Ар-Рази · Тафсир · на арабском
الانسان
Аль-Инсан
Человек · Мединская · 31 аят
76:1Страница 578
هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا ١
Неужели не прошло то время, когда человек был безвестен?
صفحة ٢٠٨
سُورَةُ الإنْسانِ
إحْدى وثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾
﷽
﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ”هَلْ“ هَهُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [ الغاشِيَةِ: ١] - بِمَعْنى قَدْ، كَما تَقُولُ: هَلْ رَأيْتَ صَنِيعَ فُلانٍ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ قَدْ رَآهُ، وتَقُولُ: هَلْ وعَظْتُكَ ؟ هَلْ أعْطَيْتُكَ ؟ ومَقْصُودُكَ: أنْ تُقَرِّرَهُ بِأنَّكَ قَدْ أعْطَيْتَهُ ووَعَظْتَهُ، وقَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى الجَحْدِ، تَقُولُ: وهَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مِثْلِ هَذا، وأمّا أنَّها تَجِيءُ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَظاهِرٌ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّها هَهُنا لَيْسَتْ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ما رُوِيَ أنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: يا لَيْتَها كانَتْ تَمَّتْ فَلا نُبْتَلى، ولَوْ كانَ ذَلِكَ اسْتِفْهامًا لَما قالَ: لَيْتَها تَمَّتْ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ، إنَّما يُجابُ بِـ ”لا“ أوْ بِـ ”نَعَمْ“، فَإذا كانَ المُرادُ هو الخَبَرَ، فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ ذَلِكَ الجَوابُ.
الثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْهامَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى الخَبَرِ.
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في الإنْسانِ المَذْكُورِ هَهُنا، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يُرِيدُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ خَلْقَ آدَمَ في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ عَقَّبَ بِذِكْرِ ولَدِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ بَنُو آدَمَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ فالإنْسانُ في المَوْضِعَيْنِ واحِدٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ نَظْمُ الآيَةِ أحْسَنَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”حِينٌ“ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ طائِفَةٌ مِنَ الزَّمَنِ الطَّوِيلِ المُمْتَدِّ وغَيْرُ مُقَدَّرٍ في نَفْسِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالأرْبَعِينَ، فَمَن قالَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هو آدَمُ - قالَ: المَعْنى أنَّهُ مَكَثَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ سَنَةً طِينًا إلى أنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ بَقِيَ طِينًا أرْبَعِينَ سَنَةً، وأرْبَعِينَ مِن صَلْصالٍ، وأرْبَعِينَ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةٍ، فَهو في هَذِهِ المُدَّةِ ما كانَ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقالَ الحَسَنُ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ الأشْياءِ ما يُرى وما لا يُرى مِن دَوابِّ البَرِّ والبَحْرِ في الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ فِيها السَّماواتِ
صفحة ٢٠٩
والأرْضَ، وآخِرُ ما خَلَقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الطِّينَ والصَّلْصالَ والحَمَأ المَسْنُونَ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ ما كانَ إنْسانًا، والآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ مَضى عَلى الإنْسانِ حالَ كَوْنِهِ إنْسانًا حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ مَعَ أنَّهُ في ذَلِكَ الحِينِ ما كانَ شَيْئًا مَذْكُورًا، قُلْنا: إنَّ الطِّينَ والصَّلْصالَ إذا كانَ مُصَوَّرًا بِصُورَةِ الإنْسانِ ويَكُونُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ سَيُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ وسَيَصِيرُ إنْسانًا صَحَّ تَسْمِيَتُهُ بِأنَّهُ إنْسانٌ، والَّذِينَ يَقُولُونَ الإنْسانُ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ، وإنَّها مَوْجُودَةٌ قَبْلَ وُجُودِ الأبْدانِ، فالإشْكالُ عَنْهم زائِلٌ، واعْلَمْ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الإنْسانَ مُحْدَثٌ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن مُحْدِثٍ قادِرٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الإنْسانِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ أتى عَلَيْهِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ غَيْرَ مَذْكُورٍ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الوَصْفِ لِـ ”حِينٌ“، تَقْدِيرُهُ: هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْئًا.
76:2Страница 578
إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا ٢
Мы создали человека из смешанной капли, подвергая его испытанию, и сделали его слышащим и зрячим.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَشْجُ في اللُّغَةِ الخَلْطُ، يُقالُ: مَشَجَ يَمْشُجُ مَشْجًا إذا خَلَطَ، والأمْشاجُ الأخْلاطُ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: واحِدُها مَشِجٍ ومَشِيجٍ، ويُقالُ لِلشَّيْءِ إذا خُلِطَ مَشِيجٌ؛ كَقَوْلِكَ خَلِيطٌ، ومَمْشُوجٌ كَقَوْلِكَ مَخْلُوطٌ. قالَ الهُذَلِيُّ:
كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنهُ خِلافُ النَّصْلِ شَطَّ بِهِ مَشِيجُ
يَصِفُ السَّهْمَ بِأنَّهُ قَدْ بَعُدَ في الرَّمْيَةِ فالتَطَخَ رِيشُهُ وفُوقاهُ بِدَمٍ يَسِيرٍ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأمْشاجُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ، ولَيْسَ يُجْمَعُ؛ بِدَلِيلِ أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُفْرَدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ ويُقالُ أيْضًا: نُطْفَةٌ مَشِيجٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”أمْشاجٍ“ جَمْعًا لِلْمَشْجِ، بَلْ هُما مِثْلانِ في الإفْرادِ، ونَظِيرُهُ بُرْمَةٌ أعْشارٌ، أيْ: قِطَعٌ مُكَسَّرَةٌ، وثَوْبٌ أخْلاقٌ، وأرْضٌ سَباسِبُ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى كَوْنِ النُّطْفَةِ مُخْتَلِطَةً، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ اخْتِلاطُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ بِنُطْفَةِ المَرْأةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [ الطّارِقِ: ٧] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وهو أبْيَضُ غَلِيظٌ، وماءِ المَرْأةِ وهو أصْفَرُ رَقِيقٌ، فَيَخْتَلِطانِ، ويُخْلَقُ الوَلَدُ مِنهُما، فَما كانَ مِن عَصَبٍ وعَظْمٍ وقُوَّةٍ فَمِن نُطْفَةِ الرَّجُلِ، وما كانَ مِن لَحْمٍ ودَمٍ فَمِن ماءِ المَرْأةِ، قالَ مُجاهِدٌ: هي ألْوانُ النُّطْفَةِ، فَنُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضاءُ، ونُطْفَةُ المَرْأةِ صَفْراءُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أمْشاجُها عُرُوقُها، وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي مِن نُطْفَةٍ مُشِجَتْ بِدَمٍ وهو دَمُ الحَيْضَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ إذا تَلَقَّتْ ماءَ الرَّجُلِ وحَبَلَتْ أُمْسِكَ حَيْضُها فاخْتَلَطَتِ النُّطْفَةُ بِالدَّمِ، وقالَ قَتادَةُ: الأمْشاجُ هو أنَّهُ يَخْتَلِطُ الماءُ والدَّمُ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً، وبِالجُمْلَةِ فَهو عِبارَةٌ عَنِ انْتِقالِ ذَلِكَ الجِسْمِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، ومِن حالٍ إلى حالٍ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في النُّطْفَةِ أخْلاطًا مِنَ الطَّبائِعِ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ مِنَ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ والرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ، والتَّقْدِيرُ: مِن نُطْفَةٍ ذاتِ أمْشاجٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وتَمَّ الكَلامُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأوْلى هو أنَّ المُرادَ اخْتِلاطُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ النُّطْفَةَ بِأنَّها أمْشاجٌ، وهي إذا صارَتْ عَلَقَةً فَلَمْ يَبْقَ فِيها وصْفٌ أنَّها نُطْفَةٌ، ولَكِنَّ هَذا الدَّلِيلَ لا يَقْدَحُ في أنَّ المُرادَ كَوْنُها أمْشاجًا مِنَ الأرْضِ والماءِ والهَواءِ والحارِّ.
صفحة ٢١٠
* *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: نَبْتَلِيهِ مَعْناهُ لِنَبْتَلِيَهُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: جِئْتُكَ أقْضِي حَقَّكَ، أيْ لِأقْضِيَ حَقَّكَ، وأتَيْتُكَ أسْتَمْنِحُكَ، أيْ لِأسْتَمْنِحَكَ، كَذا قَوْلُهُ: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أيْ لِنَبْتَلِيَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٦] أيْ لِتَسْتَكْثِرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”نَبْتَلِيهِ“ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: خَلَقْناهُ مُبْتَلِينَ لَهُ، يَعْنِي مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والمَعْنى ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ لِنَبْتَلِيَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا حاجَةَ إلى هَذا التَّغْيِيرِ، والمَعْنى: إنّا خَلَقْناهُ مِن هَذِهِ الأمْشاجِ لا لِلْبَعْثِ، بَلْ لِلِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ أعْطاهُ ما يَصِحُّ مَعَهُ الِابْتِلاءُ، وهو السَّمْعُ والبَصَرُ، فَقالَ: ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، والسَّمْعُ والبَصَرُ كِنايَتانِ عَنِ الفَهْمِ والتَّمْيِيزِ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [ مَرْيَمَ: ٤٢] وأيْضًا قَدْ يُرادُ بِالسَّمِيعِ المُطِيعُ، كَقَوْلِهِ ”سَمْعًا وطاعَةً“، وبِالبَصِيرِ العالِمُ، يُقالُ: فُلانٌ بَصِيرٌ في هَذا الأمْرِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ الحاسَّتانِ المَعْرُوفَتانِ. واللَّهُ تَعالى خَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أعْظَمُ الحَواسِّ وأشْرَفُها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ أنْ رَكَّبَهُ وأعْطاهُ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ بَيَّنَ لَهُ سَبِيلَ الهُدى والضَّلالِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ إعْطاءَ الحَواسِّ كالمُقَدَّمِ عَلى إعْطاءِ العَقْلِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ خُلِقَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ خالِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ، إلّا أنَّهُ أعْطاهُ آلاتٍ تُعِينُهُ عَلى تَحْصِيلِ تِلْكَ المَعارِفِ، وهي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، فَإذا أحَسَّ بِالمَحْسُوساتِ تَنَبَّهَ لِمُشارَكاتٍ بَيْنَها ومُبايَناتٍ، يُنْتَزَعُ مِنها عَقائِدُ صادِقَةٌ أوَّلِيَّةٌ، كَعِلْمِنا بِأنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ ولا يَرْتَفِعانِ، وأنَّ الكُلَّ أعْظَمُ مِنَ الجُزْءِ، وهَذِهِ العُلُومُ الأوَّلِيَّةُ هي آلَةُ العَقْلِ؛ لِأنَّ بِتَرْكِيباتِها يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلى اسْتِعْلامِ المَجْهُولاتِ النَّظَرِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ الحِسَّ مُقَدَّمٌ في الوُجُودِ عَلى العَقْلِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدَ عِلْمًا، ومَن قالَ: المُرادُ مِن كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا هو العَقْلُ - قالَ: إنَّهُ لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ أعْطاهُ العَقْلَ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ العَقْلَ لِيُبَيِّنَ لَهُ السَّبِيلَ ويُظْهِرَ لَهُ أنَّ الَّذِي يَجِبُ فِعْلُهُ ما هو، والَّذِي لا يَجُوزُ ما هو.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: السَّبِيلُ هو الَّذِي يُسْلَكُ مِنَ الطَّرِيقِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبِيلِ هَهُنا سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ والنَّجاةِ والهَلاكِ، ويَكُونُ مَعْنى ”هَدَيْناهُ“ أيْ: عَرَّفْناهُ وبَيَّنّا كَيْفِيَّةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [ البَلَدِ: ١٠] ويَكُونُ السَّبِيلُ اسْمًا لِلْجِنْسِ، فَلِهَذا أُفْرِدَ لَفْظُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [ العَصْرِ: ٢] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبِيلِ هو سَبِيلَ الهُدى؛ لِأنَّها هي الطَّرِيقَةُ المَعْرُوفَةُ المُسْتَحِقَّةُ لِهَذا الِاسْمِ عَلى الإطْلاقِ، فَأمّا سَبِيلُ الضَّلالَةِ فَإنَّما هي سَبِيلٌ بِالإضافَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٢١١
﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [ الأحْزابِ: ٦٧] وإنَّما أضَلُّوهم سَبِيلَ الهُدى، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا جَعَلَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هَدَيْناهُ﴾ أيْ أرْشَدْناهُ، وإذا أُرْشِدَ لِسَبِيلِ الحَقِّ، فَقَدْ نُبِّهَ عَلى تَجَنُّبِ ما سِواها، فَكانَ اللَّفْظُ دَلِيلًا عَلى الطَّرِيقَيْنِ مِن هَذا الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن هِدايَةِ السَّبِيلِ خَلْقُ الدَّلائِلِ، وخَلْقُ العَقْلِ الهادِي، وبَعْثَةُ الأنْبِياءِ، وإنْزالُ الكُتُبِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: خَلَقْتُكَ لِلِابْتِلاءِ ثُمَّ أعْطَيْتُكَ كُلَّ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [ الأنْفالِ: ٤٢] ولَيْسَ مَعْناهُ خَلَقْنا الهِدايَةَ، ألا تَرى أنَّهُ ذَكَرَ السَّبِيلَ، فَقالَ: ﴿هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الفَرّاءُ: هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، وإلى السَّبِيلِ، ولِلسَّبِيلِ، كُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ.
76:3Страница 578
إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣
Мы повели его путем либо благодарным, либо неблагодарным.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ ”شاكِرًا“ أوْ ”كَفُورًا“ حالانِ مِنَ الهاءِ في ”هَدَيْناهُ السَّبِيلَ“، أيْ: هَدَيْناهُ السَّبِيلَ كَوْنَهُ شاكِرًا وكَفُورًا، والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِدايَةِ اللَّهِ وإرْشادِهِ فَقَدْ تَمَّ حالَتَيِ الكُفْرِ والإيمانِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ انْتُصِبَ قَوْلُهُ شاكِرًا وكَفُورًا بِإضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: سَواءٌ كانَ شاكِرًا أوْ كانَ كَفُورًا.
والقَوْلُ الثّالِثُ: مَعْناهُ إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، لِيَكُونَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا، أيْ: لِيَتَمَيَّزَ شُكْرُهُ مِن كُفْرِهِ، وطاعَتُهُ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [ هُودٍ: ٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [ العَنْكَبُوتِ: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٣١] قالَ القَفّالُ: ومَجازُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُ القائِلِ: قَدْ نَصَحْتُ لَكَ، إنْ شِئْتَ فاقْبَلْ، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْ، أيْ: فَإنْ شِئْتَ، فَتُحْذَفُ الفاءُ، فَكَذا المَعْنى: إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ فَإمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا، فَتُحْذَفُ الفاءُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، أيْ: إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، فَإنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ وإنْ شاءَ فَلْيَشْكُرْ، فَإنّا قَدْ أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ كَذا ولِلشّاكِرِينَ كَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [ الكَهْفِ: ٢٩] .
القَوْلُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونا حالَيْنِ مِنَ السَّبِيلِ، أيْ: عَرَّفْناهُ السَّبِيلَ، أيْ: إمّا سَبِيلًا شاكِرًا، وإمّا سَبِيلًا كَفُورًا، ووَصْفُ السَّبِيلِ بِالشُّكْرِ والكُفْرِ مَجازٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ كُلَّها لائِقَةٌ بِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ.
والقَوْلُ الخامِسُ: وهو المُطابِقُ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنْ تَكُونَ ”إمّا“ في هَذِهِ الآيَةِ كَـ ”إمّا“ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [ التَّوْبَةِ: ١٠٦]، والتَّقْدِيرُ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ ثُمَّ جَعَلْناهُ تارَةً ﴿شاكِرًا﴾ أوْ تارَةً ﴿كَفُورًا﴾ ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما رُوِيَ أنَّهُ قَرَأ أبُو السَّمّالِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في ”أمّا“، والمَعْنى: أمّا شاكِرًا فَبِتَوْفِيقِنا وأمّا كَفُورًا فَبِخِذْلانِنا، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا التَّأْوِيلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدَ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ ولَوْ كانَ كُفْرُ الكافِرِ مِنَ اللَّهِ وبِخَلْقِهِ لَما جازَ مِنهُ أنْ يُهَدِّدَهُ
صفحة ٢١٢
عَلَيْهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا التَّأْوِيلُ ثَبَتَ أنَّ الحَقَّ هو التَّأْوِيلُ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ تَعالى هَدى جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ، سَواءٌ آمَنَ أوْ كَفَرَ، وبَطَلَ بِهَذا قَوْلُ المُجْبِرَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَهْدِ الكافِرَ إلى الإيمانِ، أجابَ أصْحابُنا: بِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ مِنَ الكافِرِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ثُمَّ كَلَّفَهُ بِأنْ يُؤْمِنَ فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأنْ يَجْمَعَ بَيْنَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ ووُجُودِ الإيمانِ، وهَذا تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَصِرْ هَذا عُذْرًا في سُقُوطِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ جازَ أيْضًا أنْ يَخْلُقَ الكُفْرَ فِيهِ، ولا يَصِيرُ ذَلِكَ عُذْرًا في سُقُوطِ الوَعِيدِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ هو الحَقُّ، وأنَّ التَّأْوِيلَ اللّائِقَ بِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وبَطَلَ بِهِ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نِعَمَهُ عَلى الإنْسانِ فابْتَدَأ بِذِكْرِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ النِّعَمَ الدِّينِيَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ القِسْمَةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الشّاكِرِ والكَفُورِ بِمَن يَكُونُ مُشْتَغِلًا بِفِعْلِ الشُّكْرِ وفِعْلِ الكُفْرانِ وإلّا لَمْ يَتَحَقَّقِ الحَصْرُ، بَلِ المُرادُ مِنَ الشّاكِرِ الَّذِي يَكُونُ مُقِرًّا مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ شُكْرِ خالِقِهِ عَلَيْهِ، والمُرادُ مِنَ الكُفُورِ الَّذِي لا يُقِرُّ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْهِ، إمّا لِأنَّهُ يُنْكِرُ الخالِقَ أوْ لِأنَّهُ وإنْ كانَ يُثْبِتُهُ لَكِنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الشُّكْرِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الحَصْرُ وهو أنَّ المُكَلَّفَ إمّا أنْ يَكُونَ شاكِرًا وإمّا أنْ يَكُونَ كَفُورًا، واعْلَمْ أنَّ الخَوارِجَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ المُطِيعِ والكافِرِ، قالُوا: لِأنَّ الشّاكِرَ هو المُطِيعُ، والكَفُورَ هو الكافِرُ، واللَّهُ تَعالى نَفى الواسِطَةَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ ذَنْبٍ كُفْرًا، وأنْ يَكُونَ كُلُّ مُذْنِبٍ كافِرًا، واعْلَمْ أنَّ البَيانَ الَّذِي لَخَّصْناهُ يَدْفَعُ هَذا الإشْكالَ، فَإنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الشّاكِرِ الَّذِي يَكُونُ مُشْتَغِلًا بِفِعْلِ الشُّكْرِ، فَإنَّ ذَلِكَ باطِلٌ طَرْدًا وعَكْسًا. أمّا الطَّرْدُ فَلِأنَّ اليَهُودِيَّ قَدْ يَكُونُ شاكِرًا لِرَبِّهِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُطِيعًا لِرَبِّهِ، والفاسِقَ قَدْ يَكُونُ شاكِرًا لِرَبِّهِ، مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُطِيعًا لِرَبِّهِ، وأمّا العَكْسُ فَلِأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ لا يَكُونُ مُشْتَغِلًا بِالشُّكْرِ ولا بِالكُفْرانِ، بَلْ يَكُونُ ساكِنًا غافِلًا عَنْهُما، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الشّاكِرِ بِذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يُفَسَّرَ الشّاكِرُ بِمَن يُقِرُّ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ، والكَفُورُ بِمَن لا يُقِرُّ بِذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَثْبُتُ الحَصْرُ، ويَسْقُطُ سُؤالُهم بِالكُلِّيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
76:4Страница 578
إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا ٤
Мы приготовили для неверующих цепи, оковы и пламя.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ أتْبَعَهُما بِالوَعِيدِ والوَعْدِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِاعْتِدادُ هو إعْدادُ الشَّيْءِ حَتّى يَكُونَ عَتِيدًا حاضِرًا مَتى احْتِيجَ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ ق: ٢٣] وأمّا السَّلاسِلُ فَتُشَدُّ بِها أرْجُلُهم، وأمّا الأغْلالُ فَتُشَدُّ بِها أيْدِيهِمْ إلى رِقابِهِمْ، وأمّا السَّعِيرُ فَهو النّارُ الَّتِي تُسَعَّرُ عَلَيْهِمْ فَتُوقَدُ فَيَكُونُونَ حَطَبًا لَها، وهَذا مِن أغْلَظِ أنْواعِ التَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الجَحِيمَ بِسَلاسِلِها وأغْلالِها مَخْلُوقَةٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي، قالَ القاضِي: إنَّهُ لَمّا تَوَعَّدَ بِذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ صارَ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ، قُلْنا: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمْ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا لِضَرُورَةٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”سَلاسِلًا“ بِالتَّنْوِينِ، وكَذَلِكَ ”قَوارِيرًا قَوارِيرًا“ ومِنهم مَن يَصِلُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَقِفُ
صفحة ٢١٣
بِالألِفِ. فَلِمَن نَوَّنَ وصَرَفَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأخْفَشَ قالَ: قَدْ سَمِعْنا مِنَ العَرَبِ صَرْفَ جَمِيعِ ما لا يَنْصَرِفُ، قالَ: وهَذا لُغَةُ الشُّعَراءِ لِأنَّهُمُ اضْطُرُّوا إلَيْهِ في الشِّعْرِ فَصَرَفُوهُ، فَجَرَتْ ألْسِنَتُهم عَلى ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الجُمُوعَ أشْبَهَتِ الآحادَ، لِأنَّهم قالُوا صَواحِباتُ يُوسُفَ، فَلَمّا جَمَعُوهُ جَمْعَ الآحادِ المُنْصَرِفَةِ جَعَلُوها في حُكْمِها فَصَرَفُوها، وأمّا مَن تَرَكَ الصَّرْفَ فَإنَّهُ جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ﴾ [ الحَجِّ: ٤٠] وأمّا إلْحاقُ الألْفِ في الوَقْفِ فَهو كَإلْحاقِها في قَوْلِهِ: ”الظُّنُونا“ فَيُشَبَّهُ ذَلِكَ بِالإطْلاقِ في القَوافِي.
76:5Страница 578
إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥
А благочестивые будут пить из чаши вино, смешанное с камфарой.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما أعَدَّ لِلشّاكِرِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ الأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ، كالأرْبابِ جَمْعُ رَبٍّ، والقَوْلُ في حَقِيقَةِ البَرِّ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٧٧] ثُمَّ ذَكَرَ مِن أنْواعِ نَعِيمِهِمْ صِفَةَ مَشْرُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ يَعْنِي مِن إناءٍ فِيهِ الشَّرابُ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: يُرِيدُ الخَمْرَ، وفي الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ مَزْجَ الكافُورِ بِالمَشْرُوبِ لا يَكُونُ لَذِيذًا، فَما السَّبَبُ في ذِكْرِهِ هَهُنا ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الكافُورَ اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ ماؤُها في بَياضِ الكافُورِ ورائِحَتِهِ وبَرْدِهِ، ولَكِنْ لا يَكُونُ فِيهِ طَعْمُهُ ولا مَضَرَّتُهُ، فالمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ يَكُونُ مَمْزُوجًا بِماءِ هَذِهِ العَيْنِ.
وثانِيها: أنَّ رائِحَةَ الكافُورِ عَرَضٌ فَلا يَكُونُ إلّا في جِسْمٍ، فَإذا خَلَقَ اللَّهُ تِلْكَ الرّائِحَةَ في جِرْمِ ذَلِكَ الشَّرابِ سُمِّيَ ذَلِكَ الجِسْمُ كافُورًا، وإنْ كانَ طَعْمُهُ طَيِّبًا.
وثالِثُها: أيُّ بَأْسٍ في أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى الكافُورَ في الجَنَّةِ لَكِنْ مِن طَعْمٍ طَيِّبٍ لَذِيذٍ، ويَسْلُبُ عَنْهُ ما فِيهِ مِنَ المَضَرَّةِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَمْزُجُهُ بِذَلِكَ المَشْرُوبِ، كَما أنَّهُ تَعالى سَلَبَ عَنْ جَمِيعِ المَأْكُولاتِ والمَشْرُوباتِ ما مَعَها في الدُّنْيا مِنَ المَضارِّ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ ”كانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ؟ الجَوابُ: مِنهم مَن قالَ: إنَّها زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: مِن كَأْسٍ مِزاجُها كافُورًا، وقِيلَ: بَلِ المَعْنى كانَ مِزاجُها في عِلْمِ اللَّهِ وحُكْمِهِ كافُورًا.
76:6Страница 579
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦
Рабы Аллаха будут пить из источника, давая ему течь полноводными ручьями.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنْ قُلْنا: الكافُورُ اسْمُ النَّهْرِ - كانَ ”عَيْنًا“ بَدَلًا مِنهُ، وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ عَلى المَدْحِ، والتَّقْدِيرُ: أعْنِي عَيْنًا. أمّا إنْ قُلْنا: إنَّ الكافُورَ اسْمٌ لِهَذا الشَّيْءِ المُسَمّى بِالكافُورِ -كانَ ”عَيْنًا“ بَدَلًا مِن مَحَلِّ ”مِن كَأْسٍ“ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَشْرَبُونَ خَمْرًا خَمْرَ عَيْنٍ، ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ فَذَكَرَ هُناكَ ”مِن“ وهَهُنا الباءَ، والفَرْقُ أنَّ الكَأْسَ مَبْدَأُ شُرْبِهِمْ وأوَّلُ غايَتِهِ. وأمّا العَيْنُ فَبِها يَمْزُجُونَ شَرابَهم، فَكَأنَّ المَعْنى: يَشْرَبُ عِبادُ اللَّهِ بِها الخَمْرَ، كَما تَقُولُ: شَرِبْتُ الماءَ بِالعَسَلِ.
صفحة ٢١٤
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ عامٌّ، فَيُفِيدُ أنَّ كُلَّ عِبادِ اللَّهِ يَشْرَبُونَ مِنها، والكُفّارُ بِالِاتِّفاقِ لا يَشْرَبُونَ مِنها، فَدَلَّ عَلى أنَّ لَفْظَ عِبادِ اللَّهِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [ الزُّمَرِ: ٧] لا يَتَناوَلُ الكُفّارَ بَلْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالمُؤْمِنِينَ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولا يَرْضى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الكُفْرَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ كُفْرَ الكافِرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ مَعْناهُ يُفَجِّرُونَها حَيْثُ شاءُوا مِن مَنازِلِهِمْ تَفْجِيرًا سَهْلًا لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ ثَوابَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ شَرَحَ أعْمالَهُمُ الَّتِي بِها اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ الثَّوابَ:
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإيفاءُ بِالشَّيْءِ هو الإتْيانُ بِهِ وافِيًا، أمّا النَّذْرُ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: النَّذْرُ كالوَعْدِ، إلّا أنَّهُ إذا كانَ مِنَ العِبادِ فَهو نَذْرٌ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو وعْدٌ، واخْتُصَّ هَذا اللَّفْظُ في عُرْفِ الشَّرْعِ بِأنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذا وكَذا مِنَ الصَّدَقَةِ، أوْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِأمْرٍ يَلْتَمِسُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنْ شَفى اللَّهُ مَرِيضِي، أوْ رَدَّ غائِبِي فَعَلَيَّ كَذا كَذا، واخْتَلَفُوا فِيما إذا عُلِّقَ ذَلِكَ بِما لَيْسَ مِن وُجُوهِ البِرِّ، كَما إذا قالَ: إنْ دَخَلَ فُلانٌ الدّارَ فَعَلَيَّ كَذا، فَمِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ كاليَمِينِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن بابِ النَّذْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ:
أوَّلُها: أنَّ المُرادَ مِنَ النَّذْرِ هو النَّذْرُ فَقَطْ، ثُمَّ قالَ الأصَمُّ: هَذا مُبالَغَةٌ في وصْفِهِمْ بِالتَّوَفُّرِ عَلى أداءِ الواجِباتِ. لِأنَّ مَن وفّى بِما أوْجَبَهُ هو عَلى نَفْسِهِ كانَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أوْفى، وهَذا التَّفْسِيرُ في غايَةِ الحُسْنِ.
وثانِيها: المُرادُ بِالنَّذْرِ هَهُنا كُلُّ ما وجَبَ عَلَيْهِ، سَواءٌ وجَبَ بِإيجابِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً أوْ بِأنْ أوْجَبَهُ المُكَلَّفُ عَلى نَفْسِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الإيمانُ وجَمِيعُ الطّاعاتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النَّذْرَ مَعْناهُ الإيجابُ.
وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ مِنَ النَّذْرِ العَهْدُ والعَقْدُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [ البَقَرَةِ: ٤٠] فَسَمّى فَرائِضَهُ عَهْدًا، وقالَ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [ المائِدَةِ: ١] سَمّاها عُقُودًا لِأنَّهم عَقَدُوها عَلى أنْفُسِهِمْ بِاعْتِقادِهِمُ الإيمانَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الوَفاءِ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَقَّبَهُ بِـ ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم إنَّما وفَّوْا بِالنَّذْرِ خَوْفًا مِن شَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ، والخَوْفُ مِن شَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا كانَ الوَفاءُ بِهِ واجِبًا، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [ النَّحْلِ: ٩١]، وبِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [ الحَجِّ: ٢٩] فَيُحْتَمَلُ: لِيُوَفُّوا أعْمالَ نُسُكِهِمُ الَّتِي ألْزَمُوها أنْفُسَهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ مِن أرْبابِ المَعانِي: ”كانَ“ في قَوْلِهِ ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ زائِدَةٌ. وأمّا هَهُنا فَـ ”كانَ“ مَحْذُوفَةٌ، والتَّقْدِيرُ: كانُوا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنّا بَيَّنّا أنَّ ”كانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِزاجُها﴾ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَلا حاجَةَ إلى إضْمارِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الدُّنْيا أنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ أيْ سَيَشْرَبُونَ، فَإنَّ لَفْظَ المُضارِعِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الحالِ والِاسْتِقْبالِ، ثُمَّ قالَ: السَّبَبُ في ذَلِكَ الثَّوابِ الَّذِي سَيَجِدُونَهُ أنَّهُمُ الآنَ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии