Ар-РазиАль‑Маида · 5:48–53

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Маида 5:48–53

5:48–49Страница 116

وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨

Мы ниспослали тебе Писание с истиной в подтверждение прежних Писаний, и для того, чтобы оно предохраняло их (или свидетельствовало о них; или возвысилось над ними). Суди же их согласно тому, что ниспослал Аллах, и не потакай их желаниям, уклоняясь от явившейся к тебе истины. Каждому из вас Мы установили закон и путь. Если бы Аллах пожелал, то сделал бы вас одной общиной, однако Он разделил вас, чтобы испытать вас тем, что Он даровал вам. Состязайтесь же в добрых делах. Всем вам предстоит вернуться к Аллаху, и Он поведает вам о том, в чем вы расходились во мнениях.

وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩

Суди между ними согласно тому, что ниспослал Аллах, не потакай их желаниям и остерегайся их, дабы они не отвратили тебя от части того, что ниспослал тебе Аллах. Если же они отвернутся, то знай, что Аллах желает покарать их за некоторые из их грехов. Воистину, многие люди являются нечестивцами.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ وهَذا خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيْ كُلُّ كِتابٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ سِوى القُرْآنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١١

المَسْألَةُ الأُولى: في المُهَيْمِنِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ الخَلِيلُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ قَدْ هَيْمَنَ الرَّجُلُ يُهَيْمِنُ إذا كانَ رَقِيبًا عَلى الشَّيْءِ وشاهِدًا عَلَيْهِ حافِظًا، قالَ حَسّانُ:

إنَّ الكِتابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِيِّنا والحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُو الألْبابِ

والثّانِي: قالُوا: الأصْلُ في قَوْلِنا: آمَنَ يُؤْمِنُ فَهو مُؤْمِنٌ، أأْمَنَ يُؤَأْمِنُ فَهو مُؤَأْمِنٌ بِهَمْزَتَيْنِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الأُولى هاءً كَما في: هَرَقْتُ وأرَقْتُ، وهِيّاكَ وإيّاكَ، وقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ياءً فَصارَ مُهَيْمِنًا فَلِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أيْ أمِينًا عَلى الكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كانَ القُرْآنُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ؛ لِأنَّهُ الكِتابُ الَّذِي لا يَصِيرُ مَنسُوخًا ألْبَتَّةَ، ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّبْدِيلُ والتَّحْرِيفُ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٩] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ شَهادَةُ القُرْآنِ عَلى أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ حَقٌّ وصِدْقٌ باقِيَةً أبَدًا، فَكانَتْ حَقِيقَةُ هَذِهِ الكُتُبِ مَعْلُومَةً أبَدًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ (ومُهَيْمَنًا عَلَيْهِ) بِفَتْحِ المِيمِ لِأنَّهُ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَصُونَهُ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ لِما قَرَّرْنا مِنَ الآياتِ، ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] والمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ هو اللَّهُ تَعالى.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: فاحْكم بَيْنَ اليَهُودِ بِالقُرْآنِ والوَحْيِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ.

﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ولا تَتَّبِعْ﴾ يُرِيدُ ولا تَنْحَرِفْ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَنْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَنْحَرِفْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ مُتَّبِعًا أهْواءَهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ قالُوا: تَعالَوْا نَذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ وأشْرافُهم، وإنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَكَ كُلُّ اليَهُودِ، وإنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ خُصُومِنا حُكُومَةً فَنُحاكِمُهم إلَيْكَ، فاقْضِ لَنا ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ مَن طَعَنَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالَ: لَوْلا جَوازُ المَعْصِيَةِ عَلَيْهِمْ وإلّا لَما قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ .

والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُ ولَكِنْ لا يَفْعَلُهُ لِمَكانِ النَّهْيِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ والمُرادُ غَيْرُهُ.

* * *

صفحة ١٢

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ (الشِّرْعَةِ): في اشْتِقاقِهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: مَعْنى شَرَعَ: بَيَّنَ وأوْضَحَ.

قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: لَفْظُ الشَّرْعِ مَصْدَرُ: شَرَعْتُ الإهابَ، إذا شَقَقْتَهُ وسَلَخْتَهُ.

