Ар-РазиАль‑Маида · 5:71–77

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Маида 5:71–77

5:71Страница 120

وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١

Они посчитали, что не будет искушения, и потому стали слепы и глухи. Затем Аллах принял их покаяние, после чего многие из них снова стали слепы и глухи. Аллах видит то, что они совершают.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: (أنْ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ) بِرَفْعِ نُونِ ”تَكُونُ“ والباقُونَ بِالنَّصْبِ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ لِهَذا تَقْرِيرًا حَسَنًا، فَقالَ: الأفْعالُ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: فِعْلٌ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الشَّيْءِ واسْتِقْرارِهِ

صفحة ٤٨

نَحْوَ: العِلْمُ والتَّيَقُّنُ والتَّبَيُّنُ، فَما كانَ مِثْلَ هَذا يَقَعُ بَعْدَهُ ”أنْ“ الخَفِيفَةُ النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الثَّقِيلَةَ تَدُلُّ عَلى ثَباتِ الشَّيْءِ واسْتِقْرارِهِ، فَإذا كانَ العِلْمُ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِقْرارِ والثَّباتِ و”أنَّ“ الثَّقِيلَةُ تُفِيدُ هَذا المَعْنى حَصَلَتْ بَيْنَهُما مُوافَقَةٌ ومُجانَسَةٌ، ومِثالُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النُّورِ: ٢٥]، ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٤]، ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العَلَقِ: ١٤] والباءُ زائِدَةٌ.

والضَّرْبُ الثّانِي: فِعْلٌ يَدُلُّ عَلى خِلافِ الثَّباتِ والِاسْتِقْرارِ، نَحْوَ: أطْمَعُ وأخافُ وأرْجُو، فَهَذا لا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إلّا الخَفِيفَةُ النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ، قالَ تَعالى: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٢]، ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ [الأنْفالِ: ٢٦]، ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ [الكَهْفِ: ٨٠] .

والضَّرْبُ الثّالِثُ: فِعْلٌ يَحْذُو مَرَّةً إلى هَذا القَبِيلِ ومَرَّةً أُخْرى إلى ذَلِكَ القَبِيلِ نَحْوَ: حَسِبَ وأخَواتِها، فَتارَةً تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى أطْمَعُ وأرْجُو فِيما لا يَكُونُ ثابِتًا ومُسْتَقِرًّا، وتارَةً بِمَعْنى العِلْمِ فِيما يَكُونُ مُسْتَقِرًّا.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: يُمْكِنُ إجْراءُ الحُسْبانِ هَهُنا بِحَيْثُ يُفِيدُ الثَّباتَ والِاسْتِقْرارَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم لا يَقَعُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والقَتْلِ في الفِتْنَةِ والعَذابِ، ويُمْكِنُ إجْراؤُهُ بِحَيْثُ لا يُفِيدُ هَذا الثَّباتُ مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ ويَقْتُلُونَ بِسَبَبِ حِفْظِ الجاهِ والتَّبَعِ، فَكانُوا بِقُلُوبِهِمْ عارِفِينَ بِأنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ ومَعْصِيَةٌ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ لا جَرَمَ ظَهَرَ الوَجْهُ في صِحَّةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ، فَمَن رَفَعَ قَوْلَهُ: (أنْ لا تَكُونُ) كانَ المَعْنى: أنَّهُ لا تَكُونُ، ثُمَّ خُفِّفَتِ المُشَدَّدَةُ وجُعِلَتْ ”لا“ عِوَضًا مِن حَذْفِ الضَّمِيرِ، فَلَوْ قُلْتَ: عَلِمْتُ أنْ يَقُولُ: بِالرَّفْعِ لَمْ يَحْسُنْ حَتّى تَأْتِيَ بِما يَكُونُ عِوَضًا مِن حَذْفِ الضَّمِيرِ: نَحْوَ السِّينِ وسَوْفَ وقَدْ، كَقَوْلِهِ ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [المُزَّمِّلِ: ٢٠] ووَجْهُ النَّصْبِ ظاهِرٌ.

ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وكِلا الوَجْهَيْنِ قَدْ جاءَ بِهِ القُرْآنُ، فَمِثْلُ قِراءَةِ مَن نَصَبَ وأوْقَعَ بَعْدَهُ الخَفِيفَةَ قَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤]، ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢١]، ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١، ٢]، ومِثْلُ قِراءَةِ مَن رَفَعَ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾، [الزُّخْرُفِ: ٨٠] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٥]، فَهَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ لِأنَّ النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ لا يَقَعُ بَعْدَها ”لَنْ“ ومِثْلُ المَذْهَبَيْنِ في الظَّنِّ قَوْلُهُ: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ﴾ [القِيامَةِ: ٢٥]، ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٠] ومِنَ الرَّفْعِ قَوْلُهُ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الجِنِّ: ٥]، ﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ [الجِنِّ: ٧] ”فَأنْ“ هَهُنا الخَفِيفَةُ مِنَ الشَّدِيدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [المُزَّمِّلِ: ٢٠] لِأنَّ ”أنِ“ النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ لا تَجْتَمِعُ مَعَ ”لَنْ“؛ لِأنَّ ”لَنْ“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ، و”أنِ“ النّاصِبَةَ تُفِيدُ عَدَمَ الثَّباتِ كَما قَرَّرْناهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ بابَ حَسِبَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا بُدَّ لَها مِن مَفْعُولَيْنِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ جُمْلَةٌ قامَتْ مَقامَ مَفْعُولَيْ حَسِبَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: وحَسِبُوا الفِتْنَةَ غَيْرَ نازِلَةٍ بِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ”الفِتْنَةِ“ وُجُوهًا، وهي مَحْصُورَةٌ في عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةَ، ثُمَّ عَذابُ الدُّنْيا أقْسامٌ: مِنها القَحْطُ، ومِنها الوَباءُ، ومِنها القَتْلُ، ومِنها العَداوَةُ، ومِنها البَغْضاءُ فِيما بَيْنَهم، ومِنها الإدْبارُ والنُّحُوسَةُ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ بِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلَ الفِتْنَةَ عَلى واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.

صفحة ٤٩

واعْلَمْ أنَّ حُسْبانَهم أنْ لا تَقَعَ فِتْنَةٌ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ النَّسْخَ مُمْتَنِعٌ عَلى شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الواجِبَ عَلَيْهِمْ في كُلِّ رَسُولٍ جاءَ بِشَرْعٍ آخَرَ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَكْذِيبُهُ وقَتْلُهُ.

والثّانِي: أنَّهم وإنِ اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم مُخْطِئِينَ في ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والقَتْلِ إلّا أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ نُبُوَّةَ أسْلافِهِمْ وآبائِهِمْ تَدْفَعُ عَنْهُمُ العِقابَ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَتْلِ والتَّكْذِيبِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ .

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ عَماهم وصَمَمَهم عَنِ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ حَصَلَ مَرَّتَيْنِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهاتَيْنِ عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهم عَمُوا وصَمُّوا في زَمانِ زَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلى بَعْضِهِمْ حَيْثُ وُفِّقَ بَعْضُهم لِلْإيمانِ بِهِ، ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأنْ أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ ورِسالَتَهُ، وإنَّما قالَ: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ أكْثَرَ اليَهُودِ وإنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أنَّ جَمْعًا مِنهم آمَنُوا بِهِ مِثْلَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ.

الثّانِي: عَمُوا وصَمُّوا حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، ثُمَّ تابُوا عَنْهُ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم بِالتَّعَنُّتِ، وهو طَلَبُهم رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً ونُزُولَ المَلائِكَةِ.

الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٦] فَهَذا في مَعْنى ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٧] فَهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ .

الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ إنَّما كانَ بِرَسُولٍ أُرْسِلُ إلَيْهِمْ مِثْلَ داوُدَ، وسُلَيْمانَ وغَيْرِهِما فَآمَنُوا بِهِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وقَعَتْ فَتْرَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا مَرَّةً أُخْرى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (عُمُوا، وصُمُّوا) بِالضَّمِّ عَلى تَقْدِيرِ: عَماهُمُ اللَّهُ، وصَمَّهُمُ اللَّهُ، أيْ رَماهم وضَرَبَهم بِالعَمى والصَّمَمِ، كَما تَقُولُ: نَزَكْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ بِالنَّزْكِ وهو رُمْحٌ قَصِيرٌ، ورَكِبْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ بِرُكْبَتِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ مِنَ العَرَبِ: ”أكَلُونِي البَراغِيثُ“

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلًا عَنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ والإبْدالُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السَّجْدَةِ: ٧]، وقالَ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] وهَذا الإبْدالُ هَهُنا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: عَمُوا وصَمُّوا لَأوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّهم صارُوا كَذَلِكَ، فَلَمّا قالَ: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لِلْأكْثَرِ لا لِلْكُلِّ.

الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هم كَثِيرٌ مِنهم.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى والصَّمَمِ الجَهْلُ والكُفْرُ، فَنَقُولُ: إنَّ فاعِلَ هَذا الجَهْلِ

صفحة ٥٠

هُوَ اللَّهُ تَعالى أوِ العَبْدُ، والأوَّلُ يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَخْتارُ البَتَّةَ تَحْصِيلَ الجَهْلِ والكُفْرِ لِنَفْسِهِ.

فَإنْ قالُوا: إنَّما اخْتارُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّهُ عِلْمٌ.

قُلْنا: حاصِلُ هَذا أنَّهم إنَّما اخْتارُوا هَذا الجَهْلَ لِسَبْقِ جَهْلٍ آخَرَ، إلّا أنَّ الجَهالاتِ لا تَتَسَلْسَلُ بَلْ لا بُدَّ مِنَ انْتِهائِها إلى الجَهْلِ الأوَّلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو العَبْدُ لِما ذَكَرْناهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ تَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ.

5:72–73Страница 120

لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢

Не уверовали те, которые говорят: «Аллах - это Мессия, сын Марьям (Марии)». Мессия сказал: «О сыны Исраила (Израиля)! Поклоняйтесь Аллаху, Господу моему и Господу вашему». Воистину, кто приобщает к Аллаху сотоварищей, тому Он запретил Рай. Его пристанищем будет Геенна, и у беззаконников не будет помощников.

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣

Не уверовали те, которые говорят: «Аллах является третьим в троице». Нет божества, кроме Единственного Бога! Если они не отрекутся от того, что говорят, то неверующих из их числа коснутся мучительные страдания.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَقْصى الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ شَرَعَ هَهُنا في الكَلامِ مَعَ النَّصارى فَحَكى عَنْ فَرِيقٍ مِنهم أنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وهَذا هو قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، ولَعَلَّ مَعْنى هَذا المَذْهَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَلَّ في ذاتِ عِيسى واتَّحَدَ بِذاتِ عِيسى، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ المَسِيحِ أنَّهُ قالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى ما هو الحُجَّةُ القاطِعَةُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ في أنَّ دَلائِلَ الحُدُوثِ ظاهِرَةٌ عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ. واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ عِقابَ الفُسّاقِ لا يَكُونُ مُخَلَّدًا، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ أعْظَمَ أنْواعِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ في حَقِّ المُشْرِكِينَ هو أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الجَنَّةَ، وجَعَلَ مَأْواهُمُ النّارَ، وأنَّهُ لَيْسَ لَهم ناصِرٌ يَنْصُرُهم ولا شافِعٌ يَشْفَعُ لَهم، فَلَوْ كانَ حالُ الفُسّاقِ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ لَما بَقِيَ لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ بِهَذا الوَعِيدِ فائِدَةٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ثَلاثَةٍ﴾ كُسِرَتْ بِالإضافَةِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُها لِأنَّ مَعْناهُ: واحِدُ ثَلاثَةٍ، أمّا إذا قُلْتَ: رابِعُ ثَلاثَةٍ فَهَهُنا يَجُوزُ الجَرُّ والنَّصْبُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الَّذِي صَيَّرَ الثَّلاثَةَ أرْبَعَةً بِكَوْنِهِ فِيهِمْ.

صفحة ٥١

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّصارى: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ طَرِيقانِ:

الأوَّلُ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ، وهو أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ومَرْيَمَ وعِيسى آلِهَةٌ ثَلاثَةٌ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَسِيحِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦]، فَقَوْلُهُ: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أيْ أحَدُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، أوْ واحِدٌ مِن ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ إضْمارٌ إلّا أنَّهُ حُذِفَ ذِكْرُ الآلِهَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن مَذاهِبِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: ولا يَكْفُرُ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ إذا لَمْ يُرِدْ بِهِ ثالِثَ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، فَإنَّهُ ما مِن شَيْئَيْنِ إلّا واللَّهُ ثالِثُهُما بِالعِلْمِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ [المُجادَلَةِ: ٧] .

والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّ المُتَكَلِّمِينَ حَكَوْا عَنِ النَّصارى أنَّهم يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ واحِدٌ، ثَلاثَةُ أقانِيمَ أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ القُدُسِ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ إلَهٌ واحِدٌ، كَما أنَّ الشَّمْسَ اسْمٌ يَتَناوَلُ القُرْصَ والشُّعاعَ والحَرارَةَ، وعَنُوا بِالأبِ الذّاتَ، وبِالِابْنِ الكَلِمَةَ، وبِالرُّوحِ الحَياةَ، وأثْبَتُوا الذّاتَ والكَلِمَةَ والحَياةَ، وقالُوا: إنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ اخْتَلَطَتْ بِجَسَدِ عِيسى اخْتِلاطَ الماءِ بِالخَمْرِ، واخْتِلاطَ الماءِ بِاللَّبَنِ، وزَعَمُوا أنَّ الأبَ إلَهٌ، والِابْنَ إلَهٌ، والرُّوحَ إلَهٌ، والكُلَّ إلَهٌ واحِدٌ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا مَعْلُومُ البُطْلانِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، فَإنَّ الثَّلاثَةَ لا تَكُونُ واحِدًا، والواحِدَ لا يَكُونُ ثَلاثَةً، ولا يُرى في الدُّنْيا مَقالَةٌ أشَدُّ فَسادًا وأظْهَرُ بُطْلانًا مِن مَقالَةِ النَّصارى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ في (مِن) قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: وما إلَهٌ إلّا إلَهٌ واحِدٌ.

والثّانِي: أنَّها تُفِيدُ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، والتَّقْدِيرُ: وما في الوُجُودِ مِن هَذِهِ الحَقِيقَةِ إلّا فَرْدٌ واحِدٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ أقامُوا عَلى هَذا الدِّينِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنهم تابُوا عَنِ النَّصْرانِيَّةِ.

5:74–76Страница 120

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤

Неужели они не раскаются перед Аллахом и не попросят у Него прощения? Ведь Аллах - Прощающий, Милосердный.

مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥

Мессия, сын Марьям (Марии), был всего лишь посланником. До него тоже были посланники, а его мать была правдивейшей женщиной. Оба они принимали пищу. Посмотри, как Мы разъясняем им знамения. А затем посмотри, до чего они отвращены от истины.

قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦

Скажи: «Неужели вы станете поклоняться вместо Аллаха тому, что не властно принести вам ни вреда, ни пользы? Это Аллах является Слышащим, Знающим!».

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

قالَ الفَرّاءُ: هَذا أمْرٌ في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٩١] في آيَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ جاءَ بِآياتٍ مِنَ اللَّهِ كَما أتَوْا بِأمْثالِها، فَإنْ كانَ اللَّهُ أبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأحْيا المَوْتى عَلى يَدِهِ فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى وفَلَقَ البَحْرَ عَلى يَدِ مُوسى، وإنْ كانَ

صفحة ٥٢

خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ولا أُنْثى ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ وفي تَفْسِيرِ ذَلِكَ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّها صَدَّقَتْ بِآياتِ رَبِّها وبِكُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ ولَدُها، قالَ تَعالى في صِفَتِها: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٧] فَلَمّا كَلَّمَها جِبْرِيلُ وصَدَّقَتْهُ وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الصِّدِّيقَةِ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِكَوْنِها صِدِّيقَةً غايَةُ بُعْدِها عَنِ المَعاصِي وشِدَّةُ جِدِّها واجْتِهادِها في إقامَةِ مَراسِمِ العُبُودِيَّةِ، فَإنَّ الكامِلَ في هَذِهِ الصِّفَةِ يُسَمّى صِدِّيقًا قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النِّساءِ: ٦٩] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ: الِاسْتِدْلالُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ لَهُ أُمٌّ فَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مَخْلُوقًا لا إلَهًا.

والثّانِي: أنَّهُما كانا مُحْتاجَيْنِ؛ لِأنَّهُما كانا مُحْتاجَيْنِ إلى الطَّعامِ أشَدَّ الحاجَةِ، والإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ مَن أكَلَ الطَّعامَ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُحْدِثَ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن أكَلَ أحْدَثَ، فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ ولا يُحْدِثُونَ.

الثّانِي: أنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنِ الحاجَةِ إلى الطَّعامِ، وهَذِهِ الحاجَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى جَعْلِهِ كِنايَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ ؟

الثّالِثُ: أنَّ الإلَهَ هو القادِرُ عَلى الخَلْقِ والإيجادِ، فَلَوْ كانَ إلَهًا لَقَدَرَ عَلى دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَما لَمْ يَقْدِرْ عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلْعالَمِينَ ؟ وبِالجُمْلَةِ فَفَسادُ قَوْلِ النَّصارى أظْهَرُ مِن أنْ يُحْتاجَ فِيهِ إلى دَلِيلٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إفْكًا إذا صَرَفَهُ، والإفْكُ الكَذِبُ؛ لِأنَّهُ صَرْفٌ عَنِ الحَقِّ، وكُلُّ مَصْرُوفٍ عَنِ الشَّيْءِ مَأْفُوكٌ عَنْهُ، وقَدْ أفَكَتِ الأرْضُ إذا صُرِفَ عَنْها المَطَرُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أنّى يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنْ تَأمُّلِ الحَقِّ، والإنْسانُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصْرِفَ نَفْسَهُ عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ إلى الباطِلِ والجَهْلِ والكَذِبِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَخْتارُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي صَرَفَهم عَنْ ذَلِكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾

وهَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، وهو يَحْتَمِلُ أنْواعًا مِنَ الحُجَّةِ:

الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُعادُونَهُ ويَقْصِدُونَهُ بِالسُّوءِ، فَما قَدَرَ عَلى الإضْرارِ بِهِمْ، وكانَ أنْصارُهُ وصَحابَتُهُ يُحِبُّونَهُ فَما قَدَرَ عَلى إيصالِ نَفْعٍ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا إلَيْهِمْ، والعاجِزُ عَنِ الإضْرارِ والنَّفْعِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟

الثّانِي: أنَّ مَذْهَبَ النَّصارى أنَّ اليَهُودَ صَلَبُوهُ ومَزَّقُوا أضْلاعَهُ، ولَمّا عَطِشَ وطَلَبَ الماءَ مِنهم صَبُّوا الخَلَّ في مَنخِرَيْهِ، ومَن كانَ في الضَّعْفِ هَكَذا كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟

الثّالِثُ: أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، ويَكُونُ كُلُّ ما سِواهُ مُحْتاجًا إلَيْهِ، فَلَوْ كانَ عِيسى كَذَلِكَ لامْتَنَعَ كَوْنُهُ مَشْغُولًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الإلَهَ لا يَعْبُدُ شَيْئًا، إنَّما العَبْدُ هو الَّذِي يَعْبُدُ الإلَهَ، ولَمّا عُرِفَ بِالتَّواتُرِ كَوْنُهُ كانَ مُواظِبًا عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما كانَ يَفْعَلُها لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ إلى غَيْرِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى إيصالِ المَنافِعِ إلى العِبادِ ودَفْعِ المَضارِّ

صفحة ٥٣

عَنْهم ؟ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عَبْدًا كَسائِرِ العَبِيدِ، وهَذا هو عَيْنُ الدَّلِيلِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ يَعْنِي: سَمِيعٌ بِكُفْرِهِمْ عَلِيمٌ بِضَمائِرِهِمْ.

5:77Страница 121

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧

Скажи: «О люди Писания! Не проявляйте чрезмерности в вашей религии вопреки истине и не потакайте желаниям людей, которые еще раньше впали в заблуждение, ввели в заблуждение многих других и сбились с прямого пути».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا عَلى أباطِيلِ اليَهُودِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ ثانِيًا عَلى أباطِيلِ النَّصارى وأقامَ الدَّلِيلَ القاهِرَ عَلى بُطْلانِها وفَسادِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ خاطَبَ مَجْمُوعَ الفَرِيقَيْنِ بِهَذا الخِطابِ فَقالَ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ والغُلُوُّ نَقِيضُ التَّقْصِيرِ، ومَعْناهُ الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، ودِينَ اللَّهِ بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ صِفَةُ المَصْدَرِ، أيْ لا تَغْلُوا في دِينِكم غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ، أيْ غُلُوًّا باطِلًا، لِأنَّ الغُلُوَّ في الدِّينِ نَوْعانِ: غُلُوُّ حَقٍّ، وهو أنْ يُبالَغَ في تَقْرِيرِهِ وتَأْكِيدِهِ، وغُلُوُّ باطِلٍ وهو أنْ يُتَكَلَّفَ في تَقْرِيرِ الشُّبَهِ وإخْفاءِ الدَّلائِلِ، وذَلِكَ الغُلُوُّ هو أنَّ اليَهُودَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ نَسَبُوهُ إلى الزِّنا، وإلى أنَّهُ كَذّابٌ، والنَّصارى ادَّعَوْا فِيهِ الإلَهِيَّةَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: الأهْواءُ هَهُنا المَذاهِبُ الَّتِي تَدْعُو إلَيْها الشَّهْوَةُ دُونَ الحُجَّةِ، قالَ الشَّعْبِيُّ: ما ذَكَرَ اللَّهُ لَفْظَ الهَوى في القُرْآنِ إلّا ذَمَّهُ، قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ [طه: ١٦]، ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النَّجْمِ: ٣]، ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٣] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ نَجِدِ الهَوى يُوضَعُ إلّا في مَوْضِعِ الشَّرِّ، لا يُقالُ: فُلانٌ يَهْوى الخَيْرَ، إنَّما يُقالُ: يُرِيدُ الخَيْرَ ويُحِبُّهُ، وقالَ بَعْضُهم: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: سُمِّيَ الهَوى هَوًى؛ لِأنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ في النّارِ، وأنْشَدَ في ذَمِّ الهَوى:

إنَّ الهَوى لَهو الهَوانُ بِعَيْنِهِ فَإذا هَوَيْتَ فَقَدْ لَقِيتَ هَوانًا

وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ هَوايَ عَلى هَواكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ هَوًى ضَلالَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِثَلاثِ دَرَجاتٍ في الضَّلالِ، فَبَيَّنَ أنَّهم كانُوا ضالِّينَ مِن قَبْلُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُضِلِّينَ لِغَيْرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى تِلْكَ الحالَةِ حَتّى إنَّهُمُ الآنَ ضالُّونَ كَما كانُوا، ولا نَجِدُ حالَةً أقْرَبَ إلى العَبْدِ مِنَ اللَّهِ والقُرْبِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الحالَةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا، ثُمَّ ضَلُّوا بِسَبَبِ اعْتِقادِهِمْ في ذَلِكَ الإضْلالِ أنَّهُ إرْشادٌ إلى الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّلالِ الأوَّلِ الضَّلالَ عَنِ الدِّينِ، وبِالضَّلالِ الثّانِي الضَّلالَ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English