Ар-РазиАль‑Анам · 6:1–5

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Анам 6:1–5, продолжение

والسّادِسُ: أنَّ كُلَّ فَلَكٍ، فَإنَّهُ يُوجَدُ جِسْمٌ آخَرُ إمّا أعْلى مِنهُ وإمّا أسْفَلَ مِنهُ، وقَدْ كانَ وُقُوعُهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ أمْرًا مُمْكِنًا، بِدَلِيلِ أنَّ الأجْسامَ لَمّا كانَتْ مُتَساوِيَةً في الطَّبِيعَةِ الجِسْمِيَّةِ، فَكُلُّ ما صَحَّ عَلى بَعْضِها صَحَّ عَلى كُلِّها، فَكانَ اخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ الحَيِّزِ والتَّرْتِيبِ أمْرًا مُمْكِنًا.

والسّابِعُ: وهو أنَّ لِحَرَكَةِ كُلِّ فَلَكٍ أوَّلًا؛ لِأنَّ وُجُودَ حَرَكَةٍ لا أوَّلَ لَها مُحالٌ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الحَرَكَةِ انْتِقالٌ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، وهَذا الِانْتِقالُ يَقْتَضِي كَوْنَها مَسْبُوقَةً بِالغَيْرِ، والأوَّلُ يُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ لِكُلِّ حَرَكَةٍ أوَّلًا، واخْتِصاصُ ابْتِداءِ حُدُوثِهِ بِذَلِكَ الوَقْتِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ اخْتِصاصٌ بِأمْرٍ مُمْكِنٍ.

والثّامِنُ: هو أنَّ الأجْسامَ لَمّا كانَتْ مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ كانَ اتِّصافُ بَعْضِها بِالفَلَكِيَّةِ وبَعْضِها بِالعُنْصُرِيَّةِ دُونَ العَكْسِ، اخْتِصاصًا بِأمْرٍ مُمْكِنٍ.

والتّاسِعُ: وهو أنَّ حَرَكاتِها فِعْلٌ لِفاعِلٍ مُخْتارٍ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلَها أوَّلٌ، بَيانُ المَقامِ الأوَّلِ أنَّ المُؤَثِّرَ فِيها لَوْ كانَ عِلَّةً مُوجِبَةً بِالذّاتِ لَزِمَ مِن دَوامِ تِلْكَ العِلَّةِ دَوامُ آثارِها، فَيَلْزَمُ مِن دَوامِ تِلْكَ العِلَّةِ دَوامُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ المُتَقَوِّمَةِ في هَذِهِ الحَرَكَةِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُحالًا ثَبَتَ أنَّ المُؤَثِّرَ فِيها لَيْسَ عِلَّةً مُوجِبَةً بِالذّاتِ، بَلْ فاعِلًا مُخْتارًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ كَوْنُ ذَلِكَ الفاعِلِ مُتَقَدِّمًا عَلى هَذِهِ الحَرَكاتِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ لَها بِدايَةٌ.

العاشِرُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ حَصَلَ خارِجَ العالَمِ خَلاءٌ لا نِهايَةَ لَهُ بِدَلِيلِ أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنّا لَوْ فَرَضْنا أنْفُسَنا واقِفِينَ عَلى طَرَفِ الفَلَكِ الأعْلى فَإنّا نُمَيِّزُ بَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي قُدّامَنا وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي خَلْفَنا، وثُبُوتُ هَذا الِامْتِيازِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ خارِجَ العالَمِ خَلاءٌ لا نِهايَةَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحُصُولُ هَذا العالَمِ في هَذا الحَيِّزِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ دُونَ سائِرِ الأحْيازِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ: أنَّ أجْرامَ السَّماواتِ والأرَضِينَ مُخْتَلِفَةٌ بِصِفاتٍ وأحْوالٍ، فَكانَ يَجُوزُ في العَقْلِ حُصُولُ أضْدادِها ومُقابَلاتِها، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الِاخْتِصاصُ الخاصُّ إلّا لِمُرَجِّحٍ ومُقَدِّرٍ وإلّا فَقَدْ تُرُجِّحَ أحَدُ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ لا مَعْنى لِلْخَلْقِ إلّا التَّقْدِيرُ، فَلَمّا دَلَّ العَقْلُ عَلى حُصُولِ التَّقْدِيرِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ وجَبَ حُصُولُ الخَلْقِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ؛ فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ والظُّلُماتِ والنُّورِ التَّنْبِيهُ عَلى ما فِيها مِنَ المَنافِعِ.

واعْلَمْ أنَّ مَنافِعَ السَّماواتِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحِيطَ بِجُزْءٍ مِن أجْزائِها المُجَلَّداتُ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّماواتِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَوالِيدِ هَذا العالَمِ جارِيَةٌ مَجْرى الأبِ، والأرْضَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها جارِيَةٌ مَجْرى الأُمِّ، فالعِلَلُ الفاعِلَةُ سَماوِيَّةٌ

صفحة ١٢٥

والعِلَلُ القابِلَةُ أرْضِيَّةٌ وبِها يَتِمُّ أمْرُ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، والِاسْتِقْصاءُ في شَرْحِ ذَلِكَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ (جَعَلَ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ إذا كانَ بِمَعْنى أحْدَثَ وأنْشَأ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ وإلى مَفْعُولَيْنِ إذا كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] والفَرْقُ بَيْنَ الخَلْقِ والجَعْلِ أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ، وفي الجَعْلِ مَعْنى التَّضْمِينِ والتَّصْيِيرِ كَإنْشاءِ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وتَصْيِيرِ شَيْءٍ شَيْئًا، ومِنهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الأعراف: ١٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ [النبأ: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] وإنَّما حَسُنَ لَفْظُ الجَعْلِ هَهُنا؛ لِأنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ لَمّا تَعاقَبا صارَ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ الآخَرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ ﴿الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُما الأمْرانِ المَحْسُوسانِ بِحِسِّ البَصَرِ والَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِيهِما، وأيْضًا هَذانِ الأمْرانِ إذا جُعِلا مَقْرُونَيْنِ بِذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُما إلّا هاتانِ الكَيْفِيَّتانِ المَحْسُوسَتانِ.

والثّانِي: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ أيْ: ظُلْمَةَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والكُفْرِ، والنُّورُ يُرِيدُ نُورَ الإسْلامِ والإيمانِ والنُّبُوَّةِ واليَقِينِ. ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: يَعْنِي الكُفْرَ والإيمانَ، ولا تَفاوُتَ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، فَكانَ قَوْلُ الحَسَنِ كالتَّلْخِيصِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى، لِما ذَكَرْنا أنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ ولِأنَّ الظُّلُماتِ والنُّورَ إذا كانَ ذِكْرُهُما مَقْرُونًا بِالسَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ إلّا ما ذَكَرْناهُ.

قالَ الواحِدِيُّ: والأوْلى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِما مَعًا، وأقُولُ هَذا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ حَمْلٌ لِلَّفْظِ عَلى مَجازِهِ، واللَّفْظُ الواحِدُ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الظُّلُماتِ عَلى ذِكْرِ النُّورِ لِأجْلِ أنَّ الظُّلْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ عَنِ الجِسْمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ قَبُولُ النُّورِ، ولَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ كَيْفِيَّةٍ وُجُودِيَّةٍ مُضادَّةٍ لِلنُّورِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا جَلَسَ إنْسانٌ بِقُرْبِ السِّراجِ، وجَلَسَ إنْسانٌ آخَرُ بِالبُعْدِ مِنهُ، فَإنَّ البَعِيدَ يَرى القَرِيبَ ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ صافِيًا مُضِيئًا، وأمّا القَرِيبُ فَإنَّهُ لا يَرى البَعِيدَ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُظْلِمًا، فَلَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً لَكانَتْ حاصِلَةً بِالنِّسْبَةِ إلى هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً.

وإذْ ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَدَمُ المُحْدَثاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها، فالظُّلْمَةُ مُتَقَدِّمَةٌ في التَّقْدِيرِ والتَّحَقُّقِ عَلى النُّورِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُها في اللَّفْظِ، ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ ما يُرْوى في الأخْبارِ الإلَهِيَّةِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ ذَكَرَ الظُّلُماتِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، والنُّورَ بِصِيغَةِ الواحِدِ ؟ فَنَقُولُ: أمّا مَن حَمَلَ الظُّلُماتِ عَلى الكُفْرِ والنُّورَ عَلى الإيمانِ، فَكَلامُهُ هَهُنا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ والباطِلَ كَثِيرٌ، وأمّا مَن حَمَلَها عَلى الكَيْفِيَّةِ المَحْسُوسَةِ، فالجَوابُ: أنَّ النُّورَ عِبارَةٌ عَنْ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ الكامِلَةِ القَوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّها تَقْبَلُ التَّناقُصَ قَلِيلًا قَلِيلًا، وتِلْكَ المَراتِبُ كَثِيرَةٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَبَّرَ عَنِ الظُّلُماتِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ.

صفحة ١٢٦

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾

فاعْلَمْ أنَّ العَدْلَ هو التَّسْوِيَةُ، يُقالُ: عَدَلَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا سَوّاهُ بِهِ، ومَعْنى ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.

فَإنْ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ عُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ؟

قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى كُلِّ ما خَلَقَ؛ لِأنَّهُ ما خَلَقَهُ إلّا نِعْمَةً ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فَيَكْفُرُونَ بِنِعْمَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ إنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا.

فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى ثُمَّ ؟

قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ اسْتِبْعادُ أنْ يَعْدِلُوا بِهِ بَعْدَ وُضُوحِ آياتِ قُدْرَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

6:2Страница 128

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢

Он - Тот, Кто сотворил вас из глины, а затем назначил срок для вашей смерти. У Него есть также назначенный срок для воскрешения, но после этого вы все еще препираетесь.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ذِكْرَ دَلِيلٍ آخَرَ مِن دَلائِلَ إثْباتِ الصّانِعِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ذِكْرَ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ المَعادِ وصِحَّةِ الحَشْرِ.

أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِخَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ وتَعاقُبِ الظُّلُماتِ والنُّورِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ أتْبَعَهُ بِالِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِهِ الإنْسانَ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهم مِن آدَمَ وآدَمُ كانَ مَخْلُوقًا مِن طِينٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، وهُما يَتَوالَدانِ مِنَ الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، فَإنْ كانَتْ حَيَوانِيَّةً كانَ الحالُ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ ذَلِكَ الحَيَوانِ كالحالِ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ الإنْسانِ، فَبَقِيَ أنْ تَكُونَ نَباتِيَّةً فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ الأغْذِيَةِ النَّباتِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّها مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الطِّينِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الطِّينِ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي أقْرَبُ إلى الصَّوابِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هُنا الطِّينُ قَدْ تَوَلَّدَتِ النُّطْفَةُ مِنهُ بِهَذا الطَّرِيقِ المَذْكُورِ، ثُمَّ تَوَلَّدَ مِنَ النُّطْفَةِ أنْواعُ الأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ في الصِّفَةِ والصُّورَةِ واللَّوْنِ والشَّكْلِ مِثْلَ القَلْبِ والدِّماغِ والكَبِدِ، وأنْواعُ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ كالعِظامِ والغَضارِيفِ والرِّباطاتِ والأوْتارِ وغَيْرِها، وتَوَلُّدُ الصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ في المادَّةِ المُتَشابِهَةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ، ومُدَبِّرٍ رَحِيمٍ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.

صفحة ١٢٧

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَقْرِيرُ أمْرِ المَعادِ، فَنَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ تَخْلِيقَ بَدَنِ الإنْسانِ إنَّما حَصَلَ لِأنَّ الفاعِلَ الحَكِيمَ والمُقَدِّرَ الرَّحِيمَ رَتَّبَ خِلْقَةَ هَذِهِ الأعْضاءِ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ بِحِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وتِلْكَ القُدْرَةُ والحِكْمَةُ باقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِ الحَيَوانِ فَيَكُونُ قادِرًا عَلى إعادَتِها وإعادَةِ الحَياةِ فِيها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَعادِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: لَفْظُ القَضاءِ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الحُكْمِ والأمْرِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وبِمَعْنى الخَبَرِ والإعْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤]، وبِمَعْنى صِفَةِ الفِعْلِ إذا تَمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] ومِنهُ قَوْلُهم: قَضى فُلانٌ حاجَةَ فُلانٍ، وأمّا الأجَلُ فَهو في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَضْرُوبِ لِانْقِضاءِ الأمَدِ، وأجَلُ الإنْسانِ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ عُمُرِهِ، وأجَلُ الدَّيْنِ مَحِلُّهُ لِانْقِضاءِ التَّأْخِيرِ فِيهِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّأْخِيرِ يُقالُ: أجِلَ الشَّيْءُ يَأْجَلُ أجُولًا، وهو آجِلٌ إذا تَأخَّرَ، والآجِلُ نَقِيضُ العاجِلِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ مَوْتَ كُلِّ واحِدٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وذَلِكَ التَّخْصِيصُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ بِإيقاعِ ذَلِكَ المَوْتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ .

فاعْلَمْ أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ أجَلَيْنِ لِكُلِّ إنْسانٍ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِهِما عَلى وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ المُرادُ مِنهُ آجالُ الماضِينَ مِنَ الخَلْقِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ آجالُ الباقِينَ مِنَ الخَلْقِ فَهو خَصَّ هَذا الأجَلَ الثّانِيَ بِكَوْنِهِ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّ الماضِينَ لَمّا ماتُوا صارَتْ آجالُهم مَعْلُومَةً، أمّا الباقُونَ فَهم بَعْدُ لَمْ يَمُوتُوا فَلَمْ تَصِرْ آجالُهم مَعْلُومَةً، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ .

والثّانِي: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ هو أجَلُ المَوْتِ والأجَلُ المُسَمّى عِنْدَ اللَّهِ هو أجَلُ القِيامَةِ؛ لِأنَّ مُدَّةَ حَياتِهِمْ في الآخِرَةِ لا آخِرَةَ لَها ولا انْقِضاءَ ولا يَعْلَمُ أحَدٌ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

والثّالِثُ: الأجَلُ الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ وهو البَرْزَخُ.

والرّابِعُ: أنَّ الأوَّلَ هو النَّوْمُ، والثّانِيَ المَوْتُ.

والخامِسُ: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمُرِ كُلِّ أحَدٍ، والأجَلَ الثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ مِن عُمُرِ كُلِّ أحَدٍ.

والسّادِسُ: وهو قَوْلُ حُكَماءَ الإسْلامِ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلَيْنِ:

أحَدُهُما: الآجالُ الطَّبِيعِيَّةُ.

والثّانِي: الآجالُ الِاخْتِرامِيَّةُ، أمّا الآجالُ الطَّبِيعِيَّةُ: فَهي الَّتِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا مِنَ العَوارِضِ الخارِجِيَّةِ لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ، وأمّا الآجالُ الِاخْتِرامِيَّةُ: فَهي الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ كالغَرَقِ والحَرْقِ ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُعْضِلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أيْ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ أوْ مَذْكُورٌ اسْمُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ومَعْنى عِنْدَهُ شَبِيهٌ بِما يَقُولُ الرَّجُلُ في المَسْألَةِ: عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذا وكَذا أيْ هَذا اعْتِقادِي وقَوْلِي.

فَإنْ قِيلَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا وجَبَ تَأْخِيرُهُ فَلِمَ جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ ؟

صفحة ١٢٨

قُلْنا: لِأنَّهُ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ فَنَقُولُ: المِرْيَةُ والِامْتِراءُ هو الشَّكُّ.

واعْلَمْ أنّا إنْ قُلْنا: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ الِاسْتِدْلالُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ كانَ مَعْناهُ أنَّ بَعْدَ ظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ الباهِرَةِ: أنْتُمْ تَمْتَرُونَ في صِحَّةِ التَّوْحِيدِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ تَصْحِيحَ القَوْلِ بِالمَعادِ، فَكَذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.

6:3Страница 128

وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣

Он - Аллах на небесах и на земле. Он знает то, что вы утаиваете и совершаете открыто, и знает то, что вы приобретаете.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾

واعْلَمْ أنّا إنْ قُلْنا: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ المُخْتارِ.

قُلْنا: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَإنَّ الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ يَدُلّانِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَمالِ العِلْمِ، وحِينَئِذٍ يَكْمُلُ العِلْمُ بِالصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ في حُصُولِ الإلَهِيَّةِ، وإنْ قُلْنا: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إقامَةُ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ المَعادِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَكْمِيلُ ذَلِكَ البَيانِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ مُنْكِرِي المَعادِ إنَّما أنْكَرُوهُ لِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُؤَثِّرَ في حُدُوثِ بَدَنِ الإنْسانِ هو امْتِزاجُ الطَّبائِعِ، ويُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ فِيهِ قادِرًا مُخْتارًا.

والثّانِي: أنَّهم يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ إلّا أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ فَلا يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ المُطِيعِ مِنَ العاصِي، ولا تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ زَيْدٍ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ عَمْرٍو، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ بِالآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا ومُخْتارًا لا عِلَّةً مُوجِبَةً، وأثْبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وحِينَئِذٍ تَبْطُلُ جَمِيعُ الشُّبُهاتِ الَّتِي عَلَيْها مَدارُ القَوْلِ بِإنْكارِ المَعادِ وصِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَهَذا هو الكَلامُ في نَظْمِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُخْتَصٌّ بِالمَكانِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ مُسْتَقِرٌّ في السَّماءِ، قالُوا: ويَتَأكَّدُ هَذا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ﴾ [الملك: ١٦] قالُوا: ولا يَلْزَمُنا أنْ يُقالَ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في الأرْضِ لِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَهُ تَعالى في المَكانَيْنِ مَعًا وهو مُحالٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الأرْضِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ العَمَلِ بِأحَدِ الظّاهِرَيْنَ تَرْكُ العَمَلِ بِالظّاهِرِ الآخَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ عَلى ذَلِكَ الظّاهِرِ، ولِأنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن وقَفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: ﴿وفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ سَرائِرَكُمُ المَوْجُودَةَ في الأرْضِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (في الأرْضِ) صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿سِرَّكُمْ﴾ هَذا تَمامُ الكَلامِ.

واعْلَمْ أنّا نُقِيمُ الدَّلالَةَ أوَّلًا عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ

صفحة ١٢٩

ما في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى ومَمْلُوكٌ لَهُ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ أحَدَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في السَّماواتِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [طه: ٦] فَإنْ قالُوا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ فَهو لِلَّهِ إلّا أنَّ كَلِمَةَ ما مُخْتَصَّةٌ بِمَن لا يَعْقِلُ فَلا يَدْخُلُ فِيها ذاتُ اللَّهِ تَعالى.

قُلْنا: لا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ونَظِيرُهُ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِكَلِمَةِ ما هَهُنا هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ مَوْجُودٌ في جَمِيعِ السَّماواتِ، أوِ المُرادُ أنَّهُ مَوْجُودٌ في سَماءٍ واحِدَةٍ، والثّانِي تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، والأوَّلُ عَلى قِسْمَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ الحاصِلُ مِنهُ تَعالى في أحَدِ السَّماواتِ عَيْنَ ما حَصَلَ مِنهُ في سائِرِ السَّماواتِ أوْ غَيْرَهُ، والأوَّلُ يَقْتَضِي حُصُولَ المُتَحَيِّزِ الواحِدِ في مَكانَيْنِ وهو باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ.

والثّانِي: يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ وهو مُحالٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا في السَّماواتِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ قَبُولُهُ لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ مُمْكِنًا، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُهُ بِالمِقْدارِ المُعَيَّنِ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ كانَ في السَّماواتِ فَهَلْ يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ عالَمٍ آخَرَ فَوْقَ السَّماواتِ أوْ لا يَقْدِرُ، والثّانِي يُوجِبُ تَعْجِيزَهُ، والأوَّلُ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَحَصَلَ تَحْتَ هَذا العالَمِ، والقَوْمُ يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ تَحْتَ العالَمِ.

والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقالَ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وكُلُّ ذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالمَكانِ والجِهَةِ لِلَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ فَوَجَبَ التَّأْوِيلُ وهو مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ يَعْنِي: وهو اللَّهُ في تَدْبِيرِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما يُقالُ: فُلانٌ في أمْرِ كَذا أيْ في تَدْبِيرِهِ وإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] .

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (وهو اللَّهُ) كَلامٌ تامٌّ، ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ في السَّماواتِ سَرائِرَ المَلائِكَةِ، وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سَرائِرَ الإنْسِ والجِنِّ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ سِرَّكم وجَهْرَكم، ومِمّا يُقَوِّي هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ أنَّ قَوْلَنا: وهو اللَّهُ نَظِيرُ قَوْلِنا هو الفاضِلُ العالِمُ، وكَلِمَةُ هو إنَّما تُذْكَرُ هَهُنا لِإفادَةِ الحَصْرِ، وهَذِهِ الفائِدَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا جَعَلْنا لَفْظَ اللَّهِ اسْمًا مُشْتَقًّا، فَأمّا لَوْ جَعَلْناهُ اسْمَ عَلَمِ شَخْصٍ قائِمٍ مَقامَ التَّعْيِينِ لَمْ يَصِحَّ إدْخالُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَيْهِ، وإذا جَعَلْنا قَوْلَنا: ”اللَّهُ“ لَفْظًا مُفِيدًا صارَ مَعْناهُ وهو المَعْبُودُ في السَّماءِ وفي الأرْضِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالسِّرِّ صِفاتُ القُلُوبِ وهي الدَّواعِي والصَّوارِفُ، والمُرادُ بِالجَهْرِ أعْمالُ الجَوارِحِ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ السِّرِّ عَلى ذِكْرِ الجَهْرِ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ في الفِعْلِ هو مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي، فالدّاعِيَةُ الَّتِي هي مِن بابِ السِّرِّ هي المُؤَثِّرَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ المُسَمّاةِ بِالجَهْرِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، والعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى المَعْلُولِ، والمُتَقَدِّمُ بِالذّاتِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ.

* * *

صفحة ١٣٠

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ فِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ الأفْعالَ إمّا أفْعالُ القُلُوبِ وهي المُسَمّاةُ بِالسِّرِّ، وإمّا أعْمالُ الجَوارِحِ وهي المُسَمّاةُ بِالجَهْرِ، فالأفْعالُ لا تَخْرُجُ عَنِ السِّرِّ والجَهْرِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ يَقْتَضِي عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وأنَّهُ فاسِدٌ.

والجَوابُ: يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: (ما تَكْسِبُونَ) عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ الإنْسانُ عَلى فِعْلِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، والحاصِلُ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المُكْتَسَبِ كَما يُقالُ: هَذا المالُ كَسْبُ فُلانٍ أيْ مُكْتَسَبُهُ، ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى نَفْسِ الكَسْبِ، وإلّا لَزِمَ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ عَلى ما ذَكَرْتُمُوهُ في السُّؤالِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الإنْسانِ مُكْتَسِبًا لِلْفِعْلِ والكَسْبُ هو الفِعْلُ المُفْضِي إلى اجْتِلابِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ؛ ولِهَذا السَّبَبِ لا يُوصَفُ فِعْلُ اللَّهِ بِأنَّهُ كَسْبٌ لِكَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنْ جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

6:4–5Страница 128

وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤

Какое бы знамение из знамений их Господа ни являлось к ним, они отворачивались от него.

فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥

Они сочли ложью истину, когда она явилась к ним, но до них дойдут вести о том, над чем они насмехались.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في المَعادِ، وثالِثًا فِيما يُقَرِّرُ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ وبَدَأ فِيهِ بِأنْ بَيَّنَ كَوْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُعْرِضِينَ عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْها وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، والتَّأمُّلَ في الدَّلائِلِ واجِبٌ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّ اللَّهُ المُعْرِضِينَ عَنِ الدَّلائِلِ.

قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ الَّذِي يَقَعُ في النَّفْيِ كَقَوْلِكَ: ما أتانِي مِن أحَدٍ.

والثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى: وما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَّظَرُ والِاعْتِبارُ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ أحْوالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ، فالمَرْتَبَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والتَّفَكُّرِ في البَيِّناتِ.

والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم مُكَذِّبِينَ بِها وهَذِهِ المَرْتَبَةُ أزْيَدُ مِمّا قَبْلَها؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ لا يَكُونُ مُكَذِّبًا بِهِ، بَلْ يَكُونُ غافِلًا عَنْهُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَهُ، فَإذا صارَ مُكَذِّبًا بِهِ فَقَدْ زادَ عَلى الإعْراضِ.

والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهم مُسْتَهْزِئِينَ بِها؛ لِأنَّ المُكَذِّبَ بِالشَّيْءِ قَدْ لا يَبْلُغُ تَكْذِيبُهُ بِهِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ، فَإذا بَلَغَ إلى هَذا الحَدِّ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى في الإنْكارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ وصَلُوا إلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالحَقِّ، فَقِيلَ: إنَّهُ المُعْجِزاتُ؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: انْشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ وانْفَلَقَ فِلْقَتَيْنِ فَذَهَبَتْ فِلْقَةٌ وبَقِيَتْ فِلْقَةٌ، وقِيلَ إنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقِيلَ: إنَّهُ الشَّرْعُ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والأحْكامُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ وقِيلَ: إنَّهُ الوَعْدُ والوَعِيدُ الَّذِي يُرَغِّبُهم بِهِ تارَةً ويُحَذِّرُهم بِسَبَبِهِ أُخْرى، والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ.

صفحة ١٣١

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ والزَّجْرُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأنْباءِ لا نَفْسَ الأنْباءِ بَلِ العَذابُ الَّذِي أنْبَأ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [القصص: ٨٨]، والحَكِيمُ إذا تَوَعَّدَ فَرُبَّما قالَ: سَتَعْرِفُ نَبَأ هَذا الأمْرِ إذْ نَزَلَ بِكَ ما تَحْذَرُهُ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ بِالخَبَرِ الَّذِي هو الوَعِيدُ حُصُولُ العِلْمِ بِالعِقابِ الَّذِي يَنْزِلُ، فَنَفْسُ العِقابِ إذا نَزَلَ يُحَقِّقُ ذَلِكَ الخَبَرَ، حَتّى تَزُولَ عَنْهُ الشُّبْهَةُ، ثُمَّ المُرادُ مِن هَذا العَذابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الدُّنْيا، وهو الَّذِي ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English