Ар-РазиАль‑Маида · 5:107–109

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Маида 5:107–109

5:107–108Страница 125

فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٧

Если будет обнаружено, что они оба повинны в грехе, то пусть двое других самых близких родственников из числа тех, кто имеет законные права, займут их место и поклянутся Аллахом: «Наше свидетельство вернее их свидетельства, и мы не преступаем границы дозволенного. В противном же случае мы принадлежим к числу беззаконников».

ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٠٨

Поступить так лучше для того, чтобы они принесли истинное свидетельство или устрашились того, что другие клятвы будут принесены после их клятв. Бойтесь Аллаха и слушайте! Ведь Аллах не ведет прямым путем людей нечестивых.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ قالَ اللَّيْثُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عُثُورًا: إذا هَجَمَ عَلى أمْرٍ لَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأعْثَرْتُ فُلانًا عَلى أمْرِي؛ أيْ أطْلَعْتُهُ عَلَيْهِ، وعَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عَثْرَةً: إذا وقَعَ عَلى شَيْءٍ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وأصْلُ عَثَرَ بِمَعْنى اطَّلَعَ مِنَ العَثْرَةِ الَّتِي هي الوُقُوعُ، وذَلِكَ لِأنَّ العاثِرَ إنَّما يَعْثُرُ بِشَيْءٍ كانَ لا يَراهُ، فَلَمّا عَثَرَ بِهِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ ونَظَرَ ما هو، فَقِيلَ لِكُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا عَلَيْهِ: قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، وأعْثَرَ غَيْرَهُ: إذا أطْلَعَهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢١] أيْ أطْلَعْنا، ومَعْنى الآيَةِ فَإنْ حَصَلَ العُثُورُ والوُقُوفُ عَلى أنَّهُما أتَيا بِخِيانَةٍ واسْتَحَقّا الإثْمَ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَإنْ عُثِرَ بَعْدَما حَلَفَ الوَصِيّانِ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيْ حَنَثا في اليَمِينِ بِكَذِبٍ في قَوْلٍ أوْ خِيانَةٍ في مالٍ، قامَ في اليَمِينِ مَقامَهُما رَجُلانِ مِن قَرابَةِ المَيِّتِ فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرْنا عَلى خِيانَةِ الذِّمِّيَّيْنِ وكَذِبِهِما وتَبْدِيلِهِما وما اعْتَدَيْنا في ذَلِكَ وما كَذَبْنا. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ ودَعا بِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنّا خِيانَةٌ في هَذا المالِ، ولَمّا حَلَفا خَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبِيلَهُما وكَتَما الإناءَ مُدَّةً، ثُمَّ ظَهَرَ، واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: وُجِدَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: لَمّا طالَتِ المُدَّةُ أظْهَرا الإناءَ فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَطالَبُوهُما، فَقالا: كُنّا قَدِ اشْتَرَيْناهُ مِنهُ، فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكم: هَلْ باعَ صاحِبُنا شَيْئًا، فَقُلْتُما لا ؟ فَقالا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُعْثَرَ فَكَتَمْنا، فَرَفَعُوا القِصَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ الآيَةَ، فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي رِفاعَةَ السَّهْمِيّانِ فَحَلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ العَصْرِ فَدَفَعَ الرَّسُولُ ﷺ الإناءَ إلَيْهِما وإلى أوْلِياءِ المَيِّتِ.

وكانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ يَقُولُ بَعْدَما أسْلَمَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أنا أخَذْتُ الإناءَ فَأتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بَقِيَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أنْ أسْلَمَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، فَلَمّا أسْلَمَ أخْبَرَ بِذَلِكَ وقالَ: حَلَفْتُ كاذِبًا، وأنا وصاحِبِي بِعْنا الإناءَ بِألْفٍ وقَسَمْنا الثَّمَنَ، ثُمَّ دَفَعَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن نَفْسِهِ ونَزَعَ مِن صاحِبِهِ خَمْسَمِائَةٍ أُخْرى ودَفَعَ الألْفَ إلى مَوالِي المَيِّتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ أيْ مَقامَ الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن غَيْرِ مِلَّتِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ المُرادُ بِهِ مَوالِي المَيِّتِ، وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في أنَّهُ لِمَ وصَفَ مَوالِيَ المَيِّتِ بِهَذا الوَصْفِ، والأصَحُّ عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ واحِدٌ، وهو أنَّهم إنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أُخِذَ مالُهم فَقَدِ اسْتَحَقَّ

صفحة ١٠٠

عَلَيْهِمْ مالُهم، فَإنَّ مَن أخَذَ مالَ غَيْرِهِ فَقَدْ حاوَلَ أنْ يَكُونَ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ المالِ مُسْتَعْلِيًا عَلى تَعَلُّقِ مالِكِهِ بِهِ، فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ المالِكُ بِأنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ المالُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: هُما الأوْلَيانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما ؟ فَقِيلَ: الأوْلَيانِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَقُومانِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَقُومُ الأوْلَيانِ.

والثّالِثُ: أجازَ الأخْفَشُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا تَقَدَّمَ ذِكْرُها ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْها الذِّكْرُ صارَتْ مَعْرِفَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] فَمِصْباحٌ نَكِرَةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿المِصْباحُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿الزُّجاجَةُ﴾، وهَذا مِثْلُ قَوْلِكَ: رَأيْتُ رَجُلًا، ثُمَّ يَقُولُ إنْسانٌ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَصارَ بِالعَوْدِ إلى ذِكْرِهِ مَعْرِفَةً.

الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿آخَرانِ﴾ وإبْدالُ المَعْرِفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ كَثِيرٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما وصَفَهُما بِأنَّهُما أوْلَيانِ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: مَعْنى الأوْلَيانِ الأقْرَبانِ إلى المَيِّتِ.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى الأوْلَيانِ بِاليَمِينِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الوَصِيَّيْنِ قَدِ ادَّعَيا أنَّ المَيِّتَ باعَ الإناءَ الفِضَّةَ فانْتَقَلَ اليَمِينُ إلى مَوالِي المَيِّتِ؛ لِأنَّ الوَصِيَّيْنِ قَدِ ادَّعَيا أنَّ مُورِثَهُما باعَ الإناءَ وهُما أنْكَرا ذَلِكَ، فَكانَ اليَمِينُ حَقًّا لَهُما، وهَذا كَما لَوْ أنَّ إنْسانًا أقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ ثُمَّ ادَّعى أنَّهُ قَضاهُ، حُكِمَ بِرَدِّ اليَمِينِ إلى الَّذِي ادَّعى الدَّيْنَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ صارَ مُدَّعًى عَلَيْهِ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْفاهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ لِلْجُمْهُورِ ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ، والأوْلَيانِ تَثْنِيَةُ الأوْلى، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَهُ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ وعاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (الأوَّلِينَ) بِالجَمْعِ، وهو نَعْتٌ لِجَمِيعِ الوَرَثَةِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: مِنَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مالُهم، وإنَّما قِيلَ لَهُمُ الأوَّلِينَ مِن حَيْثُ كانُوا أوَّلِينَ في الذِّكْرِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ﴾ ذِكْرًا في اللَّفْظِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِفَتْحِ التّاءِ والحاءِ، ﴿الأوْلَيانِ﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ، ووَجْهُهُ أنَّ الوَصِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ ظَهَرَتْ خِيانَتُهُما هُما أوْلى مِن غَيْرِهِما بِسَبَبِ أنَّ المَيِّتَ عَيَّنَهُما لِلْوِصايَةِ، ولَمّا خانا في مالِ الوَرَثَةِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ الوَرَثَةَ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ، أيْ خانَ في مالِهِمُ الأوْلَيانِ، وقَرَأ الحَسَنُ (الأوَّلانِ) ووَجْهُهُ ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ .

والمَعْنى ظاهِرٌ؛ أيْ وما اعْتَدَيْنا في طَلَبِ هَذا المالِ، وفي نِسْبَتِهِمْ إلى الخِيانَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ إنّا إذًا حَلَفْنا مُوقِنِينَ بِالكَذِبِ مُعْتَقِدِينَ الزُّورَ والباطِلَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ .

والمَعْنى: ذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ والطَّرِيقُ الَّذِي شَرَعْناهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، وأنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ لا عَلى وجْهِها، ولَكِنَّهم يَخافُونَ أنْ يَحْلِفُوا عَلى ما ذَكَرُوهُ لِخَوْفِهِمْ مِن أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ عَلى الوَرَثَةِ بَعْدَ أيْمانِهِمْ، فَيَظْهَرُ كَذِبُهم ويَفْتَضِحُونَ فِيما بَيْنَ النّاسِ.

* * *

صفحة ١٠١

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .

والمَعْنى: اتَّقُوا اللَّهَ أنْ تَخُونُوا في الأماناتِ واسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ؛ أيِ اعْمَلُوا بِها وأطِيعُوا اللَّهَ فِيها ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ وهو تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِمَن خالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وأوامِرَهُ، فَهَذا هو القَوْلُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إعْرابًا ونَظْمًا وحُكْمًا، ورَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”البَسِيطِ“ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أعْضَلُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ. والحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخٌ عِنْدَ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.

5:109Страница 126

۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩

В тот день, когда Аллах соберет посланников и скажет: «Что вам ответили?». - они скажут: «Мы не обладаем знанием. Воистину, Ты - Ведающий сокровенное».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ أنَّهُ إذا ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ والأحْكامِ أتْبَعَها إمّا بِالإلَهِيّاتِ، وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ الأنْبِياءِ، أوْ بِشَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ، فَلا جَرَمَ لَمّا ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ أتْبَعَها بِوَصْفِ أحْوالِ القِيامَةِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ عِيسى. أمّا وصْفُ أحْوالِ القِيامَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ: واتَّقُوا اللَّهَ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الظَّرْفِ لِهَذا الفِعْلِ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِالتَّقْوى في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَكِنْ عَلى المَفْعُولِ لَهُ.

الثّانِي: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النِّساءِ: ١٦٩] .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: اذْكُرْ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ كانَ كَيْتُ وكَيْتُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ: (ماذا) مُنْتَصِبٌ بِـ (أُجِبْتُمْ) انْتِصابَ مَصْدَرِهِ، عَلى مَعْنى: أيَّ إجابَةٍ أُجِبْتُمْ ؟ إجابَةُ إنْكارٍ أمْ إجابَةُ إقْرارٍ. ولَوْ أُرِيدَ الجَوابُ لَقِيلَ: بِماذا أُجِبْتُمْ ؟ فَإنْ قِيلَ: وأيُّ فائِدَةٍ في هَذا السُّؤالِ ؟ قُلْنا: تَوْبِيخُ قَوْمِهِمْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٨] المَقْصُودُ مِنهُ تَوْبِيخُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ.

* المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ لا يَشْهَدُونَ لِأُمَمِهِمْ. والجَمْعُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ﴾

صفحة ١٠٢

﴿شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] مُشْكِلٌ. وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] فَإذا كانَتْ أُمَّتُنا تَشْهَدُ لِسائِرِ النّاسِ فالأنْبِياءُ أوْلى بِأنْ يَشْهَدُوا لِأُمَمِهِمْ بِذَلِكَ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ لِلْقِيامَةِ زَلازِلَ وأهْوالًا بِحَيْثُ تَزُولُ القُلُوبُ عَنْ مَواضِعِها عِنْدَ مُشاهَدَتِها، فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ يَنْسَوْنَ أكْثَرَ الأُمُورِ، فَهُنالِكَ يَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا، فَإذا عادَتْ قُلُوبُهم إلَيْهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ. وهَذا الجَوابُ وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ الأكابِرِ فَهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ أهْلِ الثَّوابِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٣] وقالَ أيْضًا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عَبَسَ: ٣٨] بَلْ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ أقَلَّ مِن ذَلِكَ، ومَعْلُومٌ أنَّهم لَوْ خافُوا لَكانُوا أقَلَّ مَنزِلَةً مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَخافُونَ البَتَّةَ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ المُبالَغَةُ في تَحْقِيقِ فَضِيحَتِهِمْ كَمَن يَقُولُ لِغَيْرِهِ: ما تَقُولُ في فُلانٍ ؟ فَيَقُولُ: أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الشَّهادَةِ لِظُهُورِهِ، وهَذا أيْضًا لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما وقَعَ عَنْ كُلِّ الأُمَّةِ، وكُلُّ الأُمَّةِ ما كانُوا كافِرِينَ حَتّى تُرِيدَ الرُّسُلُ بِالنَّفْيِ تَبْكِيتَهم وفَضِيحَتَهم.

والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ، وهو الأصَحُّ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهم إنَّما قالُوا: لا عِلْمَ لَنا؛ لِأنَّكَ تَعْلَمُ ما أظْهَرُوا وما أضْمَرُوا، ونَحْنُ لا نَعْلَمُ إلّا ما أظْهَرُوا، فَعِلْمُكَ فِيهِمْ أنْفَذُ مِن عِلْمِنا. فَلِهَذا المَعْنى نَفَوُا العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ لِأنَّ عِلْمَهم عِنْدَ اللَّهِ كَلا عِلْمٍ.

والوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ أنَّهم قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، إلّا أنَّ عَلِمْنا جَوابَهم لَنا وقْتَ حَياتِنا، ولا نَعْلَمُ ما كانَ مِنهم بَعْدَ وفاتِنا، والجَزاءُ والثَّوابُ إنَّما يَحْصُلانِ عَلى الخاتِمَةِ وذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا. فَلِهَذا المَعْنى قالُوا لا عِلْمَ لَنا. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَيْنِ الجَوابَيْنِ.

الوَجْهُ الخامِسُ، وهو الَّذِي خَطَرَ بِبالِي وقْتَ الكِتابَةِ، أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ العِلْمَ غَيْرٌ والظَّنَّ غَيْرٌ، والحاصِلُ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِن حالِ الغَيْرِ إنَّما هو الظَّنُّ لا العِلْمُ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ» “، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّكم لَتَخْتَصِمُونَ لَدَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ، فَمَن حَكَمْتُ لَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَكَأنَّما قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ» “ أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ. فالأنْبِياءُ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا البَتَّةَ بِأحْوالِهِمْ، إنَّما الحاصِلُ عِنْدَنا مِن أحْوالِهِمْ هو الظَّنُّ، والظَّنُّ كانَ مُعْتَبَرًا في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الأحْكامَ في الدُّنْيا كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الظَّنِّ، وأمّا الآخِرَةُ فَلا التِفاتَ فِيها إلى الظَّنِّ؛ لِأنَّ الأحْكامَ في الآخِرَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ وبَواطِنِ الأُمُورِ. فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا البَتَّةَ ما مَعَهم مِنَ الظَّنِّ لِأنَّ الظَّنَّ لا عِبْرَةَ بِهِ في القِيامَةِ.

الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ لا يَجْهَلُ، حَكِيمٌ لا يَسْفَهُ، عادِلٌ لا يَظْلِمُ، عَلِمُوا أنَّ قَوْلَهم لا يُفِيدُ خَيْرًا، ولا يَدْفَعُ شَرًّا، فَرَأوْا أنَّ الأدَبَ في السُّكُوتِ وفي تَفْوِيضِ الأمْرِ إلى عَدْلِ الحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي لا يَمُوتُ.

صفحة ١٠٣

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ (عَلّامَ الغُيُوبِ) بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ والتَّقْدِيرُ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ أيْ أنْتَ المَوْصُوفُ بِأوْصافِكَ المَعْرُوفَةِ مِنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ. ثُمَّ نَصَبَ (عَلّامَ الغُيُوبِ) عَلى الِاخْتِصاصِ، أوْ عَلى النِّداءِ، أوْ وصْفًا لِاسْمِ (إنَّ) .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ إطْلاقِ لَفْظِ العَلّامِ عَلَيْهِ، كَما جازَ إطْلاقُ لَفْظِ الخَلّاقِ عَلَيْهِ، أمّا العَلّامَةُ فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُها في حَقِّهِ ولَعَلَّ السَّبَبَ ما فِيهِ مِن لَفْظِ التَّأْنِيثِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English