-РазиАн‑Ниса · 4:4–5

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Ан-Ниса 4:4–5

4:4Страница 77

وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤

Давайте женщинам их брачный дар от чистой души. Если же они по доброй воле отдадут вам часть его, то вкушайте это во благо и на здоровье.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا النِّساءَ﴾ خِطابٌ لِمَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِأوْلِياءِ النِّساءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ لا تُعْطِي النِّساءَ مِن مُهُورِهِنَّ شَيْئًا، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لِمَن وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ: هَنِيئًا لَكَ النّافِجَةُ، ومَعْناهُ أنَّكَ تَأْخُذُ مَهْرَها إبِلًا فَتَضُمُّها إلى إبِلِكَ فَتَنْفُجُ مالَكَ أيْ تُعَظِّمُهُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: النّافِجَةُ ما يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنَ الحُلْوانِ إذا زَوَّجَ ابْنَتَهُ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وأمَرَ بِدَفْعِ الحَقِّ إلى أهْلِهِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ وأبِي صالِحٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِلْأزْواجِ. أُمِرُوا بِإيتاءِ النِّساءَ مُهُورَهُنَّ، وهَذا قَوْلُ عَلْقَمَةَ والنَّخَعِيِّ وقَتادَةَ واخْتِيارُ الزَّجّاجِ، قالَ: لِأنَّهُ لا ذِكْرَ لِلْأوْلِياءِ هَهُنا، وما قَبْلَ هَذا خِطابٌ لِلنّاكِحِينَ وهُمُ الأزْواجُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإيتاءِ المُناوَلَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِالتِزامَ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] والمَعْنى حَتّى يُضَمَّنُوها ويَلْتَزِمُوها، فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأوَّلِ كَأنَّ المُرادَ أنَّهم أُمِرُوا بِدَفْعِ المُهُورِ الَّتِي قَدْ سَمَّوْها لَهُنَّ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: كانَ المُرادُ أنَّ الفُرُوجَ لا تُسْتَباحُ إلّا بِعِوَضٍ يَلْزَمُ سَواءً سُمِّيَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُسَمَّ، إلّا ما خُصَّ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في المَوْهُوبَةِ، ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جامِعًا لِلْوَجْهَيْنِ مَعًا واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (صَدُقاتِهِنَّ) مُهُورَهُنَّ، وفي حَدِيثِ شُرَيْحٍ: قَضى ابْنُ عَبّاسٍ لَها بِالصَّدُقَةِ، وقَرَأ (صَدْقاتِهِنَّ) بِفَتْحِ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ عَلى تَخْفِيفِ صَدُقاتِهِنَّ، و(صُدْقاتِهِنَّ) بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ جَمْعَ صُدْقَةٍ، وقُرِئَ (صُدُقَتَهُنَّ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ عَلى التَّوْحِيدِ وهو مُثَقَّلُ صُدْقَةٍ كَقَوْلِهِ في ظُلْمَةٍ: ظُلُمَةٌ، قالَ الواحِدِيُّ: مَوْضُوعُ (ص د ق) عَلى هَذا التَّرْتِيبِ لِلْكَمالِ والصِّحَّةِ، فَسُمِّيَ المَهْرُ صَداقًا وصَدُقَةً؛ لِأنَّ عَقْدَ النِّكاحِ بِهِ يَتِمُّ ويَكْمُلُ.

صفحة ١٤٧

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَفْسِيرِ النِّحْلَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ: فَرِيضَةً، وإنَّما فَسَّرُوا النِّحْلَةَ بِالفَرِيضَةِ؛ لِأنَّ النِّحْلَةَ في اللُّغَةِ مَعْناها الدِّيانَةُ والمِلَّةُ والشِّرْعَةُ والمَذْهَبُ، يُقالُ: فُلانٌ يَنْتَحِلُ كَذا إذا كانَ يَتَدَيَّنُ بِهِ، ونِحْلَتُهُ كَذا أيْ دِينُهُ ومَذْهَبُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ أيْ آتُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ، فَإنَّها نِحْلَةٌ أيْ شَرِيعَةٌ ودِينٌ ومَذْهَبٌ وما هو دِينٌ ومَذْهَبٌ فَهو فَرِيضَةٌ.

الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: نِحْلَةٌ أيْ عَطِيَّةٌ وهِبَةٌ، يُقالُ: نَحَلْتُ فُلانًا شَيْئًا أنْحَلُهُ نِحْلَةً ونُحْلًا، قالَ القَفّالُ: وأصْلُهُ إضافَةُ الشَّيْءِ إلى غَيْرِ مَن هو لَهُ، يُقالُ: هَذا شِعْرٌ مَنحُولٌ، أيْ مُضافٌ إلى غَيْرِ قائِلِهِ، وانْتَحَلْتُ كَذا إذا ادَّعَيْتَهُ وأضَفْتَهُ إلى نَفْسِكَ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَهْرُ عَطِيَّةٌ مِمَّنْ ؟ فِيهِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَطِيَّةٌ مِنَ الزَّوْجِ، وذَلِكَ لِأنَّ الزَّوْجَ لا يَمْلِكُ بَدَلَهُ شَيْئًا؛ لِأنَّ البُضْعَ في مِلْكِ المَرْأةِ بَعْدَ النِّكاحِ كَهو قَبْلَهُ، فالزَّوْجُ أعْطاها المَهْرَ ولَمْ يَأْخُذْ مِنها عِوَضًا يَمْلِكُهُ، فَكانَ في مَعْنى النِّحْلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِإزائِها بَدَلٌ، وإنَّما الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ مِنها بِعَقْدِ النِّكاحِ هو الِاسْتِباحَةُ لا المِلْكُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مَنافِعَ النِّكاحِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَةِ والتَّوالُدِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ أمَرَ الزَّوْجَ بِأنْ يُؤْتِيَ الزَّوْجَةَ المَهْرَ، فَكانَ ذَلِكَ عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ ابْتِداءً.

والقَوْلُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ النِّحْلَةِ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى قَوْلِهِ (نِحْلَةً) أيْ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ النِّحْلَةَ في اللُّغَةِ العَطِيَّةُ مِن غَيْرِ أخْذِ عِوَضٍ، كَما يَنْحَلُ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ شَيْئًا مِن مالِهِ، وما أُعْطِيَ مِن غَيْرِ طَلَبِ عِوَضٍ لا يَكُونُ إلّا عَنْ طِيبِ النَّفْسِ، فَأمَرَ اللَّهُ بِإعْطاءِ مُهُورِ النِّساءِ مِن غَيْرِ مُطالَبَةٍ مِنهُنَّ ولا مُخاصَمَةٍ؛ لِأنَّ ما يُؤْخَذُ بِالمُحاكَمَةِ لا يُقالُ لَهُ نِحْلَةٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنْ حَمَلْنا النِّحْلَةَ عَلى الدِّيانَةِ فَفي انْتِصابِها وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والمَعْنى آتَوهُنَّ مُهُورَهُنَّ دِيانَةً.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصَّدُقاتِ أيْ دِينًا مِنَ اللَّهِ شَرَعَهُ وفَرَضَهُ.

وأمّا إنْ حَمَلْنا النِّحْلَةَ عَلى العَطِيَّةِ فَفي انْتِصابِها أيْضًا وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النِّحْلَةَ والإيتاءَ بِمَعْنى الإعْطاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وانْحَلُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أيْ أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ عَنْ طِيبَةِ أنْفُسِكم.

والثّانِي: أنَّها نَصْبٌ عَلى الحالِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: عَلى الحالِ مِنَ المُخاطَبِينَ أيْ آتُوهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ ناحِلِينَ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِالإعْطاءِ.

والثّانِي: عَلى الحالِ مِنَ الصَّدُقاتِ، أيْ مَنحُولَةً مُعْطاةً عَنْ طِيبَةِ الأنْفُسِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ تُقَرِّرُ المَهْرَ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا تُقَرِّرُهُ احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا النَّصَّ يَقْتَضِي إيجابَ إيتاءِ المَهْرِ بِالكُلِّيَّةِ مُطْلَقًا، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ فِيما إذا لَمْ يَحْصُلِ المَسِيسُ ولا الخَلْوَةُ، فَعِنْدَ حُصُولِهِما وجَبَ البَقاءُ عَلى مُقْتَضى الآيَةِ.

أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ عامَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ فِيها إلّا نِصْفُ المَهْرِ، وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ، ولا شَكَّ أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ .

صفحة ١٤٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِإيتائِهِنَّ صَدُقاتِهِنَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ جَوازِ قَبُولِ إبْرائِها وهِبَتِها لَهُ، لِئَلّا يَظُنَّ أنَّ عَلَيْهِ إيتاءَها مَهْرَها وإنْ طابَتْ نَفْسُها بِتَرْكِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: نَفْسًا: نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ والمَعْنى: طابَتْ أنْفُسُهُنَّ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنَ الصَّداقِ بِنَقْلِ الفِعْلِ مِنَ الأنْفُسِ إلَيْهِنَّ، فَخَرَجَتِ النَّفْسُ مُفَسِّرَةً كَما قالُوا: أنْتَ حَسَنٌ وجْهًا، والفِعْلُ في الأصْلِ لِلْوَجْهِ، فَلَمّا حُوِّلَ إلى صاحِبِ الوَجْهِ خَرَجَ الوَجْهُ مُفَسِّرًا لِمَوْقِعِ الفِعْلِ، ومِثْلُهُ: قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا وضِقْتُ بِهِ ذَرْعًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما وحَّدَ النَّفْسَ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ بَيانُ مَوْقِعِ الفِعْلِ، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِالواحِدِ ومِثْلُهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا. قالَ الفَرّاءُ: لَوْ جُمِعَتْ كانَ صَوابًا كَقَوْلِهِ: ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: (مِنهُ) لَيْسَ لِلتَّبْعِيضِ، بَلْ لِلتَّبْيِينِ، والمَعْنى عَنْ شَيْءٍ مِن هَذا الجِنْسِ الَّذِي هو مَهْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] وذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ لَوْ طابَتْ نَفْسُها عَنْ جَمِيعِ المَهْرِ حَلَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَأْخُذَهُ بِالكُلِّيَّةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنهُ: أيْ مِنَ الصَّدُقاتِ أوْ مِن ذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] بَعْدَ ذِكْرِ الشَّهَواتِ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قالَ رُؤْبَةُ:

فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

فَقِيلَ لَهُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”كَأنَّهُ“ إنْ عادَ إلى الخُطُوطِ كانَ يَجِبُ أنْ تَقُولَ: كَأنَّها، وإنْ عادَ إلى السَّوادِ والبَلَقِ كانَ يَجِبُ أنْ تَقُولَ: كَأنَّهُما، فَقالَ: أرَدْتُ كَأنَّ ذاكَ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الصَّدُقاتِ في مَعْنى الصَّداقِ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: وآتُوا النِّساءَ صَداقَهُنَّ لَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ الفائِدَةَ في تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ أنْ يَعُودَ ذَلِكَ إلى بَعْضِ الصَّداقِ، والغَرَضُ مِنهُ تَرْغِيبُها في أنْ لا تَهَبَ إلّا بَعْضَ الصَّداقِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: مَعْنى الآيَةِ: فَإنْ وهَبْنَ لَكم شَيْئًا مِنَ الصَّداقِ عَنْ طِيبَةِ النَّفْسِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِيهِ شَكاسَةُ أخْلاقِكم مَعَهُنَّ، أوْ سُوءُ مُعاشَرَتِكم مَعَهُنَّ، فَكُلُوهُ وأنْفِقُوهُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ضِيقِ المَسْلَكِ في هَذا البابِ، ووُجُوبِ الِاحْتِياطِ، حَيْثُ بَنى الشَّرْطَ عَلى طِيبِ النَّفْسِ فَقالَ: ﴿فَإنْ طِبْنَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَإنْ وهَبْنَ أوْ سَمَحْنَ، إعْلامًا بِأنَّ المُراعى هو تَجافِي نَفْسِها عَنِ المَوْهُوبِ طَيِّبَةً.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الهَنِيءُ والمَرِيءُ: صِفَتانِ مِن هَنُؤَ الطَّعامُ ومَرُؤَ، إذا كانَ سائِغًا لا تَنْغِيصَ فِيهِ، وقِيلَ: الهَنِيءُ ما يَسْتَلِذُّهُ الآكِلُ، والمَرِيءُ ما يَحْمَدُ عاقِبَتَهُ، وقِيلَ: ما يَنْساغُ في مَجْراهُ، وقِيلَ لِمَدْخَلِ الطَّعامِ مِنَ الحُلْقُومِ إلى فَمِ المَعِدَةِ: المَرِيءُ لِمُرُوءِ الطَّعامِ فِيهِ وهو انْسِياغُهُ. وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أصْلَ الهَنِيءِ مِنَ الهَناءِ وهو مُعالَجَةُ الجَرَبِ بِالقَطْرانِ، فالهَنِيءُ شِفاءٌ مِنَ الجَرَبِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى أنَّهُنَّ إذا وهَبْنَ مُهُورَهُنَّ مِن أزْواجِهِنَّ عَنْ طِيبَةِ النَّفْسِ لَمْ يَكُنْ عَلى الأزْواجِ في ذَلِكَ تَبِعَةٌ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو عِبارَةٌ عَنِ التَّحْلِيلِ، والمُبالَغَةِ في الإباحَةِ وإزالَةِ التَّبِعَةِ.

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ وصْفٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ أكْلًا هَنِيئًا مَرِيئًا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ كُلُوهُ وهو هَنِيءٌ مَرِيءٌ، وقَدْ يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (فَكُلُوهُ) ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ عَلى الدُّعاءِ وعَلى أنَّهُما صِفَتانِ أُقِيمَتا مَقامَ المَصْدَرَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَنَأ مَرَأ.

صفحة ١٤٩

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أُمُورٍ: مِنها: أنَّ المَهْرَ لَها ولا حَقَّ لِلْوَلِيِّ فِيهِ، ومِنها جَوازُ هِبَتِها المَهْرَ لِلزَّوْجِ، وجَوازُ أنْ يَأْخُذَهُ الزَّوْجُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ يَدُلُّ عَلى المَعْنَيَيْنِ، ومِنها جَوازُ هِبَتِها المَهْرَ قَبْلَ القَبْضِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الحالَتَيْنِ.

وهَهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ يَتَناوَلُ ما إذا كانَ المَهْرُ عَيْنًا، أمّا إذا كانَ دَيْنًا فالآيَةُ غَيْرُ مُتَناوِلَةٍ لَهُ، فَإنَّهُ لا يُقالُ لِما في الذِّمَّةِ: كُلْهُ هَنِيئًا مَرِيئًا.

قُلْنا: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ لَيْسَ نَفْسَ الأكْلِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ حِلُّ التَّصَرُّفاتِ، وإنَّما خَصَّ الأكْلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ المَقْصُودِ مِنَ المالِ إنَّما هو الأكْلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] وقالَ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ .

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنْ وهَبَتْ ثُمَّ طَلَبَتْ بَعْدَ الهِبَةِ عُلِمَ أنَّها لَمْ تَطِبْ عَنْهُ نَفْسًا، وعَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّ امْرَأةً جاءَتْ مَعَ زَوْجِها شُرَيْحًا في عَطِيَّةٍ أعْطَتْها إيّاهُ وهي تَطْلُبُ الرُّجُوعَ فَقالَ شُرَيْحٌ: رُدَّ عَلَيْها، فَقالَ الرَّجُلُ ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ﴾ فَقالَ: لَوْ طابَتْ نَفْسُها عَنْهُ لَما رَجَعَتْ فِيهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: أُقِيلُها فِيما وهَبَتْ ولا أُقِيلُهُ لِأنَّهُنَّ يُخْدَعْنَ، وحُكِيَ أنَّ رَجُلًا مِن آلِ أبِي مَعِيطٍ أعْطَتْهُ امْرَأتُهُ ألْفَ دِينارٍ صَداقًا كانَ لَها عَلَيْهِ، فَلَبِثَ شَهْرًا ثُمَّ طَلَّقَها، فَخاصَمَتْهُ إلى عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ، فَقالَ الرَّجُلُ: أعْطَتْنِي طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُها، فَقالَ عَبْدُ المَلِكِ: فَإنَّ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] ارْدُدْ عَلَيْها. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كَتَبَ إلى قُضاتِهِ: إنَّ النِّساءَ يُعْطِينَ رَغْبَةً ورَهْبَةً، فَأيُّما امْرَأةٍ أعْطَتْهُ ثُمَّ أرادَتْ أنْ تَرْجِعَ فَذَلِكَ لَها. واللَّهُ أعْلَمُ.

4:5Страница 77

وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٥

Не отдавайте неразумным людям вашего имущества, которое Аллах сделал средством вашего существования. Кормите и одевайте их из него и говорите им слово доброе.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

واعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنِّي وإنْ كُنْتُ أمَرْتُكم بِإيتاءِ اليَتامى أمْوالَهم وبِدَفْعِ صَدُقاتِ النِّساءِ إلَيْهِنَّ، فَإنَّما قُلْتُ ذَلِكَ إذا كانُوا عاقِلِينَ بالِغِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِن حِفْظِ أمْوالِهِمْ، فَأمّا إذا كانُوا غَيْرَ بالِغِينَ، أوْ غَيْرَ عُقَلاءَ، أوْ إنْ كانُوا بالِغِينَ عُقَلاءَ إلّا أنَّهم كانُوا سُفَهاءَ مُسْرِفِينَ، فَلا تَدْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم وأمْسِكُوها لِأجْلِهِمْ إلى أنْ يَزُولَ عَنْهُمُ السَّفَهُ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ الِاحْتِياطُ في حِفْظِ أمْوالِ الضُّعَفاءِ والعاجِزِينَ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها خِطابُ الأوْلِياءِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أيُّها الأوْلِياءُ لا تُؤْتُوا

صفحة ١٥٠

الَّذِينَ يَكُونُونَ تَحْتَ وِلايَتِكم وكانُوا سُفَهاءَ أمْوالَهم. والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ خِطابُ الأوْلِياءِ قَوْلُهُ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ وأيْضًا فَعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ تَعَلُّقُ الآيَةِ بِما قَبْلَها كَما قَرَّرْناهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَهم، فَلِمَ قالَ أمْوالَكم ؟

قُلْنا: في الجَوابِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ المالَ إلَيْهِمْ لا لِأنَّهم مَلَكُوهُ، لَكِنْ مِن حَيْثُ مَلَكُوا التَّصَرُّفَ فِيهِ، ويَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ.

الثّانِي: إنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ إجْراءً لِلْوَحْدَةِ بِالنَّوْعِ مَجْرى الوَحْدَةِ بِالشَّخْصِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم ما كانَ يَقْتُلُ نَفْسَهُ، ولَكِنْ كانَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا، وكانَ الكُلُّ مِن نَوْعٍ واحِدٍ، فَكَذا هَهُنا المالُ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ نَوْعُ الإنْسانِ ويَحْتاجُ إلَيْهِ. فَلِأجْلِ هَذِهِ الوَحْدَةِ النَّوْعِيَّةِ حَسُنَتْ إضافَةُ أمْوالِ السُّفَهاءِ إلى أوْلِيائِهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابُ الآباءِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى إذا كانَ أوْلادُهم سُفَهاءَ لا يَسْتَقِلُّونَ بِحِفْظِ المالِ وإصْلاحِهِ أنْ يَدْفَعُوا أمْوالَهم أوْ بَعْضَها إلَيْهِمْ، لِما كانَ في ذَلِكَ مِنَ الإفْسادِ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ إضافَةُ الأمْوالِ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الغَرَضُ مِنَ الآيَةِ الحَثَّ عَلى حِفْظِ المالِ والسَّعْيَ في أنْ لا يَضِيعَ ولا يَهْلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْكُلَ جَمِيعَ أمْوالِهِ ويُهْلِكَها، وإذا قَرُبَ أجَلُهُ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُوصِيَ بِمالِهِ إلى أمِينٍ يَحْفَظُ ذَلِكَ المالَ عَلى ورَثَتِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أرْجَحُ لِوَجْهَيْنِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا التَّرْجِيحِ أنَّ ظاهِرَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يَهَبَ مِن أوْلادِهِ الصِّغارِ ومِنَ النِّسْوانِ ما شاءَ مِن مالِهِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَحْرُمُ عَلى الوَلِيِّ أنْ يَدْفَعَ إلى السُّفَهاءِ أمْوالَهم، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا عَلى هَذا القَوْلِ الثّانِي واللَّهُ أعْلَمُ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الوَصِيَّةَ بِالأيْتامِ أشْبَهُ، لِأنَّ المَرْءَ مُشْفِقٌ بِطَبْعِهِ عَلى ولَدِهِ، فَلا يَقُولُ لَهُ إلّا المَعْرُوفَ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى هَذِهِ الوَصِيَّةِ مَعَ الأيْتامِ الأجانِبِ، ولا يَمْتَنِعُ أيْضًا حَمْلُ الآيَةِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ. قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي حَمْلَ قَوْلِهِ: (أمْوالَكم) عَلى الحَقِيقَةِ والمَجازِ جَمِيعًا، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: (أمْوالَكم) يُفِيدُ كَوْنَ تِلْكَ الأمْوالِ مُخْتَصَّةً بِهِمُ اخْتِصاصًا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيها، ثُمَّ إنَّ الِاخْتِصاصَ حاصِلٌ في المالِ الَّذِي يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ، وفي المالِ الَّذِي يَكُونُ مَمْلُوكًا لِلصَّبِيِّ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ تَصَرُّفُهُ، فَهَذا التَّفاوُتُ واقِعٌ في مَفْهُومٍ خارِجٍ مِنَ المَفْهُومِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: (أمْوالَكم) وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِما مِن حَيْثُ إنَّ اللَّفْظَ أفادَ مَعْنًى واحِدًا مُشْتَرِكًا بَيْنَهُما.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في المُرادِ بِالسُّفَهاءِ أوْجُهًا:

الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ وجُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ السُّفَهاءُ هَهُنا النِّساءُ سَواءً كُنَّ أزْواجًا أوْ أُمَّهاتٍ أوْ بَناتٍ. وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما رَوى أبُو أُمامَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«ألا إنَّما خُلِقَتِ النّارُ لِلسُّفَهاءِ يَقُولُها ثَلاثًا ألا وإنَّ السُّفَهاءَ النِّساءُ إلّا امْرَأةً أطاعَتْ قَيِّمَها» “ .

فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ المُرادُ بِالسُّفَهاءِ النِّساءَ لَقالَ: السَّفائِهَ. أوِ السَّفِيهاتِ في جَمْعِ السَّفِيهَةِ نَحْوُ غَرائِبَ وغَرِيباتٍ في جَمْعِ الغَرِيبَةِ.

صفحة ١٥١

أجابَ الزَّجّاجُ: بِأنَّ السُّفَهاءَ في جَمْعِ السَّفِيهَةِ جائِزٌ كَما أنَّ الفُقَراءَ في جَمْعِ الفَقِيرَةِ جائِزٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزُّهْرِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: عَنى بِالسُّفَهاءِ هَهُنا السُّفَهاءَ مِنَ الأوْلادِ، يَقُولُ: لا تُعْطِ مالَكَ - الَّذِي هو قِيامُكَ - ولَدَكَ السَّفِيهَ فَيُفْسِدَهُ.

القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ بِالسُّفَهاءِ هُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالُوا إذا عَلِمَ الرَّجُلُ أنَّ امْرَأتَهُ سَفِيهَةٌ مُفْسِدَةٌ، وأنَّ ولَدَهُ سَفِيهٌ مُفْسِدٌ فَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُسَلِّطَ واحِدًا مِنهُما عَلى مالِهِ فَيُفْسِدَهُ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالسُّفَهاءِ كُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ يَفِي بِحِفْظِ المالِ، ويَدْخُلُ فِيهِ النِّساءُ والصِّبْيانُ والأيْتامُ وكُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ السَّفَهَ خِفَّةُ العَقْلِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الفاسِقُ سَفِيهًا لِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ عِنْدَ أهْلِ الدِّينِ والعِلْمِ، ويُسَمّى النّاقِصُ العَقْلِ سَفِيهًا لِخِفَّةِ عَقْلِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ لَيْسَ السَّفَهُ في هَؤُلاءِ صِفَةَ ذَمٍّ، ولا يُفِيدُ مَعْنى العِصْيانِ لِلَّهِ تَعالى، وإنَّما سُمُّوا سُفَهاءَ لِخِفَّةِ عُقُولِهِمْ ونُقْصانِ تَمْيِيزِهِمْ عَنِ القِيامِ بِحِفْظِ الأمْوالِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ المُكَلَّفِينَ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ بِحِفْظِ الأمْوالِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٦] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] وقَدْ رَغَّبَ اللَّهُ في حِفْظِ المالِ في آيَةِ المُدايَنَةِ حَيْثُ أمَرَ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ والرَّهْنِ، والعَقْلُ أيْضًا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ فارِغَ البالِ لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِتَحْصِيلِ مَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا يَكُونُ فارِغَ البالِ إلّا بِواسِطَةِ المالِ؛ لِأنَّ بِهِ يَتَمَكَّنُ مَن جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَمَن أرادَ الدُّنْيا بِهَذا الغَرَضِ كانَتِ الدُّنْيا في حَقِّهِ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ المُعِينَةِ لَهُ عَلى اكْتِسابِ سَعادَةِ الآخِرَةِ، أمّا مَن أرادَها لِنَفْسِها ولِعَيْنِها كانَتْ مِن أعْظَمِ المُعَوِّقاتِ عَنْ كَسْبِ سَعادَةِ الآخِرَةِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَحْصُلُ قِيامُكم ولا مَعاشُكم إلّا بِهَذا المالِ، فَلَمّا كانَ المالُ سَبَبًا لِلْقِيامِ والِاسْتِقْلالِ سَمّاهُ بِالقِيامِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، يَعْنِي كانَ هَذا المالُ نَفْسَ قِيامِكم وابْتِغاءَ مَعاشِكم، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيَمًا) وقَدْ يُقالُ: هَذا قَيِّمٌ وقِيَمٌ، كَما قالَ: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [الأنعام: ١٦١] وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (قِوامًا) بِالواوِ، وقِوامُ الشَّيْءِ ما يُقامُ بِهِ كَقَوْلِكَ: مِلاكُ الأمْرِ لِما يُمْلَكُ بِهِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: البالِغُ إذا كانَ مُبَذِّرًا لِلْمالِ مُفْسِدًا لَهُ يُحْجَرُ عَلَيْهِ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يُحْجَرُ عَلَيْهِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: أنَّهُ سَفِيهٌ، فَوَجَبَ أنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ، إنَّما قُلْنا إنَّهُ سَفِيهٌ؛ لِأنَّ السَّفِيهَ في اللُّغَةِ، هو مَن خَفَّ وزْنُهُ. ولا شَكَّ أنَّ مَن كانَ مُبَذِّرًا لِلْمالِ مُفْسِدًا لَهُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ في القَلْبِ وقْعٌ عِنْدَ العُقَلاءِ، فَكانَ خَفِيفَ الوَزْنِ عِنْدَهم، فَوَجَبَ أنْ يُسَمّى بِالسَّفِيهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ انْدِراجُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ .

* * *

صفحة ١٥٢

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ إيتاءِ المالِ السَّفِيهَ أمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: (وارْزُقُوهم) ومَعْناهُ: وأنْفِقُوا عَلَيْهِمْ ومَعْنى الرِّزْقِ مِنَ العِبادِ هو الإجْراءُ المُوَظَّفُ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ يُقالُ: فُلانٌ رَزَقَ عِيالَهُ أيْ أجْرى عَلَيْهِمْ، وإنَّما قالَ: (فِيها) ولَمْ يَقُلْ: مِنها لِئَلّا يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا بِأنْ يَجْعَلُوا بَعْضَ أمْوالِهِمْ رِزْقًا لَهم، بَلْ أمَرَهم أنْ يَجْعَلُوا أمْوالَهم مَكانًا لِرِزْقِهِمْ بِأنْ يَتَّجِرُوا فِيها ويُثَمِّرُوها فَيَجْعَلُوا أرْزاقَهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن أُصُولِ الأمْوالِ، وثانِيها: قَوْلُهُ: (واكْسُوهم) والمُرادُ ظاهِرٌ، وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ القَوْلَ الجَمِيلَ يُؤَثِّرُ في القَلْبِ فَيُزِيلُ السَّفَهَ، أمّا خِلافُ القَوْلِ المَعْرُوفِ فَإنَّهُ يَزِيدُ السَّفِيهَ سَفَهًا ونُقْصانًا.

والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ القَوْلِ المَعْرُوفِ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ومُجاهِدٌ: إنَّهُ العُدَّةُ الجَمِيلَةُ مِنَ البِرِّ والصِّلَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إذا رَبِحْتُ في سُفْرَتِي هَذِهِ فَعَلْتُ بِكَ ما أنْتَ أهْلُهُ، وإنْ غَنِمْتُ في غَزاتِي أعْطَيْتُكَ.

وثانِيها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّهُ الدُّعاءُ مِثْلُ أنْ يَقُولَ: عافانا اللَّهُ وإيّاكَ بارَكَ اللَّهُ فِيكَ، وبِالجُمْلَةِ كُلُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النُّفُوسُ وأحَبَّتْهُ مِن قَوْلٍ وعَمِلَ فَهو مَعْرُوفٌ وكُلُّ ما أنْكَرَتْهُ وكَرِهَتْهُ ونَفَرَتْ مِنهُ فَهو مُنْكَرٌ.

وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى عَلِّمُوهم مَعَ إطْعامِكم وكُسْوَتِكم إيّاهم أمْرَ دِينِهِمْ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، ورابِعُها: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ القَوْلُ المَعْرُوفُ هو أنَّهُ إنْ كانَ المُوَلّى عَلَيْهِ صَبِيًّا، فالوَلِيُّ يُعَرِّفُهُ أنَّ المالَ مالُهُ وهو خازِنٌ لَهُ، وأنَّهُ إذا زالَ صِباهُ فَإنَّهُ يَرُدُّ المالَ إلَيْهِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] مَعْناهُ لا تُعاشِرْهُ بِالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِ كَما تُعاشِرُ العَبِيدَ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] وإنْ كانَ المُوَلّى عَلَيْهِ سَفِيهًا وعَظَهُ ونَصَحَهُ وحَثَّهُ عَلى الصَّلاةِ، ورَغَّبَهُ في تَرْكِ التَّبْذِيرِ والإسْرافِ، وعَرَّفَهُ أنَّ عاقِبَةَ التَّبْذِيرِ الفَقْرُ والِاحْتِياجُ إلى الخَلْقِ إلى ما يُشْبِهُ هَذا النَّوْعَ مِنَ الكَلامِ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ مِن سائِرِ الوُجُوهِ الَّتِي حَكَيْناها.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English