Ар-Рази · Тафсир · на арабском
Аль-Араф 7:81–87
7:81Страница 160
إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ٨١
В похотливом вожделении вы приходите к мужчинам вместо женщин. Воистину, вы - народ излишествующий».
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”إنَّكم“ بِكَسْرِ الألْفٍ، ومَذْهَبُ نافِعٍ أنْ يُكْتَفى بِالِاسْتِفْهامِ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي في كُلِّ القُرْآنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”أئِنَّكم“ بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ وبَيْنَ الثّانِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وبَيْنَ الثّانِي، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ. قالَ الواحِدِيُّ: مَنِ اسْتَفْهَمَ كانَ هَذا اسْتِفْهامًا مَعْناهُ الإنْكارُ؛ لِقَوْلِهِ: ”﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾“ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لا تَحْتاجُ في تَمامِها إلى شَيْءٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شَهْوَةً﴾ مَصْدَرٌ. قالَ أبُو زَيْدٍ شَهِيَ يَشْهى شَهْوَةً، وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ مَعْناهُ أتَشْتَهُونَ شَهْوَةً ؟ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ إنَّها مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في بَيانِ الوُجُوهِ المُوجِبَةِ لَقُبْحِ هَذا العَمَلِ.
اعْلَمْ أنَّ قُبْحَ هَذا العَمَلِ كالأمْرِ المُقَرَّرِ في الطِّباعِ، فَلا حاجَةَ فِيهِ إلى تَعْدِيدِ الوُجُوهِ عَلى التَّفْصِيلِ. ثُمَّ نَقُولُ مُوجِباتُ القُبْحِ فِيهِ كَثِيرَةٌ:
أوَّلُها: أنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَحْتَرِزُونَ عَنْ حُصُولِ الوَلَدِ؛ لِأنَّ حُصُولَهُ يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى طَلَبِ المالِ وإتْعابِ النَّفْسِ في الكَسْبِ، إلّا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الوِقاعَ سَبَبًا لِحُصُولِ اللَّذَّةِ العَظِيمَةِ، حَتّى إنَّ الإنْسانَ بِطَلَبِ تِلْكَ اللَّذَّةِ يُقْدِمُ عَلى الوِقاعِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الوَلَدُ شاءَ أمْ أبى، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَبْقى النَّسْلُ ولا يَنْقَطِعُ النَّوْعُ، فَوَضَعَ اللَّذَّةَ في الوِقاعِ، كَشِبْهِ الإنْسانِ الَّذِي وضَعَ الفَخَّ لِبَعْضِ الحَيَواناتِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ
صفحة ١٣٨
يَضَعَ في ذَلِكَ الفَخِّ شَيْئًا يَشْتَهِيهِ ذَلِكَ الحَيَوانُ حَتّى يَصِيرَ سَبَبًا لِوُقُوعِهِ في ذَلِكَ الفَخِّ، فَوَضْعُ اللَّذَّةِ في الوِقاعِ يُشْبِهُ وضْعَ الشَّيْءِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ الحَيَوانُ في الفَخِّ، والمَقْصُودُ مِنهُ إبْقاءُ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ الَّذِي هو أشْرَفُ الأنْواعِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ تَمَكَّنَ الإنْسانُ مِن تَحْصِيلِ تِلْكَ اللَّذَّةِ بِطْرِيقٍ لا تُفْضِي إلى الوَلَدِ، لَمْ تَحْصُلِ الحِكْمَةُ المَطْلُوبَةُ، ولَأدّى ذَلِكَ إلى انْقِطاعِ النَّسْلِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ حُكْمِ اللَّهِ، فَوَجَبَ الحُكْمُ بِتَحْرِيمِهِ قَطْعًا، حَتّى تَحْصُلَ تِلْكَ اللَّذَّةُ بِالطَّرِيقِ المُفْضِي إلى الوَلَدِ.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ الذُّكُورَةَ مَظِنَّةُ الفِعْلِ، والأُنُوثَةُ مَظِنَّةُ الِانْفِعالِ، فَإذا صارَ الذَّكَرُ مُنْفَعِلًا، والأُنْثى فاعِلًا، كانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الطَّبِيعَةِ، وعَلى عَكْسِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: الِاشْتِغالُ بِمَحْضِ الشَّهْوَةِ تَشَبُّهٌ بِالبَهِيمَةِ، وإذا كانَ الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ يُفِيدُ فائِدَةً أُخْرى سِوى قَضاءِ الشَّهْوَةِ، فَلْيَكُنْ قَضاءُ الشَّهْوَةِ مِنَ المَرْأةِ يُفِيدُ فائِدَةً أُخْرى سِوى قَضاءِ الشَّهْوَةِ، وهو حُصُولُ الوَلَدِ وإبْقاءُ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ الَّذِي هو أشْرَفُ الأنْواعِ. فَأمّا قَضاءُ الشَّهْوَةِ مِنَ الذَّكَرِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا مُجَرَّدَ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، فَكانَ ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِالبَهائِمِ، وخُرُوجًا عَنِ الغَرِيزَةِ الإنْسانِيَّةِ، فَكانَ في غايَةِ القُبْحِ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: هَبْ أنَّ الفاعِلَ يَلْتَذُّ بِذَلِكَ العَمَلِ، إلّا أنَّهُ يَبْقى في إيجابِ العارِ العَظِيمِ والعَيْبِ الكامِلِ بِالمَفْعُولِ عَلى وجْهٍ لا يَزُولُ ذَلِكَ العَيْبُ عَنْهُ أبَدَ الدَّهْرِ، والعاقِلُ لا يَرْضى لِأجْلِ لَذَّةٍ خَسِيسَةٍ مُنْقَضِيَةٍ في الحالِ إيجابَ العَيْبِ الدّائِمِ الباقِي بِالغَيْرِ.
والوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ عَمَلٌ يُوجِبُ اسْتِحْكامَ العَداوَةِ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، ورُبَّما يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى إقْدامِ المَفْعُولِ عَلى قَتْلِ الفاعِلِ لِأجْلِ أنَّهُ يَنْفِرُ طَبْعُهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، أوْ عَلى إيجابِ إنْكائِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ. أمّا حُصُولُ هَذا العَمَلِ بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ فَإنَّهُ يُوجِبُ اسْتِحْكامَ الأُلْفَةِ والمَوَدَّةِ وحُصُولِ المَصالِحِ الكَبِيرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الرَّحِمِ قُوَّةً شَدِيدَةَ الجَذْبِ لِلْمَنِيِّ، فَإذا واقَعَ الرَّجُلُ المَرْأةَ قَوِيَ الجَذْبُ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ المَنِيِّ في المَجارِي إلّا ويَنْفَصِلُ. أمّا إذا واقَعَ الرَّجُلَ فَلَمْ يَحْصُلْ في ذَلِكَ العُضْوِ المُعَيَّنِ مِنَ المَفْعُولِ قُوَّةً جاذِبَةً لِلْمَنِيِّ، وحِينَئِذٍ لا يَكْمُلُ الجَذْبُ، فَيَبْقى شَيْءٌ مِن أجْزاءِ المَنِيِّ في تِلْكَ المَجارِي ولا يَنْفَصِلُ، ويَعْفَنُ ويَفْسُدُ ويَتَوَلَّدُ مِنهُ الأوْرامُ الشَّدِيدَةُ والأسْقامُ العَظِيمَةُ، وهَذِهِ فائِدَةٌ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها إلّا بِالقَوانِينِ الطِّبِّيَّةِ، فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ المُوجِبَةُ لَقُبْحِ هَذا العَمَلِ، ورَأيْتُ بَعْضَ مَن كانَ ضَعِيفًا في الدِّينِ يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥] وذَلِكَ يَقْتَضِي حِلَّ وطْءِ المَمْلُوكِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى قالَ: ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنّا نُخَصِّصُ هَذا العُمُومَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] وقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: لِأنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أعَمُّ مِنَ الأُخْرى مِن وجْهٍ، وأخَصُّ مِن وجْهٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المَمْلُوكَ قَدْ يَكُونُ ذَكَرًا، وقَدْ يَكُونُ أُنْثى، وأيْضًا الذَّكَرُ قَدْ يَكُونُ مَمْلُوكًا، وقَدْ لا يَكُونُ مَمْلُوكًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصُ إحْداهُما بِالأُخْرى أوْلى مِنَ العَكْسِ، والتَّرْجِيحُ مِن هَذا الجانِبِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] شَرْعُ مُحَمَّدٍ، وقِصَّةُ لُوطٍ شَرْعُ سائِرِ الأنْبِياءِ،
صفحة ١٣٩
وشَرْعُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى مِن شَرْعِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وأيْضًا الأصْلُ في المَنافِعِ والمَلاذِّ الحِلُّ، وأيْضًا المِلْكُ مُطْلَقٌ لِلتَّصَرُّفِ. فَقُلْتُ لَهُ: الِاسْتِدْلالُ إنَّما يُقْبَلُ في مَوْضِعِ الِاحْتِمالِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ الظّاهِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ حُرْمَةُ هَذا العَمَلِ، والمُبالَغَةُ في المَنعِ مِنهُ، والِاسْتِدْلالُ إذا وقَعَ في مُقابَلَةِ النَّقْلِ المُتَواتِرِ، كانَ باطِلًا.
ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ لُوطٍ أنَّهُ قالَ لَهم: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ والمَعْنى كَأنَّهُ قالَ لَهم: أنْتُمْ مُسْرِفُونَ في كُلِّ الأعْمالِ، فَلا يَبْعُدُ مِنكم أيْضًا إقْدامُكم عَلى هَذا الإسْرافِ.
7:82Страница 161
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢
В ответ его народ лишь сказал: «Прогоните их из вашего селения. Воистину, эти люди хотят очиститься».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ .
والمُرادُ مِنهُ أخْرِجُوا لُوطًا وأتْباعَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] ولِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهم إنَّما سَعَوْا في إخْراجِ مَن نَهاهم عَنِ العَمَلِ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ ويُرِيدُونَهُ، وذَلِكَ النّاهِي لَيْسَ إلّا لُوطًا وقَوْمَهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ تَصَرُّفٌ في مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، فَمَن تَرَكَهُ فَقَدْ تَطَهَّرَ.
والثّانِي: أنَّ البُعْدَ عَنِ الإثْمِ يُسَمّى طَهارَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ أيْ يَتَباعَدُونَ عَنِ المَعاصِي والآثامِ.
الثّالِثُ: أنَّهم إنَّما قالُوا: ﴿أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ وتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ، كَما يَقُولُ الشَّيْطانُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهم: أبْعِدُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ.
7:83–84Страница 161
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٨٣
Мы спасли его и его семью, кроме жены, которая оказалась в числе оставшихся позади.
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٨٤
Мы пролили на них дождь. Посмотри же, каким был конец грешников!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن أهْلِهِ أنْصارَهُ وأتْباعَهُ الَّذِينَ قَبِلُوا دِينَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُتَّصِلِينَ بِهِ بِالنَّسَبِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ ابْنَتاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ أيْ زَوْجَتَهُ، يُقالُ: امْرَأةُ الرَّجُلِ بِمَعْنى زَوْجَتِهِ، ويُقالُ: رَجُلُ المَرْأةِ، بِمَعْنى زَوْجِها؛ لِأنَّ الزَّوْجَ بِمَنزِلَةِ المالِكِ لَها، ولَيْسَتِ المَرْأةُ بِمَنزِلَةِ المالِكِ لِلرَّجُلِ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى الرَّجُلِ بِالِاسْمِ العامِّ عُرِفَتِ الزَّوْجِيَّةُ ومِلْكُ النِّكاحِ، والرَّجُلُ إذا أُضِيفَ إلى المَرْأةِ بِالِاسْمِ العامِّ تُعْرَفُ الزَّوْجِيَّةُ. وقَوْلُهُ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ يُقالُ: غَبَرَ الشَّيْءُ
صفحة ١٤٠
يَغْبُرُ غُبُورًا، إذا مَكَثَ وبَقِيَ. قالَ الهُذَلِيُّ:
فَغَبَرْتُ بَعْدَهُمُ بِعَيْشٍ ناصِبٍ وأخالُ أنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبَعُ
يَعْنِي بَقِيتُ، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّها كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ عَنِ النَّجاةِ. أيْ مِنَ الَّذِينَ بَقُوا عَنْها ولَمْ يُدْرِكُوا النَّجاةَ، يُقالُ: فُلانٌ غَبَرَ هَذا الأمْرَ، أيْ لَمْ يُدْرِكْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها لَمْ تَسْرِ مَعَ لُوطٍ وأهْلِهِ، بَلْ تَخَلَّفَتْ عَنْهُ وبَقِيَتْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي هو مَوْضِعُ العَذابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ يُقالُ: مَطَرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ، والأوَّلُ أفْصَحُ، وأمْطَرَهم مَطَرًا وعَذابًا، وكَذَلِكَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ وإنْ كانَ مَخْصُوصًا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّ المُرادَ سائِرُ المُكَلَّفِينَ؛ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ فَيَنْزَجِرُوا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ وقَدْ أمِنُوا مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ؟
قُلْنا: إنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أعْظَمُ وأدْوَنُ مِن ذَلِكَ، فَعِنْدَ سَماعِ هَذِهِ القِصَّةِ يَذْكُرُونَ عَذابَ الآخِرَةِ مُؤَنِّبَةً عَلى عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، ويَكُونُ ذَلِكَ زَجْرًا وتَحْذِيرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ اللِّواطَةَ تُوجِبُ الحَدَّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا تُوجِبُهُ، ولِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ في شَرِيعَةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجْمُ اللُّوطِيِّ، والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ، إلّا أنْ يَظْهَرَ طَرَيانُ النّاسِخِ، ولَمْ يَظْهَرْ في شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناسِخٌ لِهَذا الحُكْمِ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِبَقائِهِ.
الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] قَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا حُجَّةٌ عَلَيْنا.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ العاقِبَةِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ وهو إنْزالُ الحَجَرِ عَلَيْهِمْ، ومِنَ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَذْكُورُ السّابِقُ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: فانْظُرْ كَيْفَ أمْطَرَ اللَّهُ الحِجارَةَ عَلى مَن يَعْمَلُ ذَلِكَ العَمَلَ المَخْصُوصَ.
وذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي كَوْنَ هَذا الجُرْمِ المَخْصُوصِ عِلَّةً لِحُصُولِ هَذا الزّاجِرِ المَخْصُوصِ، وإذا ظَهَرَتِ العِلَّةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ هَذا الحُكْمُ أيْنَما حَصَلَتْ هَذِهِ العِلَّةُ.
7:85Страница 161
وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥
Мы отправили к мадьянитам их брата Шуейба. Он сказал: «О мой народ! Поклоняйтесь Аллаху, ибо нет у вас другого божества, кроме Него. К вам явилось ясное знамение от вашего Господа. Наполняйте же меру и весы сполна, не придерживайте имущества людей и не распространяйте нечестия на земле после того, как на ней наведен порядок. Так лучше для вас, если только вы являетесь верующими.
