Ар-РазиАль‑Анам · 6:151–157

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Анам 6:151–157

6:151–153Страница 148

۞ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١

Скажи: «Придите, и я прочту то, что запретил вам ваш Господь». Никого не приобщайте к Нему в сотоварищи и делайте добро родителям. И не убивайте своих детей, опасаясь нищеты, ведь Мы обеспечиваем пропитанием вас вместе с ними. И не приближайтесь к мерзким поступкам, явным или сокрытым. Не убивайте душу, которую Аллах запретил убивать, если только у вас нет на это права. Это заповедал вам Аллах, - быть может, вы уразумеете.

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١٥٢

Не приближайтесь к имуществу сироты, кроме как во благо ему, пока он не достигнет зрелого возраста. Наполняйте меру и весы по справедливости. Мы не возлагаем на человека сверх его возможностей. Когда вы произносите слово, будьте справедливы, даже если это касается родственника. Будьте верны договору с Аллахом. Это заповедал вам Аллах, - быть может, вы помяните назидание.

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣

Таков Мой прямой путь. Следуйте по нему и не следуйте другими путями, поскольку они собьют вас с Его пути. Он заповедал вам это, - быть может, вы устрашитесь.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ ما يَقُولُ الكُفّارُ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنا كَذا وكَذا، أرْدَفَهُ تَعالى بِبَيانِ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمَها عَلَيْهِمْ، وهي الأشْياءُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَعالَ“ مِنَ الخاصِّ الَّذِي صارَ عامًّا، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَهُ مَن كانَ في مَكانٍ لِمَن هو أسْفَلُ مِنهُ، ثُمَّ كَثُرَ وعَمَّ، وما في قَوْلِهِ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ مَنصُوبٌ، وفي ناصِبِهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”أتْلُ“ والتَّقْدِيرُ: أتْلُ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَيْكم.

والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِحَرَّمَ، والتَّقْدِيرُ: أتْلُ الأشْياءَ الَّتِي حَرَّمَ عَلَيْكم.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ كالتَّفْصِيلِ لِما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ والإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ واجِبٌ، لا مُحَرَّمٌ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ التَّحْرِيمِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ حَرِيمًا مُعَيَّنًا، وذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَهُ بَيانًا مَضْبُوطًا مُعَيَّنًا، فَقَوْلُهُ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ مَعْناهُ: أتْلُ عَلَيْكم ما بَيَّنَهُ بَيانًا شافِيًا بِحَيْثُ يَجْعَلُ لَهُ حَرِيمًا

صفحة ١٩٠

مُعَيَّنًا، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ، والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ وانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾ كَما يُقالُ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ، أوْ أنَّ الكَلامَ تَمَّ وانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ بِمَعْنى لِئَلّا تُشْرِكُوا، والتَّقْدِيرُ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم لِئَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا﴾ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: أيْ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، أيْ لا تُشْرِكُوا، أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ هو قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ .

فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإحْسانُ بِالوالِدَيْنِ حَرامًا، وهو باطِلٌ.

قُلْنا: لَمّا أوْجَبَ الإحْسانَ إلَيْهِما، فَقَدْ حَرَّمَ الإساءَةَ إلَيْهِما.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا خَمْسَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدْ شَرَحَ فِرَقَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ طائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ يَجْعَلُونَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] .

والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةُ الكَواكِبِ، وهُمُ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم، أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْطَلَ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ .

والطّائِفَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وهُمُ القائِلُونَ بِيَزْدانَ وأهْرِمَن.

والطّائِفَةُ الرّابِعَةُ: الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ بَنِينَ وبَناتٍ، وأقامَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ أقْوالِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ والفِرَقِ، فَلَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ فَسادَ قَوْلِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ. قالَ هاهُنا: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ .

النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أوْجَبَها هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وإنَّما ثَنّى بِهَذا التَّكْلِيفِ؛ لِأنَّ أعْظَمَ أنْواعِ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى، ويَتْلُوها نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ في وُجُودِ الإنْسانِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وفي الظّاهِرِ هو الأبَوانِ، ثُمَّ نِعَمُهُما عَلى الإنْسانِ عَظِيمَةٌ وهي نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ والشَّفَقَةِ والحِفْظِ عَنِ الضَّياعِ والهَلاكِ في وقْتِ الصِّغَرِ.

النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ فَأوْجَبَ بَعْدَ رِعايَةِ حُقُوقِ الأبَوَيْنِ رِعايَةَ حُقُوقِ الأوْلادِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ أيْ مِن خَوْفِ الفَقْرِ وقَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الخَوْفِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] والمُرادُ مِنهُ النَّهْيُ عَنِ الوَأْدِ، إذْ كانُوا يَدْفِنُونَ البَناتِ أحْياءً، بَعْضُهم لِلْغَيْرَةِ، وبَعْضُهم خَوْفَ الفَقْرِ، وهو السَّبَبُ الغالِبُ، فَبَيَّنَ تَعالى فَسادَ هَذِهِ العِلَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا كانَ مُتَكَفِّلًا بِرِزْقِ الوالِدِ والوَلَدِ، فَكَما وجَبَ عَلى الوالِدَيْنِ تَبْقِيَةُ النَّفْسِ والِاتِّكالُ في رِزْقِها عَلى اللَّهِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في حالِ الوَلَدِ، قالَ شِمْرٌ: أمْلَقَ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ. يُقالُ: أمْلَقَ الرَّجُلُ، فَهو مُمْلِقٌ، إذا افْتَقَرَ، فَهَذا لازِمٌ، وأمْلَقَ الدَّهْرُ ما عِنْدَهُ، إذا أفْسَدَهُ، والإمْلاقُ الفَسادُ.

صفحة ١٩١

والنَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَكْرَهُونَ الزِّنا عَلانِيَةً، ويَفْعَلُونَ ذَلِكَ سِرًّا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنِ الزِّنا عَلانِيَةً وسِرًّا، والأوْلى أنْ لا يُخَصَّصَ هَذا النَّهْيُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَجْرِي عَلى عُمُومِهِ في جَمِيعِ الفَواحِشِ ظاهِرِها وباطِنِها لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ. والمَعْنى المُوجِبُ لِهَذا النَّهْيِ وهو كَوْنُهُ فاحِشَةً عامٌّ أيْضًا ومَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ والمَعْنى يَكُونُ التَّخْصِيصُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ دَقِيقَةٌ، وهي: أنَّ الإنْسانَ إذا احْتَرَزَ عَنِ المَعْصِيَةِ في الظّاهِرِ ولَمْ يَحْتَرِزْ عَنْها في الباطِنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ احْتِرازَهُ عَنْها لَيْسَ لِأجْلِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، ولَكِنْ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن مَذَمَّةِ النّاسِ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ مَن كانَ مَذَمَّةُ النّاسِ عِنْدَهُ أعْظَمَ وقْعًا مِن عِقابِ اللَّهِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ يُخْشى عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ومَن تَرَكَ المَعْصِيَةَ ظاهِرًا وباطِنًا، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما تَرَكَها تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وخَوْفًا مِن عَذابِهِ ورَغْبَةً في عُبُودِيَّتِهِ.

والنَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا داخِلٌ في جُمْلَةِ الفَواحِشِ إلّا أنَّهُ تَعالى أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِفائِدَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّ الإفْرادَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ والثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يَسْتَثْنِيَ مِنهُ، ولا يَتَأتّى هَذا الِاسْتِثْناءُ في جُمْلَةِ الفَواحِشِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ قَتْلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا لِجُرْمٍ يَصْدُرُ مِنها. والحَدِيثُ أيْضًا مُوافِقٌ لَهُ وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» “ والقُرْآنُ دَلَّ عَلى سَبَبٍ رابِعٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] .

والحاصِلُ: أنَّ الأصْلَ في قَتْلِ النَّفْسِ هو الحُرْمَةُ وحِلُّهُ لا يَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ هَذِهِ الأقْسامِ الخَمْسَةِ أتْبَعَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُقَرِّبُ إلى القَلْبِ القَبُولَ، فَقالَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ لِما في هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ اللُّطْفِ والرَّأْفَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِيَكُونَ المُكَلَّفُ أقْرَبَ إلى القَبُولِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَعْقِلُوا فَوائِدَ هَذِهِ التَّكالِيفِ، ومَنافِعَها في الدِّينِ والدُّنْيا.

* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾

صفحة ١٩٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وهي أُمُورٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ لا حاجَةَ فِيها إلى الفِكْرِ والِاجْتِهادِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وهي أُمُورٌ خَفِيَّةٌ يَحْتاجُ المَرْءُ العاقِلُ في مَعْرِفَتِهِ بِمِقْدارِها إلى التَّفَكُّرِ، والتَّأمُّلِ والِاجْتِهادِ.

فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ والمَعْنى: ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِأنْ يَسْعى في تَنْمِيَتِهِ وتَحْصِيلِ الرِّبْحِ بِهِ ورِعايَةِ وُجُوهِ الغِبْطَةِ لَهُ، ثُمَّ إنْ كانَ القَيِّمُ فَقِيرًا مُحْتاجًا أخَذَ بِالمَعْرُوفِ، وإنْ كانَ غَنِيًّا فاحْتَرَزَ عَنْهُ كانَ أوْلى فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مَعْناهُ كَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فالمَعْنى احْفَظُوا مالَهُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، فَإذا بَلَغَ أشُدَّهُ فادْفَعُوا إلَيْهِ مالَهُ. وأمّا مَعْنى الأشُدِّ وتَفْسِيرُهُ: قالَ اللَّيْثُ: الأشُدُّ مَبْلَغُ الرَّجُلِ الحِكْمَةَ والمَعْرِفَةَ. قالَ الفَرّاءُ: الأشُدُّ. واحِدُها شَدٌّ؛ في القِياسِ، ولَمْ أسْمَعْ لَها بِواحِدٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: واحِدَةُ الأشُدِّ شِدَّةٌ كَما أنَّ واحِدَةَ الأنْعُمِ نِعْمَةٌ، والشِّدَّةُ: القُوَّةُ والجَلادَةُ، والشَّدِيدُ الرَّجُلُ القَوِيُّ، وفَسَّرُوا بُلُوغَ الأشُدِّ في هَذِهِ الآيَةِ بِالِاحْتِلامِ بِشَرْطِ أنْ يُؤْنَسَ مِنهُ الرُّشْدُ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في هَذا الفَصْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَلَغَ تَمامَ الكَمالِ، فَقَدْ وفى وتَمَّ. يُقالُ: دِرْهَمٌ وافٍ، وكَيْلٌ وافٍ، وأوْفَيْتُهُ حَقَّهُ، ووَفَّيْتُهُ إذا أتْمَمْتَهُ، وأوْفى الكَيْلَ إذا أتَمَّهُ ولَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا وقَوْلُهُ: (والمِيزانَ) أيِ الوَزْنَ بِالمِيزانِ وقَوْلُهُ: (بِالقِسْطِ) أيْ بِالعَدْلِ لا بَخْسَ ولا نُقْصانَ.

فَإنْ قِيلَ: إيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ، هو عَيْنُ القِسْطِ، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟

قُلْنا: أمَرَ اللَّهُ المُعْطِيَ بِإيفاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانِهِ، وأمَرَ صاحِبَ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ الزِّيادَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يَتَوَهَّمَ الإنْسانُ أنَّهُ يَجِبُ عَلى التَّحْقِيقِ وذَلِكَ صَعْبٌ شَدِيدٌ في العَدْلِ أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِما يُزِيلُ هَذا التَّشْدِيدَ فَقالَ: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أيِ الواجِبُ في إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ هَذا القَدْرُ المُمْكِنُ في إبْقاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ. أمّا التَّحْقِيقُ فَغَيْرُ واجِبٍ. قالَ القاضِي: إذا كانَ تَعالى قَدْ خَفَّفَ عَلى المُكَلَّفِ هَذا التَّخْفِيفَ مَعَ أنَّ ما هو التَّضْيِيقُ مَقْدُورٌ لَهُ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ تَعالى يُكَلِّفُ الكافِرَ الإيمانَ مَعَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ ؟ بَلْ قالُوا: يَخْلُقُ الكُفْرَ فِيهِ، ويُرِيدُهُ مِنهُ، ويَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ، ويَخْلُقُ فِيهِ القُدْرَةَ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ الكُفْرِ، والدّاعِيَةَ المُوجِبَةَ لَهُ، ثُمَّ يَنْهاهُ عَنْهُ فَهو تَعالى لَمّا لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ التَّشْدِيدِ والتَّضْيِيقِ عَلى العَبْدِ، وهو إيفاءُ الكَيْلِ والوَزْنِ عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ، فَكَيْفَ يُجَوِّزُ أنْ يُضِيفَ عَلى العَبْدِ مِثْلَ هَذا التَّضْيِيقِ والتَّشْدِيدِ ؟

واعْلَمْ أنّا نُعارِضُ القاضِيَ وشُيُوخَهُ في هَذا المَوْضِعِ بِمَسْألَةِ العِلْمِ ومَسْألَةِ الدّاعِي، وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ ولا يَبْقى لِهَذا الكَلامِ رُواءٌ ولا رَوْنَقٌ.

صفحة ١٩٣

النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى فِيها أداءَ الأمانَةِ، والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوهُ عَلى أداءِ الشَّهادَةِ فَقَطْ، والأمْرِ والنَّهْيِ فَقَطْ، قالَ القاضِي: ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَّصِلُ بِالقَوْلِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَقُولُ المَرْءُ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ وتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ؛ بِأنْ يَذْكُرَ الدَّلِيلَ مُلَخَّصًا عَنِ الحَشْوِ والزِّيادَةِ بِألْفاظٍ مَفْهُومَةٍ مُعْتادَةٍ، قَرِيبَةٍ مِنَ الأفْهامِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ واقِعًا عَلى وجْهِ العَدْلِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ في الإيذاءِ والإيحاشِ، ونُقْصانٍ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحِكاياتُ الَّتِي يَذْكُرُها الرَّجُلُ حَتّى لا يَزِيدَ فِيها ولا يَنْقُصَ عَنْها، ومِن جُمْلَتِها تَبْلِيغُ الرِّسالاتِ عَنِ النّاسِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يُؤَدِّيَها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ حُكْمُ الحاكِمِ بِالقَوْلِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُسَوّى فِيهِ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُ طَلَبَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ بِالقَرِيبِ والبَعِيدِ.

والنَّوْعُ الرّابِعُ: مِن هَذِهِ التَّكالِيفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ وهَذا مِن خَفِيّاتِ الأُمُورِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَحْلِفُ مَعَ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الحَلِفُ خَفِيًّا، ويَكُونُ بِرُّهُ وحِنْثُهُ أيْضًا خَفِيًّا، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ قالَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ خاتِمَةَ الآيَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وخاتِمَةَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ؟

قُلْنا: لِأنَّ التَّكالِيفَ الخَمْسَةَ المَذْكُورَةَ في الأُولى أُمُورٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَوَجَبَ تَعَقُّلُها وتَفَهُّمُها وأمّا التَّكالِيفُ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ فَأُمُورٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ، لا بُدَّ فِيها مِنَ الِاجْتِهادِ والفِكْرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (تَذَكَّرُونَ) بِالتَّخْفِيفِ والباقُونَ (تَذَّكَّرُونَ) بِتَشْدِيدِ الذّالِ في كُلِّ القُرْآنِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.

* * *

صفحة ٣

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (وأنْ هَذا) بِفَتْحِ الألِفِ وسُكُونِ النُّونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وإنَّ) بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُّونِ، أمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فَأصْلُها (وإنَّهُ هَذا صِراطِي) والهاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والحَدِيثِ، وعَلى هَذا الشَّرْطِ تُخَفَّفُ. قالَ الأعْشى:

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ

أيْ: قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ هالِكٌ، وأمّا كَسْرُ (إنَّ) فالتَّقْدِيرُ (أتْلُ ما حَرَّمَ) وأتْلُ أنَّ هَذا صِراطِي بِمَعْنى أقُولُ، وقِيلَ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وأمّا فَتْحُ أنَّ، فَقالَ الفَرّاءُ: فَتْحُ (أنَّ) مِن وُقُوعِ أتْلُ عَلَيْها يَعْنِي وأتْلُ عَلَيْكم (أنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا) قالَ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها خَفْضًا، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ وبِأنَّ هَذا صِراطِي.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ (أنَّ) فَقِياسُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حَمَلَها عَلى قَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ)، والتَّقْدِيرُ: لِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٢] وقالَ سِيبَوَيْهِ: لِأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٨] والمَعْنى: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرّاءُ أجْمَعُوا عَلى سُكُونِ الياءِ مِن (صِراطِي) غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ فَتَحَها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (سِراطِي) بِالسِّينِ، وحَمْزَةُ بَيْنَ الصّادِ والزّايِ، والباقُونَ بِالصّادِّ صافِيَةً، وكُلُّها لُغاتٌ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الأعْمَشُ (وهَذا صِراطِي) وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وهَذا صِراطُ رَبِّكم) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (وهَذا صِراطُ رَبِّكَ) .

صفحة ٤

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ ما وصّى بِهِ أجْمَلَ في آخِرِهِ إجْمالًا يَقْتَضِي دُخُولَ ما تَقَدَّمَ فِيهِ، ودُخُولَ سائِرِ الشَّرِيعَةِ فِيهِ فَقالَ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ ما بَيَّنَهُ الرَّسُولُ -ﷺ- مِن دِينِ الإسْلامِ وهو المَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، فاتَّبِعُوا جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ فَتَقَعُوا في الضَّلالاتِ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَطَّ خَطًّا، ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ الرُّشْدِ، ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ خُطُوطًا، ثُمَّ قالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ؟ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ»﴾، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ، مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ حَقًّا فَهو واحِدٌ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ ما كانَ واحِدًا فَهو حَقٌّ، فَإذا كانَ الحَقُّ واحِدًا كانَ كُلُّ ما سِواهُ باطِلًا، وما سِوى الحَقِّ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، فَيَجِبُ الحُكْمُ بِأنَّ كُلَّ كَثِيرٍ باطِلٌ، ولَكِنْ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ باطِلٍ كَثِيرًا بِعَيْنِ ما قَرَّرْناهُ في القَضِيَّةِ الأُولى.

6:154Страница 149

ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ١٥٤

Мы также даровали Мусе (Моисею) Писание в завершение милости к тому, кто был добродетелен, как разъяснение всякой вещи, верное руководство и милость, дабы они уверовали во встречу со своим Господом.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ثُمَّ إنِّي أُخْبِرُكم بَعْدَ تَعْدِيدِ المُحَرَّماتِ وغَيْرِها مِنَ الأحْكامِ، أنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ، فَذُكِرَتْ كَلِمَةُ ”ثُمَّ“ لِتَأْخِيرِ الخَبَرِ عَنِ الخَبَرِ، لا لِتَأْخِيرِ الواقِعَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعْرافِ: ١١] .

والثّانِي: إنَّ التَّكالِيفَ التِّسْعَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَجُوزُ اخْتِلافُها بِحَسَبِ اخْتِلافِ الشَّرائِعِ بَلْ هي أحْكامٌ واجِبَةُ الثُّبُوتِ مِن أوَّلِ زَمانِ التَّكْلِيفِ إلى قِيامِ القِيامَةِ.

وأمّا الشَّرائِعُ الَّتِي كانَتِ التَّوْبَةُ مُخْتَصَّةً بِها، فَهي إنَّما حَدَثَتْ بَعْدَ تِلْكَ التَّكالِيفِ التِّسْعَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَها قالَ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ يا بَنِي آدَمَ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ.

الثّالِثُ: إنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ قُلْ يا مُحَمَّدُ إنّا آتَيْنا مُوسى، فَتَقْدِيرُهُ: اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، ثُمَّ اتْلُ عَلَيْهِمْ خَبَرَ ما آتَيْنا مُوسى.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ تَمامًا لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ عَلى الَّذِي أحْسَنَ. أيْ: عَلى كُلِّ مَن كانَ مُحْسِنًا صالِحًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا) .

والثّانِي: المُرادُ تَمامًا لِلنِّعْمَةِ والكَرامَةِ عَلى العَبْدِ الَّذِي أحْسَنَ الطّاعَةَ بِالتَّبْلِيغِ، وفي كُلِّ ما أُمِرَ بِهِ.

والثّالِثُ: تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ مُوسى مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ، مِن أحْسَنَ الشَّيْءَ إذا أجادَ مَعْرِفَتَهُ، أيْ زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ (عَلى الَّذِي أحْسَنُ) أيْ عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ (مَثَلًا ما بَعُوضَةٌ)

صفحة ٥

بِالرَّفْعِ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ دِينًا وأرْضاهُ، أوْ يُقالُ: المُرادُ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا، أيْ تامًّا كامِلًا عَلى أحْسَنِ ما تَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ، أيْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو أحْسَنُ وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ: أتَمَّ لَهُ الكِتابَ عَلى أحْسَنِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما في التَّوْراةِ مِنَ النِّعَمِ في الدِّينِ وهو تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، والمُرادُ بِهِ ما يَخْتَصُّ بِالدِّينِ فَدَخَلَ في ذَلِكَ بَيانُ نُبُوَّةِ رَسُولِنا ﷺ: دِينِهِ، وشَرْعِهِ، وسائِرِ الأدِلَّةِ والأحْكامِ إلّا ما نُسِخَ مِنها ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وهُدًى ورَحْمَةً﴾ والهُدى مَعْرُوفٌ وهو الدَّلالَةُ، والرَّحْمَةُ هي النِّعْمَةُ ﴿لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يُؤْمِنُوا بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، والمُرادُ بِهِ لِقاءُ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.

6:155–157Страница 149

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٥٥

Это - благословенное Писание, которое Мы ниспослали. Следуйте же ему и будьте богобоязненны, - быть может, вы будете помилованы.

أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ ١٥٦

Мы ниспослали его, чтобы вы не говорили: «Писание было ниспослано только двум общинам до нас, и мы ничего не знали о том, что они изучали».

أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ ١٥٧

Или чтобы вы не говорили: «Если бы нам было ниспослано Писание, то мы придерживались бы прямого пути лучше, чем они». К вам уже явилось ясное знамение от вашего Господа, верное руководство и милость. Кто же несправедливее того, кто считает ложью знамения Аллаха и отворачивается от них? Мы воздадим тем, кто отворачивается от Наших знамений, тяжкими мучениями за то, что они отворачивались.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ﴾ لا شَكَّ أنَّ المُرادَ هو القُرْآنُ، وفائِدَةُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مُبارَكٌ أنَّهُ ثابِتٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ النَّسْخُ كَما في الكِتابَيْنِ، أوِ المُرادُ أنَّهُ كَثِيرُ الخَيْرِ والنَّفْعِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ والمُرادُ ظاهِرٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تُرْحَمُوا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: قِيلَ: اتَّقُوا مُخالَفَتَهُ عَلى رَجاءِ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا، أيْ لِيَكُونَ الغَرَضُ بِالتَّقْوى رَحْمَةَ اللَّهِ، وقِيلَ: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا جَزاءً عَلى التَّقْوى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، والتَّقْدِيرُ: أنْزَلْناهُ لِئَلّا تَقُولُوا، ثُمَّ حَذَفَ الجارَّ وحَرْفَ النَّفْيِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النِّساءِ: ١٧٦] وقَوْلِهِ: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النَّحْلِ: ١٥] أيْ: لِئَلّا.

والوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ مَعْناهُ: أنْزَلْناهُ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، ولا يُجِيزُونَ إضْمارَ ”لا“ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: جِئْتُ أنْ أُكْرِمَكَ بِمَعْنى أنْ لا أُكْرِمَكَ، وقَدْ ذَكَرْنا تَحْقِيقَ هَذِهِ المَسْألَةِ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ.

صفحة ٦

والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“ مُتَعَلِّقَةً بِاتَّقُوا، والتَّأْوِيلُ: واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ.

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: (أنْ تَقُولُوا) خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمَعْنى: كَراهَةَ أنْ يَقُولَ أهْلُ مَكَّةَ أُنْزِلَ الكِتابُ، وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وإنْ كُنّا ”إنْ“ هي المُحَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والأصْلُ وأنَّهُ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ إثْباتُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ كَيْ لا يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ أُنْزِلا عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وكُنّا غافِلِينَ عَمّا فِيهِما، فَقَطَعَ اللَّهُ عُذْرَهم بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ أيْ لا نَعْلَمُ ما هي؛ لِأنَّ كِتابَهم ما كانَ بِلُغَتِنا، ومَعْنى ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾، مُفَسِّرٌ لِلْأوَّلِ في أنَّ مَعْناهُ لِئَلّا يَقُولُوا ويَحْتَجُّوا بِذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَطْعَ احْتِجاجِهِمْ بِهَذا، وقالَ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهو القُرْآنُ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: البَيِّنَةُ والهُدى واحِدٌ، فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ ؟

قُلْنا: القُرْآنُ بَيِّنَةٌ فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وهو هُدًى فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وعَقْلًا، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفائِدَةُ صَحَّ هَذا العَطْفُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَعْنى (رَحْمَةٌ) أيْ إنَّهُ نِعْمَةٌ في الدِّينِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ تَعْظِيمُ كُفْرِ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ، وصَدَفَ عَنْها، أيْ مَنَعَ عَنْها، لِأنَّ الأوَّلَ ضَلالٌ، والثّانِيَ مَنعٌ عَنِ الحَقِّ وإضْلالٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النَّحْلِ: ٨٨] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English