Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Араф 7:31–34
7:31–32Страница 154
۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
О сыны Адама! Облекайтесь в свои украшения при каждой мечети. Ешьте и пейте, но не излишествуйте, ибо Он не любит тех, кто излишествует.
قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢
Скажи: «Кто запретил украшения Аллаха, которые Он даровал Своим рабам, и прекрасный удел?». Скажи: «В мирской жизни они предназначены для тех, кто уверовал, а в День воскресения они будут предназначены исключительно для них». Так Мы разъясняем знамения людям знающим.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِسْطِ في الآيَةِ الأُولى، وكانَ مِن جُمْلَةِ القِسْطِ أمَرَ اللِّباسَ وأمَرَ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِهِما، وأيْضًا لَمّا أمَرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وكانَ سَتْرُ العَوْرَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ اللِّباسِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً: الرِّجالُ بِالنَّهارِ، والنِّساءُ بِاللَّيْلِ، وكانُوا إذا وصَلُوا إلى مَسْجِدِ مِنًى، طَرَحُوا ثِيابَهم وأتَوُا المَسْجِدَ عُراةً. وقالُوا: لا نَطُوفُ في ثِيابٍ أصَبْنا فِيها الذُّنُوبَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَفْعَلُ ذَلِكَ تَفاؤُلًا حَتّى نَتَعَرّى عَنِ الذُّنُوبِ كَما تَعَرَّيْنا عَنِ الثِّيابِ، وكانَتِ المَرْأةُ مِنهم تَتَّخِذُ سِتْرًا تُعَلِّقُهُ عَلى حِقْوَيْها، لِتَسْتَتِرَ بِهِ عَنِ الحُمْسِ، وهم قُرَيْشٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وكانُوا يُصَلُّونَ في ثِيابِهِمْ، ولا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ أحَقُّ أنَّ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، أيْ: ”البَسُوا ثِيابَكم وكُلُوا اللَّحْمَ والدَّسَمَ واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا“» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الزِّينَةِ لُبْسُ الثِّيابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (النُّورِ: ٣١) يَعْنِي الثِّيابَ، وأيْضًا فالزِّينَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالسَّتْرِ التّامِّ لِلْعَوْراتِ، ولِذَلِكَ صارَ التَّزْيِينُ بِأجْوَدِ الثِّيابِ في الجَمْعِ والأعْيادِ سُنَّةً، وأيْضًا إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾
صفحة ٥١
فَبَيَّنَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُوارِي السَّوْءَةَ مِن قَبِيلِ الرِّياشِ والزِّينَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تِلْكَ الآيَةِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الزِّينَةِ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، وأيْضًا فَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ هَهُنا لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ العَوْرَةَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَثَبَتَ أنَّ أخْذَ الزِّينَةِ واجِبٌ، وكُلُّ ما سِوى اللُّبْسِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ الزِّينَةِ عَلى اللُّبْسِ عَمَلًا بِالنَّصِّ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ عِنْدَ إقامَةِ كُلِّ صَلاةٍ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أمْرُ إباحَةٍ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرَ إباحَةٍ أيْضًا.
وجَوابُهُ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الظّاهِرِ في المَعْطُوفِ تَرْكُهُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأيْضًا فالأكْلُ والشُّرْبُ قَدْ يَكُونانِ واجِبَيْنِ أيْضًا في الحُكْمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَنعِ مِنَ الطَّوافِ حالَ العُرْيِ.
والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ اللُّبْسِ التّامِّ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ؛ لِأنَّ اللُّبْسَ التّامَّ هو الزِّينَةُ. تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في القَدْرِ الَّذِي لا يَجِبُ سَتْرُهُ مِنَ الأعْضاءِ إجْماعًا، فَبَقِيَ الباقِي داخِلًا تَحْتَ اللَّفْظِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ واجِبٌ في الصَّلاةِ وجَبَ أنْ تَفْسُدَ الصَّلاةُ عِنْدَ تَرْكِهِ؛ لِأنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ تَرْكَ المَأْمُورِ بِهِ، وتَرْكُ المَأْمُورِ بِهِ مَعْصِيَةٌ، والمَعْصِيَةُ تُوجِبُ العِقابَ عَلى ما شَرَحْنا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ في الأُصُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ إزالَةِ النَّجاسَةِ بِماءِ الوَرْدِ، فَقالُوا: أمَرَنا بِالصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (الأنْعامِ: ٧٢) والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ، وقَدْ أتى بِها، والإتْيانُ بِالمَأْمُورِ بِهِ يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنِ العُهْدَةِ، فَمُقْتَضى هَذا الدَّلِيلِ أنْ لا تَتَوَقَّفَ صِحَّةُ الصَّلاةِ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، إلّا أنّا أوْجَبْنا هَذا المَعْنى عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ولُبْسُ الثَّوْبِ المَغْسُولِ بِماءِ الوَرْدِ عَلى أقْصى وُجُوهِ النَّظافَةِ أخْذُ الزِّينَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كافِيًا في صِحَّةِ الصَّلاةِ.
وجَوابُنا: إنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يَنْصَرِفانِ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وذَلِكَ هو عَمَلُ الرَّسُولِ ﷺ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَلّى في الثَّوْبِ المَغْسُولِ بِماءِ الوَرْدِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ فاعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ في أيّامِ حَجِّهِمْ إلّا القَلِيلَ، وكانُوا لا يَأْكُلُونَ الدَّسَمَ، يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِبَيانِ فَسادِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا في بُطُونِ الأنْعامِ فَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بَيانًا لِفَسادِ قَوْلِهِمْ في هَذا البابِ.
صفحة ٥٢
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الأوْقاتَ والأحْوالَ، ويَتَناوَلُ جَمِيعَ المَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ فِيها هو الحِلَّ في كُلِّ الأوْقاتِ، وفي كُلِّ المَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ المُنْفَصِلُ، والعَقْلُ أيْضًا مُؤَكِّدٌ لَهُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الحِلُّ والإباحَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَأْكُلَ ويَشْرَبَ بِحَيْثُ لا يَتَعَدّى إلى الحَرامِ، ولا يُكْثِرُ الإنْفاقَ المُسْتَقْبَحَ ولا يَتَناوَلُ مِقْدارًا كَثِيرًا يَضُرُّهُ ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإسْرافِ، قَوْلُهم بِتَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، فَإنَّهم أخْرَجُوها عَنْ مِلْكِهِمْ، وتَرَكُوا الِانْتِفاعَ بِها، وأيْضًا إنَّهم حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في وقْتِ الحَجِّ أيْضًا أشْياءَ أحَلَّها اللَّهُ تَعالى لَهم، وذَلِكَ إسْرافٌ.
واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ لَفْظِ الإسْرافِ عَلى الِاسْتِكْثارِ، مِمّا لا يَنْبَغِي أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَنعِ مِمّا لا يَجُوزُ ويَنْبَغِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا نِهايَةُ التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى بَقِيَ مَحْرُومًا عَنِ الثَّوابِ؛ لِأنَّ مَعْنى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ إيصالُهُ الثَّوابَ إلَيْهِ، فَعَدَمُ هَذِهِ المَحَبَّةِ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ الثَّوابِ، ومَتى لَمْ يَحْصُلِ الثَّوابُ، فَقَدْ حَصَلَ العِقابُ؛ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ مُكَلَّفٌ، لا يُثابُ ولا يُعاقَبُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ظاهِرُها اسْتِفْهامٌ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ تَقْرِيرُ الإنْكارِ، والمُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الإنْكارِ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآيَةِ اللِّباسُ الَّذِي تُسْتَرُ بِهِ العَوْرَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وكَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ الزِّينَةِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الزِّينَةِ جَمِيعُ أنْواعِ التَّزْيِينِ، ويَدْخُلُ تَحْتَها تَنْظِيفُ البَدَنِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَها المَرْكُوبُ، ويَدْخُلُ تَحْتَها أيْضًا أنْواعُ الحُلِيِّ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ زِينَةٌ، ولَوْلا النَّصُّ الوارِدُ في تَحْرِيمِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والإبْرِيسَمِ عَلى الرِّجالِ لَكانَ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ هَذا العُمُومِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ كُلُّ ما يُسْتَلَذُّ ويُشْتَهى مِن أنْواعِ المَأْكُولاتِ والمَشْرُوباتِ، ويَدْخُلُ أيْضًا تَحْتَهُ التَّمَتُّعُ بِالنِّساءِ وبِالطِّيبِ. ورُوِيَ «عَنْ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: أنَّهُ أتى الرَّسُولَ ﷺ، وقالَ: غَلَبَنِي حَدِيثُ النَّفْسِ، عَزَمْتُ عَلى أنْ أخْتَصِيَ، فَقالَ: مَهْلًا يا عُثْمانُ، إنَّ خِصاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ، قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بِالتَّرَهُّبِ. قالَ: إنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتِي القُعُودُ في المَساجِدِ لِانْتِظارِ الصَّلاةِ، فَقالَ: تُحَدِّثُنِي نَفْسِي بِالسِّياحَةِ، فَقالَ: سِياحَةُ أُمَّتِي الغَزْوُ والحَجُّ والعُمْرَةُ، فَقالَ: إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أخْرُجَ مِمّا أمْلِكُ، فَقالَ: الأوْلى أنْ تَكْفِيَ نَفْسَكَ وعِيالَكَ وأنْ تَرْحَمَ اليَتِيمَ والمِسْكِينَ فَتُعْطِيَهُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ. فَقالَ: إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أُطَلِّقَ خَوْلَةَ، فَقالَ: إنَّ الهِجْرَةَ في أُمَّتِي هِجْرَةُ ما حَرَّمَ اللَّهُ، قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لا أغْشاها. قالَ: إنَّ المُسْلِمَ
صفحة ٥٣
إذا غَشِيَ أهْلَهُ أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينَهُ، فَإنْ لَمْ يُصِبْ مِن وقْعَتِهِ تِلْكَ ولَدًا كانَ لَهُ وصَيْفٌ في الجَنَّةِ، وإذا كانَ لَهُ ولَدٌ ماتَ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ كانَ لَهُ قُرَّةَ عَيْنٍ، وفَرِحَ يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الحِنْثَ كانَ لَهُ شَفِيعًا ورَحْمَةً يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لا آكُلَ اللَّحْمَ، قالَ: مَهْلًا إنِّي آكُلُ اللَّحْمَ إذا وجَدْتُهُ، ولَوْ سَألْتُ اللَّهَ أنْ يُطْعِمَنِيهِ كُلَّ يَوْمٍ فَعَلَهُ. قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لا أمَسَّ الطِّيبَ. قالَ: مَهْلًا فَإنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي بِالطِّيبِ غَبًّا، وقالَ: لا تَتْرُكْهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قالَ: يا عُثْمانُ، لا تَرْغَبْ عَنْ سُنَّتِي، فَإنَّ مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي وماتَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ صَرَفَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ عَنْ حَوْضِي» .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الكامِلَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ الزِّينَةِ مُباحٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أدْخَلْنا الكُلَّ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ ما تَزَيَّنَ الإنْسانُ بِهِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ حَلالًا، وكَذَلِكَ كُلُّ ما يُسْتَطابُ وجَبَ أنْ يَكُونَ حَلالًا، فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي حِلَّ كُلِّ المَنافِعِ، وهَذا أصْلٌ مُعْتَبَرٌ في كُلِّ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واقِعَةٍ تَقَعُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ النَّفْعُ فِيها خالِصًا، أوْ راجِحًا أوِ الضَّرَرُ يَكُونُ خالِصًا أوْ راجِحًا، أوْ يَتَساوى الضَّرَرُ والنَّفْعُ، أوْ يَرْتَفِعا. أمّا القِسْمانِ الأخِيرانِ، وهو أنْ يَتَعادَلَ الضَّرَرُ والنَّفْعُ، أوْ لَمْ يُوجَدا قَطُّ فَفي هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، وجَبَ الحُكْمُ بِبَقاءِ ما كانَ عَلى ما كانَ، وإنْ كانَ النَّفْعُ خالِصًا، وجَبَ الإطْلاقُ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَ النَّفْعُ راجِحًا والضَّرَرُ مَرْجُوحًا يُقابَلُ المِثْلُ بِالمِثْلِ، ويَبْقى القَدْرُ الزّائِدُ نَفْعًا خالِصًا، فَيَلْتَحِقُ بِالقِسْمِ الَّذِي يَكُونُ النَّفْعُ فِيهِ خالِصًا، وإنْ كانَ الضَّرَرُ خالِصًا، كانَ تَرْكُهُ خالِصَ النَّفْعِ، فَيَلْتَحِقُ بِالقِسْمِ المُتَقَدِّمِ، وإنْ كانَ الضَّرَرُ راجِحًا بَقِيَ القَدْرُ الزّائِدُ ضَرَرًا خالِصًا، فَكانَ تَرْكُهُ نَفْعًا خالِصًا، فَبِهَذا الطَّرِيقِ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى الأحْكامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها في الحِلِّ والحُرْمَةِ، ثُمَّ إنْ وجَدْنا نَصًّا خالِصًا في الواقِعَةِ، قَضَيْنا في النَّفْعِ بِالحِلِّ، وفي الضَّرَرِ بِالحُرْمَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ جَمِيعُ الأحْكامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها داخِلًا تَحْتَ النَّصِّ ثُمَّ قالَ نُفاةُ القِياسِ: فَلَوْ تَعَبَّدَنا اللَّهُ تَعالى بِالقِياسِ، لَكانَ حُكْمُ ذَلِكَ القِياسِ: إمّا أنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِحُكْمِ هَذا النَّصِّ العامِّ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ضائِعًا؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ مُسْتَقِلٌّ بِهِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا كانَ ذَلِكَ القِياسُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ هَذا النَّصِّ، فَيَكُونُ مَرْدُودًا لِأنَّ العَمَلَ بِالنَّصِّ أوْلى مِنَ العَمَلِ بِالقِياسِ. قالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ يَكُونُ القُرْآنُ وحْدَهُ وافِيًا بِبَيانِ كُلِّ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ، ولا حاجَةَ مَعَهُ إلى طَرِيقٍ آخَرَ، فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ وافٍ بِبَيانِ جَمِيعِ الوَقائِعِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَفْسِيرُ الآيَةِ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا غَيْرَ خالِصَةٍ لَهم؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ شُرَكاؤُهم فِيها خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ لا يَشْرَكُهم فِيها أحَدٌ.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ولِغَيْرِهِمْ ؟
قُلْنا: فُهِمَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّها خُلِقَتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا عَلى طَرِيقِ الأصالَةِ، وأنَّ الكَفَرَةَ تَبَعٌ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٢٦) والحاصِلُ: إنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ إنَّما تَصْفُو عَنْ شَوائِبِ الرَّحْمَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَإنَّها تَكُونُ مُكَدَّرَةً مَشُوبَةً.
صفحة ٥٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ (خالِصَةٌ) بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ عاقِلٌ لَبِيبٌ، والمَعْنى: قُلْ هي ثابِتَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (خالِصَةٌ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ، وقَوْلُهُ: (لِلَّذِينَ آمَنُوا) مُتَعَلِّقًا بِـ (خالِصَةٌ) . والتَّقْدِيرُ: هي خالِصَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا. وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ، فَعَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّها ثابِتَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا في حالِ كَوْنِها خالِصَةً لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ومَعْنى تَفْصِيلِ الآياتِ قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لِقَوْمٍ يُمْكِنُهُمُ النَّظَرُ بِهِ والِاسْتِدْلالُ حَتّى يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى تَحْصِيلِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
7:33Страница 154
قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣
Скажи: «Мой Господь запретил совершать мерзкие поступки, как явные, так и скрытые, совершать грехи, бесчинствовать без всякого права, приобщать к Аллаху сотоварищей, в пользу чего Он не ниспослал никакого доказательства, и наговаривать на Аллаха то, чего вы не знаете».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أسْكَنَ حَمْزَةُ الياءَ مِن (رَبِّيَ) والباقُونَ فَتَحُوها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِي حَرَّمُوهُ لَيْسَ بِحَرامٍ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ المُحَرَّماتِ، فَحَرَّمَ أوَّلًا الفَواحِشَ، وثانِيًا الإثْمَ، واخْتَلَفُوا في الفَرْقِ بَيْنَهُما عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: إنَّ الفَواحِشَ عِبارَةٌ عَنِ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَفاحَشَ قُبْحُها أيْ تَزايَدَ، والإثْمُ عِبارَةٌ عَنِ الصَّغائِرِ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ حَرَّمَ الكَبائِرَ والصَّغائِرَ، وطَعَنَ القاضِي فِيهِ، فَقالَ: هَذا يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: الزِّنا، والسَّرِقَةُ، والكُفْرُ لَيْسَ بِإثْمٍ. وهو بَعِيدٌ.
القَوْلُ الثّانِي: إنَّ الفاحِشَةَ اسْمٌ لا يَجِبُ فِيهِ الحَدُّ، والإثْمَ اسْمٌ لِما يَجِبُ فِيهِ الحَدُّ، وهَذا وإنْ كانَ مُغايِرًا لِلْأوَّلِ إلّا أنَّهُ قَرِيبٌ مِنهُ، والسُّؤالُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ الفاحِشَةَ اسْمٌ لِلْكَبِيرَةِ، والإثْمُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الذَّنْبِ سَواءٌ كانَ كَبِيرًا أوْ صَغِيرًا، والفائِدَةُ فِيهِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَرَّمَ الكَبِيرَةَ أرْدَفَها بِتَحْرِيمِ مُطْلَقِ الذَّنْبِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ التَّحْرِيمَ مَقْصُودٌ عَلى الكَبِيرَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتِيارُ القاضِي.
والقَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ الفاحِشَةَ وإنْ كانَتْ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ اسْمًا لِكُلِّ ما تَفاحَشَ وتَزايَدَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، إلّا أنَّهُ في العُرْفِ مَخْصُوصٌ بِالزِّيادَةِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ في الزِّنا: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ (النِّساءِ: ٢٢) ولِأنَّ لَفْظَ الفاحِشَةِ إذا أُطْلِقَ لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ إلّا ذَلِكَ، وإذا قِيلَ: فُلانٌ فَحّاشٌ، فُهِمَ أنَّهُ يَشْتُمُ النّاسَ بِألْفاظِ الوِقاعِ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الفاحِشَةِ عَلى الزِّنا فَقَطْ.
صفحة ٥٥
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يُرِيدُ سِرَّ الزِّنا، وهو الَّذِي يَقَعُ عَلى سَبِيلِ العِشْقِ والمَحَبَّةِ، وما ظَهَرَ مِنها بِأنْ يَقَعَ عَلانِيَةً.
والثّانِي: أنْ يُرادَ بِما ظَهَرَ مِنَ الزِّنا المُلامَسَةُ والمُعانَقَةُ (وما بَطَنَ) الدُّخُولُ. وأمّا الإثْمُ فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِالخَمْرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ (البَقَرَةِ: ٢١٩) وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ المُحَرَّماتِ: قَوْلُهُ: ﴿والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ فَنَقُولُ: أمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ بِالفَواحِشِ جَمِيعُ الكَبائِرِ، وبِالإثْمِ جَمِيعُ الذُّنُوبِ. قالُوا: إنَّ البَغْيَ والشِّرْكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا داخِلَيْنِ تَحْتَ الفَواحِشِ وتَحْتَ الإثْمِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهُما بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما أقْبَحُ أنْواعِ الذُّنُوبِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ (البَقَرَةِ: ٩٨) وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ (الأحْزابِ: ٧)، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: الفاحِشَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالزِّنا، والإثْمُ بِالخَمْرِ، قالُوا: البَغْيُ والشِّرْكُ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ غَيْرُ داخِلَيْنِ تَحْتَ الفَواحِشِ والإثْمِ. فَنَقُولُ: البَغْيُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الإقْدامِ عَلى الغَيْرِ نَفْسًا، أوْ مالًا، أوْ عِرْضًا، وأيْضًا قَدْ يُرادُ بِالبَغْيِ الخُرُوجُ عَلى سُلْطانِ الوَقْتِ.
فَإنْ قِيلَ: البَغْيُ لا يَكُونُ إلّا بِغَيْرِ الحَقِّ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا الشَّرْطِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ (الأنْعامِ: ١٥١) والمَعْنى: لا تُقْدِمُوا عَلى إيذاءِ النّاسِ بِالقَتْلِ والقَهْرِ، إلّا أنْ يَكُونَ لَكم فِيهِ حَقٌّ، فَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ مِن أنْ يَكُونَ بَغْيًا.
والنَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ المُحَرَّماتِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ هَذا يُوهِمُ أنَّ في الشِّرْكِ بِاللَّهِ ما قَدْ أنْزَلَ بِهِ سُلْطانًا، وجَوابُهُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ الإقْرارَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَيْسَ عَلى ثُبُوتِهِ حُجَّةٌ، ولا سُلْطانٌ مُمْتَنِعٌ، فَلَمّا امْتَنَعَ حُصُولُ الحُجَّةِ والتَّنْبِيهِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ.
والنَّوْعُ الخامِسُ مِنَ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وبَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ﴾ كَذا وكَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، والمُحَرَّماتُ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ في هَذِهِ الأشْياءِ.
والجَوابُ: إنْ قُلْنا: الفاحِشَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مُطْلَقِ الكَبائِرِ، والإثْمُ عَلى مُطْلَقِ الذَّنْبِ دَخَلَ كُلُّ الذُّنُوبِ فِيهِ، وإنْ حَمْلَنا الفاحِشَةَ عَلى الزِّنا، والإثْمَ عَلى الخَمْرِ.
قُلْنا: الجِناياتُ مَحْصُورَةٌ في خَمْسَةِ أنْواعٍ:
أحَدُها: الجِناياتُ عَلى الأنْسابِ، وهي إنَّما تَحْصُلُ بِالزِّنا، وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ .
وثانِيها: الجِناياتُ عَلى العُقُولِ، وهي شُرْبُ الخَمْرِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (والإثْمَ) .
وثالِثُها: الجِناياتُ عَلى الأعْراضِ.
ورابِعُها: الجِناياتُ عَلى النُّفُوسِ وعَلى الأمْوالِ، وإلَيْهِما الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ .
وخامِسُها: الجِناياتُ عَلى الأدْيانِ، وهي مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُها: الطَّعْنُ في تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وأنْ)
صفحة ٥٦
﴿تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ .
وثانِيها: القَوْلُ في دِينِ اللَّهِ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَلَمّا كانَتْ أُصُولُ الجِناياتِ هي هَذِهِ الأشْياءَ، وكانَتِ البَواقِي كالفُرُوعِ والتَّوابِعِ، لا جَرَمَ جَعَلَ تَعالى ذِكْرَها جارِيًا مَجْرى ذِكْرِ الكُلِّ، فَأدْخَلَ فِيها كَلِمَةَ ”إنَّما“ المُفِيدَةِ لِلْحَصْرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: الفاحِشَةُ والإثْمُ هو الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ المُحَرَّماتِ، وهو كَلامٌ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ.
والجَوابُ كَوْنُ الفِعْلِ فاحِشَةً هو عِبارَةٌ عَنِ اشْتِمالِهِ في ذاتِهِ عَلى أُمُورٍ بِاعْتِبارِها يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَسْقُطُ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
7:34Страница 154
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤
Для каждой общины есть свой срок. Когда же наступает их срок, они не могут отдалить или приблизить его даже на час.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَلالَ والحَرامَ وأحْوالَ التَّكْلِيفِ، بَيَّنَ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ ماتَ لا مَحالَةَ، والغَرَضُ مِنهُ التَّخْوِيفُ لِيَتَشَدَّدَ المَرْءُ في القِيامِ بِالتَّكالِيفِ كَما يَنْبَغِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الأجَلَ، هو الوَقْتُ المُوَقَّتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ المُهْلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُقاتِلٍ: إنَّ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أمْهَلَ كُلَّ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها إلى وقْتٍ مُعَيَّنٍ، وهو تَعالى لا يُعَذِّبُهم إلى أنْ يَنْظُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ الَّذِي يَصِيرُونَ فِيهِ مُسْتَحِقِّينَ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ نَزَلَ ذَلِكَ العَذابُ لا مَحالَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ بِهَذا الأجَلِ العُمُرُ، فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ الأجَلُ وكَمُلَ امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فِيهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولِكُلِّ أحَدٍ أجَلٌ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: إنَّما قالَ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لِكُلِّ أحَدٍ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ هي الجَماعَةُ في كُلِّ زَمانٍ، ومَعْلُومٌ مِن حالِها التَّقارُبُ في الأجَلِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأُمَّةِ فِيما يَجْرِي مَجْرى الوَعِيدِ أفْحَمُ، وأيْضًا فالقَوْلُ الأوَّلُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ وقْتٌ مُعَيَّنٌ في نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أُمَّتَنا لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى القَوْلِ الثّانِي: لَزِمَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلٌ، لا يَقَعُ فِيهِ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ فَيَكُونُ المَقْتُولُ مَيِّتًا بِأجَلِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى تَبْقِيَتِهِ أزْيَدَ مِن ذَلِكَ ولا أنْقَصَ، ولا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُمِيتَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي خُرُوجَهُ تَعالى عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا مُخْتارًا، وصَيْرُورَتِهِ كالمُوجِبِ لِذاتِهِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ الأمْرَ يَقَعُ عَلى هَذا الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ المُرادُ أنَّهُ لا يَتَأخَّرُ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ
صفحة ٥٧
المُعَيَّنِ لا بِساعَةٍ ولا بِما هو أقَلُّ مِن ساعَةٍ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السّاعَةَ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ أقَلُّ أسْماءِ الأوْقاتِ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَإنَّ عِنْدَ حُضُورِ الأجَلِ امْتَنَعَ عَقْلًا وُقُوعُ ذَلِكَ الأجَلِ في الوَقْتِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ ؟
قُلْنا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ عَلى قُرْبِ حُضُورِ الأجَلِ. تَقُولُ العَرَبُ: جاءَ الشِّتاءُ، إذا قارَبَ وقْتُهُ، ومَعَ مُقارَبَةِ الأجَلِ يَصِحُّ التَّقَدُّمُ عَلى ذَلِكَ تارَةً والتَّأخُّرُ عَنْهُ أُخْرى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии