Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Худжурат 49:12–13
49:12Страница 517
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ ١٢
О те, которые уверовали! Избегайте многих предположений, ибо некоторые предположения являются грехом. Не следите друг за другом и не злословьте за спиной друг друга. Разве понравится кому-либо из вас есть мясо своего покойного брата, если вы чувствуете к этому отвращение? Бойтесь Аллаха! Воистину, Аллах - Принимающий покаяния, Милосердный.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ .
لِأنَّ الظَّنَّ هو السَّبَبُ فِيما تَقَدَّمَ وعَلَيْهِ تُبْنى القَبائِحُ، ومِنهُ يَظْهَرُ العَدُوُّ المُكاشِحُ، والقائِلُ إذا أوْقَفَ أُمُورَهُ عَلى اليَقِينِ فَقَلَّما يَتَيَقَّنُ في أحَدٍ عَيْبًا فَيَلْمِزُهُ بِهِ، فَإنَّ الفِعْلَ في الصُّورَةِ قَدْ يَكُونُ قَبِيحًا، وفي نَفْسِ الأمْرِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ ساهِيًا أوْ يَكُونَ الرّائِي مُخْطِئًا، وقَوْلُهُ: (كَثِيرًا) إخْراجٌ لِلظُّنُونِ الَّتِي عَلَيْها تُبْنى الخَيْراتُ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«ظُنُّوا بِالمُؤْمِنِ خَيْرًا» “ وبِالجُمْلَةِ كُلُّ أمْرٍ لا يَكُونُ بِناؤُهُ عَلى اليَقِينِ، فالظَّنُّ فِيهِ غَيْرُ مُجْتَنِبٍ، مِثالُهُ حُكْمُ الحاكِمِ عَلى قَوْلِ الشُّهُودِ وبَراءَةُ الذِّمَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الشُّهُودِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ إشارَةٌ إلى الأخْذِ بِالأحْوَطِ، كَما أنَّ الطَّرِيقَ المُخَوِّفَةَ لا يَتَّفِقُ كُلَّ مَرَّةٍ فِيهِ قاطِعُ طَرِيقٍ، لَكِنَّكَ لا تَسْلُكُها لِاتِّفاقِ ذَلِكَ فِيهِ مَرَّةً ومَرَّتَيْنِ إلّا إذا تَعَيَّنَ فَتَسْلُكُهُ مَعَ رُفْقَةٍ، كَذَلِكَ الظَّنُّ يَنْبَغِي بَعْدَ اجْتِهادٍ تامٍّ ووُثُوقٍ بالِغٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ إتْمامًا لِما سَبَقَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّ المُعْتَبَرَ اليَقِينُ فَيَقُولُ القائِلُ: أنا أكْشِفُ فُلانًا، يَعْنِي أعْلَمُهُ يَقِينًا، وأطَّلِعُ عَلى عَيْبِهِ مُشاهَدَةً فَأعِيبُ فَأكُونُ قَدِ اجْتَنَبْتُ الظَّنَّ، فَقالَ تَعالى: ولا تَبْتَغُوا الظَّنَّ، ولا تَجْتَهِدُوا في طَلَبِ اليَقِينِ في مَعايِبِ النّاسِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ إشارَةً إلى وُجُوبِ حِفْظِ عِرْضِ المُؤْمِنِ في غَيْبَتِهِ وفِيهِ مَعانٍ:
أحَدُها: في قَوْلِهِ تَعالى: (بَعْضُكم بَعْضًا) فَإنَّهُ لِلْعُمُومِ في الحَقِيقَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وأمّا مَنِ اغْتابَ فالمُغْتابُ أوَّلًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، فَلا يُحْمَلُ فِعْلُهُ عَلى أنْ يَغْتابَهُ، فَلَمْ يَقُلْ: ولا تَغْتابُوا أنْفُسَكم؛ لِما أنَّ الغِيبَةَ لَيْسَتْ حامِلَةً لِلَعائِبَ عَلى عَيْبِهِ مَنِ اغْتابَهُ، والعَيْبُ حامِلٌ عَلى العَيْبِ.
ثانِيها: لَوْ قالَ قائِلٌ: هَذا المَعْنى كانَ حاصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: لا تَغْتابُوا مَعَ الِاقْتِصارِ عَلَيْهِ ؟ نَقُولُ: لا، وذَلِكَ لِأنَّ المَمْنُوعَ اغْتِيابُ المُؤْمِنِ فَقالَ: ﴿بَعْضُكم بَعْضًا﴾ وأمّا الكافِرُ فَيُعْلَنُ ويُذْكَرُ بِما فِيهِ، وكَيْفَ لا والفاسِقُ يَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ بِما فِيهِ عِنْدَ الحاجَةِ.
ثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاغْتِيابَ المَمْنُوعَ اغْتِيابُ المُؤْمِنِ لا ذِكْرُ الكافِرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ شَبَّهَهُ بِأكْلِ لَحْمِ الأخِ، وقالَ مِن قَبْلُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ فَلا أُخُوَّةَ إلّا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، ولا مَنعَ إلّا مِن شَيْءٍ يُشْبِهُ أكْلَ لَحْمِ الأخِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ نَهْيٌ عَنِ اغْتِيابِ المُؤْمِنِ دُونَ الكافِرِ.
رابِعُها: ما الحِكْمَةُ في هَذا التَّشْبِيهِ ؟ نَقُولُ: هو إشارَةٌ إلى أنَّ عِرْضَ الإنْسانِ كَدَمِهِ ولَحْمِهِ، وهَذا مِن بابِ القِياسِ الظّاهِرِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِرْضَ المَرْءِ أشْرَفُ مِن لَحْمِهِ، فَإذا لَمْ يَحْسُنْ مِنَ العاقِلِ أكْلُ لُحُومِ النّاسِ لَمْ يَحْسُنْ مِنهُ قَرْضُ عِرْضِهِمْ بِالطَّرِيقِ الأوْلى؛ لِأنَّ ذَلِكَ آلَمُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَحْمَ أخِيهِ﴾ آكَدُ في المَنعِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ يَحْمِلُهُ الغَضَبُ عَلى مَضْغِ لَحْمِ العَدُوِّ، فَقالَ: أصْدَقُ الأصْدِقاءِ مَن ولَدَتْهُ أُمُّكَ، فَأكْلُ لَحْمِهِ أقْبَحُ ما يَكُونُ، وقَوْلُهُ تَعالى: (مَيْتًا) إشارَةٌ إلى دَفْعِ
صفحة ١١٦
وهْمٍ، وهو أنْ يُقالَ: القَوْلُ في الوَجْهِ يُؤْلِمُ فَيَحْرُمُ، وأمّا الِاغْتِيابُ فَلا اطِّلاعَ عَلَيْهِ لِلْمُغْتابِ فَلا يُؤْلِمُ، فَقالَ: أكْلُ لَحْمِ الأخِ وهو مَيِّتٌ أيْضًا لا يُؤْلِمُ، ومَعَ هَذا هو في غايَةِ القُبْحِ؛ لِما أنَّهُ لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَتَألَّمَ، كَما أنَّ المَيِّتَ لَوْ أحَسَّ بِأكْلِ لَحْمِهِ لَآلَمَهُ، وفِيهِ مَعْنًى: وهو أنَّ الِاغْتِيابَ كَأكْلِ لَحْمِ الآدَمِيِّ مَيْتًا، ولا يَحِلُّ أكْلُهُ إلّا لِلْمُضْطَرِّ بِقَدْرِ الحاجَةِ، والمُضْطَرُّ إذا وجَدَ لَحْمَ الشّاةِ المَيِّتَةِ ولَحَمَ الآدَمِيِّ المَيِّتِ، فَلا يَأْكُلُ لَحْمَ الآدَمِيِّ، فَكَذَلِكَ المُغْتابُ إنْ وجَدَ لِحاجَتِهِ مَدْفَعًا غَيْرَ الغِيبَةِ فَلا يُباحُ لَهُ الِاغْتِيابُ، وقَوْلُهُ تَعالى: (مَيْتًا) حالٌ عَنِ اللَّحْمِ أوْ عَنِ الأخِ، فَإنْ قِيلَ: اللَّحْمُ لا يَكُونُ مَيْتًا، قُلْنا: بَلى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«ما أُبِينَ مِن حَيٍّ فَهو مَيِّتٌ» “ فَسَمّى العَلَقَةَ مَيْتًا، فَإنْ قِيلَ: إذا جَعَلْناهُ حالًا عَنِ الأخِ، لا يَكُونُ هو الفاعِلُ ولا المَفْعُولُ، فَلا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا، كَما يَقُولُ القائِلُ: مَرَرْتُ بِأخِي زَيْدٍ قائِمًا، ويُرِيدُ كَوْنَ زِيدٍ قائِمًا، قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَن أكَلَ لَحْمَهُ فَقَدْ أكَلَ، فَصارَ الأخُ مَأْكُولًا مَفْعُولًا، بِخِلافِ المُرُورِ بِأخِي زَيْدٍ، فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُ وجْهَهُ آثِمًا، أيْ وهو آثِمٌ، أيْ صاحِبَ الوَجْهِ، كَما أنَّكَ إذا ضَرَبْتَ وجْهَهُ فَقَدْ ضَرَبْتَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: مَزَّقْتُ ثَوْبَهُ آثِمًا، فَتَجْعَلُ الآثِمَ حالًا مِن غَيْرِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: العائِدُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: وهو الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ هو الأكْلَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ﴾ مَعْناهُ أيُحِبُّ أحَدُكُمُ الأكْلَ؛ لِأنَّ أنْ مَعَ الفِعْلِ تَكُونُ لِلْمَصْدَرِ، يَعْنِي فَكَرِهْتُمُ الأكْلَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ هو اللَّحْمَ، أيْ فَكَرِهْتُمُ اللَّحْمَ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هو المَيِّتَ في قَوْلِهِ: (مَيْتًا) وتَقْدِيرُهُ: أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا مُتَغَيِّرًا فَكَرِهْتُمُوهُ، فَكَأنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (مَيْتًا) ويَكُونُ فِيهِ زِيادَةُ مُبالَغَةٍ في التَّحْذِيرِ، يَعْنِي المَيْتَةَ إنْ أُكِلَتْ في النُّدْرَةِ لِسَبَبٍ كانَ نادِرًا، ولَكِنْ إذا أنْتَنَ وأرْوَحَ وتَغَيَّرَ لا يُؤْكَلُ أصْلًا، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الغِيبَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تَقْتَضِي وُجُودَ تَعَلُّقٍ، فَما ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ جَوابِ كَلامٍ، كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أيُحِبُّ﴾ قِيلَ في جَوابِهِ ذَلِكَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيُحِبُّ﴾ لِلْإنْكارِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ إذًا، ولا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ هو تَعَلُّقَ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ، وتَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: جاءَ فُلانٌ ماشِيًا فَتَعِبَ؛ لِأنَّ المَشْيَ يُورِثُ التَّعَبَ، فَكَذا قَوْلُهُ: (مَيْتًا) لِأنَّ المَوْتَ يُورِثُ النَّفْرَةَ إلى حَدٍّ لا يَشْتَهِي الإنْسانُ أنْ يَبِيتَ في بَيْتٍ فِيهِ مَيِّتٌ، فَكَيْفَ يَقْرَبُهُ بِحَيْثُ يَأْكُلُ مِنهُ، فَفِيهِ إذًا كَراهَةٌ شَدِيدَةٌ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حالَ الغَيْبَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، أيِ اجْتَنِبُوا واتَّقُوا، وفي الآيَةِ لِطائِفُ: مِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا ثَلاثَةً مُرَتَّبَةً، بَيانُها هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا﴾ أيْ لا تَقُولُوا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ما لَمْ تَعْلَمُوهُ فِيهِمْ بِناءً عَلى الظَّنِّ، ثُمَّ إذا سُئِلْتُمْ عَلى المَظْنُوناتِ، فَلا تَقُولُوا: نَحْنُ نَكْشِفُ أُمُورَهم لِنَسْتَيْقِنَها قَبْلَ ذِكْرِها، ثُمَّ إنْ عَلِمْتُمْ مِنها شَيْئًا مِن غَيْرِ تَجَسُّسٍ، فَلا تَقُولُوهُ ولا تُفْشُوهُ عَنْهم ولا تَعِيبُوا، فَفي الأوَّلِ نَهْيٌ عَمّا لَمْ يُعْلَمَ، ثُمَّ نَهْيٌ عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ العِلْمِ، ثُمَّ نَهْيٌ عَنْ ذِكْرِ ما عَلِمَ، ومِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: اجْتَنِبُوا أنْ تَقُولُوا أمْرًا عَلى خِلافِ ما تَعْلَمُونَهُ، ولا قالَ: اجْتَنِبُوا الشَّكَّ، بَلْ أوَّلُ ما نَهى عَنْهُ هو القَوْلُ بِالظَّنِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْلَ عَلى خِلافِ العِلْمِ كَذِبٌ وافْتِراءٌ، والقَوْلُ
صفحة ١١٧
بِالشَّكِّ، والرَّجْمُ بِالغَيْبِ سَفَهٌ وهُزْءٌ، وهُما في غايَةِ القُبْحِ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ اكْتِفاءً بِقَوْلِهِ تَعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) لِأنَّ وصْفَهم بِالإيمانِ يَمْنَعُهم مِنَ الِافْتِراءِ والِارْتِيابِ الَّذِي هو دَأْبُ الكافِرِ، وإنَّما مَنَعَهم عَمّا يَكْثُرُ وجُودُهُ في المُسْلِمِينَ؛ ولِذَلِكَ قالَ في الآيَةِ: ﴿لا يَسْخَرْ﴾ ومِنها أنَّهُ خَتَمَ الآيَتَيْنِ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ، فَقالَ في الأُولى: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وقالَ في الأُخْرى: ﴿إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ﴾ لَكِنْ في الآيَةِ الأوْلى لَمّا كانَ الِابْتِداءُ بِالنَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ ذَكَرَ النَّفْيَ الَّذِي هو قَرِيبٌ مِنَ النَّهْيِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ لَمّا كانَ الِابْتِداءُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنِبُوا﴾ ذَكَرَ الِارْتِيابَ الَّذِي هو قَرِيبٌ مِنَ الأمْرِ.
49:13Страница 517
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣
О люди! Воистину, Мы создали вас из мужчины и женщины и сделали вас народами и племенами, чтобы вы узнавали друг друга, и самый почитаемый перед Аллахом среди вас - наиболее богобоязненный. Воистину, Аллах - Знающий, Ведающий.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
تَبْيِينًا لِما تَقَدَّمَ وتَقْرِيرًا لَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ السُّخْرِيَةَ مِنَ الغَيْرِ والعَيْبَ إنْ كانَ بِسَبَبِ التَّفاوُتِ في الدِّينِ والإيمانِ فَهو جائِزٌ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ مَنعٌ مِن عَيْبِ المُؤْمِنِ وغِيبَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ السَّبَبِ فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّ النّاسَ بَعُمُومِهِمْ كُفّارًا كانُوا أوْ مُؤْمِنِينَ يَشْتَرِكُونَ فِيما يَفْتَخِرُ بِهِ المُفْتَخِرُ غَيْرَ الإيمانِ والكُفْرِ، والِافْتِخارُ إنْ كانَ بِسَبَبِ الغِنى فالكافِرُ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا، والمُؤْمِنُ فَقِيرًا وبِالعَكْسِ، وإنْ كانَ بِسَبَبِ النَّسَبِ فالكافِرُ قَدْ يَكُونُ نَسِيبًا، والمُؤْمِنُ قَدْ يَكُونُ عَبْدًا أسْوَدَ وبِالعَكْسِ، فالنّاسُ فِيما لَيْسَ مِنَ الدِّينِ والتَّقْوى مُتَساوُونَ مُتَقارِبُونَ، وشَيْءٌ مِن ذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ مَعَ عَدَمِ التَّقْوى، فَإنَّ كُلَّ مَن يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ يَعْرِفُ أنَّ مَن يُوافِقُهُ في دِينِهِ أشْرَفُ مِمَّنْ يُخالِفُهُ فِيهِ، وإنْ كانَ أرْفَعَ نَسَبًا أوْ أكْثَرَ نَشَبًا، فَكَيْفَ مَن لَهُ الدِّينُ الحَقُّ وهو فِيهِ راسِخٌ، وكَيْفَ يُرَجَّحُ عَلَيْهِ مَن دُونَهُ فِيهِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مِن آدَمَ وحَوّاءَ. ثانِيهُما: كُلُّ واحِدٍ مِنكم أيُّها المَوْجُودُونَ وقْتَ النِّداءِ خَلَقْناهُ مِن أبٍ وأُمٍّ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ هو الأوَّلُ، فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنْ لا يَتَفاخَرَ البَعْضُ عَلى البَعْضِ لِكَوْنِهِمْ أبْناءَ رَجُلٍ واحِدٍ وامْرَأةٍ واحِدَةٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ هو الثّانِي، فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الجِنْسَ واحِدٌ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ خُلِقَ كَما خُلِقَ الآخَرُ مِن أبٍ وأُمٍّ، والتَّفاوُتُ في الجِنْسِ دُونَ التَّفاوُتِ في الجِنْسَيْنِ، فَإنَّ مِن سُنَنِ التَّفاوُتِ أنْ لا يَكُونَ تَقْدِيرُ التَّفاوُتِ بَيْنَ الذُّبابِ والذِّئابِ، لَكِنَّ التَّفاوُتَ الَّذِي بَيْنَ النّاسِ بِالكُفْرِ والإيمانِ كالتَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ؛ لِأنَّ الكافِرَ جَمادٌ إذْ هو كالأنْعامِ بَلْ أضَلُّ، والمُؤْمِنُ إنْسانٌ في المَعْنى الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيهِ، والتَّفاوُتُ في الإنْسانِ تَفاوُتٌ في الحِسِّ لا في الجِنْسِ، إذْ كُلُّهم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، فَلا يَبْقى لِذَلِكَ عِنْدَ هَذا اعْتِبارٌ، وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فَإنْ قِيلَ: هَذا مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ النَّسَبِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ لِلنَّسَبِ اعْتِبارًا عُرْفًا وشَرْعًا، حَتّى لا يَجُوزَ تَزْوِيجُ الشَّرِيفَةِ بِالنَّبَطِيِّ، فَنَقُولُ: إذا جاءَ الأمْرُ العَظِيمُ لا يَبْقى الأمْرُ الحَقِيرُ مُعْتَبَرًا، وذَلِكَ في الحِسِّ والشَّرْعِ والعُرْفِ، أمّا الحِسُّ فَلِأنَّ الكَواكِبَ لا تُرى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ولِجَناحِ الذُّبابِ دَوِيٌّ ولا يُسْمَعُ عِنْدَما يَكُونُ رَعْدٌ قَوِيٌّ، وأمّا في العُرْفِ فَلِأنَّ مَن جاءَ مَعَ المَلِكِ لا يَبْقى لَهُ اعْتِبارٌ ولا إلَيْهِ
صفحة ١١٨
التِفاتٌ، إذا عَلِمْتَ هَذا فِيهِما فَفي الشَّرْعِ كَذَلِكَ، إذا جاءَ الشَّرَفُ الدِّينِيُّ الإلَهِيُّ، لا يَبْقى لِأمْرٍ هُناكَ اعْتِبارٌ، لا لِنَسَبٍ ولا لِنَشَبٍ، ألا تَرى أنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ مِن أعْلى النّاسِ نَسَبًا، والمُؤْمِنَ وإنْ كانَ مِن أدْوَنِهِمْ نَسَبًا، لا يُقاسُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وكَذَلِكَ ما هو مَعَ غَيْرِهِ؛ ولِهَذا يَصْلُحُ لِلْمَناصِبِ الدِّينِيَّةِ كالقَضاءِ والشَّهادَةِ كُلُّ شَرِيفٍ ووَضِيعٍ إذا كانَ دَيِّنًا عالِمًا صالِحًا، ولا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنها فاسْقٌ، وإنْ كانَ قُرَشِيَّ النَّسَبِ، وقارُونِيَّ النَّشَبِ، ولَكِنْ إذا اجْتَمَعَ في اثْنَيْنِ الدِّينُ المَتِينُ، وأحَدُهُما نَسِيبٌ تَرَجَّحَ بِالنَّسَبِ عِنْدَ النّاسِ لا عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وشَرَفُ النَّسَبِ لَيْسَ مُكْتَسَبًا ولا يَحْصُلُ بِسَعْيٍ.
البَحْثُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ النَّسَبِ مِن جُمْلَةِ أسْبابِ التَّفاخُرِ، ولَمْ يَذْكُرِ المالَ ؟ نَقُولُ: الأُمُورُ الَّتِي يُفْتَخَرُ بِها في الدُّنْيا وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً لَكِنَّ النَّسَبَ أعْلاها؛ لِأنَّ المالَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْفَقِيرِ فَيَبْطُلُ افْتِخارُ المُفْتِخِرِ بِهِ، والحُسْنُ والسِّنُّ، وغَيْرُ ذَلِكَ غَيْرُ ثابِتٍ دائِمٍ، والنَّسَبُ ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ غَيْرُ مَقْدُورِ التَّحْصِيلِ لِمَن لَيْسَ لَهُ، فاخْتارَهُ اللَّهُ لِلذِّكْرِ وأبْطَلَ اعْتِبارَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّقْوى لِيُعْلَمَ مِنهُ بُطْلانُ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.
البَحْثُ الثّالِثُ: إذا كانَ وُرُودُ الآيَةِ لِبَيانِ عَدَمِ جَوازِ الِافْتِخارِ بِغَيْرِ التَّقْوى فَهَلْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكُمْ﴾ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَرَجَّحُ عَلى غَيْرِهِ، فَإمّا أنْ يَتَرَجَّحَ بِأمْرٍ فِيهِ يَلْحَقُهُ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وإمّا أنْ يَتَرَجَّحَ عَلَيْهِ بِأمْرٍ هو قَبْلَهُ، والَّذِي بَعْدَهُ كالحُسْنِ والقُوَّةِ وغَيْرِهِما مِنَ الأوْصافِ المَطْلُوبَةِ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ، والَّذِي قَبْلَهُ فَإمّا راجِعٌ إلى الأصْلِ الَّذِي مِنهُ وُجِدَ، أوْ إلى الفاعِلِ الَّذِي هو لَهُ أوْجَدَ، كَما يُقالُ في إناءَيْنِ: هَذا مِنَ النُّحاسِ وهَذا مِنَ الفِضَّةِ، ويُقالُ: هَذا عَمَلُ فُلانٍ، وهَذا عَمَلُ فُلانٍ، فَقالَ تَعالى: لا تَرْجِيحَ فِيما خَلَقْتُمْ مِنهُ؛ لِأنَّكم كُلُّكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، ولا بِالنَّظَرِ إلى جاعِلِينَ؛ لِأنَّكم كُلُّكم خَلَقَكُمُ اللَّهُ، فَإنْ كانَ بَيْنَكم تَفاوُتٌ يَكُونُ بِأُمُورٍ تَلْحَقُكم وتَحْصُلُ بَعْدَ وُجُودِكم، وأشْرَفُها التَّقْوى والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا﴾ مُتَفَرِّقَةً لا يُدْرى مَن يَجْمَعُكم كالعَجَمِ، وقَبائِلَ يَجْمَعُكم واحِدٌ مَعْلُومٌ كالعَرَبِ وبَنِي إسْرائِيلَ.
وثانِيهُما: ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا﴾ داخِلِينَ في قَبائِلَ، فَإنَّ القَبِيلَةَ تَحْتَها الشُّعُوبُ، وتَحْتَ الشُّعُوبِ البُطُونُ، وتَحْتَ البُطُونِ الأفْخاذُ، وتَحْتَ الأفْخاذِ الفَصائِلُ، وتَحْتَ الفَصائِلِ الأقارِبُ، وذَكَرَ الأعَمَّ لِأنَّهُ أذْهَبُ لِلِافْتِخارِ؛ لِأنَّ الأمْرَ الأعَمَّ مِنها يَدْخُلُهُ فُقَراءُ وأغْنِياءُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وضُعَفاءُ وأقْوِياءُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَعْدُودَةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ فائِدَةَ ذَلِكَ وهي التَّعارُفُ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ التَّناصُرُ لا التَّفاخُرُ.
وثانِيهُما: أنَّ فائِدَتَهُ التَّعارُفُ لا التَّناكُرُ، واللَّمْزُ والسُّخْرِيَةُ والغِيبَةُ تُفْضِي إلى التَّناكُرِ لا إلى التَّعارُفِ، وفِيهِ مَعانٍ لَطِيفَةٌ. الأُولى: قالَ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكُمْ﴾، وقالَ: (وجَعَلْناكم) لِأنَّ الخَلْقَ أصْلٌ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ الجَعْلُ شُعُوبًا فَإنَّ الأوَّلَ هو الخَلْقُ والإيجادُ، ثُمَّ الِاتِّصافُ بِما اتَّصَفُوا بِهِ، لَكِنَّ الجَعْلَ شُعُوبًا لِلتَّعارُفِ، والخَلْقَ لِلْعِبادَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] واعْتِبارُ الأصْلِ مُتَقَدِّمٌ عَلى اعْتِبارِ الفَرْعِ، فاعْلَمْ أنَّ النَّسَبَ يُعْتَبَرُ بَعْدَ اعْتِبارِ العِبادَةِ كَما أنَّ الجَعْلَ شُعُوبًا يَتَحَقَّقُ بَعْدَما يَتَحَقَّقُ الخَلْقُ، فَإنْ كانَ فِيكم عِبادَةٌ تُعْتَبَرُ فِيكم أنْسابُكم وإلّا فَلا. الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (خَلَقْناكم) (وجَعَلْناكم) إشارَةٌ إلى عَدَمِ جَوازِ الِافْتِخارِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِسَعْيِكم ولا قُدْرَةَ لَكم عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَفْتَخِرُونَ بِما لا مَدْخَلَ لَكم فِيهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: الهِدايَةُ والضَّلالُ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ [الشورى: ٥٢] فَنَقُولُ: أثْبَتَ اللَّهُ لَنا فِيهِ كَسْبًا
صفحة ١١٩
مَبْنِيًّا عَلى فِعْلٍ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وأمّا في النَّسَبِ فَلا. الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعارَفُوا﴾ إشارَةٌ إلى قِياسٍ خَفِيٍّ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّكم جُعِلْتُمْ قَبائِلَ لَتَعارَفُوا، وأنْتُمْ إذا كُنْتُمْ أقْرَبَ إلى شَرِيفٍ تَفْتَخِرُونَ بِهِ فَخَلَقَكم لِتَعْرِفُوا رَبَّكم، فَإذا كُنْتُمْ أقْرَبَ مِنهُ وهو أشْرَفُ المَوْجُوداتِ كانَ الأحَقُّ بِالِافْتِخارِ هُناكَ مِنَ الكُلِّ الِافْتِخارَ بِذَلِكَ. الرّابِعَةُ: فِيهِ إرْشادٌ إلى بُرْهانٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِافْتِخارَ لَيْسَ بِالأنْسابِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَبائِلَ لِلتَّعارُفِ بِسَبَبِ الِانْتِسابِ إلى شَخْصٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ شَرِيفًا صَحَّ الِافْتِخارُ في ظَنِّكم، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيفًا لَمْ يَصِحَّ، فَشَرَفُ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَفْتَخِرُونَ بِهِ هو بِانْتِسابِهِ إلى فَصِيلَةٍ أوْ بِاكْتِسابِ فَضِيلَةٍ، فَإنْ كانَ بِالِانْتِسابِ لَزِمَ الِانْتِهاءُ، وإنْ كانَ بِالِاكْتِسابِ فالدَّيِّنُ الفَقِيهُ الكَرِيمُ المُحْسِنُ صارَ مِثْلَ مَن يَفْتَخِرُ بِهِ المُفْتَخِرُ، فَكَيْفَ يَفْتَخِرُ بِالأبِ وأبِ الأبِ عَلى مَن حَصَلَ لَهُ مِنَ الحَظِّ والخَيْرِ ما فَضَّلَ بِهِ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ الأبِ والجَدِّ ؟! اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَحُوزَ شَرَفَ الِانْتِسابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ أحَدًا لا يَقْرَبُ مِنَ الرَّسُولِ في الفَضِيلَةِ حَتّى يَقُولَ أنا مِثْلُ أبِيكَ، ولَكِنْ في هَذا النَّسَبِ أثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ الشَّرَفَ لِمَنِ انْتَسَبَ إلَيْهِ بِالِاكْتِسابِ، ونَفاهُ لِمَن أرادَ الشَّرَفَ بِالِانْتِسابِ، فَقالَ: ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» “، وقالَ: ”«العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ» “ أيْ لا نُورَثُ بِالِانْتِسابِ، وإنَّما نُورَثُ بِالِاكْتِسابِ. سَمِعْتُ أنَّ بَعْضَ الشُّرَفاءِ في بِلادِ خُراسانَ كانَ في النَّسَبِ أقْرَبَ النّاسِ إلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، غَيْرَ أنَّهُ كانَ فاسِقًا، وكانَ هُناكَ مَوْلًى أسْوَدَ تَقَدَّمَ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، ومالَ النّاسُ إلى التَّبَرُّكِ بِهِ، فاتَّفَقَ أنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا مِن بَيْتِهِ يَقْصِدُ المَسْجِدَ، فاتَّبَعَهُ خَلْقٌ، فَلَقِيَهُ الشَّرِيفُ سَكْرانَ، وكانَ النّاسُ يَطْرُدُونَ الشَّرِيفَ ويُبْعِدُونَهُ عَنْ طَرِيقِهِ، فَغَلَبَهم وتَعَلَّقَ بِأطْرافِ الشَّيْخِ، وقالَ لَهُ: يا أسْوَدَ الحَوافِرِ والشَّوافِرِ، يا كافِرُ ابْنَ كافِرٍ، أنا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ، أُذَلُّ وتُجَلُّ ! وأُذَمُّ وتُكْرَمُ ! وأُهانُ وتُعانُ ! فَهَمَّ النّاسُ بِضَرْبِهِ فَقالَ الشَّيْخُ: لا هَذا مُحْتَمَلٌ مِنهُ لِجَدِّهِ، وضَرْبُهُ مَعْدُودٌ لِحَدِّهِ، ولَكِنْ يا أيُّها الشَّرِيفُ بَيَّضْتَ باطِنِي وسَوَّدْتَ باطِنَكَ، فَيَرى النّاسُ بَياضَ قَلْبِي فَوْقَ سَوادِ وجْهِي فَحَسُنْتُ، وأخَذْتُ سِيرَةَ أبِيكَ وأخَذْتَ سِيرَةَ أبِي، فَرَآنِي الخَلْقُ في سِيرَةِ أبِيكَ ورَأوْكَ في سِيرَةِ أبِي، فَظَنُّونِي ابْنَ أبِيكَ وظَنُّوكَ ابْنَ أبِي، فَعَمِلُوا مَعَكَ ما يُعْمَلُ مَعَ أبِي، وعَمِلُوا مَعِي ما يُعْمَلُ مَعَ أبِيكَ !
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مَن يَكُونُ أتْقى يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ أكْرَمَ، أيِ التَّقْوى تُفِيدُ الإكْرامَ.
ثانِيهُما: أنَّ المُرادَ أنَّ مَن يَكُونُ أكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ يَكُونُ أتْقى، أيِ الإكْرامُ يُورِثُ التَّقْوى، كَما يُقالُ: المُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ، والأوَّلُ أشْهَرُ، والثّانِي أظْهَرُ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ ثانِيًا أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَذْكُورِ أوَّلًا في الظّاهِرِ، فَيُقالُ: الإكْرامُ لِلتُّقى، لَكِنَّ ذَوا العُمُومِ في المَشْهُورِ هو الأوَّلُ، يُقالُ: ألَذُّ الأطْعِمَةِ أحْلاها، أيِ اللَّذَّةُ بِقَدْرِ الحَلاوَةِ لا أنَّ الحَلاوَةَ بِقَدْرِ اللَّذَّةِ، وهي إثْباتٌ لِكَوْنِ التَّقْوى مُتَقَدِّمَةً عَلى كُلِّ فَضِيلَةٍ، فَإنْ قِيلَ: التَّقْوى مِنَ الأعْمالِ والعِلْمُ أشْرَفُ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«لَفَقِيهٌ واحِدٌ أشَدُّ عَلى الشَّيْطانِ مِن ألْفِ عابِدٍ» “ نَقُولُ: التَّقْوى ثَمَرَةُ العِلْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَلا تَقْوى إلّا لِلْعالِمِ، فالمُتَّقِي العالِمُ أتَمَّ عِلْمَهُ، والعالِمُ الَّذِي لا يَتَّقِي كَشَجَرَةٍ لا ثَمَرَةَ لَها، لَكِنَّ الشَّجَرَةَ المُثْمِرَةَ أشْرَفُ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي لا تُثْمِرُ بَلْ هو حَطَبٌ، وكَذَلِكَ العالِمُ الَّذِي لا يَتَّقِي حَصَبَ جَهَنَّمَ، وأمّا العابِدُ الَّذِي يُفَضِّلُ اللَّهُ عَلَيْهِ الفَقِيهَ فَهو الَّذِي لا عِلْمَ لَهُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ عِنْدَهُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ نِصابٌ كامِلٌ، ولَعَلَّهُ يَعْبُدُهُ مَخافَةَ
صفحة ١٢٠
الإلْقاءِ في النّارِ فَهو كالمُكْرَهِ، أوْ لِدُخُولِ الجَنَّةِ فَهو يَعْمَلُ كالفاعِلِ لَهُ أُجْرَةٌ ويَرْجِعُ إلى بَيْتِهِ، والمُتَّقِي هو العالِمُ بِاللَّهِ، المُواظِبُ لِبابِهِ، أيِ المُقَرَّبُ إلى جَنابِهِ عِنْدَهُ يَبِيتُ، وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الخِطابُ مَعَ النّاسِ، والأكْرَمُ يَقْتَضِي اشْتِراكَ الكُلِّ في الكَرامَةِ، ولا كَرامَةَ لِلْكافِرِ، فَإنَّهُ أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ وأذَلُّ مِنَ الهَوامِّ. نَقُولُ: ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ مَعَ أنَّهُ حاصِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] لِأنَّ كُلَّ مَن خُلِقَ فَقَدِ اعْتَرَفَ بِرَبِّهِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ لَوْ زادَ زِيدَ في كَرامَتِهِ، ومَن رَجَعَ عَنْهُ أُزِيلَ عَنْهُ أثَرُ الكَرامَةِ. الثّانِي: ما حَدُّ التَّقْوى ومَنِ الأتْقى ؟ نَقُولُ: أدْنى مَراتِبِ التَّقْوى أنْ يَجْتَنِبَ العَبْدُ المَناهِيَ ويَأْتِيَ بِالأوامِرِ، ولا يَقِرَّ ولا يَأْمَنَ إلّا عِنْدَهُما، فَإنِ اتَّفَقَ أنِ ارْتَكَبَ مَنهِيًّا لا يَأْمَنُ ولا يَتَّكِلُ لَهُ بَلْ يُتْبِعُهُ بِحَسَنَةٍ ويُظْهِرُ عَلَيْهِ نَدامَةً وتَوْبَةً، ومَتى ارْتَكَبَ مَنهِيًّا وما تابَ في الحالِ واتَّكَلَ عَلى المُهْلَةِ في الأجَلِ ومَنَعَهُ عَنِ التَّذاكُرِ طُولُ الأمَلِ - فَلَيْسَ بِمُتَّقٍ. أمّا الأتْقى فَهو الَّذِي يَأْتِي بِما أُمِرَ بِهِ ويَتْرُكُ ما نُهِيَ عَنْهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ خاشٍ رَبَّهُ لا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَيُنَوِّرُ اللَّهُ قَلْبَهُ، فَإنِ التَفَتَ لَحْظَةً إلى نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ جَعَلَ ذَلِكَ ذَنْبَهُ، ولِلْأوَّلِينَ النَّجاةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] ولِلْآخَرِينَ السَّوْقُ إلى الجَنَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَبَيْنَ مَن أعْطاهُ السُّلْطانُ بُسْتانًا وأسْكَنَهُ فِيهِ، وبَيْنَ مَنِ اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ يَسْتَفِيدُ كُلَّ يَوْمٍ بِسَبَبِ القُرْبِ مِنهُ بَساتِينَ وضِياعًا بَوْنٌ عَظِيمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أيْ عَلِيمٌ بِظَواهِرِكم، يَعْلَمُ أنْسابَكم، خَبِيرٌ بِبَواطِنِكم لا تَخْفى عَلَيْهِ أسْرارُكم، فاجْعَلُوا التَّقْوى عَمَلَكم، وزِيدُوا في التَّقْوى كَما زادَكم.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии