Ар-РазиАль‑Анам · 6:71–73

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Анам 6:71–73

6:71–72Страница 136

قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧١

Скажи: «Разве мы станем поклоняться помимо Аллаха тому, что не приносит нам пользы и не причиняет вреда? Разве мы обратимся вспять после того, как Аллах наставил нас на прямой путь, подобно тому, кого дьяволы на земле обольстили и привели в замешательство, чьи товарищи призывают его на прямой путь: «Иди к нам!»». Скажи: «Путь Аллаха - единственно верный путь, и нам велено покориться Господу миров.

وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُۚ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٢

Совершайте намаз и бойтесь Его, ведь к Нему вы будете собраны».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

صفحة ٢٥

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ وهي مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٦] فَقالَ: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أنَعْبُدُ مَن دُونِ اللَّهِ النّافِعِ الضّارِّ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا ولا عَلى ضُرِّنا، ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا راجِعِينَ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أنَقْذَنا اللَّهُ مِنهُ وهَدانا لِلْإسْلامِ ؟ ويُقالُ لِكُلِّ مَن أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ إنَّهُ رَجَعَ إلى خَلْفٍ، ورَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ورَجَعَ القَهْقَرى، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ هو الجَهْلُ، ثُمَّ إذا تَرَقّى وتَكامَلَ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ. قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] فَإذا رَجَعَ مِنَ العِلْمِ إلى الجَهْلِ مَرَّةً أُخْرى فَكَأنَّهُ رَجَعَ إلى أوَّلِ مَرَّةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ: فُلانٌ رُدَّ عَلى عَقِبَيْهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الإنْسانَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”اسْتَهْواهُ“ بِألِفٍ مُمالَةٍ عَلى التَّذْكِيرِ والباقُونَ بِالتّاءِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ يَصْلُحُ أنْ يُذَكَّرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، ويَصْلُحُ أنْ يُؤَنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الهُوِيِّ في الأرْضِ، وهو النُّزُولُ مِنَ المَوْضِعِ العالِي إلى الوَهْدَةِ السّافِلَةِ العَمِيقَةِ في قَعْرِ الأرْضِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذا الضّالِّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ [الحَجِّ: ٣١] ولا شَكَّ أنَّ حالَ هَذا الإنْسانِ عِنْدَ هُوِيِّهِ مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ المُظْلِمَةِ يَكُونُ في غايَةِ الِاضْطِرابِ والضَّعْفِ والدَّهْشَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اتِّباعِ الهَوى والمَيْلِ، فَإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ رُبَّما بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَيْرَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أكْمَلُ في الدَّلالَةِ عَلى الدَّهْشَةِ والضَّعْفِ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَيْرانَ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ حارَ يَحارُ حَيْرَةً وحَيَرًا، وزادَ الفَرّاءُ حَيَرانًا وحَيْرُورَةً، ومَعْنى الحَيْرَةِ هي التَّرَدُّدُ في الأمْرِ بِحَيْثُ لا يَهْتَدِي إلى مَخْرَجِهِ. ومِنهُ يُقالُ: الماءُ يَتَحَيَّرُ في الغَيْمِ أيْ يَتَرَدَّدُ، وتَحَيَّرَتِ الرَّوْضَةُ بِالماءِ إذا امْتَلَأتْ فَتَرَدَّدَ فِيها الماءُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَثَلَ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَهْوِي مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ يَهْوِي إلَيْها مَعَ الِاسْتِدارَةِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الحَجَرَ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ يَنْزِلُ عَلى الِاسْتِدارَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَمالَ التَّرَدُّدِ والتَّحَيُّرِ، وأيْضًا فَعِنْدَ نُزُولِهِ لا يَعْرِفُ أنَّهُ يَسْقُطُ عَلى مَوْضِعٍ يَزْدادُ بَلاؤُهُ بِسَبَبِ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ أوْ يَقِلُّ، فَإذا اعْتَبَرْتَ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأحْوالِ عَلِمْتَ أنَّكَ لا تَجِدُ مِثالًا لِلْمُتَحَيِّرِ المُتَرَدِّدِ الخائِفِ أحْسَنَ ولا أكْمَلَ مِن هَذا المِثالِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا﴾ قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -فَإنَّهُ كانَ يَدْعُو أباهُ إلى الكُفْرِ وأبُوهُ كانَ يَدْعُوهُ إلى الإيمانِ ويَأْمُرُهُ بِأنْ يَرْجِعَ مِن طَرِيقِ الجَهالَةِ إلى الهِدايَةِ، ومِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ لِذَلِكَ الكافِرِ الضّالِّ أصْحابًا يَدْعُونَهُ إلى ذَلِكَ الضَّلالِ ويُسَمُّونَهُ بِأنَّهُ هو الهُدى وهَذا بِعِيدٌ. والقَوْلُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.

صفحة ٢٦

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ يَعْنِي هو الهُدى الكامِلُ النّافِعُ الشَّرِيفُ كَما إذا قُلْتَ: عِلْمُ زَيْدٍ هو العِلْمُ ومُلْكُ عَمْرٍو هو المُلْكُ كانَ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ مِن تَقْرِيرِ أمْرِ الكَمالِ والشَّرَفِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ أقْسامِ المَأْمُوراتِ والِاحْتِرازُ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَ أمْرُ اللَّهِ بِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ الأفْعالِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ التُّرُوكِ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ أعْمالِ القُلُوبِ وإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ أفْعالِ الجَوارِحِ، ورَئِيسُ أعْمالِ القُلُوبِ الإيمانُ بِاللَّهِ والإسْلامُ لَهُ، ورَئِيسُ أعْمالِ الجَوارِحِ الصَّلاةُ، وأمّا الَّذِي يَكُونُ مِن بابِ التُّرُوكِ فَهو التَّقْوى وهو عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّقاءِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، واللَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ الهُدى النّافِعَ هو هُدى اللَّهِ، أرْدَفَ ذَلِكَ الكَلامَ الكُلِّيَّ بِذِكْرِ أشْرَفِ أقْسامِهِ عَلى التَّرْتِيبِ وهو الإسْلامُ الَّذِي هو رَئِيسُ الطّاعاتِ الرُّوحانِيَّةِ، والصَّلاةُ الَّتِي هي رَئِيسَةُ الطّاعاتِ الجُسْمانِيَّةِ، والتَّقْوى الَّتِي هي رَئِيسَةٌ لِبابِ التُّرُوكِ والِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، ثُمَّ بَيَّنَ مَنافِعَ هَذِهِ الأعْمالِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَنافِعَ هَذِهِ الأعْمالِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ الحَشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَسُنَ عَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ؟

قُلْنا: ذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ، وأُمِرْنا فَقِيلَ لَنا أسْلِمُوا لِرَبِّ العالَمِينَ وأقِيمُوا الصَّلاةَ.

فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْتُمْ، لَكِنْ ما الحِكْمَةُ في العُدُولِ عَنْ هَذا اللَّفْظِ الظّاهِرِ والتَّرْكِيبِ المُوافِقِ لِلْعَقْلِ إلى ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلى مَعْناهُ إلّا بِالتَّأْوِيلِ ؟

قُلْنا: وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ ما دامَ يُبْقِي عَلى كُفْرِهِ، كانَ كالغائِبِ الأجْنَبِيِّ فَلا جَرَمَ يُخاطَبُ بِخِطابِ الغائِبِينَ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وإذا أسْلَمَ وآمَنَ ودَخَلَ في الإيمانِ صارَ كالقَرِيبِ الحاضِرِ، فَلا جَرَمَ يُخاطَبُ بِخِطابِ الحاضِرِينَ، ويُقالُ لَهُ: ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الخِطابِ التَّنْبِيهُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ حالَتَيِ الكُفْرِ والإيمانِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الكافِرَ بَعِيدٌ غائِبٌ والمُؤْمِنَ قَرِيبٌ حاضِرٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

6:73Страница 136

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ وَيَوۡمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُۚ قَوۡلُهُ ٱلۡحَقُّۚ وَلَهُ ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٧٣

Он - Тот, Кто сотворил небеса и землю ради истины. В тот день Он скажет: «Будь!». - и это сбудется. Его Слово есть истина. Ему одному будет принадлежать власть в тот день, когда подуют в Рог. Он знает сокровенное и явное, и Он - Мудрый, Ведающий.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ فَسادَ طَرِيقَةِ عَبْدَةِ الأصْنامِ، ذَكَرَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا

صفحة ٢٧

مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وذَكَرَ فِيها أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الدَّلائِلِ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أمّا كَوْنُهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، فَقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما بِالحَقِّ فَهو نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] وقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] وفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ تَعالى مالِكٌ لِجَمِيعِ المُحْدَثاتِ مالِكٌ لِكُلِّ الكائِناتِ، وتَصَرُّفُ المالِكِ في مُلْكِهِ حَسَنٌ وصَوابٌ عَلى الإطْلاقِ، فَكانَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ حَسَنًا عَلى الإطْلاقِ وحَقًّا عَلى الإطْلاقِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ واقِعٌ عَلى وفْقِ مَصالِحِ المُكَلَّفِينَ مُطابِقٌ لِمَنافِعِهِمْ. قالَ القاضِي: ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ خَلَقَ المُكَلَّفَ أوَّلًا حَتّى يُمْكِنَهُ الِانْتِفاعُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولِحُكَماءِ الإسْلامِ في هَذا البابِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ يُقالُ: أوْدَعَ في هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ قُوًى وخَواصَّ يَصْدُرُ بِسَبَبِها عَنْها آثارٌ وحَرَكاتٌ مُطابَقَةٌ لِمَصالِحِ هَذا العالَمِ ومَنافِعِهِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ وخَلَقَ يَوْمَ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ، والمُرادُ مِن هَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِلدُّنْيا ولِكُلِّ ما فِيها مِنَ الأفْلاكِ والطَّبائِعِ والعَناصِرِ والخالِقِ لِيَوْمِ القِيامَةِ والبَعْثِ ولِرَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ عَلى سَبِيلِ كُنْ فَيَكُونُ.

والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: (الحَقُّ) مُبْتَدَأٌ و﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ظَرْفٌ دالٌّ عَلى الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ: قَوْلُهُ: (الحَقُّ) واقِعٌ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كَقَوْلِكَ: يَوْمَ الجُمْعَةِ القِتالُ، ومَعْناهُ القِتالُ واقِعٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ. والمُرادُ مِن كَوْنِ قَوْلِهِ حَقًّا في ذَلِكَ اليَوْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ والصِّدْقِ؛ لِأنَّ أقْضِيَتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الجَوْرِ والعَبَثِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المُلْكُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا مَلِكَ في يَوْمِ يُنْفَخُ في الصُّورِ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، فالمُرادُ بِالكَلامِ الثّانِي تَقْرِيرُ الحُكْمِ الحَقِّ المُبَرَّأِ عَنِ العَبَثِ والباطِلِ، والمُرادُ بِهَذا الكَلامِ تَقْرِيرُ القُدْرَةِ التّامَّةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا دافِعَ لَها ولا مُعارِضَ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُ اللَّهِ حَقٌّ في كُلِّ وقْتٍ، وقُدْرَتُهُ كامِلَةٌ في كُلِّ وقْتٍ، فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَذا اليَوْمِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ ؟

قُلْنا: لِأنَّ هَذا اليَوْمَ هو اليَوْمُ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ مِن أحَدٍ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ، فَكانَ الأمْرُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ هَذا التَّخْصِيصُ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ تَقْدِيرُهُ، وهو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ.

واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ الكامِلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ أحْوالَ البَعْثِ في القِيامَةِ إلّا وقَرَّرَ فِيهِ أصْلَيْنِ:

أحَدُهُما: كَوْنُهُ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ.

والثّانِي: كَوْنُهُ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ ورَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ أيْضًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ رُبَّما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ المُطِيعُ بِالعاصِي، والمُؤْمِنُ بِالكافِرِ، والصِّدِّيقُ بِالزِّنْدِيقِ، فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ. أمّا إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ حُصُولُ هاتَيْنِ

صفحة ٢٨

الصِّفَتَيْنِ كَمُلَ الغَرَضُ والمَقْصُودُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَمالِ العِلْمِ فَلا جَرَمَ لَزِمَ مِن مَجْمُوعِهِما أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَقًّا، وأنْ يَكُونَ حُكْمُهُ صِدْقًا، وأنْ تَكُونَ قَضاياهُ مُبَرَّأةً عَنِ الجَوْرِ والعَبَثِ والباطِلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ والمُرادُ مِن كَوْنِهِ حَكِيمًا أنْ يَكُونَ مُصِيبًا في أفْعالِهِ، ومَن كَوْنِهِ خَبِيرًا، كَوْنُهُ عالِمًا بِحَقائِقِها مِن غَيْرِ اشْتِباهٍ ومِن غَيْرِ التِباسٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا في كَثِيرٍ مِن هَذا الكِتابِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ خِطابًا وأمْرًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ إنْ كانَ لِلْمَعْدُومِ فَهو مُحالٌ، وإنْ كانَ لِلْمَوْجُودِ فَهو أمْرٌ بِأنْ يَصِيرَ المَوْجُودُ مَوْجُودًا وهو مُحالٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى نَفاذِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ في تَكْوِينِ الكائِناتِ وإيجادِ المَوْجُوداتِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ ولا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ مِنهُ يَوْمَ الحَشْرِ، ولا شُبْهَةَ عِنْدَ أهْلِ الإسْلامِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ قَرْنًا يَنْفُخُ فِيهِ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ القَرْنُ يُسَمّى بِالصُّورِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ الكَرِيمِ، ولَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالصُّورِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ذَلِكَ القَرْنُ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ وصِفَتُهُ مَذْكُورَةٌ في سائِرِ السُّوَرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ الصُّورَ جَمْعُ صُورَةٍ والنَّفْخُ في الصُّورِ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْخِ في صُوَرِ المَوْتى، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ مِثْلُ صُوفٍ وصُوفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أخْبَرَنِي أبُو الفَضْلِ العَرُوضِيُّ عَنِ الأزْهَرِيِّ عَنِ المُنْذِرِيِّ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ: أنَّهُ قالَ: ادَّعى قَوْمٌ أنَّ الصُّورَ جَمْعُ الصُّورَةِ كَما أنَّ الصُّوفَ جَمْعُ الصُّوفَةِ والثُّومَ جَمْعُ الثُّومَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: وهَذا خَطَأٌ فاحِشٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] فَمَن قَرَأ (ونُفِخَ في الصُّوَرِ)، وقَرَأ (فَأحْسَنَ صُورَكُمْ) فَقَدِ افْتَرى الكَذِبَ، وبَدَّلَ كِتابَ اللَّهِ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ صاحِبَ أخْبارٍ وغَرائِبَ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ، قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ جَمْعٍ عَلى لَفْظِ الواحِدِ المُذَكَّرِ سَبَقَ جَمْعُهُ واحِدَهُ، فَواحِدُهُ بِزِيادَةِ هاءٍ فِيهِ، وذَلِكَ مِثْلُ الصُّوفِ والوَبَرِ والشَّعْرِ والقُطْنِ والعُشْبِ فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْماءِ اسْمٌ لِجَمِيعِ جِنْسِهِ، وإذا أُفْرِدَتْ واحِدَتُهُ زِيدَتْ فِيها هاءٌ؛ لِأنَّ جَمْعَ هَذا البابِ سَبَقَ واحِدَهُ، ولَوْ أنَّ الصُّوفَةَ كانَتْ سابِقَةً لِلصُّوفِ لَقالُوا صُوفَةٌ وصُوَفٌ وبُسْرَةٌ وبُسَرٌ كَما قالُوا غُرْفَةٌ وغُرَفٌ، وزُلْفَةٌ وزُلَفٌ، وأمّا الصُّورُ القَرْنُ فَهو واحِدٌ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ واحِدَتُهُ صُورَةٌ وإنَّما تُجْمَعُ صُورَةُ الإنْسانِ صُوَرًا؛ لِأنَّ واحِدَتَهُ سَبَقَتْ جَمْعَهُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: قَدْ أحْسَنَ أبُو الهَيْثَمِ في هَذا الكَلامِ، ولا يَجُوزُ عِنْدِي غَيْرُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ، وأقُولُ: ومِمّا يُقَوِّي هَذا الوَجْهَ أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ نَفْخَ الرُّوحِ في تِلْكَ الصُّوَرِ لَأضافَ تَعالى ذَلِكَ النَّفْخَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ نَفْخَ الأرْواحِ في الصُّوَرِ يُضِيفُهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ، كَما قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وقالَ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١] وقالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٤] وأمّا نَفْحُ الصُّورِ بِمَعْنى النَّفْخِ في القَرْنِ، فَإنَّهُ تَعالى يُضِيفُهُ لا إلى نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] وقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English