الثّانِي: شَرَعَ مَأْخُوذٌ مِنَ الشُّرُوعِ في الشَّيْءِ وهو الدُّخُولُ فِيهِ، والشَّرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ المُشْرَعَةُ الَّتِي يَشْرَعُها النّاسُ فَيَشْرَبُونَ مِنها، فالشَّرِيعَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى: المَفْعُولَةِ، وهي الأشْياءُ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى المُكَلَّفِينَ أنْ يَشْرَعُوا فِيها، وأمّا المِنهاجُ فَهو الطَّرِيقُ الواضِحُ، يُقالُ: نَهَجْتُ لَكَ الطَّرِيقَ وأنْهَجْتُ لُغَتانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أكْثَرُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا لا يَلْزَمُنا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُلُّ رَسُولٍ مُسْتَقِلًّا بِشَرِيعَةٍ خاصَّةٍ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ أُمَّةِ أحَدِ الرُّسُلِ مُكَلَّفَةً بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ الآخَرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ورَدَتْ آياتٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ التَّبايُنِ في طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وآياتٌ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّبايُنِ فِيها.

أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشُّورى: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورى: ١٣]، وقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٩٠] .

وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَهو هَذِهِ الآيَةُ، وطَرِيقُ الجَمْعِ أنْ نَقُولَ: النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الآياتِ مَصْرُوفٌ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ، والنَّوْعُ الثّانِي مَصْرُوفٌ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ خِطابٌ لِلْأُمَمِ الثَّلاثِ: أُمَّةِ مُوسى، وأُمَّةِ عِيسى، وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِدَلِيلِ أنَّ ذِكْرَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ يَعْنِي شَرائِعَ مُخْتَلِفَةً: لِلتَّوْراةِ شَرِيعَةٌ، ولِلْإنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، ولِلْقُرْآنِ شَرِيعَةٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ بَعْضُهم: الشِّرْعَةُ والمِنهاجُ عِبارَتانِ عَنْ مَعْنًى واحِدٍ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والمُرادُ بِهِما الدِّينُ، وقالَ آخَرُونَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، فالشِّرْعَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ الشَّرِيعَةِ، والطَّرِيقَةُ عِبارَةٌ عَنْ مَكارِمِ الشَّرِيعَةِ، وهي المُرادُ بِالمِنهاجِ، فالشَّرِيعَةُ أوَّلٌ، والطَّرِيقَةُ آخِرٌ، وقالَ المُبَرِّدُ: الشَّرِيعَةُ ابْتِداءُ الطَّرِيقَةِ، والطَّرِيقَةُ المِنهاجُ المُسْتَمِرُّ، وهَذا تَقْرِيرُ ما قُلْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.

* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ، أوْ ذَوِي أُمَّةٍ واحِدَةٍ، أيْ دِينٍ واحِدٍ لا اخْتِلافَ فِيهِ، قالَ الأصْحابُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، والمُعْتَزِلَةُ حَمَلُوهُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم فِيما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ، هَلْ تَعْمَلُونَ بِها مُنْقادِينَ لِلَّهِ خاضِعِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ، أمْ تَتَّبِعُونَ الشُّبَهَ وتُقَصِّرُونَ في العَمَلِ ؟

* *

﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ فابْتَدِرُوها وسابِقُوا نَحْوَها.

﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِاسْتِباقِ الخَيْراتِ.

﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُخْبِرُكم بِما لا تَشُكُّونَ مَعَهُ مِنَ الجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ مُحِقِّكم ومُبْطِلِكم، ومُوَفِّيكم ومُقَصِّرِكم في العَمَلِ، والمُرادُ أنَّ الأمْرَ سَيَؤُولُ إلى ما يَزُولُ مَعَهُ الشُّكُوكُ ويَحْصُلُ مَعَهُ اليَقِينُ، وذَلِكَ عِنْدَ مُجازاةِ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلْنا إلَيْكَ أنِ احْكم و”أنْ“ وُصِلَتْ بِالأمْرِ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ كَسائِرِ الأفْعالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (بِالحَقِّ) أيْ: أنْزَلْناهُ بِالحَقِّ وبِأنِ احْكم، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اليَهُودَ اجْتَمَعُوا وأرادُوا إيقاعَهُ في تَحْرِيفِ دِينِهِ فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِلتَّخْيِيرِ في قَوْلِهِ ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٤٢] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أُعِيدَ ذِكْرُ الأمْرِ بِالحُكْمِ بَعْدَ ذِكْرِهِ في الآيَةِ الأُولى إمّا لِلتَّأْكِيدِ، وإمّا لِأنَّهُما حُكْمانِ أُمِرَ بِهِما جَمِيعًا؛ لِأنَّهُمُ احْتَكَمُوا إلَيْهِ في زِنا المُحْصَنِ، ثُمَّ احْتَكَمُوا في قَتِيلٍ كانَ فِيهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِهِ يَرُدُّوكَ إلى أهْوائِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ مَن صُرِفَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ فَقَدْ فُتِنَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسْراءِ: ٧٣] والفِتْنَةُ هَهُنا في كَلامِهِمُ الَّتِي تُمِيلُ عَنِ الحَقِّ وتُلْقِي في الباطِلِ وكانَ ﷺ يَقُولُ: «أعُوذُ بِكَ مِن فِتْنَةِ المَحْيا» قالَ: هو أنْ يَعْدِلَ عَنِ الطَّرِيقِ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخَطَأ والنِّسْيانَ جائِزانِ عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ والتَّعَمُّدُ في مِثْلِ هَذا غَيْرُ جائِزٍ عَلى الرَّسُولِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الخَطَأُ والنِّسْيانُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: (فَإنْ تَوَلَّوْا) أيْ فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوا حُكْمَكَ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ١٤

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ يَبْتَلِيَهم بِجَزاءِ بَعْضِ ذُنُوبِهِمْ في الدُّنْيا، وهو أنْ يُسَلِّطَكَ عَلَيْهِمْ، ويُعَذِّبَهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والجَلاءِ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ القَوْمَ جُوزُوا في الدُّنْيا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، وكانَ مُجازاتُهم بِالبَعْضِ كافِيًا في إهْلاكِهِمْ والتَّدْمِيرِ عَلَيْهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُلَّ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ إلّا وقَدْ أرادَ ذُنُوبَهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُرِيدٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ لَمُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ مُعْتَدُونَ فِيهِ، يَعْنِي أنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ التَّمَرُّدِ العَظِيمِ والِاعْتِداءِ في الكُفْرِ.

5:50Страница 116

أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠

Неужели они ищут суда времен невежества? Чьи решения могут быть лучше решений Аллаха для людей убежденных?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (تَبْغُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ (أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ) بِرَفْعِ الحُكْمِ عَلى الِابْتِداءِ، وإيقاعِ ”يَبْغُونَ“ خَبَرًا وإسْقاطِ الرّاجِعِ عَنْهُ لِظُهُورِهِ، وقَرَأ قَتادَةُ: ”أبِحُكْمِ الجاهِلِيَّةِ“ والمُرادُ أنَّ هَذا الحُكْمَ الَّذِي يَبْغُونَهُ إنَّما يَحْكُمُ بِهِ حُكّامُ الجاهِلِيَّةِ، فَأرادُوا بِشَهِيَّتِهِمْ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ خاتَمُ النَّبِيِّينَ حَكَمًا كَأُولَئِكَ الحُكّامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: «قالَ مُقاتِلٌ: كانَتْ بَيْنَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ دِماءٌ قَبْلَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا بُعِثَ تَحاكَمُوا إلَيْهِ، فَقالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ: بَنُو النَّضِيرِ إخْوانُنا، أبُونا واحِدٌ، ودِينُنا واحِدٌ، وكِتابُنا واحِدٌ، فَإنْ قَتَلَ بَنُو النَّضِيرِ مِنّا قَتِيلًا أعْطَوْنا سَبْعِينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، وإنْ قَتَلْنا مِنهم واحِدًا أخَذُوا مِنّا مِائَةً وأرْبَعِينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، وأُرُوشُ جِراحاتِنا عَلى النِّصْفِ مِن جِراحاتِهِمْ، فاقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنِّي أحْكُمُ أنَّ دَمَ القُرَظِيِّ وفاءٌ مِن دَمِ النَّضِرِيِّ، ودَمَ النَّضِرِيِّ وفاءٌ مِن دَمِ القُرَظِيِّ، لَيْسَ لِأحَدِهِما فَضْلٌ عَلى الآخَرِ في دَمٍ ولا عَقْلٍ، ولا جِراحَةٍ، فَغَضِبَ بَنُو النَّضِيرِ، وقالُوا: لا نَرْضى بِحُكْمِكَ فَإنَّكَ عَدُوٌّ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ يَعْنِي حُكْمَهُمُ الأوَّلَ» .

وقِيلَ: إنَّهم كانُوا إذا وجَبَ الحُكْمُ عَلى ضُعَفائِهِمْ ألْزَمُوهم إيّاهُ، وإذا وجَبَ عَلى أقْوِيائِهِمْ لَمْ يَأْخُذُوهم بِهِ، فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ تَعْيِيرًا لِلْيَهُودِ بِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ وعِلْمٍ مَعَ أنَّهم يَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي هي مَحْضُ الجَهْلِ وصَرِيحُ الهَوى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ لِلْبَيانِ كاللّامِ في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أيْ هَذا الخِطابُ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أنَّهُ لا أحَدَ أعْدَلُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا، ولا أحْسَنُ مِنهُ بَيانًا.

5:51Страница 117

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١

О те, которые уверовали! Не считайте иудеев и христиан своими помощниками и друзьями, поскольку они помогают друг другу. Если же кто-либо из вас считает их своими помощниками и друзьями, то он сам является одним из них. Воистину, Аллах не ведет прямым путем несправедливых людей.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (أوْلِياءَ) ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ ورُوِيَ «أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَبَرَّأ عِنْدَهُ مِن مُوالاةِ اليَهُودِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَكِنِّي لا أتَبَرَّأُ مِنهم؛ لِأنِّي أخافُ الدَّوائِرَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ومَعْنى لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ: أيْ لا تَعْتَمِدُوا عَلى الِاسْتِنْصارِ بِهِمْ، ولا تَتَوَدَّدُوا إلَيْهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كَأنَّهُ مِثْلُهم، وهَذا تَغْلِيظٌ مِنَ اللَّهِ وتَشْدِيدٌ في وُجُوبِ مُجانَبَةِ المُخالِفِ في الدِّينِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٩] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ لِي كاتِبًا نَصْرانِيًّا، فَقالَ: ما لَكَ قاتَلَكَ اللَّهُ ؟ ألا اتَّخَذْتَ حَنِيفًا، أما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ ؟ قُلْتُ: لَهُ دِينُهُ ولِيَ كِتابَتُهُ، فَقالَ: لا أُكْرِمُهم إذْ أهانَهُمُ اللَّهُ، ولا أُعِزُّهم إذْ أذَلَّهُمُ اللَّهُ، ولا أُدْنِيهِمْ إذْ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ، قُلْتُ: لا يَتِمُّ أمْرُ البَصْرَةِ إلّا بِهِ، فَقالَ: ماتَ النَّصْرانِيُّ والسَّلامُ، يَعْنِي هَبْ أنَّهُ قَدْ ماتَ فَما تَصْنَعُ بَعْدَهُ، فَما تَعْمَلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فاعْمَلْهُ الآنَ واسْتَغْنِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ.

5:52Страница 117

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢

Ты видишь, что те, чьи сердца поражены недугом, поспешают среди них и говорят: «Мы боимся, что нас постигнет беда». Но, может быть, Аллах явится с победой или своим повелением, и тогда они станут сожалеть о том, что утаивали в себе.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ المُنافِقُونَ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وقَوْلُهُ ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أيْ يُسارِعُونَ في مَوَدَّةِ اليَهُودِ ونَصارى نَجْرانَ؛ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ ثَرْوَةٍ وكانُوا يُعِينُونَهم عَلى مُهِمّاتِهِمْ ويُقْرِضُونَهم، ويَقُولُ المُنافِقُونَ: إنَّما نُخالِطُهم؛ لِأنّا نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ.

قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الدّائِرَةُ مِن دَوائِرَ الدَّهْرِ كالدَّوْلَةِ، وهي الَّتِي تَدُورُ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، والدّائِرَةُ هي الَّتِي تُخْشى، كالهَزِيمَةِ والحَوادِثِ المُخَوِّفَةِ، فالدَّوائِرُ تَدُورُ، والدَّوائِلُ تَدُولُ.

قالَ الزَّجّاجُ: أيْ نَخْشى أنْ لا يَتِمَّ الأمْرُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَدُورُ الأمْرُ كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ .

صفحة ١٦

قالَ المُفَسِّرُونَ ”عَسى“ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ؛ لِأنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ في خَيْرٍ فَعَلَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ لِتَعَلُّقِ النَّفْسِ بِهِ ورَجائِها لَهُ، والمَعْنى: فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلى أعْدائِهِ وإظْهارِ المُسْلِمِينَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ يَقْطَعُ أصْلَ اليَهُودِ أوْ يُخْرِجُهم عَنْ بِلادِهِمْ فَيُصْبِحَ المُنافِقُونَ نادِمِينَ عَلى ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَشُكُّونَ في أمْرِ الرَّسُولِ ويَقُولُونَ: لا نَظُنُّ أنَّهُ يَتِمُّ لَهُ أمْرُهُ، والأظْهَرُ أنْ تَصِيرَ الدَّوْلَةُ والغَلَبَةُ لِأعْدائِهِ، وقِيلَ: أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ، يَعْنِي أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإظْهارِ أسْرارِ المُنافِقِينَ وقَتْلِهِمْ فَيَنْدَمُوا عَلى فِعالِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: شَرْطُ صِحَّةِ التَّقْسِيمِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَ قِسْمَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِالفَتْحِ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ .

قُلْنا: قَوْلُهُ ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ مَعْناهُ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ لا يَكُونُ لِلنّاسِ فِيهِ فِعْلٌ ألْبَتَّةَ، كَبَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ طَرَحَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَأُعْطُوا بِأيْدِيهِمْ مِن غَيْرِ مُحارِبَةٍ ولا عَسْكَرٍ.

5:53Страница 117

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣

Те, которые уверовали, скажут: «Неужели это - те, которые приносили величайшие клятвы именем Аллаха о том, что они были с вами?». Тщетны были их деяния, и они оказались потерпевшими убыток.

ثُمَّ قالَ تَعالى:

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (يَقُولُ) بِغَيْرِ واوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الحِجازِ والشّامِ، والباقُونَ بِالواوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ العِراقِ.

قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وحَدْفُ الواوِ هَهُنا كَإثْباتِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ ذِكْرًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْها، فَإنَّ المَوْصُوفَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ هُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ المُؤْمِنُونَ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَلَمّا حَصَلَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ذِكْرٌ مِنَ الأُخْرى حَسُنَ العَطْفُ بِالواوِ وبِغَيْرِ الواوِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] لَمّا كانَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ذِكْرُ ما تَقَدَّمَ أغْنى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الواوِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] فَأدْخَلَ الواوَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حَذْفَ الواوِ وذِكْرَها جائِزٌ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ حَذْفُ الواوِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ جَوابُ قائِلٍ يَقُولُ: فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا، واخْتَلَفُوا في قِراءَةِ هَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا) نَصْبًا عَلى مَعْنى: وعَسى أنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا، وأمّا مَن رَفَعَ فَإنَّهُ جَعَلَ الواوَ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، ويَدُلُّ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ قِراءَةُ مَن حَذَفَ الواوَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفائِدَةُ في أنَّ المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ هو أنَّهم يَتَعَجَّبُونَ مِن حالِ المُنافِقِينَ عِنْدَما أظْهَرُوا المَيْلَ إلى مُوالاةِ اليَهُودِ والنَّصارى، وقالُوا: إنَّهم يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ أنَّهم مَعَنا ومِن أنْصارِنا

صفحة ١٧

فالآنَ كَيْفَ صارُوا مُوالِينَ لِأعْدائِنا مُحِبِّينَ لِلِاخْتِلاطِ بِهِمْ والِاعْتِضادِ بِهِمْ ؟

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى ذَهَبَ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإيمانِ، وبَطَلَ كُلُّ خَيْرٍ عَمِلُوهُ لِأجْلِ أنَّهُمُ الآنَ أظْهَرُوا مُوالاةَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّهُ لَمّا بَطَلَتْ أعْمالُهم بَقِيَتْ عَلَيْهِمُ المَشَقَّةُ في الإتْيانِ بِتِلْكَ الأعْمالِ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهم شَيْءٌ مِن ثَمَراتِها ومَنافِعِها، بَلِ اسْتَحَقُّوا اللَّعْنَ في الدُّنْيا والعِقابَ في الآخِرَةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English