Ар-РазиАз‑Зухруф · 43:15–25

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аз-Зухруф 43:15–25

43:15–19Страница 490

وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ ١٥

Они (многобожники) сделали некоторых из Его рабов частью Его (приписали Ему детей и сотоварищей). Воистину, человек явно неблагодарен.

أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ ١٦

Неужели из Своих творений Он взял Себе дочерей, а вас почтил сыновьями?

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ ١٧

Когда кому-либо из них сообщают весть о рождении той, которую они приписывают Милостивому, его лицо чернеет, и он сдерживает свой гнев.

أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ ١٨

Неужели они приписывают Аллаху ту, которую растят в нарядах и которая не способна ясно говорить при тяжбе?

وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩

Они сделали ангелов, которые являются рабами Милостивого, женщинами. Разве они присутствовали при их сотворении? Их свидетельство будет записано, и они будут спрошены.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥] بَيَّنَ أنَّهم مَعَ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ، جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ”جُزُءٌ“ بِضَمِّ الزّايِ والهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وهُما لُغَتانِ، وأمّا حَمْزَةُ فَإذا وقَفَ عَلَيْهِ، قالَ: ”جُزًا“ بِفَتْحِ الزّايِ بِلا هَمْزَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ؛ أنَّ المُرادَ أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ ولَدًا، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» ولِأنَّ المَعْقُولَ مِنَ الوالِدِ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، ثُمَّ يَتَرَبّى ذَلِكَ الجُزْءُ ويَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُ ذَلِكَ الأصْلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَوَلَدُ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ وبَعْضٌ مِنهُ، فَقَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْنى ”جَعَلُوا“ حَكَمُوا وأثْبَتُوا وقالُوا بِهِ، والمَعْنى أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَوْ قالَ: وجَعَلُوا لِعِبادِهِ مِنهُ جُزْءًا، أفادَ ذَلِكَ أنَّهم أثْبَتُوا أنَّهُ حَصَلَ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ في بَعْضِ

صفحة ١٧٣

عِبادِهِ، وذَلِكَ هو الوَلَدُ، فَكَذا قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْناهُ: وأثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ، والحاصِلُ أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا، وذَكَرُوا في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ وُجُوهًا أُخَرَ، فَقالُوا: الجُزْءُ هو الأُنْثى في لُغَةِ العَرَبِ، واحْتَجُّوا في إثْباتِ هَذِهِ اللُّغَةِ بِبَيْتَيْنِ:

فالأوَّلُ قَوْلُهُ:

إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبَ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المُذْكاةُ أحْيانا

وقَوْلُهُ:

زَوَّجْتُها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً ∗∗∗ لِلْعَوْسَجِ اللَّدْنِ في أبْياتِها غَزَلُ

وزَعَمَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ وصاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ فاسِدَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الأبْياتَ مَصْنُوعَةٌ.

والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ إثْباتُ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أثْبَتُوا الشُّرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ العِبادِ لَيْسَ لِلَّهِ، بَلْ بَعْضُها لِلَّهِ، وبَعْضُها لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهم ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ كُلِّهِمْ، بَلْ جَعَلُوا لَهُ مِنهم بَعْضًا وجُزْءًا مِنهم، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِنَ الأوَّلِ، أنّا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى إنْكارِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ، وحَمَلْنا الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها إلى إنْكارِ الوَلَدِ لِلَّهِ، كانَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِلرَّدِّ عَلى جَمِيعِ المُبْطِلِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ هَذِهِ المُناظَرَةَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَثْبُتَ الوَلَدُ فَجَعْلُهُ بِنْتًا أيْضًا مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ الوالِدِ، وما كانَ لَهُ جُزْءٌ كانَ مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، وأيْضًا ما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَقْبَلُ الِاتِّصالَ والِانْفِصالَ والِاجْتِماعَ والِافْتِراقَ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو عَبْدٌ مُحْدَثٌ، فَلا يَكُونُ إلَهًا قَدِيمًا أزَلِيًّا.

وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الوَلَدِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ بِنْتًا، وذَلِكَ لِأنَّ الِابْنَ أفْضَلُ مِنَ البِنْتِ، فَلَوْ قُلْنا إنَّهُ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ البَناتَ وأعْطى البَنِينَ لِعِبادِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُ العَبْدِ أكْمَلَ وأفْضَلَ مِن حالِ اللَّهِ، وذَلِكَ مَدْفُوعٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، يُقالُ أصْفَيْتُ فُلانًا بِكَذا، أيْ آثَرْتُهُ بِهِ إيثارًا حَصَلَ لَهُ عَلى سَبِيلِ الصَّفاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مُشارِكٌ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ البَناتِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِي بَلَغَ حالُهُ في النَّقْصِ إلى هَذا الحَدِّ كَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ إثْباتُهُ لِلَّهِ تَعالى ! وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّ امْرَأتَهُ وضَعَتْ أُنْثى، فَهَجَرَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ المَرْأةُ، فَقالَتْ:

ما لِأبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينا

يَظَلُّ في البَيْتِ الَّذِي يَلِينا ∗∗∗ ٢٠٦ أغَضْبانُ أنْ لا نَلِدَ البَنِينا

لَيْسَ لَنا مِن أمْرِنا ما شِينا ∗∗∗ وإنَّما نَأْخُذُ ما أُعْطِينا

وقَوْلُهُ (ظَلَّ) أيْ صارَ، كَما يُسْتَعْمَلُ أكْثَرُ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”مُسْوَدٌّ“ و”مِسْوادٌّ“، والتَّقْدِيرُ: وهو مُسْوَدٌّ، فَتَقَعُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ الخَبَرِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾

صفحة ١٧٤

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يُنَشَّأُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ يُرَبّى، والباقُونَ ”يُنْشَأُ“ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ الشِّينِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”يُناشَأُ“، قالَ: ونَظِيرُ المُناشَأةِ بِمَعْنى الإنْشاءِ المُغالاةُ بِمَعْنى الإغْلاءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُقْصانِها، وهو أنَّ الَّذِي يُرَبّى في الحِلْيَةِ يَكُونُ ناقِصَ الذّاتِ، لِأنَّهُ لَوْلا نُقْصانٌ في ذاتِها لَما احْتاجَتْ إلى تَزْيِينِ نَفْسِها بِالحِلْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ حالِها بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي أنَّها إذا احْتاجَتِ المُخاصَمَةَ والمُنازَعَةَ عَجَزَتْ وكانَتْ غَيْرَ مُبِينٍ، وذَلِكَ لِضَعْفِ لِسانِها وقِلَّةِ عَقْلِها وبَلادَةِ طَبْعِها، ويُقالُ: قَلَّما تَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ فَأرادَتْ أنْ تَتَكَلَّمَ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِما كانَ حُجَّةً عَلَيْها، فَهَذِهِ الوُجُوهُ دالَّةٌ عَلى كَمالِ نَقْصِها، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَتُهَنَّ بِالوَلَدِيَّةِ إلَيْهِ !

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّحَلِّيَ مُباحٌ لِلنِّساءِ، وأنَّهُ حَرامٌ لِلرِّجالِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المَعايِبِ ومُوجِباتِ النُّقْصانِ، وإقْدامُ الرَّجُلِ عَلَيْهِ يَكُونُ إلْقاءً لِنَفْسِهِ في الذُّلِّ، وذَلِكَ حَرامٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وإنَّما زِينَةُ الرَّجُلِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والتَّزَيُّنُ بِزِينَةِ التَّقْوى، قالَ الشّافِعِيُّ:

تَدَرَّعْتُ يَوْمًا لِلْقُنُوعِ حَصِينَةً ∗∗∗ أصُونُ بِها عِرْضِي وأجْعَلُها ذُخْرا

ولَمْ أحْذَرِ الدَّهْرَ الخَئُونَ وإنَّما ∗∗∗ قُصاراهُ أنْ يَرْمِي بِيَ المَوْتَ والفَقْرا

فَأعْدَدْتُ لِلْمَوْتِ الإلَهَ وعَفْوَهُ ∗∗∗ وأعْدَدْتُ لِلْفَقْرِ التَّجَلُّدَ والصَّبْرا

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِقَوْلِهِ: جَعَلُوا، أيْ حَكَمُوا بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي أنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وأمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَكُلُّها مُفَرَّعَةٌ عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ مُنْكِرُونَ لِلنُّبُوَّةِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ بِالدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ فَثَبَتَ أنَّهم ذَكَرُوا هَذِهِ الدَّعْوى مِن غَيْرِ أنْ عَرَفُوهُ لا بِضَرُورَةٍ ولا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى هَدَّدَهم فَقالَ: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُنْكَرٌ، وأنَّ التَّقْلِيدَ يُوجِبُ الذَّمَّ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ كَفَرُوا في هَذا القَوْلِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أوَّلُها: إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى.

وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ بِنْتٌ.

وثالِثُها: الحُكْمُ عَلى المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ”عِنْدَ الرَّحْمَنِ“ بِالنُّونِ، وهو اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يُوافِقُ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] وقَوْلَهُ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] .

والثّانِي: أنَّ كُلَّ الخَلْقِ عِبادُهُ، فَلا مَدْحَ لَهم فِيهِ.

والثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّ المَلائِكَةَ يَكُونُونَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ، لا عِنْدَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَكَيْفَ عَرَفُوا كَوْنَهم إناثًا ؟

وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا ”عِبادُ“ جَمْعَ عَبْدٍ، وقِيلَ: جَمْعُ عابِدٍ، كَقائِمٍ وقِيامٍ، وصائِمٍ وصِيامٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وأخْبَرَ أنَّهم عَبِيدٌ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ . [الأنْبِياءِ: ٢٦]

صفحة ١٧٥

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: ”آأُشْهِدُوا“ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ لَيِّنَةٍ وضَمَّةٍ، أيْ [أ] أُحْضِرُوا خَلْقَهم، وعَنْ نافِعٍ غَيْرُ مَمْدُودٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ: ”أشَهِدُوا“ بِفَتْحِ الألِفِ، مِن [أ] شَهِدُوا، أيْ أحَضَرُوا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: أمّا قِراءَةُ ”عِنْدَ“ بِالنُّونِ، فَهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لا شَكَّ أنَّها عِنْدِيَّةُ الفَضْلِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ الطّاعَةِ، ولَفْظَةُ ”هم“ تُوجِبُ الحَصْرَ، والمَعْنى أنَّهم هُمُ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ العِنْدِيَّةِ لا غَيْرُهم، فَوَجَبَ كَوْنُهم أفْضَلَ مَن غَيْرِهِمْ رِعايَةً لِلَّفْظِ الدّالِّ عَلى الحَصْرِ، وأمّا مَن قَرَأ ”عِبادُ“ جَمْعَ العَبْدِ، فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ العِبادِ مَخْصُوصٌ في القُرْآنِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ ﴿هم عِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ حَصْرَ العُبُودِيَّةِ فِيهِمْ، فَإذا كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى الفَضْلِ والشَّرَفِ، كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى حَصْرِ العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى حَصْرِ الفَضْلِ والمَنقَبَةِ والشَّرَفِ فِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

43:20–25Страница 490

وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٢٠

Они сказали: «Если бы Милостивый пожелал, то мы не поклонялись бы им». У них нет об этом никакого знания, и они всего лишь лгут.

أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ ٢١

Разве Мы даровали им до этого Писание, которого они придерживаются?

بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ ٢٢

О нет! Они сказали: «Воистину, мы нашли своих отцов на этом пути, и мы верно следуем по их стопам».

وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ ٢٣

Таким же образом, какого бы предостерегающего увещевателя Мы ни отправляли до тебя в какое-либо селение, его изнеженные роскошью жители обязательно говорили: «Воистину, мы нашли своих отцов на этом пути, и мы верно следуем по их стопам».

۞ قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٢٤

Он сказал: «А если я принес вам то, что более верно, чем то, на чем вы нашли ваших отцов?». Они сказали: «Мы не веруем в то, с чем вы посланы».

