Ар-РазиАн‑Ниса · 4:71–76

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Ан-Ниса 4:71–76

4:71Страница 89

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١

О те, которые уверовали! Соблюдайте осторожность и выступайте отрядами или же выступайте все вместе.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ بَعْدَ التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ إلى ذِكْرِ الجِهادِ الَّذِي تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ أشَقُّ الطّاعاتِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَحْصُلُ تَقْوِيَةُ الدِّينِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الحَذَرُ والحِذْرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالأثَرِ والإثْرِ، والمَثَلِ والمِثْلِ، يُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا تَيَقَّظَ واحْتَرَزَ مِنَ المُخَوِّفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَقِي بِها نَفْسَهُ ويَعْصِمُ بِها رُوحَهُ، والمَعْنى احْذَرُوا واحْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ ولا تُمَكِّنُوهُ مِن أنْفُسِكم، هَذا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . وقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: المُرادُ بِالحِذْرِ هَهُنا السِّلاحُ، والمَعْنى خُذُوا سِلاحَكم، والسِّلاحُ يُسَمّى حِذْرًا، أيْ خُذُوا سِلاحَكم وتَحَذَّرُوا.

والثّانِي: أنَّ يَكُونَ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بِمَعْنى احْذَرُوا عَدُوَّكم لِأنَّ هَذا الأمْرَ بِالحِذْرِ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِأخْذِ السِّلاحِ، لِأنَّ أخْذَ السِّلاحِ هو الحَذَرُ مِنَ العَدُوِّ، فالتَّأْوِيلُ أيْضًا يَعُودُ إلى الأوَّلِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ الأمْرُ مُصَرِّحٌ بِأخْذِ السِّلاحِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أخْذُ السِّلاحِ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِفَحْوى الكَلامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ذَلِكَ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالحَذَرِ عَنْهُ إنْ كانَ مُقْتَضى الوُجُودِ لَمْ يَنْفَعِ الحَذَرُ، وإنْ كانَ مُقْتَضى العَدَمِ لا حاجَةَ إلى الحَذَرِ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الأمْرُ بِالحَذَرِ عَبَثٌ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«المَقْدُورُ كائِنٌ والهَمُّ فَضْلٌ» “ وقِيلَ أيْضًا: الحَذَرُ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ فَنَقُولُ: إنْ صَحَّ هَذا الكَلامُ بَطَلَ القَوْلُ بِالشَّرائِعِ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنْ كانَ الإنْسانُ مِن أهْلِ السَّعادَةِ في قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَلا حاجَةَ إلى الإيمانِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ الإيمانُ والطّاعَةُ، فَهَذا يُفْضِي إلى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِالكُلِّيَّةِ، والتَّحْقِيقُ في الجَوابِ أنَّهُ لَمّا كانَ الكُلُّ بِقَدَرٍ كانَ الأمْرُ بِالحَذَرِ أيْضًا داخِلًا في القَدَرِ، فَكانَ قَوْلُ القائِلِ: أيُّ فائِدَةٍ في الحَذَرِ ؟ كَلامًا مُتَناقِضًا، لِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الحَذَرُ مُقَدَّرًا فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذا السُّؤالِ الطّاعِنِ في الحَذَرِ.

صفحة ١٤٢

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (فانْفِرُوا) يُقالُ: نَفَرَ القَوْمُ يَنْفِرُونَ نَفْرًا ونَفِيرًا إذا نَهَضُوا لِقِتالِ عَدُوٍّ وخَرَجُوا لِلْحَرْبِ، واسْتَنْفَرَ الإمامُ النّاسَ لِجِهادِ العَدُوِّ فَنَفَرُوا يَنْفِرُونَ إذا حَثَّهم عَلى النَّفِيرِ ودَعاهم إلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ”«وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» “ والنَّفِيرُ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ لا في العِيرِ ولا في النَّفِيرِ، وقالَ أصْحابُ العَرَبِيَّةِ: أصْلُ هَذا الحَرْفِ مِنَ النُّفُورِ والنِّفارِ وهو الفَزَعُ، يُقالُ نَفَرَ إلَيْهِ إذا فَزِعَ إلَيْهِ، ونَفَرَ مِنهُ إذا فَزِعَ مِنهُ وكَرِهَهُ، ومَعْنى الآيَةِ فانْفِرُوا إلى قِتالِ عَدُوِّكم.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ: الثُّباتُ جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ واحِدُها ثُبَةٌ، وأصْلُها مِن: ثَبَيْتُ الشَّيْءَ، أيْ جَمَعْتُهُ، ويُقالُ أيْضًا: ثَبَيْتُ عَلى الرَّجُلِ إذا أثْنَيْتَ عَلَيْهِ، وتَأْوِيلُهُ جَمَعَ مَحاسِنَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مَعْناهُ: انْفِرُوا إلى العَدُوِّ إمّا ثُباتٍ، أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً، سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، وإمّا جَمِيعًا، أيْ مُجْتَمِعِينَ كَوْكَبَةً واحِدَةً، وهَذا المَعْنى أرادَ الشّاعِرُ في قَوْلِهِ:

طارُوا إلَيْهِ زَرافاتٍ ووِحْدانا

ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ أيْ عَلى أيِّ الحالَتَيْنِ كُنْتُمْ فَصَلُّوا.

4:72–73Страница 89

وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢

Воистину, среди вас есть такой, который задержится, и если вас постигнет несчастье, то он скажет: «Аллах оказал мне милость тем, что я не присутствовал рядом с ними».

وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣

Если же вас постигнет милость от Аллаха, то он непременно скажет, словно между ним и вами никогда не было никакой дружбы: «Вот если бы я был вместе с ними и добился великого успеха!».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وإنَّ مِنكم) يَجِبُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ واخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ المُنافِقُونَ كانُوا يُثَبِّطُونَ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ تَقْدِيرُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَإذا كانَ هَذا المُبْطِئُ مُنافِقًا فَكَيْفَ جَعَلَ المُنافِقَ قِسْمًا مِنَ المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ: (وإنَّ مِنكم) .

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ الجِنْسِ والنَّسَبِ والِاخْتِلاطِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِأنَّهم كانُوا في الظّاهِرِ مُتَشَبِّهِينَ بِأهْلِ الإيمانِ.

الثّالِثُ: كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا في زَعْمِكم ودَعْواكم كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] .

القَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَؤُلاءِ المُبْطِئِينَ كانُوا ضَعَفَةَ المُؤْمِنِينَ وهو اخْتِيارُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: والتَّبْطِئَةُ بِمَعْنى الإبْطاءِ أيْضًا، وفائِدَةُ هَذا التَّشْدِيدِ تَكَرُّرُ الفِعْلِ مِنهُ. وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ما

صفحة ١٤٣

أبْطَأ بِكَ يا فُلانُ عَنّا، وإدْخالُهُمُ الباءَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُبَطِّئُ عَنْ هَذا الغَرَضِ ويَتَثاقَلُ عَنْ هَذا الجِهادِ، فَإذا ظَفِرَ المُسْلِمُونَ تَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا مَعَهم لِيَأْخُذُوا الغَنِيمَةَ، وإنْ أصابَتْهم مُصِيبَةٌ سَرَّهم أنْ كانُوا مُتَخَلِّفِينَ. قالَ: وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٩] قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (لَيُبَطِّئَنَّ) الإبْطاءُ مِنهم لا تَثْبِيطُ غَيْرِهِمْ، ما حَكاهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ عِنْدَ الغَنِيمَةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ تَثْبِيطُ الغَيْرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ مَعْنًى. وطَعَنَ القاضِي في هَذا القَوْلِ وقالَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ المُبْطِئِينَ أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ مُصِيبَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ فَيُعِدُّ قُعُودَهُ عَنِ القِتالِ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ إنَّما يَلِيقُ بِالمُنافِقِينَ لا بِالمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا لا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ أنْ يُقالَ لَهم: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ: (مَوَدَّةٌ) فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإنَّما يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ حُمِلَ عَلى أنَّهُ مِنَ الإبْطاءِ والتَّثاقُلِ صَحَّ في المُنافِقِينَ، لِأنَّهم كانُوا يَتَأخَّرُونَ عَنِ الجِهادِ ويَتَثاقَلُونَ ولا يُسْرِعُونَ إلَيْهِ، وإنْ حُمِلَ عَلى تَثْبِيطِ الغَيْرِ صَحَّ أيْضًا فِيهِمْ، فَقَدْ كانُوا يُثَبِّطُونَ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِما يُورِدُونَ عَلَيْهِمْ مِن أنْواعِ التَّلْبِيسِ، فَكِلا الوَصْفَيْنِ مَوْجُودٌ في المُنافِقِينَ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلَهُ عَلى تَثْبِيطِ الغَيْرِ، فَكَأنَّهم فَصَلُوا بَيْنَ أبْطَأ وبَطَّأ، فَجَعَلُوا الأوَّلَ لازِمًا، والثّانِي مُتَعَدِّيًا، كَما يُقالُ في أحَبَّ وحَبَّ، فَإنَّ الأوَّلَ لازِمٌ والثّانِي مُتَعَدٍّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ مَوْصُولَةٌ بِالحالِ لِلْقَسَمِ كَأنَّ هَذا لَوْ كانَ كَلامًا لَكَ لَقُلْتَ إنَّ مِنكم لَمَن حَلَفَ بِاللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ يَعْنِي مِنَ القَتْلِ والِانْهِزامِ وجَهْدٍ مِنَ العَيْشِ. يَعْنِي لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا حاضِرًا حَتّى يُصِيبَنِي ما أصابَهم مِنَ البَلاءِ والشِّدَّةِ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن ظَفَرٍ وغَنِيمَةٍ لَيَقُولَنَّ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ﴾ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقٍ يَعْنِي المَوَدَّةَ، والباقُونَ بِالياءِ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ. قالَ الواحِدِيُّ: وكِلا القِراءَتَيْنِ قَدْ جاءَ بِهِ التَّنْزِيلُ. قالَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فالتَّأْنِيثُ هو الأصْلُ والتَّذْكِيرُ يَحْسُنُ إذا كانَ التَّأْنِيثُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، سِيَّما إذا وقَعَ فاصْلَ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (لَيَقُولُنَّ) بِضَمِّ اللّامِ أعادَ الضَّمِيرَ إلى مَعْنى ”مَن“ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ في مَعْنى الجَماعَةِ، إلّا أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ ضَعِيفَةٌ لِأنَّ ”مَن“ وإنْ كانَ جَماعَةٌ في المَعْنى لَكِنَّهُ مُفْرَدٌ في اللَّفْظِ، وجانِبُ الإفْرادِ قَدْ تَرَجَّحَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ التَّنْزِيلُ هَكَذا: ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا كانَ النَّظْمُ مُسْتَقِيمًا حَسَنًا، فَكَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في البَيْنِ ؟

وجَوابُهُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ، بَيانُهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُنافِقِ أنَّهُ إذا

صفحة ١٤٤

وقَعَتْ لِلْمُسْلِمِينَ نَكْبَةٌ أظْهَرَ السُّرُورَ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ مُتَخَلِّفًا عَنْهم، ولَوْ فازُوا بِغَنِيمَةٍ ودَوْلَةٍ أظْهَرَ الغَمَّ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ فَواتِ تِلْكَ الغَنِيمَةِ، ومِثْلُ هَذِهِ المُعامَلَةِ لا يَقْدُمُ عَلَيْها الإنْسانُ إلّا في حَقِّ الأجْنَبِيِّ العَدُوِّ، لِأنَّ مَن أحَبِّ إنْسانًا فَرِحَ عِنْدَ فَرَحِهِ وحَزِنَ عِنْدَ حُزْنِهِ، فَأمّا إذا قُلِبَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ فَذاكَ إظْهارٌ لِلْعَداوَةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُنافِقِ سُرُورَهُ وقْتَ نَكْبَةِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَحْكِيَ حُزْنَهُ عِنْدَ دَوْلَةِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ أنَّهُ فاتَهُ الغَنِيمَةُ، فَقَبْلَ أنْ يَذْكُرَ هَذا الكَلامَ بِتَمامِهِ ألْقى في البَيْنِ قَوْلَهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ والمُرادُ التَّعَجُّبُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْظُرُوا إلى ما يَقُولُ هَذا المُنافِقُ كَأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ولا مُخالَطَةٌ أصْلًا، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الكَلامِ، وهو وإنْ كانَ كَلامًا واقِعًا في البَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ إلّا أنَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ.

4:74Страница 89

۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤

Пусть сражаются на пути Аллаха те, которые покупают (или продают) мирскую жизнь за Последнюю жизнь. Того, кто будет сражаться на пути Аллаха и будет убит или одержит победу, Мы одарим великой наградой.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ المُبْطِئِينَ في الجِهادِ عادَ إلى التَّرْغِيبِ فِيهِ فَقالَ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ (يَشْرُونَ) مَعْناهُ يَبِيعُونَ.

قالَ ابْنُ مُفَرِّغٍ:

وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ

قالَ: وبُرْدٌ هو غُلامُهُ، وشَرَيْتُهُ بِمَعْنى بِعْتُهُ، وتَمَنّى المَوْتَ بَعْدَ بَيْعِهِ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ: فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] .

والقَوْلُ الثّانِي: مَعْنى قَوْلِهِ: (يَشْرُونَ) أيْ يَشْتَرُونَ قالُوا: والمُخاطَبُونَ بِهَذا الخِطابِ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ أُحُدٍ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ: فَلْيُقاتِلِ الَّذِينَ يَخْتارُونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: آمَنُوا ثُمَّ قاتَلُوا لِاسْتِحالَةِ حُصُولِ الأمْرِ بِشَرائِعِ الإسْلامِ قَبْلَ حُصُولِ الإسْلامِ. وعِنْدِي في الآيَةِ احْتِمالاتٌ أُخْرى:

أحَدُها: أنَّ الإنْسانَ لَمّا أرادَ أنْ يَبْذُلَ هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا في سَبِيلِ اللَّهِ بَخِلَتْ نَفْسُهُ بِها، فاشْتَراها مِن نَفْسِهِ بِسَعادَةِ الآخِرَةِ لِيَقْدِرَ عَلى بَذْلِها في سَبِيلِ اللَّهِ بِطِيبَةِ النَّفْسِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالقِتالِ مَقْرُونًا بِبَيانِ فَسادِ ما لِأجْلِهِ يَتْرُكُ الإنْسانُ القِتالَ، فَإنَّ مَن تَرَكَ القِتالَ فَإنَّما يَتْرُكُهُ رَغْبَةً في الحَياةِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يُوجِبُ فَواتَ سَعادَةِ الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: اشْتَغِلْ بِالقِتالِ واتْرُكْ تَرْجِيحَ الفانِي عَلى الباقِي.

وثالِثُها: كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ إنَّما رَجَّحُوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ إذا كانَتْ مَقْرُونَةً بِالسَّعادَةِ والغِبْطَةِ والكَرامَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلْيُقاتِلُوا، فَإنَّهم بِالمُقاتَلَةِ يَفُوزُونَ بِالغِبْطَةِ والكَرامَةِ في الدُّنْيا، لِأنَّهم بِالمُقاتَلَةِ يَسْتَوْلُونَ عَلى الأعْداءِ ويَفُوزُونَ بِالأمْوالِ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ خَطَرَتْ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

صفحة ١٤٥

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى مَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَسَواءٌ صارَ مَقْتُولًا لِلْكُفّارِ أوْ صارَ غالِبًا لِلْكُفّارِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا، وهو المَنفَعَةُ الخالِصَةُ الدّائِمَةُ المَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَإذا كانَ الأجْرُ حاصِلًا عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ أشْرَفَ مِنَ الجِهادِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُجاهِدَ لا بُدَّ وأنْ يُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يَقْتُلَهُ العَدُوُّ، وإمّا أنْ يَغْلِبَ العَدُوَّ ويَقْهَرَهُ، فَإنَّهُ إذا عَزَمَ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَفِرَّ عَنِ الخَصْمِ ولَمْ يُحْجِمْ عَنِ المُحارَبَةِ، فَأمّا إذا دَخَلَ لا عَلى هَذا العَزْمِ فَما أسْرَعَ ما يَقَعُ في الفِرارِ، فَهَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّقْسِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ .

4:75Страница 90

وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

Отчего вам не сражаться на пути Аллаха и ради слабых мужчин, женщин и детей, которые говорят: «Господь наш! Выведи нас из этого города, жители которого являются беззаконниками. Назначь нам от Себя покровителя и назначь нам от Себя помощника»?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ إنْكارُهُ تَعالى لِتَرْكِهِمُ القِتالِ، فَصارَ ذَلِكَ تَوْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالجِهادِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهادَ واجِبٌ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا عُذْرَ لَكم في تَرْكِ المُقاتَلَةِ وقَدْ بَلَغَ حالُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى ما بَلَغَ في الضَّعْفِ، فَهَذا حَثٌّ شَدِيدٌ عَلى القِتالِ، وبَيانُ العِلَّةِ الَّتِي لَها صارَ القِتالُ واجِبًا، وهو ما في القِتالِ مِن تَخْلِيصِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ مِن أيْدِي الكَفَرَةِ، لِأنَّ هَذا الجَمْعَ إلى الجِهادِ يَجْرِي مَجْرى فِكاكِ الأسِيرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ في تَرْكِ القِتالِ وبَيانُ أنَّهُ لا عُذْرَ لَهُمُ البَتَّةَ في تَرْكِهِ، ولَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ لَبَطَلَ هَذا الكَلامُ لِأنَّ مِن أعْظَمِ العُذْرِ أنَّ اللَّهَ ما خَلَقَهُ وما أرادَهُ وما قَضى بِهِ، وجَوابُهُ مَذْكُورٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى السَّبِيلِ، والمَعْنى: ما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي المُسْتَضْعَفِينَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَقُوا بِمَكَّةَ وعَجَزُوا عَنِ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا يَلْقَوْنَ مِن كُفّارِ مَكَّةَ أذًى شَدِيدًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النِّساءِ والوِلْدانِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الوِلْدانُ: جَمْعُ الوَلَدِ، ونَظِيرُهُ مِمّا جاءَ عَلى فِعْلٍ وفِعْلانِ، نَحْوَ حِزْبٍ وحِزْبانِ،

صفحة ١٤٦

ووِرْكٍ ووِرْكانِ، كَذَلِكَ وِلْدٌ ووِلْدانٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرِّجالِ والنِّساءِ الأحْرارُ والحَرائِرُ، وبِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ، لِأنَّ العَبْدَ والأمَةَ يُقالُ لَهُما الوَلِيدُ والوَلِيدَةُ، وجَمْعُهُما الوِلْدانُ والوَلائِدُ، إلّا أنَّهُ جَعَلَ هَهُنا الوِلْدانَ جَمْعًا لِلذُّكُورِ والإناثِ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، كَما يُقالُ آباءٌ وإخْوَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ الوِلْدانَ مُبالَغَةً في شَرْحِ ظُلْمِهِمْ حَيْثُ بَلَغَ أذاهُمُ الوِلْدانَ غَيْرَ المُكَلَّفِينَ إرْغامًا لِآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، ومَبْغَضَةً لَهم بِمَكانِهِمْ، ولِأنَّ المُسْتَضْعَفِينَ كانُوا يُشْرِكُونَ صِبْيانَهم في دُعائِهِمِ اسْتِنْزالًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ بِدُعاءِ صِغارِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُذْنِبُوا، كَما ورَدَتِ السُّنَّةُ بِإخْراجِهِمْ في الِاسْتِسْقاءِ، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها مَكَّةُ، وكَوْنُ أهْلُها مَوْصُوفِينَ بِالظُّلْمِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يُؤْذُونَ المُسْلِمِينَ ويُوصِلُونَ إلَيْهِمْ أنْواعَ المَكارِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَرْيَةُ مُؤَنَّثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الظّالِمِ أهْلُها﴾ صِفَةٌ لِلْقَرْيَةِ ولِذَلِكَ خَفَضَ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: الظّالِمَةُ أهْلُها، وجَوابُهُ أنَّ النَّحْوِيِّينَ يُسَمُّونَ مِثْلَ هَذِهِ الصِّفَةِ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ، والأصْلُ في هَذا البابِ: أنَّكَ إذا أدْخَلْتَ الألِفَ واللّامَ في الأخِيرِ أجْرَيْتَهُ عَلى الأوَّلِ في تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ، نَحْوُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ حَسَنَةِ الزَّوْجِ كَرِيمَةِ الأبِ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ جَمِيلِ الجارِيَةِ، وإذا لَمْ تُدْخِلِ الألِفَ واللّامَ في الأخِيرِ حَمَلْتَهُ عَلى الثّانِي في تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ كَرِيمٍ أبُوها، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ ولَوْ أدْخَلْتَ الألِفَ واللّامَ عَلى الأهْلِ لَقُلْتَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمَةِ الأهْلِ، وإنَّما جازَ أنْ يَكُونَ الظّالِمُ نَعْتًا لِلْقَرْيَةِ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِلْأهْلِ، والأهْلُ مُنْتَسِبُونَ إلى القَرْيَةِ، وهَذا القَدْرُ كافٍ في صِحَّةِ الوَصْفِ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ أبُوهُ، فالقِيامُ لِلْأبِ وقَدْ جَعَلْتَهُ وصْفًا لِلرَّجُلِ، وإنَّما كانَ هَذا القَدْرُ كافِيًا في صِحَّةِ الوَصْفِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الوَصْفِ التَّخْصِيصُ والتَّمْيِيزُ، وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ مِن مِثْلِ هَذا الوَصْفِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ قَوْلانِ:

فالأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُونَ اجْعَلْ عَلَيْنا رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوالِينا ويَقُومُ بِمَصالِحِنا ويَحْفَظُ عَلَيْنا دِينَنا وشَرْعَنا، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهم لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ جَعَلَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ أمِيرًا لَهم، فَكانَ الوَلِيُّ هو الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ النَّصِيرُ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ، وكانَ عَتّابٌ يُنْصِفُ الضَّعِيفَ مِنَ القَوِيِّ والذَّلِيلَ مِنَ العَزِيزِ.

الثّانِي: المُرادُ: واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ وِلايَةً ونُصْرَةً، والحاصِلُ كُنْ أنْتَ لَنا ولِيًّا وناصِرًا.

4:76Страница 90

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦

Те, которые уверовали, сражаются на пути Аллаха, а те, которые не уверовали, сражаются на пути тагута. Посему сражайтесь с помощниками дьявола. Воистину, козни дьявола слабы.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ﴾

صفحة ١٤٧

﴿الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ وُجُوبَ الجِهادِ بَيَّنَ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِصُورَةِ الجِهادِ، بَلِ العِبْرَةُ بِالقَصْدِ والدّاعِي، فالمُؤْمِنُونَ يُقاتِلُونَ لِغَرَضِ نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ غَرَضُهُ في فِعْلِهِ رِضا غَيْرِ اللَّهِ فَهو في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِسْمَةَ وهي أنَّ القِتالَ إمّا أنْ يَكُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما سِوى اللَّهِ طاغُوتًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأنْ يُقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ، وبَيَّنَ أنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا، لِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ، والشَّيْطانُ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ ولا شَكَّ أنَّ نُصْرَةَ الشَّيْطانِ لِأوْلِيائِهِ أضْعَفُ مِن نُصْرَةِ اللَّهِ لِأوْلِيائِهِ، ألا تَرى أنَّ أهْلَ الخَيْرِ والدِّينِ يَبْقى ذِكْرُهُمُ الجَمِيلُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ وإنْ كانُوا حالَ حَياتِهِمْ في غايَةِ الفَقْرِ والذِّلَّةِ، وأمّا المُلُوكُ والجَبابِرَةُ فَإذا ماتُوا انْقَرَضَ أثَرُهم ولا يَبْقى في الدُّنْيا رَسْمُهم ولا ظُلْمُهم، والكَيْدُ السَّعْيُ في فَسادِ الحالِ عَلى جِهَةِ الِاحْتِيالِ عَلَيْهِ يُقالُ: كادَهُ يَكِيدُهُ إذا سَعى في إيقاعِ الضَّرَرِ عَلى جِهَةِ الحِيلَةِ عَلَيْهِ وفائِدَةُ إدْخالِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ لِلتَّأْكِيدِ لِضَعْفِ كَيْدِهِ، يَعْنِي أنَّهُ مُنْذُ كانَ، كانَ مَوْصُوفًا بِالضَّعْفِ والذِّلَّةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English