Ар-РазиАль‑Муджадиля · 58:5–11

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Муджадиля 58:5–11

58:5Страница 542

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥

Те, которые враждуют с Аллахом и Его Посланником, будут унижены, как были унижены их предшественники. Мы уже ниспослали ясные знамения, а для неверующих уготованы унизительные мучения.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾

وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في المُحادَّةِ قَوْلانِ: قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ المُحادَّةِ المُمانَعَةُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْبَوّابِ: حَدّادٌ، ولِلْمَمْنُوعِ الرِّزْقِ مَحْدُودٌ.

قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُحادَّةُ مُفاعَلَةٌ مِن لَفْظِ الحَدِيدِ، والمُرادُ المُقابَلَةُ بِالحَدِيدِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ أوْ كانَ ذَلِكَ مُنازَعَةً شَدِيدَةً شَبِيهَةً بِالخُصُومَةِ بِالحَدِيدِ، أمّا المُفَسِّرُونَ فَقالُوا: يُحادُّونَ أيْ يُعادُونَ ويُشاقُّونَ، وذَلِكَ تارَةً بِالمُحارَبَةِ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، وتارَةً بِالتَّكْذِيبِ والصَّدِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يُحادُّونَ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا يُوادُّونَ

صفحة ٢٢٩

الكافِرِينَ ويُظاهِرُونَ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأذَلَّهُمُ اللَّهُ تَعالى، ويَحْتَمِلُ سائِرَ الكُفّارِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنَّهم ﴿كُبِتُوا﴾ أيْ خُذِلُوا، قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: كَبَتَ اللَّهُ فُلانًا إذا أذَلَّهُ، والمَرْدُودُ بِالذُّلِّ يُقالُ لَهُ: مَكْبُوتٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن أعْداءِ الرُّسُلِ ﴿وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ: ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ بِهَذِهِ الآياتِ ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يَذْهَبُ بِعِزِّهِمْ وكِبْرِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ عَذابَ هَؤُلاءِ المُحادِّينَ في الدُّنْيا الذُّلُّ والهَوانُ، وفي الآخِرَةِ العَذابُ الشَّدِيدُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما بِهِ يَتَكامَلُ هَذا الوَعِيدُ فَقالَ:

58:6Страница 542

يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٦

В тот день Аллах воскресит их всех и поведает им о том, что они совершили. Аллах исчислил это, а они забыли. Аллах - Свидетель всякой вещи.

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾

”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ بِـ”يُنَبِّئُهُمْ“، أوْ بِـ”مُهِينٌ“، أوْ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: كُلَّهم لا يُتْرَكُ مِنهم أحَدٌ غَيْرَ مَبْعُوثٍ.

والثّانِي: مُجْتَمِعِينَ في حالٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ تَخْجِيلًا لَهم، وتَوْبِيخًا وتَشْهِيرًا لِحالِهِمُ الَّذِي يَتَمَنَّوْنَ عِنْدَهُ المُسارَعَةَ بِهِمْ إلى النّارِ، لِما يَلْحَقُهم مِنَ الخِزْيِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ أيْ أحاطَ بِجَمِيعِ أحْوالِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ والزَّمانِ والمَكانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالجُزْئِيّاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَسُوهُ﴾ لِأنَّهُمُ اسْتَحْقَرُوها، وتَهاوَنُوا بِها؛ فَلا جَرَمَ نَسُوها ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أيْ مُشاهِدٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ البَتَّةَ.

58:7Страница 543

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٧

Разве ты не знаешь, что Аллаху ведомо то, что на небесах, и то, что на земле? Не бывает тайной беседы между тремя, чтобы Он не был четвертым; или между пятью, чтобы Он не был шестым. Больше их или меньше - Он всегда с ними, где бы они ни были. А потом, в День воскресения, Он поведает им о том, что они совершили. Воистину, Аллах знает о всякой вещи.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”ألَمْ تَرَ“ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ؟ وأقُولُ: هَذا حَقٌّ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالأشْياءِ لا يُرى، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ، وإنَّما أُطْلِقَ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ عَلى هَذا العِلْمِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا هو أنَّ أفْعالَهُ مُحْكَمَةٌ مُتْقَنَةٌ مُنْتَسِقَةٌ مُنْتَظِمَةٌ، وكُلُّ مَن كانَتْ أفْعالُهُ كَذَلِكَ فَهو عالِمٌ.

أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى: فَمَحْسُوسَةٌ مُشاهَدَةٌ في عَجائِبِ السَّماواتِ والأرْضِ، وتَرْكِيباتِ النَّباتِ والحَيَوانِ.

أمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: فَبَدِيهِيَّةٌ، ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى كَذَلِكَ ظاهِرًا لا جَرَمَ بَلَغَ هَذا العِلْمُ والِاسْتِدْلالُ إلى أعْلى دَرَجاتِ الظُّهُورِ والجَلاءِ، صارَ جارِيًا مَجْرى المَحْسُوسِ المُشاهَدِ، فَلِذَلِكَ أطْلَقَ لَفْظَ الرُّؤْيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وأمّا أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَلِأنَّ عِلْمَهُ عِلْمٌ قَدِيمٌ، فَلَوْ تَعَلَّقَ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ مِن أنَّ جَمِيعَ المَعْلُوماتِ مُشْتَرِكَةٌ في صِحَّةِ المَعْلُومِيَّةِ لافْتَقَرَ ذَلِكَ العِلْمُ في ذَلِكَ التَّخْصِيصِ إلى مُخَصِّصٍ، وهو عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا جَرَمَ وجَبَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.

واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُ ما في الأرْضِ وما في السَّماواتِ. وفي رِعايَةِ هَذا التَّرْتِيبِ سِرٌّ عَجِيبٌ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَصَّ ما يَكُونُ مِنَ العِبادِ مِنَ النَّجْوى فَقالَ:

صفحة ٢٣٠

58:8–9Страница 543

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨

Разве ты не видел тех, кому были запрещены тайные беседы. Они возвращаются к тому, что было им запрещено, и тайно переговариваются о грехах, посягательстве и неповиновении Посланнику. Когда они приходят к тебе, то приветствуют тебя не так, как приветствует тебя Аллах, говоря в душе: «Почему бы Аллаху не наказать нас за то, что мы говорим?». Довольно с них Геенны! Туда они попадут, и как же скверно это место прибытия!

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩

О те, которые уверовали! Если уж вы тайно переговариваетесь, то не говорите о грехах, посягательстве и неповиновении Посланнику, а говорите о благочестии и богобоязненности и бойтесь Аллаха, к Которому вы будете собраны.

﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ جِنِّي: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ما تَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ - بِالتّاءِ - ثُمَّ قالَ: والتَّذْكِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ العامَّةُ هو الوَجْهُ، لِما هُناكَ مِنَ الشِّياعِ وعُمُومِ الجِنْسِيَّةِ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِنِ امْرَأةٍ، وما حَضَرَنِي مِن جارِيَةٍ؛ ولِأنَّهُ وقَعَ الفاصِلُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ وهو كَلِمَةُ ”مِن“؛ ولِأنَّ النَّجْوى تَأْنِيثُهُ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، وأمّا التَّأْنِيثُ فَلِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ما تَكُونُ نَجْوى، كَما يُقالُ: ما قامَتِ امْرَأةٌ، وما حَضَرَتْ جارِيَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما يَكُونُ﴾ مِن ”كانَ“ التّامَّةِ، أيْ ما يُوجَدُ ولا يَحْصُلُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّجْوى التَّناجِي وهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْوى مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْوَةِ، وهي ما ارْتَفَعَ ونَجا؛ فالكَلامُ المَذْكُورُ سِرًّا لَمّا خَلا عَنِ اسْتِماعِ الغَيْرِ صارَ كالأرْضِ المُرْتَفِعَةِ، فَإنَّها لِارْتِفاعِها خَلَتْ عَنِ اتِّصالِ الغَيْرِ.

ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تُجْعَلَ ”النَّجْوى“ وصْفًا، فَيُقالُ: قَوْمٌ نَجْوى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ والمَعْنى، هم ذَوُو نَجْوى، فَحُذِفَ المُضافُ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَصْدَرٍ وُصِفَ بِهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: جَرُّ ”ثَلاثَةٍ“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالإضافَةِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ النَّجْوى بِمَعْنى المُتَناجِينَ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”ما يَكُونُ مِن مُتَناجِينَ ثَلاثَةً“ فَيَكُونُ صِفَةً.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”ثَلاثَةً“ و”خَمْسَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، بِإضْمارِ ”يَتَناجَوْنَ“ لِأنَّ نَجْوى يَدُلُّ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الثَّلاثَةَ والخَمْسَةَ، وأهْمَلَ أمْرَ الأرْبَعَةِ في البَيْنِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الثَّلاثَةَ إذا اجْتَمَعُوا، فَإذا أخَذَ اثْنانِ في التَّناجِي والمُشاوَرَةِ، بَقِيَ الواحِدُ ضائِعًا وحِيدًا؛ فَيَضِيقُ قَلْبُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أنا جَلِيسُكَ وأنِيسُكَ، وكَذا الخَمْسَةُ إذا اجْتَمَعُوا بَقِيَ الخامِسُ وحِيدًا فَرِيدًا، أمّا إذا كانُوا أرْبَعَةً لَمْ يَبْقَ واحِدٌ مِنهم فَرِيدًا، فَهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ مَنِ انْقَطَعَ عَنِ الخَلْقِ ما يَتْرُكُهُ اللَّهُ تَعالى ضائِعًا.

وثانِيها: أنَّ العَدَدَ الفَرْدَ أشْرَفُ مِنَ الزَّوْجِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، فَخَصَّ الأعْدادَ الفَرْدَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن رِعايَةِ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ.

وثالِثُها: أنَّ أقَلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ في المُشاوَرَةِ الَّتِي يَكُونُ الغَرَضُ مِنها تَمْهِيدَ مَصْلَحَةِ ثَلاثَةٍ حَتّى يَكُونَ الِاثْنانِ كالمُتَنازِعَيْنِ في النَّفْيِ والإثْباتِ، والثّالِثُ كالمُتَوَسِّطِ الحاكِمِ بَيْنَهُما، فَحِينَئِذٍ تَكْمُلُ تِلْكَ المَشُورَةُ، ويَتِمُّ ذَلِكَ الغَرَضُ، وهَكَذا في كُلِّ جَمْعٍ اجْتَمَعُوا لِلْمُشاوَرَةِ، فَلا بُدَّ فِيهِمْ مِن واحِدٍ يَكُونُ حَكَمًا مَقْبُولَ القَوْلِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لا بُدَّ

صفحة ٢٣١

وأنْ تَكُونَ أرْبابُ المُشاوَرَةِ عَدَدُهم فَرْدًا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ الفَرْدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، واكْتَفى بِذِكْرِهِما تَنْبِيهًا عَلى الباقِي.

ورابِعُها: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، اجْتَمَعُوا عَلى التَّناجِي مُغايَظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وكانُوا عَلى هَذَيْنِ العَدَدَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَبِيعَةَ وحَبِيبٍ ابْنَيْ عَمْرٍو، وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، كانُوا يَوْمًا يَتَحَدَّثُونَ، فَقالَ أحَدُهم: هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ ما تَقُولُ ؟ وقالَ الثّانِي: يَعْلَمُ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ، وقالَ الثّالِثُ: إنْ كانَ يَعْلَمُ البَعْضَ فَيَعْلَمُ الكُلَّ.

وخامِسُها: أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا اللَّهُ رابِعُهم ولا أرْبَعَةٍ إلّا اللَّهُ خامِسُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا اللَّهُ سادِسُهم ولا أقَلَّ مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا اللَّهُ مَعَهم إذا أخَذُوا في التَّناجِي“ .

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قُرِئَ: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ولا أكْثَرُ“ بِالرَّفْعِ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ ”لا“ مَعَ ”أدْنى“، كَقَوْلِكَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةٌ إلّا بِاللَّهِ، بِفَتْحِ الحَوْلِ ورَفْعِ القُوَّةِ.

والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَرْفُوعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: لا حَوْلٌ ولا قُوَّةٌ إلّا بِاللَّهِ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُهُما عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿مِن نَجْوى﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ أدْنى ولا أكْثَرُ إلّا هو مَعَهم.

والخامِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَجْرُورَيْنِ عَطْفًا عَلى ﴿نَجْوى﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ مِن أدْنى ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قُرِئَ: ”ولا أكْبَرَ“ بِالباءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ.

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى رابِعًا لَهم، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مَعَهم كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِكَلامِهِمْ وضَمِيرِهِمْ وسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ، وكَأنَّهُ تَعالى حاضِرٌ مَعَهم ومَشاهِدٌ لَهم، وقَدْ تَعالى عَنِ المَكانِ والمُشاهَدَةِ.

المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَرَأ بَعْضُهم: ”ثُمَّ يُنْبِئُهم“ بِسُكُونِ النُّونِ، وأنْبَأ ونَبَّأ واحِدٌ في المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ يُحاسِبُ عَلى ذَلِكَ ويُجازِي عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهو تَحْذِيرٌ مِنَ المَعاصِي وتَرْغِيبٌ في الطّاعاتِ.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهم مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ، ومِنهم مَن قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ، ومِنهم مَن قالَ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم فَقالَ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾، وهَذا الجِنْسُ فِيما رُوِيَ وقَعَ مِنَ اليَهُودِ، فَقَدْ كانُوا إذا سَلَّمُوا عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: السّامُ عَلَيْكَ، يَعْنُونَ المَوْتَ، والأخْبارُ في ذَلِكَ مُتَظاهِرَةٌ، وقِصَّةُ عائِشَةَ فِيها مَشْهُورَةٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ٢٣٢

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ صَحَّ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم ويُوهِمُونَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم يَتَناجَوْنَ فِيما يَسُوءُهم، فَيَحْزَنُونَ لِذَلِكَ، فَلَمّا أكْثَرُوا ذَلِكَ شَكا المُسْلِمُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَهم أنْ لا يَتَناجَوْا دُونَ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ وعادُوا إلى مُناجاتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الإثْمَ والعُدْوانَ هو مُخالَفَتُهم لِلرُّسُلِ في النَّهْيِ عَنِ النَّجْوى؛ لِأنَّ الإقْدامَ عَلى المَنهِيِّ يُوجِبُ الإثْمَ والعُدْوانَ، سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الإقْدامُ لِأجْلِ المُناصَبَةِ وإظْهارِ التَّمَرُّدِ.

والثّانِي: أنَّ الإثْمَ والعُدْوانَ هو ذَلِكَ السِّرُّ الَّذِي كانَ يَجْرِي بَيْنَهم؛ لِأنَّهُ إمّا مَكْرٌ وكَيْدٌ بِالمُسْلِمِينَ أوْ شَيْءٌ يَسُوءُهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، ”ويَنْتَجُونَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ: يَتَناجَوْنَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَنْتَجُونَ يَفْتَعِلُونَ مِنَ النَّجْوى، والنَّجْوى مَصْدَرٌ كالدَّعْوى والعَدْوى، فَيَنْتَجُونَ ويَتَناجَوْنَ واحِدٌ، فَإنَّ يَفْتَعِلُونَ، ويَتَفاعَلُونَ قَدْ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا، كَما يُقالُ: ازْدَوِجُوا، واعْتَوِرُوا، وتَزاوَجُوا وتَعاوَرُوا، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها﴾ [الأعراف: ٣٨] وادَّرَكُوا، فادَّرَكُوا افْتَعَلُوا، وادّارَكُوا تَفاعَلُوا، وحَجَّةُ مَن قَرَأ: ﴿ويَتَناجَوْنَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ فَهَذا مُطاوِعُ ”ناجَيْتُمْ“، ولَيْسَ في هَذا رَدٌّ لِقِراءَةِ حَمْزَةَ: ”يَنْتَجُونَ“؛ لِأنَّ هَذا مِثْلُهُ في الجَوازِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَعْصِياتِ الرَّسُولِ“، والقَوْلانِ هَهُنا كَما ذَكَرْناهُ في الإثْمِ والعُدْوانِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ في تَحِيَّتِكَ: السّامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ. والسّامُ: المَوْتُ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] و﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ و﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: إنَّهُ لَوْ كانَ رَسُولًا فَلِمَ لا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِهَذا الِاسْتِخْفافِ.

* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ والمَعْنى أنَّ تَقَدُّمَ العَذابِ إنَّما يَكُونُ بِحَسَبِ المَشِيئَةِ، أوْ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، فَإذا لَمْ تَقْتَضِ المَشِيئَةُ تَقْدِيمَ العَذابِ، ولَمْ يَقْتَضِ الصَّلاحُ أيْضًا ذَلِكَ، فالعَذابُ في القِيامَةِ كافِيهِمْ في الرَّدْعِ عَمّا هم عَلَيْهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى قَوْلَيْنِ، وذَلِكَ لِأنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] عَلى اليَهُودِ حَمَلْنا في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وإنْ حَمَلْنا ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، حَمَلْنا هَذا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ عَلى التَّناجِي بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ

صفحة ٢٣٣

الرَّسُولِ، أتْبَعَهُ بِأنْ نَهى أصْحابَهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْلُكُوا مِثْلَ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ﴾ وهو ما يَقْبُحُ مِمّا يَخُصُّهم ﴿والعُدْوانِ﴾ وهو يُؤَدِّي إلى ظُلْمِ الغَيْرِ ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ وهو ما يَكُونُ خِلافًا عَلَيْهِ، وأمَرَهم أنْ يَتَناجَوْا بِالبَرِّ الَّذِي يُضادُّ العُدْوانَ، وبِالتَّقْوى وهو ما يُتَّقى بِهِ مِنَ النّارِ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ مَتى تَناجَوْا بِما هَذِهِ صِفَتُهُ قَلَّتْ مُناجاتُهم؛ لِأنَّ ما يَدْعُو إلى مِثْلِ هَذا الكَلامِ يَدْعُو إظْهارَهُ، وذَلِكَ يَقْرُبُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وأيْضًا فَمَتى عَرَفْتَ طَرِيقَةَ الرَّجُلِ في هَذِهِ المُناجاةِ لَمْ يَتَأذّى مِن مُناجاتِهِ أحَدٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ إلى حَيْثُ يُحاسَبُ ويُجازى، وإلّا فالمَكانُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الألِفُ واللّامُ في لَفْظِ النَّجْوى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّ في النَّجْوى ما يَكُونُ مِنَ اللَّهِ ولِلَّهِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ المَعْهُودُ السّابِقُ وهو النَّجْوى بِالإثْمِ والعُدْوانِ، والمَعْنى أنَّ الشَّيْطانَ يَحْمِلُهم عَلى أنْ يُقْدِمُوا عَلى تِلْكَ النَّجْوى الَّتِي هي سَبَبٌ لِحُزْنِ المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ إذا رَأوْهم مُتَناجِينَ قالُوا: ما نَراهم إلّا وقَدْ بَلَغَهم عَنْ أقْرِبائِنا وإخْوانِنا الَّذِينَ خَرَجُوا إلى الغَزَواتِ أنَّهم قُتِلُوا وهُزِمُوا، ويَقَعُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ويَحْزَنُونَ لَهُ.

58:10Страница 543

إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠

Тайная беседа - от дьявола, стремящегося опечалить тех, которые уверовали. Но это нисколько не повредит им, если на то не будет соизволения Аллаха. Пусть же верующие уповают только на Аллаха.

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: لَيْسَ يَضُرُّ التَّناجِي بِالمُؤْمِنِينَ شَيْئًا.

والثّانِي: الشَّيْطانُ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَقِيلَ: بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِخَلْقِهِ وتَقْدِيرِهِ لِلْأمْراضِ وأحْوالِ القَلْبِ مِنَ الحُزْنِ والفَرَحِ، وقِيلَ: بِأنْ يُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ مُناجاةِ الكُفّارِ حَتّى يَزُولَ الغَمُّ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ لا يَخِيبُ أمَلُهُ ولا يَبْطُلُ سَعْيُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَمّا يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّباغُضِ والتَّنافُرِ، أمَرَهُمُ الآنَ بِما يَصِيرُ سَبَبًا لِزِيادَةِ المَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ تَوَسَّعُوا فِيهِ، ولْيُفْسِحْ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ، مِن قَوْلِهِمُ: افْسَحْ عَنِّي، أيْ تَنَحَّ، ولا تَتَضامُّوا، يُقالُ: بَلْدَةٌ فَسِيحَةٌ، ومَفازَةٌ فَسِيحَةٌ، ولَكَ فِيهِ فُسْحَةٌ، أيْ سِعَةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ: تَفاسَحُوا، قالَ ابْنُ جِنِّي: هَذا لائِقٌ بِالغَرَضِ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: تَفَسَّحُوا، فَمَعْناهُ لِيَكُنْ هُناكَ تَفَسُّحٌ، وأمّا التَّفاسُحُ فَتَفاعُلٌ، والمُرادُ هَهُنا المُفاعَلَةُ، فَإنَّها تَكُونُ لِما فَوْقَ الواحِدِ كالمُقاسَمَةِ والمُكايَلَةِ. وقُرِئَ ”في المَجْلِسِ“ قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ التَّوْحِيدُ؛ لِأنَّ المُرادَ مَجْلِسُ النَّبِيِّ ﷺ وهو واحِدٌ، ووَجْهُ الجَمْعِ أنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ جالِسٍ مَجْلِسٌ عَلى حِدَةٍ، أيْ مَوْضِعُ جُلُوسٍ.

صفحة ٢٣٤

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في الآيَةِ أقْوالًا:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مَجْلِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا يَتَضامُّونَ فِيهِ تَنافُسًا عَلى القُرْبِ مِنهُ، وحِرْصًا عَلى اسْتِماعِ كَلامِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: «كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ في الصُّفَّةِ، وفي المَكانِ ضِيقٌ، وكانَ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَجاءَ ناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وقَدْ سَبَقُوا إلى المَجْلِسِ، فَقامُوا حِيالَ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُوَسَّعَ لَهم، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما يَحْمِلُهم عَلى القِيامِ، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ، فَقالَ لِمَن حَوْلَهُ مِن غَيْرِ أهْلِ بَدْرٍ: قُمْ يا فُلانُ، ثُمَّ يا فُلانُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقِيمُ بِعِدَّةِ النَّفَرِ الَّذِينَ هم قِيامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى مَن أُقِيمَ مِن مَجْلِسِهِ، وعُرِفَتِ الكَراهِيَةُ في وُجُوهِهِمْ، وطَعَنَ المُنافِقُونَ في ذَلِكَ، وقالُوا: واللَّهِ ما عَدَلَ عَلى هَؤُلاءِ، إنَّ قَوْمًا أخَذُوا مَجالِسَهم، وأحَبُّوا القُرْبَ مِنهُ فَأقامَهم وأجْلَسَ مَن أبْطَأ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ» .

الثّانِي: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمّاسِ، وذَلِكَ أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ وقَدْ أخَذَ القَوْمُ مَجالِسَهم، وكانَ يُرِيدُ القُرْبَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْوَقْرِ الَّذِي كانَ في أُذُنَيْهِ، فَوَسَّعُوا لَهُ حَتّى قَرَّبَ، ثُمَّ ضايَقَهُ بَعْضُهم وجَرى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ كَلامٌ، ووَصَفَ لِلرَّسُولِ مَحَبَّةَ القُرْبِ مِنهُ لِيَسْمَعَ كَلامَهُ، وإنَّ فُلانًا لَمْ يُفْسِحْ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُمِرَ القَوْمُ بِأنْ يُوَسِّعُوا ولا يَقُومَ أحَدٌ لِأحَدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُحِبُّونَ القُرْبَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَكْرَهُ أنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَرُبَّما سَألَهُ أخُوهُ أنْ يُفْسِحَ لَهُ فَيَأْبى، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَتَعاطَفُوا ويَتَحَمَّلُوا المَكْرُوهَ، وكانَ فِيهِمْ مَن يَكْرَهُ أنْ يَمَسَّهُ الفُقَراءُ، وكانَ أهْلُ الصُّفَّةِ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ ولَهم رَوائِحُ.

القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ تَفَسَّحُوا في مَجالِسِ القِتالِ؛ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وكانَ الرَّجُلُ يَأْتِي الصَّفَّ فَيَقُولُ: تَفَسَّحُوا، فَيَأْبَوْنَ لِحِرْصِهِمْ عَلى الشَّهادَةِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ جَمِيعُ المَجالِسِ والمَجامِعِ، قالَ القاضِي: والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَجْلِسُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المَجْلِسَ عَلى وجْهٍ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَعْهُودًا، والمَعْهُودُ في زَمانِ نُزُولِ الآيَةِ لَيْسَ إلّا مَجْلِسُ الرَّسُولِ -ﷺ -الَّذِي يَعْظُمُ التَّنافُسُ عَلَيْهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ لِلْقُرْبِ مِنهُ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِما فِيهِ مِن سَماعِ حَدِيثِهِ، ولِما فِيهِ مِنَ المَنزِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لِيَلِيَنِي مِنكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهى» ولِذَلِكَ كانَ يُقَدِّمُ الأفاضِلَ مِن أصْحابِهِ، وكانُوا لِكَثْرَتِهِمْ يَتَضايَقُونَ، فَأُمِرُوا بِالتَّفَسُّحِ إذا أمْكَنَ، لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في التَّحَبُّبِ، وفي الِاشْتِراكِ في سَماعِ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ في مَجْلِسِهِ، فَحالَ الجِهادُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، بَلْ رُبَّما كانَ أوْلى، لِأنَّ الشَّدِيدَ البَأْسِ قَدْ يَكُونُ مُتَأخِّرًا عَنِ الصَّفِّ الأوَّلِ، والحاجَةُ إلى تَقَدُّمِهِ ماسَّةٌ فَلا بُدَّ مِنَ التَّفَسُّحِ، ثُمَّ يُقاسُ عَلى هَذا سائِرُ مَجالِسِ العِلْمِ والذِّكْرِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فَهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَطْلُبُ النّاسُ الفُسْحَةَ فِيهِ مِنَ المَكانِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ والقَبْرِ والجَنَّةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ مَن وسَّعَ عَلى عِبادِ اللَّهِ أبْوابَ الخَيْرِ والرّاحَةِ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يُقَيِّدَ الآيَةَ بِالتَّفَسُّحِ في المَجْلِسِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ إيصالُ الخَيْرِ إلى المُسْلِمِ، وإدْخالُ السُّرُورِ في قَلْبِهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا يَزالُ اللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما زالَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ المُسْلِمِ» .

58:11Страница 543

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١

О те, которые уверовали! Когда вас просят на собраниях сесть пошире, то садитесь пошире, и Аллах одарит вас местом просторным. Когда же вам велят подняться, то поднимайтесь. Аллах возвышает по степеням тех из вас, кто уверовал, и тех, кому даровано знание. Аллах ведает о том, что вы совершаете.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا قِيلَ لَكُمُ: ارْتَفِعُوا فارْتَفِعُوا، واللَّفْظُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: إذا قِيلَ لَكم: قُومُوا لِلتَّوْسِعَةِ عَلى الدّاخِلِ فَقُومُوا.

وثانِيها: إذا قِيلَ: قُومُوا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُطَوِّلُوا في الكَلامِ؛ فَقُومُوا ولا تَرْكُزُوا مَعَهُ، كَما قالَ: ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وثالِثُها: إذا قِيلَ لَكم: قُومُوا إلى الصَّلاةِ والجِهادِ وأعْمالِ الخَيْرِ، وتَأهَّبُوا لَهُ، فاشْتَغِلُوا بِهِ وتَأهَّبُوا لَهُ، ولا تَتَثاقَلُوا فِيهِ، قالَ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ قَوْمًا تَثاقَلُوا عَنِ الصَّلاةِ، فَأُمِرُوا بِالقِيامِ لَها إذا نُودِيَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”انْشِزُوا“ بِكَسْرِ الشِّينِ وبِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ مِثْلُ: يَعْكِفُونَ ويَعْكُفُونَ ويَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهم أوَّلًا عَنْ بَعْضِ الأشْياءِ، ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِبَعْضِ الأشْياءِ -وعَدَهم عَلى الطّاعاتِ، فَقالَ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ أيْ يَرْفَعُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِامْتِثالِ أوامِرِ رَسُولِهِ، والعالِمِينَ مِنهم خاصَّةً دَرَجاتٍ، ثُمَّ في المُرادِ مِن هَذِهِ الرِّفْعَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو القَوْلُ النّادِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الرِّفْعَةُ في مَجْلِسِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: وهو القَوْلُ المَشْهُورُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الرِّفْعَةُ في دَرَجاتِ الثَّوابِ ومَراتِبِ الرِّضْوانِ.

واعْلَمْ أنّا أطْنَبْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] في فَضِيلَةِ العِلْمِ، وقالَ القاضِي: لا شُبْهَةَ أنَّ عِلْمَ العالِمِ يَقْتَضِي لِطاعَتِهِ مِنَ المَنزِلَةِ ما لا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّهُ يُقْتَدى بِالعالِمِ في كُلِّ أفْعالِهِ، ولا يُقْتَدى بِغَيْرِ العالِمِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ مِن كَيْفِيَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ الحَرامِ والشُّبَهاتِ ومُحاسَبَةِ النَّفْسِ ما لا يَعْرِفُهُ الغَيْرُ، ويَعْلَمُ مِن كَيْفِيَّةِ الخُشُوعِ والتَّذَلُّلِ في العِبادَةِ ما لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ، ويَعْلَمُ مِن كَيْفِيَّةِ التَّوْبَةِ وأوْقاتِها وصِفاتِها ما لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ، ويَتَحَفَّظُ فِيما يَلْزَمُهُ مِنَ الحُقُوقِ ما لا يَتَحَفَّظُ مِنهُ غَيْرُهُ، وفي الوُجُوهِ كَثْرَةٌ، لَكِنَّهُ كَما تَعْظُمُ مَنزِلَةُ أفْعالِهِ مِنَ الطّاعاتِ في دَرَجَةِ الثَّوابِ، فَكَذَلِكَ يَعْظُمُ عِقابُهُ فِيما يَأْتِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ؛ لِمَكانِ عِلْمِهِ، حَتّى لا يَمْتَنِعَ في كَثِيرٍ مِن صَغائِرِ غَيْرِهِ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا مِنهُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English