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٢٥

Мы отомстили им. Посмотри же, каким был конец тех, кто считает истину ложью.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى نَوْعًا آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ وشُبُهاتِهِمْ، وهو أنَّهم قالُوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ في أنَّ كُفْرَ الكافِرِ يَقَعُ بِإرادَةِ اللَّهِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ وهَذا صَرِيحُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ فَثَبَتَ أنَّهُ حَكى مَذْهَبَ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالإبْطالِ والإفْسادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَذْهَبَ باطِلٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] إلى قَوْلِهِ

صفحة ١٧٦

﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾، [الأنْعامِ: ١٤٨]

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ كُفْرِهِمْ:

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ .

وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَمّا حَكى هَذِهِ الأقاوِيلَ الثَّلاثَةَ بَعْضَها عَلى إثْرِ بَعْضٍ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كُفْرٌ مَحْضٌ، فَكَذَلِكَ هَذا القَوْلُ الثّالِثُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا، واعْلَمْ أنَّ الواحِدِيَّ أجابَ في ”البَسِيطِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ عائِدٌ إلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ إناثٌ، وإلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أنَّهُ أمَرَنا بِذَلِكَ، وأنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ، وأقَرَّنا عَلَيْهِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَهَذا ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في الجَوابِ، وعِنْدِي هَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ القَوْمِ قَوْلَيْنِ باطِلَيْنِ، وبَيَّنَ وجْهَ بُطْلانِهِما، ثُمَّ حَكى بَعْدَهُ مَذْهَبًا ثالِثًا في مَسْألَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنِ المَسْألَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ بِالبُطْلانِ والوَعِيدِ، فَصَرَفَ هَذا الإبْطالَ عَنْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَقِيبَهُ إلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ أجْنَبِيٍّ عَنْهُ في غايَةِ البُعْدِ.

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ مُتَعَلِّقٌ بِتِلْكَ المَشِيئَةِ، والإجْمالُ خِلافُ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ألّا نَعْبُدَهم ما عَبَدْناهم، وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مَشِيئَةُ اللَّهِ لِعَدَمِ عِبادَتِهِمْ، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ، فالإبْطالُ والإفْسادُ يَرْجِعُ إلى هَذا المَعْنى، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنْ قالَ: إنَّهم إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَوْجَبُوا الطَّعْنَ والذَّمَّ، وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ، وادِّعاءُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ باطِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي أنَّهم ﴿جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٥] وأنَّهم جَعَلُوا المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَوْ قُلْنا بِأنَّهُ إنَّما جاءَ الذَّمُّ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ لِأنَّهم ذَكَرُوهُ عَلى طَرِيقِ الجِدِّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في حِكايَةِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كَذَلِكَ، فَلَزِمَ أنَّهم لَوْ نَطَقُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ أنْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كُفْرٌ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الطَّعْنَ في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما تَوَجَّهَ عَلى نَفْسِ ذَلِكَ القَوْلِ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ لا عَلى نَفْسِهِ بَلْ عَلى إيرادِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَهَذا يُوجِبُ تَشْوِيشَ النَّظْمِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في كَلامِ اللَّهِ.

واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي عَنْ هَذا الكَلامِ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو أنَّ القَوْمَ إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ لِأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْكُفْرِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإيمانِ فاعْتَقَدُوا أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ يَجِبُ كَوْنُهُما مُتَطابِقَيْنِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، فالقَوْمُ لَمْ يَسْتَحِقُّوا الذَّمَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: لَمّا أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أمْرُ الكافِرِ بِالإيمانِ، وإذا صَرَفْنا الذَّمَّ والطَّعْنَ إلى هَذا المَقامِ سَقَطَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ المَذْهَبَ الباطِلَ؛ قالَ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: لَمّا أرادَ اللَّهُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وخَلَقَ فِيهِ ما أوْجَبَ ذَلِكَ الكُفْرَ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّكْلِيفِ قَبِيحٌ في الشّاهِدِ، فَيَكُونُ قَبِيحًا في الغائِبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ هَذا القِياسِ مِن عِلْمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَ الواحِدِ مِنّا وأحْكامَهُ

صفحة ١٧٧

مَبْنِيَّةٌ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لِأجْلِ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِحُصُولِ المَصالِحِ ويَسْتَضِرُّ بِحُصُولِ المَفاسِدِ، فَلا جَرَمَ أنَّ صَرِيحَ طَبْعِهِ وعَقْلِهِ يَحْمِلُهُ عَلى بِناءِ أحْكامِهِ وأفْعالِهِ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى يَبْنِي أحْكامَهُ وأفْعالَهُ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ مَعَ ظُهُورِ هَذا الفارِقِ العَظِيمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ في هَذا البابِ عِلْمٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ كَما لَمْ يَثْبُتْ لَهم صِحَّةُ ذَلِكَ القِياسِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ القاطِعِ كَوْنُهم كَذّابِينَ خَرّاصِينَ في ذَلِكَ القِياسِ؛ لِأنَّ قِياسَ المُنَزَّهِ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ - مِن كُلِّ الوُجُوهِ - عَلى المُحْتاجِ المُنْتَفِعِ المُتَضَرِّرِ قِياسٌ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَرَفُوا صِحَّتَهُ بِالعَقْلِ أوْ بِالنَّقْلِ، أمّا إثْباتُهُ بِالعَقْلِ فَهو باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وأمّا إثْباتُهُ بِالنَّقْلِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: أنَّهم [هَلْ] وجَدُوا ذَلِكَ الباطِلَ في كِتابٍ مُنَزَّلٍ قَبْلَ القُرْآنِ حَتّى جازَ لَهم أنْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ، وأنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ الإنْكارِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهم عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ البَتَّةَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم حامِلٌ يَحْمِلُهم عَلَيْهِ إلّا التَّقْلِيدُ المَحْضُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تَمَسُّكَ الجُهّالِ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ أمْرٌ كانَ حاصِلًا مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”عَلى إمَّةٍ“ بِالكَسْرِ، وكِلْتاهُما مِنَ الأمِّ، وهو القَصْدُ، فالأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تُؤَمُّ، أيْ: تُقْصَدُ؛ كالرِّحْلَةِ لِلْمَرْحُولِ إلَيْهِ، والإمَّةُ الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآمُّ وهو القاصِدُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ إلّا هَذِهِ الآياتُ لَكَفَتْ في إبْطالِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا في إثْباتِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ لا بِطَرِيقٍ عَقْلِيٍّ، ولا بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ والأسْلافِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّهْجِينِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن حَيْثُ العَقْلِ أنَّ التَّقْلِيدَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُبْطِلِ وبَيْنَ المُحِقِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما حَصَلَ لِهَذِهِ الطّائِفَةِ قَوْمٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَكَذَلِكَ حَصَلَ لِأضْدادِهِمْ أقْوامٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ طَرِيقًا إلى الحَقِّ لَوَجَبَ كَوْنُ الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ حَقًّا، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الدّاعِيَ إلى القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ والحامِلَ عَلَيْهِ إنَّما هو حُبُّ التَّنْعِيمِ في طَيِّباتِ الدُّنْيا، وحُبُّ الكَسَلِ والبِطالَةِ، وبُغْضُ تَحَمُّلِ مَشاقِّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾، والمُتْرَفُونَ هُمُ الَّذِينَ أتْرَفَتْهُمُ النِّعْمَةُ، أيْ: أبْطَرَتْهم، فَلا يُحِبُّونَ إلّا الشَّهَواتِ والمَلاهِيَ، ويُبْغَضُونَ تَحَمُّلَ المَشاقِّ في طَلَبِ الحَقِّ، وإذا عَرَفْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ رَأْسَ جَمِيعِ الآفاتِ حُبُّ الدُّنْيا واللَّذّاتِ

صفحة ١٧٨

الجُسْمانِيَّةِ، ورَأْسَ جَمِيعِ الخَيْراتِ هو حُبُّ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» .

ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ أيْ: بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، فَعِنْدَ هَذا حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا إنّا ثابِتُونَ عَلى دِينِ آبائِنا لا نَنْفَكُّ عَنْهُ وإنْ جِئْتَنا بِما هو أهْدى ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وإنْ كانَ أهْدى مِمّا كُنّا عَلَيْهِ، فَعِنْدَ هَذا لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَهْدِيدُ الكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English