Ар-РазиАль‑Камар · 54:16–22

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Камар 54:16–22

54:16Страница 529

فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٦

Какими же были мучения от Меня и предостережения Мои!

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِفْهامًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَنْبِيهًا لَهُ ووَعْدًا بِالعاقِبَةِ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ عامًّا تَنْبِيهًا لِلْخَلْقِ و”نُذُرِ“ أُسْقِطَ مِنهُ ياءُ الإضافَةِ كَما حُذِفَ ياءُ يَسْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤] وذَلِكَ عِنْدَ الوَقْفِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] ﴿ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ [يس: ٤٣] [الزمر: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقُرِئَ بِإثْباتِ الياءِ: ”عَذابِي ونُذُرِي“ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٣٨

الأُولى: ما الَّذِي اقْتَضى الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ﴾ ؟ نَقُولُ: أمّا إنْ قُلْنا إنَّ الِاسْتِفْهامَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ أخْبارَ مَن كانَ قَبْلَكَ فَكَيْفَ كانَ أيْ: بَعْدَما أحاطَ بِهِمْ عِلْمُكَ بِنَقْلِها إلَيْكَ، وأمّا إنْ قُلْنا: الِاسْتِفْهامُ عامٌّ فَنَقُولُ: لَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] فَرَضَ وجُودَهم وقالَ: يا مَن يَتَذَكَّرُ، وعُلِمَ الحالُ بِالتَّذْكِيرِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ تَقْدِيرُهُ كَيْفَ كانَ عَذابِي.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما رَأوُا العَذابَ ولا النُّذُرَ فَكَيْفَ اسْتُفْهِمَ مِنهم ؟ نَقُولُ: أمّا عَلى قَوْلِنا الِاسْتِفْهامُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ عُلِمَ لَمّا عُلِمَ، وأمّا عَلى قَوْلِنا عامٌّ فَهو عَلى تَقْدِيرِ الِادِّكارِ وعَلى تَقْدِيرِ الِادِّكارِ يُعْلَمُ الحالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ عَظَمَةِ الأمْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١، ٢] و﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١، ٢] وهَذا لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ يُذْكَرُ لِلْإخْبارِ كَما أنَّ صِيغَةَ ”هَلْ“ تُذْكَرُ لِلِاسْتِفْهامِ، فَيُقالُ: زَيْدٌ في الدّارِ ؟ بِمَعْنى هَلْ زَيْدٌ في الدّارِ، ويَقُولُ المُنْجِزُ وعْدَهُ هَلْ صَدَقْتُ ؟ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: عَذابِي وقَعَ وكَيْفَ كانَ أيْ كانَ عَظِيمًا وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى عِلْمِ مَن يُسْتَفْهَمُ مِنهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿فَفَتَحْنا﴾ [القمر: ١١]، ﴿وفَجَّرْنا﴾ [القمر: ١٢]، و﴿بِأعْيُنِنا﴾ [القَمَرِ: ١٤ ] ولَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَ عَذابُنا نَقُولُ: لِوَجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: لَفْظِيٌّ وهو أنَّ ياءَ المُتَكَلِّمِ يُمْكِنُ حَذْفُها؛ لِأنَّها في اللَّفْظِ تَسْقُطُ كَثِيرًا فِيما إذا التَقى ساكِنانِ، تَقُولُ: غُلامِي الَّذِي، ودارِي الَّتِي، وهُنا حُذِفَتْ لِتَواخِي آخِرِ الآياتِ، وأمّا النُّونُ والألِفُ في ضَمِيرِ الجَمْعِ فَلا تُحْذَفُ.

وأمّا الثّانِي: وهو المَعْنَوِيُّ فَنَقُولُ: إنْ كانَ الِاسْتِفْهامُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِلْأنْباءِ، وفي فَتَحْنا وفَجَّرْنا لِتَرْهِيبِ العُصاةِ، ونَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: (مُدَّكِرٍ) فِيهِ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فَلَمّا وُحِّدَ الضَّمِيرُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قالَ فَكَيْفَ كانَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: النُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ فَهَلْ هو مَصْدَرٌ كالنَّسِيبِ والنَّحِيبِ أوْ فاعِلٌ كالكَبِيرِ والصَّغِيرِ ؟ نَقُولُ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ هاهُنا، أيْ: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ عَذابِي وعاقِبَةُ إنْذارِي، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأنْباءُ، أيْ: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ أعْداءِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ؟ هَلْ أصابَ العَذابُ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ أمْ لا ؟ فَإذا عَلِمْتَ الحالَ يا مُحَمَّدُ فاصْبِرْ فَإنَّ عاقِبَةَ أمْرِكَ كَعاقِبَةِ أُولَئِكَ النُّذُرِ، ولَمْ يُجْمَعِ العَذابُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ولَوْ جُمِعَ لَكانَ في جَمْعِهِ تَقْدِيرٌ وفَرْضٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣] أيْ بِالإنْذاراتِ؛ لِأنَّ الإنْذاراتِ جاءَتْهم، وأمّا الرُّسُلُ فَقَدْ جاءَهم واحِدٌ، نَقُولُ: كُلُّ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِالرُّسُلِ وقالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ، وكانَ المُشْرِكُونَ مُكَذِّبِينَ بِالكُلِّ ما خَلا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الخَيْرَ؛ لِكَوْنِهِ شَيْخَ المُرْسَلِينَ فَلا يُقالُ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أيْ بِالأنْبِياءِ بِأسْرِهِمْ، كَما أنَّكم أيُّها المُشْرِكُونَ تُكَذِّبُونَ بِهِمْ.

54:17Страница 529

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٧

Мы облегчили Коран для поминания. Но есть ли среди вас вспоминающие?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لِلْحِفْظِ فَيُمْكِنُ حِفْظُهُ ويَسْهُلُ، ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن كُتُبِ اللَّهِ تَعالى يُحْفَظُ عَلى ظَهْرِ القَلْبِ غَيْرَ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: هَلْ مَن يَحْفَظُ ويَتْلُوهُ.

الثّانِي: سَهَّلْناهُ لِلِاتِّعاظِ حَيْثُ أتَيْنا فِيهِ بِكُلِّ حِكْمَةٍ.

الثّالِثُ: جَعَلْناهُ بِحَيْثُ يَعْلَقُ بِالقُلُوبِ ويُسْتَلَذُّ سَماعُهُ، ومَن لا يَفْهَمُ يَتَفَهَّمُهُ ولا يَسْأمُ مِن سَمْعِهِ وفَهْمِهِ

صفحة ٣٩

ولا يَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ فَلا أسْمَعُهُ بَلْ كُلَّ ساعَةٍ يَزْدادُ مِنهُ لَذَّةً وعِلْمًا.

الرّابِعُ: وهو الأظْهَرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا ذُكِّرَ بِحالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ لَهُ مُعْجِزَةٌ قِيلَ لَهُ: إنَّ مُعْجِزَتَكَ القُرْآنُ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ تَذْكِرَةً لِكُلِّ أحَدٍ وتَتَحَدّى بِهِ في العالَمِ ويَبْقى عَلى مُرُورِ الدُّهُورِ، ولا يَحْتاجُ كُلُّ مَن يَحْضُرُكَ إلى دُعاءٍ ومَسْألَةٍ في إظْهارِ مُعْجِزَةٍ، وبَعْدَكَ لا يُنْكِرُ أحَدٌ وُقُوعَ ما وقَعَ كَما يُنْكِرُ البَعْضُ انْشِقاقَ القَمَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أيْ: مُتَذَكِّرٍ؛ لِأنَّ الِافْتِعالَ والتَّفَعُّلَ كَثِيرًا ما يَجِيءُ بِمَعْنًى، وعَلى هَذا فَلَوْ قالَ قائِلٌ: هَذا يَقْتَضِي وُجُودَ أمْرٍ سابِقٍ فَنَسِيَ، نَقُولُ: ما في الفِطْرَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ هو كالمَنسِيِّ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ يَرْجِعُ إلى ما فُطِرَ عَلَيْهِ وقِيلَ: فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ أيْ: حافِظٍ أوْ مُتَّعِظٍ عَلى ما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ وعَلى قَوْلِنا المُرادُ مُتَذَكِّرٌ إشارَةً إلى ظُهُورِ الأمْرِ فَكَأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى نُكُرٍ، بَلْ هو أمْرٌ حاصِلٌ عِنْدَهُ لا يَحْتاجُ إلى مُعاوَدَةِ ما عِنْدَ غَيْرِهِ.

54:18Страница 529

كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٨

Адиты сочли лжецами посланников. Какими же были мучения от Меня и предостережения Мои!

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

الأُولى: قالَ في قَوْمِ نُوحٍ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥] ولَمْ يَقُلْ في عادٍ كَذَّبَتْ قَوْمُ هُودٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ التَّعْرِيفَ كُلَّما أمْكَنَ أنْ يُؤْتى بِهِ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ فالأوْلى أنْ يُؤْتى بِهِ، والتَّعْرِيفُ بِالِاسْمِ العَلَمِ أوْلى مِنَ التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: بَيْتُ اللَّهِ لا يُفِيدُ ما يُفِيدُ قَوْلُكَ الكَعْبَةُ، فَكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: رَسُولُ اللَّهِ لا يُفِيدُ ما يُفِيدُ قَوْلُكَ مُحَمَّدٌ فَعادٌ اسْمُ عَلَمٍ لِلْقَوْمِ، لا يُقالُ قَوْمُ هُودٍ أعْرَفُ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ عادًا بِقَوْمِ هُودٍ حَيْثُ قالَ: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠] ولا يُوصَفُ الأظْهَرُ بِالأخْفى، والأخَصُّ بِالأعَمِّ.

ثانِيهِما: أنَّ قَوْمَ هُودٍ واحِدٌ وعادٌ، قِيلَ: إنَّهُ لَفْظٌ يَقَعُ عَلى أقْوامٍ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] لِأنّا نَقُولُ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ فَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَةً وإنَّما هو بَدَلٌ، ويَجُوزُ في البَدَلِ أنْ يَكُونَ دُونَ المُبْدَلِ في المَعْرِفَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ عَنِ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ، وأمّا ”عادًا الأُولى“ فَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ ذَلِكَ لِبَيانِ تَقَدُّمِهِمْ، أيْ عادًا الَّذِينَ تَقَدَّمُوا ولَيْسَ ذَلِكَ لِلتَّمْيِيزِ والتَّعْرِيفِ كَما تَقُولُ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ شَفِيعِي واللَّهُ الكَرِيمُ رَبِّي ورَبُّ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ؛ لِبَيانِ الشَّرَفِ لا لِبَيانِها وتَعْرِيفِها كَما تَقُولُ: دَخَلْتُ الدّارَ المَعْمُورَةَ مِنَ الدّارَيْنِ وخَدَمْتُ الرَّجُلَ الزّاهِدَ مِنَ الرَّجُلَيْنِ، فَتَبَيَّنَ المَقْصُودُ بِالوَصْفِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمْ يَقُلْ كَذَّبُوا هُودًا كَما قالَ: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ [القمر: ٩] وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ تَكْذِيبَ نُوحٍ كانَ أبْلَغَ وأشَدَّ حَيْثُ دَعاهم قَرِيبًا مِن ألْفِ سَنَةٍ وأصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ، ولِهَذا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تَكْذِيبَ نُوحٍ في مَواضِعَ ولَمْ يَذْكُرْ تَكْذِيبَ غَيْرِ نُوحٍ صَرِيحًا، وإنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ في واحِدٍ مِنها في الأعْرافِ قالَ: ﴿فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ [يونس: ٧٣] وقالَ حِكايَةً عَنْ نُوحٍ: ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] وقالَ: ﴿إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] وفي هَذِهِ المَواضِعِ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَكْذِيبِ قَوْمِ غَيْرِهِ مِنهم إلّا قَلِيلًا ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في مَواضِعِ ذِكْرِ شُعَيْبٍ ”فَكَذَّبُوهُ“: وقالَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٩٢] وقالَ تَعالى عَنْ قَوْمِهِ: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] لِأنَّهُ دَعا قَوْمَهُ زَمانًا مَدِيدًا.

وثانِيهِما: أنَّ حِكايَةَ عادٍ مَذْكُورَةٌ هاهُنا عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ فَلَمْ يَذْكُرْ إلّا تَكْذِيبَهم وتَعْذِيبَهم فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ كَما قالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ

صفحة ٤٠

دُعاءَهُ عَلَيْهِمْ وإجابَتَهُ كَما قالَ في نُوحٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ قَبْلَ أنْ بَيَّنَ العَذابَ. وفي حِكايَةِ نُوحٍ بَيَّنَ العَذابَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَكَيْفَ كانَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: الِاسْتِفْهامُ الَّذِي ذَكَرَهُ في حِكايَةِ نُوحٍ مَذْكُورٌ هاهُنا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ كَما قالَ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ في حِكايَةِ ثَمُودَ غَيْرَ أنَّهُ تَعالى حَكى في حِكايَةِ عادٍ ”فَكَيْفَ كانَ“ مَرَّتَيْنِ، المَرَّةُ الأُولى اسْتَفْهَمَ لِيُبَيِّنَ كَما يَقُولُ المُعَلِّمُ لِمَن لا يَعْرِفُ كَيْفَ المَسْألَةُ الفُلانِيَّةُ لِيَصِيرَ المَسْئُولُ سائِلًا، فَيَقُولُ: كَيْفَ هي فَيَقُولُ: إنَّها كَذا وكَذا فَكَذَلِكَ هاهُنا قالَ: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي﴾ فَقالَ السّامِعُ: بَيِّنْ أنْتَ فَإنِّي لا أعْلَمُ فَقالَ: (إنّا أرْسَلْنا) وأمّا المَرَّةُ الثّانِيَةُ فاسْتَفْهَمَ لِلتَّعْظِيمِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْعارِفِ المُشاهِدِ كَيْفَ فَعَلْتَ وصَنَعْتَ فَيَقُولُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ، ويَقُولُ: أتَيْتُ بِعَجِيبَةٍ فَيُحَقِّقُ عَظَمَةَ الفِعْلِ بِالِاسْتِفْهامِ، وإنَّما ذَكَرَ هاهُنا المَرَّةَ الأُولى ولَمْ يَذْكُرْ في مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الحِكايَةَ ذَكَرَها مُخْتَصَرَةً فَكانَ يُفَوِّتُ الِاعْتِبارَ بِسَبَبِ الِاخْتِصارِ فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي﴾ حَثًّا عَلى التَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ، وأمّا الِاخْتِصارُ في حِكايَتِهِمْ فَلِأنَّ أكْثَرَ أمْرِهِمُ الِاسْتِكْبارُ والِاعْتِمادُ عَلى القُوَّةِ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، ويَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وذَكَرَ اسْتِكْبارَهم كَثِيرًا، وما كانَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُبالِغِينَ في الِاسْتِكْبارِ وإنَّما كانَتْ مُبالَغَتُهم في التَّكْذِيبِ ونِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ، وذَكَرَ حالَةَ نُوحٍ عَلى التَّفْصِيلِ فَإنَّ قَوْمَهُ جَمَعُوا بَيْنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ، وكَذَلِكَ حالُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَها عَلى التَّفْصِيلِ لِشِدَّةِ مُناسَبَتِها بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

54:19Страница 529

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ ١٩

Мы наслали на них морозный (или завывающий) ветер в день, злосчастье которого продолжалось.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي﴾ بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ هُناكَ ولَمْ يَقُلْ: عَذابُنا، وقالَ هاهُنا: ”إنّا“، ولَمْ يَقُلْ: ”إنِّي“، والجَوابُ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ [القمر: ١١] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الصَّرْصَرُ فِيها وُجُوهٌ:

أحَدُها: الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ مِنَ الصَّرِيرِ والصَّرَّةُ شِدَّةُ الصِّياحِ.

ثانِيها: دائِمَةُ الهُبُوبِ مِن أصَرَّ عَلى الشَّيْءِ إذا دامَ وثَبَتَ، وفِيهِ بَحْثٌ وهو أنَّ الأسْماءَ المُشْتَقَّةَ هي الَّتِي تَصْلُحُ لِأنْ يُوصَفَ بِها، وأمّا أسْماءُ الأجْناسِ فَلا يُوصَفُ بِها سَواءٌ كانَتْ أجْرامًا أوْ مَعانِيَ، فَلا يُقالُ: إنْسانٌ رَجُلٌ جاءَ، ولا يُقالُ: لَوْنٌ أبْيَضُ وإنَّما يُقالُ: إنْسانٌ عالِمٌ وجِسْمٌ أبْيَضُ. وقَوْلُنا: أبْيَضُ مَعْناهُ شَيْءٌ لَهُ بَياضٌ، ولا يَكُونُ الجِسْمُ مَأْخُوذًا فِيهِ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ في قَوْلِنا رَجُلٌ عالِمٌ فَإنَّ العالِمَ شَيْءٌ لَهُ عِلْمٌ حَتّى الحَدّادُ والخَبّازُ، ولَوْ أمْكَنَ قِيامُ العِلْمِ بِهِما لَكانَ عالِمًا، ولا يَدْخُلُ الحَيُّ في المَعْنى مِن حَيْثُ المَفْهُومِ، فَإنّا إذا قُلْنا: عالِمٌ يُفْهَمُ أنَّ ذَلِكَ حَيٌّ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ ما وُضِعَ لِحَيٍّ يَعْلَمُ بَلِ اللَّفْظُ وُضِعَ لِشَيْءٍ يُعْلَمُ، ويَزِيدُهُ ظُهُورًا قَوْلُنا: مَعْلُومٌ فَإنَّهُ شَيْءٌ يُعْلَمُ أوْ أمْرٌ يُعْلَمُ وإنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ولَوْ دَخَلَ الجِسْمُ في الأبْيَضِ لَكانَ قَوْلُنا جِسْمٌ أبْيَضُ كَقَوْلِنا جِسْمٌ لَهُ بَياضٌ فَيَقَعُ الوَصْفُ بِالجُثَّةِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَمِنَ المُسْتَفادِ بِالجِنْسِ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ، فَإنَّ قَوْلَنا الهِنْدِيُّ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَنسُوبٍ إلى الهِنْدِ وأمّا المُهَنَّدُ فَهو سَيْفٌ مَنسُوبٌ إلى الهِنْدِ فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: عَبْدٌ هِنْدِيٌّ وتَمْرٌ هِنْدِيٌّ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: مُهَنَّدٌ وكَذا الأبْلَقُ ولَوْنٌ آخَرُ في فَرَسٍ ولا يُقالُ لِلثَّوْبِ: أبْلَقُ، كَذَلِكَ الأفْطَسُ أنْفٌ فِيهِ تَقْعِيرٌ إذا قالَ لِقائِلٍ:

صفحة ٤١

أنْفٌ أفْطَسُ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: أنْفٌ بِهِ فَطَسٌ، فَيَكُونُ وصَفَهُ بِالجُثَّةِ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يُقالَ: فَرَسٌ أبْلَقُ ولا أنْفٌ أفْطَسُ ولا سَيْفٌ مُهَنَّدٌ، وهم يَقُولُونَ، فَما الجَوابُ ؟ وهَذا السُّؤالُ يَرُدُّ عَلى الصَّرْصَرِ؛ لِأنَّها الرِّيحُ البارِدَةُ، فَإذا قالَ: رِيحٌ صَرْصَرٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ كَقَوْلِنا: رِيحٌ بارِدَةٌ فَإنَّ الصَّرْصَرَ هي الرِّيحُ البارِدَةُ فَحَسْبُ، فَكَأنَّهُ قالَ: رِيحٌ بارِدَةٌ، فَنَقُولُ: الألْفاظُ الَّتِي في مَعانِيها أمْرانِ فَصاعِدًا، كَقَوْلِنا: عالِمٌ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ لَهُ عِلْمٌ فَفِيهِ شَيْءٌ وعِلْمٌ هي عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ الحالُ هو المَقْصُودُ والمَحَلُّ تَبَعٌ كَما في العالِمِ والضّارِبِ والأبْيَضِ فَإنَّ المَقاصِدَ في هَذِهِ الألْفاظِ العِلْمُ والضَّرْبُ والبَياضُ بِخُصُوصِها، وأمّا المَحَلُّ فَمَقْصُودٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ عَلى عُمُومِهِ حَتّى أنَّ البَياضَ لَوْ كانَ يُبَدَّلُ بِلَوْنِ غَيْرِهِ اخْتَلَّ مَقْصُودُهُ كالأسْوَدِ. وأمّا الجِسْمُ الَّذِي هو مَحَلُّ البَياضِ إنْ أمْكَنَ أنْ يُبَدَّلَ، وأمْكَنَ قِيامُ البَياضِ بِجَوْهَرٍ غَيْرِ جِسْمٍ لَما اخْتَلَّ الغَرَضُ.

ثانِيها: أنْ يَكُونَ المَحَلُّ هو المَقْصُودُ؛ كَقَوْلِنا: الحَيَوانُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ لِجِنْسِ ما لَهُ الحَياةُ لا كالحَيِّ الَّذِي هو اسْمٌ لِشَيْءٍ لَهُ الحَياةُ، فالمَقْصُودُ هُنا المَحَلُّ وهو الجِسْمُ حَتّى لَوْ وُجِدَ حَيٌّ لَيْسَ بِجِسْمٍ لا يَحْصُلُ مَقْصُودُ مَن قالَ: الحَيَوانُ ولَوْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلى اللَّهِ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ لَحَصَلَ غَرَضُ المُتَكَلِّمِ، ولَوْ حُمِلَ لَفْظُ الحَيَوانِ عَلى فَرَسٍ قائِمٍ أوْ إنْسانٍ نائِمٍ لَمْ تُفارِقْهُ الحَياةُ لَمْ يَبْقَ لِلسّامِعِ نَفْعٌ ولَمْ يَحْصُلْ لِلْمُتَكَلِّمِ غَرَضٌ، فَإنَّ القائِلَ إذا قالَ لِإنْسانٍ قائِمٌ وهو مَيِّتٌ: هَذا حَيَوانٌ، ثُمَّ بانَ مَوْتُهُ لا يَرْجِعُ عَمّا قالَ بَلْ يَقُولُ: ما قُلْتُ: إنَّهُ حَيٌّ، بَلْ قُلْتُ: إنَّهُ حَيَوانٌ، فَهو حَيَوانٌ فارَقَتْهُ الحَياةُ.

ثالِثُها: ما يَكُونُ الأمْرانِ مَقْصُودَيْنِ كَقَوْلِنا رَجُلٌ وامْرَأةٌ وناقَةٌ وجَمَلٌ، فَإنَّ الرَّجُلَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِإنْسانٍ ذَكَرٍ والمَرْأةَ لِإنْسانٍ أُنْثى، والنّاقَةَ لِبَعِيرٍ أُنْثى والجَمَلَ لِبَعِيرٍ ذَكَرٍ، فالنّاقَةُ إنْ أُطْلِقَتْ عَلى حَيَوانٍ فَظَهَرَ فَرَسًا أوْ ثَوْرًا اخْتَلَّ الغَرَضُ وإنْ بانَ جَمَلًا كَذَلِكَ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَفي كُلِّ صُورَةٍ كانَ المَحَلُّ مَقْصُودًا إمّا وحْدَهُ وإمّا مَعَ الحالِ فَلا يُوصَفُ بِهِ، فَلا يُقالُ: جِسْمٌ حَيَوانٌ، ولا يُقالُ: بَعِيرٌ ناقَةٌ، وإنَّما يُجْعَلُ ذَلِكَ جُمْلَةً، فَيُوصَفُ بِالجُمْلَةِ، فَيُقالُ: جِسْمٌ هو حَيَوانٌ وبَعِيرٌ هو ناقَةٌ، ثُمَّ إنَّ الأبْلَقَ والأفْطَسَ شَأْنُهُ الحَيَوانُ مِن وجْهٍ وشَأْنُهُ العالِمُ مِن وجْهٍ، وكَذَلِكَ المُهَنَّدُ لَكِنَّ دَلِيلَ تَرْجِيحِ الحالِ فِيهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المُهَنَّدَ لا يُذْكَرُ إلّا لِمَدْحِ السَّيْفِ، والأفْطَسُ لا يُقالُ إلّا لِوَصْفِ الأنْفِ لا لِحَقِيقَتِهِ، وكَذَلِكَ الأبْلَقُ، بِخِلافِ الحَيَوانِ فَإنَّهُ لا يُقالُ لِوَصْفِهِ، وكَذَلِكَ النّاقَةُ، إذا عَلِمْتَ هَذا فالصَّرْصَرُ يُقالُ لِشِدَّةِ الرِّيحِ أوْ لِبَرْدِها، فَوَجَبَ أنْ يُعْمَلَ بِهِ ما يُعْمَلُ بِالبارِدِ والشَّدِيدِ فَجازَ الوَصْفُ وهَذا بَحْثٌ عَزِيزٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى هاهُنا ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ وقالَ في الذّارِياتِ: ﴿وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] فَعَرَّفَ الرِّيحَ هُناكَ ونَكَّرَها هُنا؛ لِأنَّ العُقْمَ في الرِّيحِ أظْهَرُ مِنَ البَرْدِ الَّذِي يَضُرُّ النَّباتَ أوِ الشَّدَّةَ الَّتِي تَعْصِفُ الأشْجارَ؛ لِأنَّ الرِّيحَ العَقِيمَ هي الَّتِي لا تُنْشِئُ سَحابًا ولا تُلَقِّحُ شَجَرًا وهي كَثِيرَةُ الوُقُوعِ، وأمّا الرِّيحُ المُهْلِكَةُ البارِدَةُ فَقَلَّما تُوجَدُ، فَقالَ: ”الرِّيحَ العَقِيمَ“ أيْ: هَذا الجِنْسَ المَعْرُوفَ، ثُمَّ زادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] فَتَمَيَّزَتْ عَنِ الرِّيحِ العَقِيمِ، وأمّا الصَّرْصَرُ فَقَلِيلَةُ الوُقُوعِ فَلا تَكُونُ مَشْهُورَةً فَنَكَّرَها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هُنا ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ وقالَ في فُصِّلَتْ: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] وقالَ في الحاقَّةِ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] والمُرادُ مِنَ اليَوْمِ هُنا الوَقْتُ والزَّمانُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] وقَوْلُهُ: (مُسْتَمِرٌّ) يُفِيدُ ما يُفِيدُهُ الأيّامُ؛ لِأنَّ الِاسْتِمْرارَ يُنْبِئُ عَنْ إمْرارِ الزَّمانِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الأيّامُ، وإنَّما اخْتَلَفَ اللَّفْظُ مَعَ اتِّحادِ المَعْنى؛ لِأنَّ الحِكايَةَ

صفحة ٤٢

هُنا مَذْكُورَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، فَذَكَرَ الزَّمانَ ولَمْ يَذْكُرْ مِقْدارَهُ ولِذَلِكَ لَمْ يَصِفْها، ثُمَّ إنَّ فِيهِ قِراءَتَيْنِ إحْداهُما: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ﴾ بِإضافَةِ يَوْمٍ، وتَسْكِينِ نَحْسٍ عَلى وزْنِ نَفْسٍ، وثانِيَتُهُما: (يَوْمٍ نَحِسٍ) بِتَنْوِينِ المِيمِ وكَسْرِ الحاءِ عَلى وصْفِ اليَوْمِ بِالنَّحِسِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: أيَّتُهُما أقْرَبُ ؟ قُلْنا: الإضافَةُ أصَحُّ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَقْرَأُ: ”يَوْمٍ نَحِسٍ مُسْتَمِرٍّ“ يَجْعَلُ المُسْتَمِرَّ صِفَةً لِيَوْمٍ، ومَن يَقْرَأُ ”يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ“ يَكُونُ المُسْتَمِرُّ وصَفًّا لِنَحْسٍ، فَيَحْصُلُ مِنهُ اسْتِمْرارُ النُّحُوسَةِ فالأوَّلُ أظْهَرُ وألْيَقُ، فَإنْ قِيلَ: مَن يَقْرَأُ ”يَوْمِ نَحْسٍ“ بِسُكُونِ الحاءِ، فَماذا يَقُولُ في النَّحِسِ ؟ نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ هو تَخْفِيفُ نَحْسٍ كَفَخْذٍ وفَخِذٍ في غَيْرِ الصِّفاتِ، ونَصْرٍ ونَصِرٍ ورَعْدٍ ورَعِدٍ، وعَلى هَذا يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ تَقْدِيرَهُ: يَوْمٍ كائِنٍ نَحِسٍ، كَما تَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ: ”نَحِسٍ“ لَيْسَ بِنَعْتٍ، بَلْ هو اسْمُ مَعْنًى أوْ مَصْدَرٌ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِمْ ”يَوْمُ بَرْدٍ وحَرٍّ“، وهو أقْرَبُ وأصَحُّ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما مَعْنى ”مُسْتَمِرٍّ“ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: مُمْتَدٌّ ثابِتٌ مُدَّةً مَدِيدَةً مِنِ اسْتَمَرَّ الأمْرُ إذا دامَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ لِأنَّ الجَمْعَ يُفِيدُ مَعْنى الِاسْتِمْرارِ والِامْتِدادِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] .

الثّانِي: شَدِيدٌ مِنَ المَرَّةِ كَما قُلْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] وهَذا كَقَوْلِهِمْ ”أيّامُ الشَّدائِدِ“، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَإنَّهُ يُذِيقُهُمُ المُرَّ المُضِرَّ مِنَ العَذابِ.

54:20Страница 529

تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ ٢٠

Он вырывал людей, словно стволы выкорчеванных финиковых пальм.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ وصْفٌ أوْ حالٌ ؟ نَقُولُ: يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: أرْسَلَ رِيحًا صَرْصَرًا نازِعَةً لِلنّاسِ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: أُرْسِلَ الرِّيحُ نازِعَةً، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُها حالًا، وذُو الحالِ نَكِرَةٌ ؟ نَقُولُ: الأمْرُ هُنا أهْوَنُ مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] فَإنَّهُ نَكِرَةٌ، وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ (ما) مَوْصُوفَةٌ فَتَخَصَّصَتْ فَحَسُنَ جَعْلُها ذاتَ الحالِ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ: هاهُنا الرِّيحُ مَوْصُوفَةٌ بِالصَّرْصَرِ، والتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ، وإلّا فَهي ثَلاثَةٌ فَلا يَبْعُدُ جَعْلُها ذاتَ حالٍ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ عَلى فِعْلٍ وفاعِلٍ، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ جَذَبَنِي، وتَقْدِيرُهُ، جاءَ فَجَذَبَنِي، كَذَلِكَ هاهُنا قالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ فَأصْبَحَتْ ﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ [الحاقة: ٧] فالتّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ إشارَةٌ إلى ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿صَرْعى﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: نَزَعَتْهم فَصَرَعَتْهم ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ كَما قالَ: ﴿صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ [الحاقة: ٧] .

ثانِيها: نَزَعَتْهم فَهم بَعْدَ النَّزْعِ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ )﴾ وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ الِانْقِعارَ قَبْلَ الوُقُوعِ، فَكَأنَّ الرِّيحَ تَنْزِعُ الواحِدَ وتَقْعَرُهُ فَيَنْقَعِرُ فَيَقَعُ فَيَكُونُ صَرِيعًا، فَيَخْلُو المَوْضِعُ عَنْهُ فَيَخْوى، وقَوْلُهُ في الحاقَّةِ: ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى حالَةٍ بَعْدَ الِانْقِعارِ الَّذِي هو بَعْدَ النَّزْعِ، وهَذا يُفِيدُ أنَّ الحِكايَةَ هاهُنا مُخْتَصَرَةً حَيْثُ لَمْ يُشِرْ إلى صَرْعِهِمْ وخُلُوِّ مَنازِلِهِمْ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّ حالَ الِانْقِعارِ لا يَحْصُلُ الخُلُوُّ التّامُّ إذْ هو مِثْلُ الشُّرُوعَ في الخُرُوجِ والأخْذِ فِيهِ.

ثالِثُها: تَنْزِعُهم نَزْعًا بِعُنْفٍ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ تَقْعَرُهم فَيَنْقَعِرُوا إشارَةً

صفحة ٤٣

إلى قُوَّتِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الأرْضِ، وفي المَعْنى وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ إشارَةً إلى عَظَمَةِ أجْسادِهِمْ وطُولِ أقْدادَهِمْ.

ثانِيها: ذَكَرَهُ إشارَةً إلى ثَباتِهِمْ في الأرْضِ، فَكَأنَّهم كانُوا يُعْمِلُونَ أرْجُلَهم في الأرْضِ ويَقْصِدُونَ المَنعَ بِهِ عَلى الرِّيحِ.

وثالِثُها: ذَكَرَهُ إشارَةً إلى يُبْسِهم وجَفافِهِمْ بِالرِّيحِ، فَكانَتْ تَقْتُلُهم وتَحْرِقُهم بِبَرْدِها المُفْرِطِ فَيَقَعُونَ كَأنَّهم أخْشابٌ يابِسَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هاهُنا: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ فَذَكَّرَ النَّخْلَ، وقالَ في الحاقَّةِ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ فَأنَّثَها، قالَ المُفَسِّرُونَ: في تِلْكَ السُّورَةِ كانَتْ أواخِرُ الآياتِ تَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، و﴿مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١]، و﴿مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] وهو جَوابٌ حَسَنٌ، فَإنَّ الكَلامَ كَما يُزَيَّنُ بِحُسْنِ المَعْنى يُزَيَّنُ بِحُسْنِ اللَّفْظِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: النَّخْلُ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، كالبَقْلِ والنَّمْلِ، ومَعْناهُ مَعْنى الجَمْعِ، فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ فِيهِ: نَخْلٌ مُنْقَعِرٌ ومُنْقَعِرَةٌ ومُنْقَعِراتٌ، ونَخْلٌ خاوٍ وخاوِيَةٌ وخاوِياتٌ، ونَخْلٌ باسِقٌ وباسِقَةٌ وباسِقاتٌ، فَإذا قالَ قائِلٌ: مُنْقَعِرٌ أوْ خاوٍ أوْ باسِقٌ جَرَّدَ النَّظَرَ إلى اللَّفْظِ ولَمْ يُراعِ جانِبَ المَعْنى، وإذا قالَ: مُنْقَعِراتٌ أوْ خاوِياتٌ أوْ باسِقاتٌ جَرَّدَ النَّظَرَ إلى المَعْنى ولَمْ يُراعِ جانِبَ اللَّفْظِ، وإذا قالَ: مُنْقَعِرَةٌ أوْ خاوِيَةٌ أوْ باسِقَةٌ جَمَعَ بَيْنَ الِاعْتِبارَيْنِ مِن حَيْثُ وِحْدَةِ اللَّفْظِ، ورُبَّما قالَ: مُنْقَعِرَةٌ عَلى الإفْرادِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، وأُلْحِقُ بِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ الَّتِي في الجَماعَةِ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَفْظَ النَّخْلِ في مَواضِعَ ثَلاثَةٍ، ووَصَفَها عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فَقالَ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: ١٠] فَإنَّها حالٌ مِنها وهي كالوَصْفِ، وقالَ: ﴿نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وقالَ: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ فَحَيْثُ قالَ: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ كانَ المُخْتارُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُنْقَعِرَ في حَقِيقَةِ الأمْرِ كالمَفْعُولِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي ورَدَ عَلَيْهِ القَعْرُ فَهو مَقْعُورٌ، والخاوِي والباسِقُ فاعِلٌ ومَعْناهُ إخْلاءُ ما هو مَفْعُولٌ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ أوَّلًا، كَما تَقُولُ: امْرَأةٌ كَفِيلٌ، وامْرَأةٌ كَفِيلَةٌ، وامْرَأةٌ كَبِيرٌ، وامْرَأةٌ كَبِيرَةٌ. وأمّا الباسِقاتُ، فَهي فاعِلاتٌ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ البُسُوقَ أمْرٌ قامَ بِها، وأمّا الخاوِيَةٌ، فَهي مِن بابِ حُسْنِ الوَجْهِ؛ لِأنَّ الخاوِيَ مَوْضِعُها، فَكَأنَّهُ قالَ: نَخْلٌ خاوِيَةُ المَواضِعِ، وهَذا غايَةُ الإعْجازِ حَيْثُ أتى بِلَفْظٍ مُناسِبٍ لِلْألْفاظِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، فَكانَ الدَّلِيلُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، بِخِلافِ الشّاعِرِ الَّذِي يَخْتارُ اللَّفْظَ عَلى المَذْهَبِ الضَّعِيفِ لِأجْلِ الوَزْنِ والقافِيَةِ.

54:21–22Страница 529

فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٢١

Какими же были мучения от Меня и предостережения Мои!

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٢٢

Мы облегчили Коран для поминания. Но есть ли среди вас вспоминающие?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾

وتَفْسِيرُهُ قَدْ تَقَدَّمَ والتَّكْرِيرُ لِلتَّقْرِيرِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَذابِي ونُذُرِ﴾ لَطِيفَةٌ ما ذَكَرْناها، وهي تَثْبُتُ بِسُؤالٍ وجَوابٍ لَوْ قالَ القائِلُ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ النُّذُرَ في هَذا المَوْضِعِ جَمْعُ نَذِيرٍ الَّذِي هو مَصْدَرٌ مَعْناهُ إنْذارٌ، فَما الحِكْمَةُ في تَوْحِيدِ العَذابِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَكَيْفَ كانَ أنْواعُ عَذابِي ووَبالِ إنْذارِي ؟ نَقُولُ: فِيهِ إشارَةٌ إلى غَلَبَةِ الرَّحْمَةِ الغَضَبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْذارَ إشْفاقٌ ورَحْمَةٌ، فَقالَ: الإنْذاراتُ الَّتِي هي نِعَمٌ ورَحْمَةٌ تَواتَرَتْ، فَلَمّا لَمْ تَنْفَعْ وقَعَ العَذابُ دُفْعَةً واحِدَةً، فَكانَتِ النِّعَمُ كَثِيرَةً، والنِّقْمَةُ واحِدَةً وسَنُبَيِّنُ هَذا زِيادَةَ بَيانٍ حِينَ نُفَسِّرُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [ الرَّحْمَنِ ] حَيْثُ جَمَعَ الآلاءَ وكَثُرَ ذِكْرُها وكَرَّرَها ثَلاثِينَ مَرَّةً، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ قَوْمٍ آخَرِينَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English