صفحة ١٤١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّقْدِيرَ: ”وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا“ وذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الأُخُوَّةَ كانَتْ في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، وذَكَرْنا الوُجُوهَ فِيهِ، واخْتَلَفُوا في مَدْيَنَ، فَقِيلَ: أنَّهُ اسْمُ البَلَدِ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ القَبِيلَةِ بِسَبَبِ أنَّهم أوْلادُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَدِينُ صارَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ. وشُعَيْبٌ مِن أوْلادِهِ وهو: شُعَيْبُ بْنُ نُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ شُعَيْبٍ أنَّهُ أمَرَ قَوْمَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأشْياءَ:
الأوَّلُ: أنَّهُ أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَهاهم عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وهَذا أصْلٌ مُعْتَبَرٌ في شَرائِعِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ ادَّعى النُّبُوَّةَ فَقالَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ البَيِّنَةِ هَهُنا المُعْجِزَةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ لِمُدَّعِي النُّبُوَّةِ مِنها، وإلّا لَكانَ مُتَنَبِّئًا لا نَبِيًّا، فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِهِ. فَأمّا أنَّ تِلْكَ المُعْجِزَةَ مِن أيِّ الأنْواعِ كانَتْ فَلَيْسَ في القُرْآنِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، كَما لَمْ يَحْصُلْ في القُرْآنِ الدَّلالَةُ عَلى كَثِيرٍ مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِنا.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِن مُعْجِزاتِ شُعَيْبٍ: أنَّهُ دَفَعَ إلى مُوسى عَصاهُ، وتِلْكَ العَصا حارَبَتِ التِّنِّينَ، وأيْضًا قالَ لِمُوسى: إنَّ هَذِهِ الأغْنامَ تَلِدُ أوْلادًا فِيها سَوادٌ وبَياضٌ، وقَدْ وهَبْتُها مِنكَ، فَكانَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ عَنْهُ. ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الأحْوالُ كانَتْ مُعْجِزاتٍ لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ مُوسى في ذَلِكَ الوَقْتِ ما ادَّعى الرِّسالَةَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ بِناءً عَلى أصْلٍ مُخْتَلِفٍ بَيْنَ أصْحابِنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَنا أنَّ الَّذِي يَصِيرُ نَبِيًّا ورَسُولًا بَعْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْواعَ المُعْجِزاتِ قَبْلَ إيصالِ الوَحْيِ، ويُسَمّى ذَلِكَ إرْهاصًا لِلنُّبُوَّةِ، فَهَذا الإرْهاصُ عِنْدَنا جائِزٌ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ غَيْرُ جائِزٍ، فالأحْوالُ الَّتِي حَكاها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هي عِنْدَنا إرْهاصاتٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مُعْجِزاتٌ لِشُعَيْبٍ لِما أنَّ الإرْهاصَ عِنْدَهم غَيْرُ جائِزٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ عادَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذا رَأوْا قَوْمَهم مُقْبِلِينَ عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ إقْبالًا أكْثَرَ مِن إقْبالِهِمْ عَلى سائِرِ أنْواعِ المَفاسِدِ بَدَءُوا بِمْنَعِهِمْ عَنْ ذَلِكَ النَّوْعِ، وكانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ مَشْغُوفِينَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِذِكْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ فَقالَ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْفُوا﴾ تُوجِبُ أنْ تَكُونَ لِلْأمْرِ بِإيفاءِ الكَيْلِ كالمَعْلُولِ والنَّتِيجَةِ عَمّا سَبَقَ ذِكْرُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَكَيْفَ الوَجْهُ فِيهِ ؟
والجَوابُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: البَخْسُ والتَّطْفِيفُ عِبارَةٌ عَنِ الخِيانَةِ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ، وهو أمْرٌ مُسْتَقْبَحٌ في العُقُولِ، ومَعَ ذَلِكَ قَدْ جاءَتِ البَيِّنَةُ والشَّرِيعَةُ المُوجِبَةُ لِلْحُرْمَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لَكم فِيهِ عُذْرٌ ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ”الكَيْلَ والمِيزانَ“ ولَمْ يَقُلِ: ”المِكْيالَ والمِيزانَ“ كَما في سُورَةِ هُودٍ ؟
والجَوابُ: أرادَ بِالكَيْلِ آلَةَ الكَيْلِ، وهو المِكْيالُ، أوْ يُسَمّى ما يُكالُ بِهِ بِالكَيْلِ، كَما يُقالُ: العَيْشُ، لِما
صفحة ١٤٢
يُعاشُ بِهِ.
والرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لَمّا مَنَعَ قَوْمَهُ مِنَ البَخْسِ في الكَيْلِ والوَزْنِ مَنَعَهم بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ البَخْسِ والتَّنْقِيصِ بِجَمِيعِ الوُجُوهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المَنعُ مِنَ الغَصْبِ، والسَّرِقَةِ، وأخْذِ الرِّشْوَةِ، وقَطْعِ الطَّرِيقِ. وانْتِزاعِ الأمْوالِ بِطَرِيقِ الحِيَلِ.
والخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ أخْذُ أمْوالِ النّاسِ بِغَيْرِ رِضاها يُوجِبُ المُنازَعَةَ والخُصُومَةَ، وهُما يُوجِبانِ الفَسادَ، لا جَرَمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا فَقِيلَ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ بِأنْ تُقْدِمُوا عَلى البَخْسِ في الكَيْلِ والوَزْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَتْبَعُهُ الفَسادُ. وقِيلَ: أرادَ بِهِ المَنعَ مِن كُلِّ ما كانَ فَسادًا حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلى عُمُومِهِ. وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ مَنعٌ مِن مَفاسِدِ الدُّنْيا.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ مَنعٌ مِن مَفاسِدِ الدِّينِ حَتّى تَكُونَ الآيَةُ جامِعَةً لِلنَّهْيِ عَنْ مَفاسِدِ الدُّنْيا والدِّينِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قِيلَ: بَعْدَ أنْ صَلَحَتِ الأرْضُ بِمَجِيءِ النَّبِيِّ بَعْدَ أنْ كانَتْ فاسِدَةً بِخُلُوِّها مِنهُ، فَنَهاهم عَنِ الفَسادِ، وقَدْ صارَتْ صالِحَةً. وقِيلَ: المُرادُ أنْ لا تُفْسِدُوا بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللَّهُ بِتَكْثِيرِ النِّعَمِ فِيهِمْ، وحاصِلُ هَذِهِ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ يَرْجِعُ إلى أصْلَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ ويَدْخُلُ فِيهِ الإقْرارُ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ ويَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ البَخْسِ وتَرْكُ الإفْسادِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى تَرْكِ الإيذاءِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إيصالُ النَّفْعِ إلى الكُلِّ مُتَعَذِّرٌ. وأمّا كَفُّ الشَّرِّ عَنِ الكُلِّ فَمُمْكِنٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الخَمْسَةَ قالَ: (ذَلِكم) وهو إشارَةٌ إلى هَذِهِ الخَمْسَةِ، والمَعْنى: خَيْرٌ لَكم في الآخِرَةِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالآخِرَةِ، والمُرادُ: تَرْكُ البَخْسِ وتَرْكُ الإفْسادِ خَيْرٌ لَكم في طَلَبِ المالِ في المَعْنى؛ لِأنَّ النّاسَ إذا عَلِمُوا مِنكُمُ الوَفاءَ والصِّدْقَ والأمانَةَ رَغِبُوا في المُعامَلاتِ مَعَكم، فَكَثُرَتْ أمْوالُكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ لِي في قَوْلِي.
7:86–87Страница 161
وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨٦
Не садитесь на дорогах, угрожая и сбивая с пути Аллаха тех, кто уверовал в Него, и пытаясь исказить его. Помните, что вас было мало, а Он приумножил ваше число. Посмотри же, каким был конец злодеев!
وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧
Если одна часть из вас уверовала в то, с чем я послан, а другая не уверовала, то потерпите, пока Аллах не рассудит между нами, ибо Он - Наилучший из судей».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ ضَمَّ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ أشْياءَ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَنَعَهم مِن أنْ يَقْعُدُوا عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَناهِجِ الحَقِّ لِأجْلِ أنْ يَمْنَعُوا النّاسَ عَنْ قَبُولِهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: يُحْمَلُ الصِّراطُ عَلى الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ النّاسُ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَجْلِسُونَ عَلى
صفحة ١٤٣
الطُّرُقاتِ ويُخَوِّفُونَ مَن آمَنَ بِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنْ يُحْمَلَ الصِّراطُ عَلى مَناهِجِ الدِّينِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ أيْ ولا تَقْتَدُوا بِالشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] قالَ: والمُرادُ بِالصِّراطِ كُلُّ ما كانَ مِن مَناهِجِ الدِّينِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصِّراطِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ يُقالُ: قَعَدَ لَهُ بِمَكانِ كَذا وعَلى مَكانِ كَذا، وفي مَكانِ كَذا، وهَذِهِ الحُرُوفُ تَتَعاقَبُ في هَذِهِ المَواضِعِ لِتَقارُبِ مَعانِيها، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ قَعَدَ بِمَكانِ كَذا، فالباءُ لِلْإلْصاقِ، وهو قَدِ التَصَقَ بِذَلِكَ المَكانِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُوعِدُونَ﴾ فَمَحَلُّهُ ومَحَلُّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ النَّصْبُ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَقْعُدُوا مُوعِدِينَ ولا صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ولا أنْ تَبْغُوا عِوَجًا في سَبِيلِ اللَّهِ، والحاصِلُ: أنَّهُ نَهاهم عَنِ القُعُودِ عَلى صِراطِ اللَّهِ حالَ الِاشْتِغالِ بِأحَدِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَطَفَ بَعْضَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى البَعْضِ وجَبَ حُصُولُ المُغايَرَةِ بَيْنَها، فَقَوْلُهُ: ﴿تُوعِدُونَ﴾ يَحْصُلُ بِذَلِكَ إنْزالُ المَضارِّ بِهِمْ، وأمّا الصَّدُّ، فَقَدْ يَكُونُ بِالإيعادِ بِالمَضارِّ، وقَدْ يَكُونُ بِالوَعْدِ بِالمَنافِعِ بِما لَوْ تَرَكَهُ، وقَدْ يَكُونُ بِأنْ لا يُمَكِّنَهُ مِنَ الذَّهابِ إلى الرَّسُولِ لِيَسْمَعَ كَلامَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ فالمُرادُ إلْقاءُ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ شُعَيْبًا مَنَعَ القَوْمَ مِن أنْ يَمْنَعُوا النّاسَ مِن قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ بِأحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ. وإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ أحَدًا لا يُمْكِنُهُ مَنعَ غَيْرِهِ مِن قَبُولِ مَذْهَبٍ أوْ مَقالَةٍ إلّا بِأحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهم إذا تَذَكَّرُوا كَثْرَةَ إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى الطّاعَةِ والبُعْدِ عَنِ المَعْصِيَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، كَثَّرَ عَدَدُكم بَعْدَ القِلَّةِ، وكَثَّرَكم بِالغِنى بَعْدَ الفَقْرِ، وكَثَّرَكم بِالقُدْرَةِ بَعْدَ الضَّعْفِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم إذا كانُوا فُقَراءَ أوْ ضُعَفاءَ فَهم بِمَنزِلَةِ القَلِيلِ، في أنَّهُ لا يَحْصُلُ مِن وُجُودِهِمْ قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ، فَأمّا تَكْثِيرُ عَدَدِهِمْ بَعْدَ القِلَّةِ فَهو أنَّ مَدْيَنَ بْنَ إبْراهِيمَ تَزَوَّجَ رِيثا بِنْتَ لُوطٍ، فَوَلَدَتْ حَتّى كَثُرَ عَدَدُهم.
ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ والمَعْنى تَذَكَّرُوا عاقِبَةَ المُفْسِدِينَ وما لَحِقَهم مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ زاجِرًا لَكم عَنِ العِصْيانِ والفَسادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ أنَّهم إذا تَذَكَّرُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ انْقادُوا وأطاعُوا، وقَوْلُهُ: ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ أنَّهم إذا عَرَفُوا أنَّ عاقِبَةَ المُفْسِدِينَ المُتَمَرِّدِينَ لَيْسَتْ إلّا الخِزْيَ والنَّكالَ احْتَرَزُوا عَنِ الفَسادِ والعِصْيانِ وأطاعُوا، فَكانَ المَقْصُودُ مِن هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ حَمْلَهم عَلى الطّاعَةِ بِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ أوَّلًا والتَّرْهِيبِ ثانِيًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ تَسْلِيَةُ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وزَجْرُ مَن لَمْ يُؤْمِن؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاصْبِرُوا﴾ تَهْدِيدٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ والمُرادُ إعْلاءُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ، وإظْهارُ هَوانِ الكافِرِينَ، وهَذِهِ الحالَةُ قَدْ تَظْهَرُ في الدُّنْيا، فَإنْ لَمْ تَظْهَرْ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِن ظُهُورِها في الآخِرَةِ.
صفحة ١٤٤
ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ حاكِمٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوْرِ والمَيْلِ والحَيْفِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَخُصَّ المُؤْمِنَ التَّقِيَّ بِالدَّرَجاتِ العالِيَةِ، والكافِرَ الشَّقِيَّ بِأنْواعِ العُقُوباتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٨] .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии