Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Мульк 67:23–30
67:23Страница 563
قُلۡ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُمۡ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٢٣
Скажи: «Он - Тот, Кто создал вас и наделил вас слухом, зрением и сердцами. Как же мала ваша благодарность!».
البُرْهانُ الثّانِي عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾
صفحة ٦٥
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ البُرْهانَ أوَّلًا مِن حالِ سائِرِ الحَيَواناتِ، وهو وُقُوفُ الطَّيْرِ في الهَواءِ، أوْرَدَ البُرْهانَ بَعْدَهُ مِن أحْوالِ النّاسِ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وذَكَرَ مِن عَجائِبِ ما فِيهِ حالَ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ، ولَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أحْوالِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واعْلَمْ أنَّ في ذِكْرِها هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى دَقِيقَةٍ لَطِيفَةٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أعْطَيْتُكم هَذِهِ الإعْطاءاتِ الثَّلاثَةَ مَعَ ما فِيها مِنَ القُوى الشَّرِيفَةِ، لَكِنَّكم ضَيَّعْتُمُوها فَلَمْ تَقْبَلُوا ما سَمِعْتُمُوهُ ولا اعْتَبَرْتُمْ بِما أبْصَرْتُمُوهُ، ولا تَأمَّلْتُمْ في عاقِبَةِ ما عَقَلْتُمُوهُ، فَكَأنَّكم ضَيَّعْتُمْ هَذِهِ النِّعَمَ وأفْسَدْتُمْ هَذِهِ المَواهِبَ، فَلِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى هو أنْ يَصْرِفَ تِلْكَ النِّعْمَةَ إلى وجْهِ رِضاهُ، وأنْتُمْ لَمّا صَرَفْتُمُ السَّمْعَ والبَصَرَ والعَقْلَ لا إلى طَلَبِ مَرْضاتِهِ فَأنْتُمْ ما شَكَرْتُمْ نِعْمَتَهُ ألْبَتَّةَ.
67:24–26Страница 563
قُلۡ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤
Скажи: «Он - Тот, Кто расселил вас по земле, и к Нему вы будете собраны».
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥
Они говорят: «Когда же наступит обещанное, если вы говорите правду?».
قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٢٦
Скажи: «Знание об этом - у Аллаха, а я - всего лишь предостерегающий и разъясняющий увещеватель».
البُرْهانُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ بِأحْوالِ الحَيَواناتِ أوَّلًا ثُمَّ بِصِفاتِ الإنْسانِ ثانِيًا وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، ثُمَّ بِحُدُوثِ ذاتِهِ ثالِثًا وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ واحْتَجَّ المُتَكَلِّمُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ هو الجَوْهَرُ المُجَرَّدُ عَنِ التَّحَيُّزِ والكَمِّيَّةِ عَلى ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ ذَرَأ الإنْسانَ في الأرْضِ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الإنْسانِ مُتَحَيِّزًا جِسْمًا، واعْلَمْ أنَّ الشُّرُوعَ في هَذِهِ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِبَيانِ صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِيُثْبِتَ ما ادَّعاهُ مِنَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ (المُلْكِ: ٢) ثُمَّ لِأجْلِ إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، ذَكَرَ وُجُوهًا مِنَ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ، ثُمَّ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ عَلى الخَلْقِ ابْتِداءً تُوجِبُ القُدْرَةَ عَلى الإعادَةِ لا جَرَمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِإثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يُخَوِّفَهم بِعَذابِ اللَّهِ حَكى عَنِ الكُفّارِ شَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم طالَبُوهُ بِتَعْيِينِ الوَقْتِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ تَعالى قالَ: يَقُولُ، بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ فَهَذا يَحْتَمِلُ ما يُوجَدُ مِنَ الكُفّارِ مِن هَذا القَوْلِ في المُسْتَقْبَلِ، ويَحْتَمِلُ الماضِيَ، والتَّقْدِيرُ: فَكانُوا يَقُولُونَ هَذا الوَعْدَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، ولَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَها إبْهامًا لِلضَّعَفَةِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَتَعَجَّلْ فَلا أصْلَ لَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوَعْدُ المَسْؤُولُ عَنْهُ ما هو ؟ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ القِيامَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ مُطْلَقُ العَذابِ.
وفائِدَةُ هَذا الِاخْتِلافِ تَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.
صفحة ٦٦
ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
والمُرادُ أنَّ العِلْمَ بِالوُقُوعِ غَيْرُ العِلْمِ بِوَقْتِ الوُقُوعِ، فالعِلْمُ الأوَّلُ حاصِلٌ عِنْدِي، وهو كافٍ في الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ، أمّا العِلْمُ الثّانِي فَلَيْسَ إلّا لِلَّهِ، ولا حاجَةَ في كَوْنِي نَذِيرًا مُبِينًا إلَيْهِ.
67:27Страница 564
فَلَمَّا رَأَوۡهُ زُلۡفَةٗ سِيٓـَٔتۡ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَدَّعُونَ ٢٧
Когда они увидят его (наказание в День воскресения) вблизи от себя, лица неверующих опечалятся, и тогда им скажут: «Вот то, что вы призывали!».
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حالَهم عِنْدَ نُزُولِ ذَلِكَ الوَعْدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلْوَعْدِ، والزُّلْفَةُ القُرْبُ والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا رَأوْهُ قُرْبًا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ قُرْبُهُ، جَعَلَ كَأنَّهُ في نَفْسِ القُرْبِ. وقالَ الحَسَنُ: مُعايَنَةً، وهَذا مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما قَرُبَ مِنَ الإنْسانِ رَآهُ مُعايَنَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْوَدَّتْ وعَلَتْها الكَآبَةُ والقَتَرَةُ، وقالَ الزَّجّاجُ: تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، وأصْلُ السُّوءِ القُبْحُ، والسَّيِّئَةُ ضِدُّ الحَسَنَةِ، يُقالُ: ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ إذا قَبُحَ، وسِيءَ يُساءُ إذا قَبُحَ، وهو فِعْلٌ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ فَمَعْنى سِيئَتْ وُجُوهُهم قَبُحَتْ بِأنْ عَلَتْها الكَآبَةُ وغَشِيَها الكُسُوفُ والقَتَرَةُ وكَلَحُوا، وصارَتْ وُجُوهُهم كَوَجْهِ مَن يُقادُ إلى القَتْلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي، فَمَن حَمَلَ الوَعْدَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ عَلى مُطْلَقِ العَذابِ سَهُلَ تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِ فَلِهَذا قالَ أبُو مُسْلِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا أتاهم عَذابُ اللَّهِ المُهْلِكُ لَهم كالَّذِي نَزَلَ بِعادٍ وثَمُودَ سِيئَتْ وُجُوهُهم عِنْدَ قُرْبِهِ مِنهم، وأمّا مَن فَسَّرَ ذَلِكَ الوَعْدَ بِالقِيامَةِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ مَعْناهُ فَمَتى ما رَأوْهُ زُلْفَةً، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي وأحْوالُ القِيامَةِ مُسْتَقْبِلَةٌ لا ماضِيَةٌ فَوَجَبَ تَفْسِيرُ اللَّفْظِ بِما قُلْناهُ، قالَ مُقاتِلٌ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ أيْ لَمّا رَأوُا العَذابَ في الآخِرَةِ قَرِيبًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: القائِلُونَ هُمُ الزَّبانِيَةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿تَدَّعُونَ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَدَّعُونَ مِنَ الدُّعاءِ أيْ تَطْلُبُونَ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، وتَدْعُونَ وتَدَّعُونَ واحِدٌ في اللُّغَةِ مِثْلُ تَذْكُرُونَ وتَذَّكَّرُونَ وتَدْخَرُونَ وتَدَّخِرُونَ.
وثانِيها: أنَّهُ مِنَ الدَّعْوى مَعْناهُ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ تُبْطِلُونَهُ أيْ تَدَّعُونَ أنَّهُ باطِلٌ لا يَأْتِيكم أوْ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِسَبَبِهِ تَدَّعُونَ أنَّكم لا تُبْعَثُونَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والمَعْنى أهَذا الَّذِي تَدَّعُونَ، لا بَلْ كُنْتُمْ تَدَّعُونَ عَدَمَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: (تَدْعُونَ) خَفِيفَةً مِنَ الدُّعاءِ، وقَرَأ السَّبْعَةُ (تَدَّعُونَ) مُثَقَّلَةً مِنَ الِادِّعاءِ.
صفحة ٦٧
67:28–30Страница 564
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَهۡلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوۡ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٨
Скажи: «Как вы думаете, кто защитит от мучительных страданий неверующих, если Аллах погубит меня и тех, кто со мной, или помилует нас?».
قُلۡ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ءَامَنَّا بِهِۦ وَعَلَيۡهِ تَوَكَّلۡنَاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٩
Скажи: «Он - Милостивый! Мы уверовали в Него и уповаем только на Него, и вы узнаете, кто пребывает в очевидном заблуждении».
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ ٣٠
Скажи: «Как вы думаете, кто одарит вас родниковой водой, если ваша вода уйдет под землю?».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ أوْ رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ هو مِنَ النَّوْعِ الثّانِي مِمّا قالَهُ الكُفّارُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ خَوَّفَهم بِعَذابِ اللَّهِ، يُرْوى أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَدْعُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى المُؤْمِنِينَ بِالهَلاكِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ (الطُّورِ: ٣٠) وقالَ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ (الفَتْحِ: ١٢) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: هو هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى سَواءٌ أهْلَكَنِي بِالإماتَةِ أوْ رَحِمَنِي بِتَأْخِيرِ الأجَلِ، فَأيُّ راحَةٍ لَكم في ذَلِكَ، وأيُّ مَنفَعَةٍ لَكم فِيهِ، ومَنِ الَّذِي يُجِيرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ إذا نَزَلَ بِكم، أتَظُنُّونَ أنَّ الأصْنامَ تُجِيرُكم أوْ غَيْرَها، فَإذا عَلِمْتُمْ أنْ لا مُجِيرَ لَكم فَهَلّا تَمَسَّكْتُمْ بِما يُخَلِّصُكم مِنَ العَذابِ وهو العِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
والمَعْنى أنَّهُ الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْبَلُ دُعاءَكم وأنْتُمْ أهْلُ الكُفْرِ والعِنادِ في حَقِّنا، مَعَ أنّا آمَنّا بِهِ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ كَما كَفَرْتُمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ تَوَكَّلْتُمْ عَلى رِجالِكم وأمْوالِكم، وقُرِئَ (فَسَتَعْلَمُونَ) عَلى المُخاطَبَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ لِيَكُونَ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ، وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾
والمَقْصُودُ أنْ يَجْعَلَهم مُقِرِّينَ بِبَعْضِ نِعَمِهِ لِيُرِيَهم قُبْحَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، أيْ أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم ذاهِبًا في الأرْضِ فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولُوا: هو اللَّهُ، فَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ: فَلِمَ تَجْعَلُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا شَرِيكًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ (الواقِعَةِ: ٦٨، ٦٩)، وقَوْلُهُ: ﴿غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا ذاهِبًا في الأرْضِ يُقالُ: غارَ الماءُ يَغُورُ غَوْرًا، إذا نَضَبَ وذَهَبَ في الأرْضِ، والغَوْرُ هَهُنا بِمَعْنى الغائِرِ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضًا، والمَعِينُ الظّاهِرُ الَّذِي تَراهُ العُيُونُ فَهو مِن مَفْعُولِ العَيْنِ كَمَبِيعٍ، وقِيلَ: المَعِينُ الجارِي مِنَ العُيُونِ مِنَ الإمْعانِ في الجَرْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: مُمْعِنٌ في الجَرْيِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии