Ар-РазиАль‑Анфаль · 8:4–8

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Аль-Анфаль 8:4–8

8:4Страница 177

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Они являются истинно верующими. Им уготованы высокое положение у их Господа, прощение и щедрый удел.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَ: أثْبَتَ لِلْمَوْصُوفِينَ بِها أُمُورًا ثَلاثَةً:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ .

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ بِماذا يَتَّصِلُ ؟، فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: بِقَوْلِهِ: ﴿هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِالحَقِيقَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في انْتِصابِ﴿حَقًّا﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ أُخْبِرُكم بِذَلِكَ حَقًّا، أيْ إخْبارًا حَقًّا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النِّساءِ: ١٥١] .

والثّانِي: قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ كانَ حَقًّا صِدْقًا.

الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ أُحِقُّ ذَلِكَ حَقًّا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَقُولَ أنا مُؤْمِنٌ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَقُولَ أنا مُؤْمِنٌ حَقًّا أمْ لا ؟ فَقالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: الأوْلى أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، ولا يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ حَقًّا. وقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأوْلى أنْ يَقُولَ أنا مُؤْمِنٌ حَقًّا، ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. أمّا الَّذِينَ قالُوا إنَّهُ يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَهم فِيهِ مَقامانِ:

المَقامُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ حُصُولِ الشَّكِّ في حُصُولِ الإيمانِ.

المَقامُ الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ. أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ: أنَّ الإيمانَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ والعَمَلِ، ولا شَكَّ أنَّ كَوْنَ الإنْسانِ آتِيًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ أمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، والشَّكُّ في أحَدِ أجْزاءِ الماهِيَّةِ يُوجِبُ الشَّكَّ في حُصُولِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، فالإنْسانُ وإنْ كانَ جازِمًا بِحُصُولِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ شاكًّا في حُصُولِ العَمَلِ كانَ هَذا القَدْرُ يُوجِبُ كَوْنَهُ شاكًّا في حُصُولِ الإيمانِ، وأمّا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَلَمّا كانَ الإيمانُ اسْمًا لِلِاعْتِقادِ والقَوْلِ، وكانَ العَمَلُ خارِجًا عَنْ مُسَمّى الإيمانِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الشَّكِّ في حُصُولِ الأعْمالِ الشَّكُّ في الإيمانِ، فَثَبَتَ أنَّ مَن قالَ إنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ يَلْزَمُهُ وُقُوعُ الشَّكِّ في الإيمانِ، وعِنْدَ هَذا ظَهَرَ أنَّ الخِلافَ لَيْسَ إلّا في اللَّفْظِ فَقَطْ. وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ لَيْسَ لِأجْلِ الشَّكِّ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ مُؤْمِنًا أشْرَفُ صِفاتِهِ وأعْرَفُ نُعُوتِهِ وأحْوالِهِ، فَإذا قالَ أنا مُؤْمِنٌ فَكَأنَّهُ مَدَحَ نَفْسَهُ بِأعْظَمِ المَدائِحِ، فَوَجَبَ أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ لِيَصِيرَ هَذا سَبَبًا لِحُصُولِ الِانْكِسارِ في القَلْبِ وزَوالِ العُجْبِ. رُوِيَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ لِقَتادَةَ: لِمَ تَسْتَثْنِي في إيمانِكَ ؟ قالَ اتِّباعًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ:

صفحة ٩٩

﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٢] في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] وأقُولُ: كانَ لِقَتادَةَ أنْ يُجِيبَ، ويَقُولَ: إنَّهُ بَعْدَ أنْ قالَ: ﴿بَلى﴾ قالَ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فَطَلَبَ مَزِيدَ الطُّمَأْنِينَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن قَوْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الرَّجُلَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا إلّا إذا كانَ مَوْصُوفًا بِالصِّفاتِ الخَمْسِ، وهي الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ، والإخْلاصُ في دِينِ اللَّهِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ، والإتْيانُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. وذَكَرَ في أوَّلِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ﴾ هم كَذا وكَذا. وذَكَرَ في آخِرِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وهَذا أيْضًا يُفِيدُ الحَصْرَ، فَلَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا المَعْنى، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ عَلى نَفْسِهِ بِحُصُولِ هَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسِ، لا جَرَمَ كانَ الأوْلى أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ. رُوِيَ أنَّ الحَسَنَ سَألَهُ رَجُلٌ وقالَ: أمُؤْمِنٌ أنْتَ ؟ فَقالَ: الإيمانُ إيمانانِ، فَإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَأنا مُؤْمِنٌ، وإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَواللَّهِ لا أدْرِي أمِنهم أنا أمْ لا ؟ .

الثّالِثُ: أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ دَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فالقَطْعُ بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا يُوجِبُ القَطْعَ بِكَوْنِهِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَكَذا هَذا. ونُقِلَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن زَعَمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ حَقًّا، ثُمَّ لَمْ يَشْهَدْ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَقَدْ آمَنَ بِنِصْفِ الآيَةِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ كَما لا سَبِيلَ إلى القَطْعِ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ لا سَبِيلَ إلى القَطْعِ بِأنَّهُ مُؤْمِنٌ.

الرّابِعُ: أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ وعَنِ المَعْرِفَةِ، وعَلى هَذا فالرَّجُلُ إنَّما يَكُونُ مُؤْمِنًا في الحَقِيقَةِ عِنْدَما يَكُونُ هَذا التَّصْدِيقُ وهَذِهِ المَعْرِفَةُ حاصِلَةً في القَلْبِ حاضِرَةً في الخاطِرِ، فَأمّا عِنْدُ زَوالِ هَذا المَعْنى، فَهو إنَّما يَكُونُ مُؤْمِنًا بِحَسَبِ حُكْمِ اللَّهِ، أمّا في نَفْسِ الأمْرِ فَلا.

إذا عَرَفْتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ عائِدًا إلى اسْتِدامَةِ مُسَمّى الإيمانِ واسْتِحْضارِ مَعْناهُ أبَدًا دائِمًا مِن غَيْرِ حُصُولِ ذُهُولٍ وغَفْلَةٍ عَنْهُ، وهَذا المَعْنى مُحْتَمَلٌ.

الخامِسُ: أنَّ أصْحابَ المُوافاةِ يَقُولُونَ: شَرْطُ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا في الحالِ حُصُولُ المُوافاةِ عَلى الإيمانِ، وهَذا الشَّرْطُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ المَوْتِ، ويَكُونُ مَجْهُولًا، والمَوْقُوفُ عَلى المَجْهُولِ مَجْهُولٌ. فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ أنْ يُقالَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهِ.

السّادِسُ: أنْ يَقُولَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ عِنْدَ المَوْتِ، والمُرادُ صَرْفُ هَذا الِاسْتِثْناءِ إلى الخاتِمَةِ والعاقِبَةِ، فَإنَّ الرَّجُلَ وإنْ كانَ مُؤْمِنًا في الحالِ، إلّا أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَبْقى ذَلِكَ الإيمانُ في العاقِبَةِ؛ كانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، ولَمْ تَحْصُلْ فائِدَةٌ أصْلًا، فَكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ هَذا المَعْنى.

السّابِعُ: أنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لا يُنافِي حُصُولَ الجَزْمِ والقَطْعِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٧] وهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّكِّ والرَّيْبِ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا مِنهُ لِعِبادِهِ هَذا المَعْنى، فَكَذا هَهُنا الأوْلى ذِكْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى تَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ، حَتّى يَحْصُلَ بِبَرَكَةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ دَوامُ الإيمانِ.

والثّامِنُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ السَّلَفِ ذَكَرُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ، ورَأيْنا لَهم ما يُقَوِّيهِ في كِتابِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ في عِلْمِ اللَّهِ وفي حُكْمِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ جَمْعٍ يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ، وعَلى وُجُودِ جَمْعٍ لا يَكُونُونَ كَذَلِكَ، فالمُؤْمِنُ يَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ حَتّى يَجْعَلَهُ اللَّهُ بِبَرَكَةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ لا مِنَ القِسْمِ الثّانِي. أمّا القائِلُونَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ ذِكْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُتَحَرِّكَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أنا مُتَحَرِّكٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ أنا

صفحة ١٠٠

مُتَحَرِّكٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، وكَذا القَوْلُ في القائِمِ والقاعِدِ، فَكَذا هَهُنا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ مُؤْمِنًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، وكَما أنَّ خُرُوجَ الجِسْمِ عَنْ كَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا في المُسْتَقْبَلِ لا يَمْنَعُ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا حالَ قِيامِ الحَرَكَةِ بِهِ، فَكَذَلِكَ احْتِمالُ زَوالِ الإيمانِ في المُسْتَقْبَلِ لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُؤْمِنًا في الحالِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فَقَدْ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا فَكانَ قَوْلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ يُوجِبُ الشَّكَّ فِيما قَطَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالحُصُولِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ وصْفِ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا، وبَيْنَ وصْفِهِ بِكَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا، حاصِلٌ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، وعِنْدَ حُصُولِ الفَرْقِ يَتَعَذَّرُ الجَمْعُ.

وعَنِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا، وذَلِكَ الشَّرْطُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، والشَّكُّ في الشَّرْطِ يُوجِبُ الشَّكَّ في المَشْرُوطِ، فَهَذا يُقَوِّي عَيْنَ مَذْهَبِنا. واللَّهُ أعْلَمُ.

الحُكْمُ الثّانِي

مِنَ الأحْكامِ الَّتِي أثْبَتَها اللَّهُ تَعالى لِلْمَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ الخَمْسِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ والمَعْنى: لَهم مَراتِبُ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ.

واعْلَمْ أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ قِسْمانِ: الثَّلاثَةُ الأُوَلُ: هي الصِّفاتُ القَلْبِيَّةُ والأحْوالُ الرُّوحانِيَّةُ، وهي الخَوْفُ والإخْلاصُ والتَّوَكُّلُ. والِاثْنَتانِ الأخِيرَتانِ هُما الأعْمالُ الظّاهِرَةُ والأخْلاقُ، ولا شَكَّ أنَّ لِهَذِهِ الأعْمالِ والأخْلاقِ تَأْثِيراتٌ في تَصْفِيَةِ القَلْبِ، وفي تَنْوِيرِهِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤَثِّرَ كُلَّما كانَ أقْوى كانَتِ الآثارُ أقْوى وبِالضِّدِّ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الأخْلاقُ والأعْمالُ لَها دَرَجاتٌ ومَراتِبُ كانَتِ المَعارِفُ أيْضًا لَها دَرَجاتٌ ومَراتِبُ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ والثَّوابُ الحاصِلُ في الجَنَّةِ أيْضًا مُقَدَّرٌ بِمِقْدارِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَثَبَتَ أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ قَبْلَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ، ومَراتِبَ السَّعاداتِ الحاصِلَةِ في الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المَفْضُولَ إذا عَلِمَ حُصُولَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ لِلْفاضِلِ وحِرْمانَهُ عَنْها فَإنَّهُ يَتَألَّمُ قَلْبُهُ، ويَتَنَغَّصُ عَيْشُهُ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِكَوْنِ الثَّوابِ رِزْقًا كَرِيمًا ؟ .

والجَوابُ: أنَّ اسْتِغْراقَ كُلِّ واحِدٍ في سَعادَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ تَمْنَعُهُ مِن حُصُولِ الحِقْدِ والحَسَدِ، وبِالجُمْلَةِ فَأحْوالُ الآخِرَةِ لا تُناسِبُ أحْوالَ الدُّنْيا إلّا بِالِاسْمِ.

الحُكْمُ الثّالِثُ والرّابِعُ

أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ المُرادُ مِنَ المَغْفِرَةِ أنْ يَتَجاوَزَ اللَّهُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ومِنَ الرِّزْقِ الكَرِيمِ نَعِيمُ الجَنَّةِ، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: أمّا كَوْنُهُ رِزْقًا كَرِيمًا فَهو إشارَةٌ إلى كَوْنِ تِلْكَ المَنافِعِ خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالإكْرامِ والتَّعْظِيمِ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ هو حَدُّ الثَّوابِ. وقالَ العارِفُونَ: المُرادُ مِنَ المَغْفِرَةِ إزالَةُ الظُّلُماتِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ، ومِنَ الرِّزْقِ الكَرِيمِ الأنْوارُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الكَرِيمُ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يُحْمَدُ ويُسْتَحْسَنُ، والكَرِيمُ المَحْمُودُ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ كَرِيمٌ والقُرْآنُ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، قالَ تَعالى: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النَّمْلِ: ٢٩] وقالَ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧] وقالَ: ﴿ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النِّساءِ: ٣١] وقالَ:

صفحة ١٠١

﴿وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسْراءِ: ٢٣] فالرِّزْقُ الكَرِيمُ هو الشَّرِيفُ الفاضِلُ الحَسَنُ. وقالَ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ: يَعْنِي ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم في الجَنَّةِ مِن لَذِيذِ المَآكِلِ والمَشارِبِ وهَناءِ العَيْشِ، وأقُولُ يَجِبُ هَهُنا أنَّ نُبَيِّنَ أنَّ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةَ أكْمَلُ مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا المَعْنى في هَذا الكِتابِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ الرِّزْقَ الكَرِيمَ هو اللَّذّاتُ الرُّوحانِيَّةُ وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَحَبَّتُهُ والِاسْتِغْراقُ في عُبُودِيَّتِهِ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ بِالأُمُورِ الخَمْسَةِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِنَ العِقابِ وبِالفَوْزِ بِالثَّوابِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا تَكْلِيفَ عَلى العَبْدِ فِيما سِوى هَذِهِ الخَمْسَةِ وذَلِكَ باطِلٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، لِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الصَّوْمِ والحَجِّ وأداءِ سائِرِ الواجِباتِ.

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى بَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وجَمِيعُ التَّكالِيفِ داخِلٌ تَحْتَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ، إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّ مِنَ الصِّفاتِ الباطِنَةِ التَّوَكُّلَ بِالذِّكْرِ عَلى التَّعْيِينِ، ومِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ الصَّلاةَ والزَّكاةَ عَلى التَّعْيِينِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ أشْرَفَ الأحْوالِ الباطِنَةِ التَّوَكُّلُ، وأشْرَفَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ.

8:5–6Страница 177

كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥

Таким же образом твой Господь побудил тебя выйти из дома (в направлении Бадра) ради истины, хотя некоторые из верующих не хотели этого.

يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦

Они препирались с тобой относительно истины после того, как она стала очевидна, словно их вели на смерть, и они наблюдали за этим.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ شَيْءٍ بِهَذا الإخْراجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى كَثْرَةَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وقِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالَ: ”«مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، ومَن أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا وكَذا» “ لِيُرَغِّبَهم في القِتالِ، فَلَمّا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِكَ وقَوْمِكَ فَدَوْكَ بِأنْفُسِهِمْ، ولَمْ يَتَأخَّرُوا عَنِ القِتالِ جُبْنًا ولا بُخْلًا بِبَذْلِ مُهَجِهِمْ ولَكِنَّهم أشْفَقُوا عَلَيْكَ مِن أنْ تُغْتالَ، فَمَتى أعْطَيْتَ هَؤُلاءِ ما سَمَّيْتَهُ لَهم بَقِيَ خَلْقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ: ١] يَصْنَعُ فِيها ما يَشاءُ، فَأمْسَكَ المُسْلِمُونَ عَنِ الطَّلَبِ وفي أنْفُسِ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الكَراهِيَةِ، وأيْضًا حِينَ خَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ إلى القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا كارِهِينَ لِتِلْكَ المُقاتَلَةِ عَلى ما سَنَشْرَحُ حالَةَ تِلْكَ الكَراهِيَةِ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ كانَ التَّقْدِيرُ أنَّهم رَضُوا بِهَذا الحُكْمِ في الأنْفالِ وإنْ كانُوا كارِهِينَ لَهُ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكِ بِالحَقِّ إلى القِتالِ وإنْ كانُوا كارِهِينَ لَهُ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ هُنا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ثَبَتَ الحُكْمُ بِأنَّ الأنْفالَ لِلَّهِ وإنْ كَرِهُوهُ، كَما ثَبَتَ حُكْمُ اللَّهِ بِإخْراجِكَ إلى القِتالِ وإنْ كَرِهُوهُ.

الثّالِثُ: لَمّا قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ كانَ التَّقْدِيرُ: أنَّ الحُكْمَ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ حَقٌّ، كَما أنَّ حُكْمَ اللَّهِ بِإخْراجِكَ مِن بَيْتِكَ لِلْقِتالِ حَقٌّ.

الرّابِعُ: قالَ الكِسائِيُّ: ”الكافُ“ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ والتَّقْدِيرُ

صفحة ١٠٢

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ عَلى كُرْهِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَذَلِكَ هم يَكْرَهُونَ القِتالَ ويُجادِلُونَكَ فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْتِكَ﴾ يُرِيدُ بَيْتَهُ بِالمَدِينَةِ أوِ المَدِينَةَ نَفْسَها، لِأنَّها مَوْضِعُ هِجْرَتِهِ وسُكْناهُ﴿بِالحَقِّ﴾، أيْ إخْراجًا مُتَلَبِّسًا بِالحِكْمَةِ، والصَّوابُ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ، أيْ أخْرَجَكَ في حالِ كَراهِيَتِهِمْ، رُوِيَ أنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ وفِيها أمْوالٌ كَثِيرَةٌ ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا مِنهم أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وأقْوامٌ آخَرُونَ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرَ المُسْلِمِينَ فَأعْجَبَهم تَلَقِّي العِيرِ لِكَثْرَةِ الخَيْرِ، وقِلَّةِ القَوْمِ، فَلَمّا أزْمَعُوا وخَرَجُوا، بَلَغَ أهْلَ مَكَّةَ خَبَرُ خُرُوجِهِمْ، فَنادى أبُو جَهْلٍ فَوْقَ الكَعْبَةِ: يا أهْلَ مَكَّةَ النَّجاءَ النَّجاءَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ ! إنْ أخَذَ مُحَمَّدٌ عِيرَكم لَنْ تَفْلَحُوا أبَدًا. وقَدْ رَأتْ أُخْتُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رُؤْيا، فَقالَتْ لِأخِيها: إنِّي رَأيْتُ عَجَبًا، رَأيْتُ كَأنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَأخَذَ صَخْرَةً مِنَ الجَبَلِ، ثُمَّ حَلَّقَ بِها فَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ مِن بُيُوتِ مَكَّةَ إلّا أصابَهُ حَجَرٌ مِن تِلْكَ الصَّخْرَةِ؛ فَحَدَّثَ بِها العَبّاسُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ما تَرْضى رِجالُهم بِالنُّبُوَّةِ حَتّى ادَّعى نِساؤُهُمُ النُّبُوَّةَ ! فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ بِجَمِيعِ أهْلِ مَكَّةَ وهُمُ النَّفِيرُ، وفي المَثَلِ السّائِرِ - لا في العِيرِ ولا في النَّفِيرِ - فَقِيلَ لَهُ: العِيرُ أخَذَتْ طَرِيقَ السّاحِلِ ونَجَتْ، فارْجِعْ إلى مَكَّةَ بِالنّاسِ، فَقالَ: لا واللَّهِ لا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا حَتّى نَنْحَرَ الجَزُورَ ونَشْرَبَ الخُمُورَ، وتُغَنِّي القَيْناتُ والمَعازِفُ بِبَدْرٍ فَتَتَسامَعُ جَمِيعُ العَرَبِ بِخُرُوجِنا. وإنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُصِبِ العِيرَ فَمَضى إلى بَدْرٍ بِالقَوْمِ، وبَدْرٌ كانَتِ العَرَبُ تَجْتَمِعُ فِيهِ لِسُوقِهِمْ يَوْمًا في السَّنَةِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، إمّا العِيرُ وإمّا النَّفِيرُ مِن قُرَيْشٍ، واسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ فَقالَ: ”«ما تَقُولُونَ إنَّ القَوْمَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، فالعِيرُ أحَبُّ إلَيْكم أمِ النَّفِيرُ ؟ قالُوا: بَلِ العِيرُ أحَبُّ إلَيْنا مِن لِقاءِ العَدُوِّ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنَّ العِيرَ قَدْ مَضَتْ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وهَذا أبُو جَهْلٍ قَدْ أقْبَلَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْكَ بِالعِيرِ ودَعِ العَدُوَّ، فَقامَ عِنْدَ غَضَبِ النَّبِيِّ ﷺ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَأحْسَنا، ثُمَّ قامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ فَقالَ: امْضِ إلى ما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ فَإنّا مَعَكَ حَيْثُما أرَدْتَ، فَواللَّهِ لَوْ سِرْتَ إلى عَدَنَ لَما تَخَلَّفَ عَنْكَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ قالَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو: يا رَسُولَ اللَّهِ امْضِ إلى ما أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، فَإنّا مَعَكَ حَيْثُما أرَدْتَ، لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٢٤] ولَكِنْ نَقُولُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ ما دامَتْ مِنّا عَيْنٌ تَطْرِفُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ:“سِيرُوا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ، واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ”، ولَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِن بَدْرٍ قالَ بَعْضُهم: عَلَيْكَ بِالعِيرِ، فَناداهُ العَبّاسُ وهو في وثاقِهِ، لا يَصْلُحُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لِمَ ؟ قالَ: لِأنَّ اللَّهَ وعَدَكَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وقَدْ أعْطاكَ ما وعَدَكَ» .

إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القِصَّةَ فَنَقُولُ: كانَتْ كَراهِيَةُ القِتالِ حاصِلَةً لِبَعْضِهِمْ لا لِكُلِّهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ والحَقُّ الَّذِي جادَلُوا فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَقِّي النَّفِيرِ لِإيثارِهِمُ العِيرَ. وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ المُرادُ مِنهُ: إعْلامُ رَسُولِ اللَّهِ بِأنَّهم يُنْصَرُونَ، وجِدالُهم قَوْلُهم: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ، وهَلّا قُلْتَ لَنا لِنَسْتَعِدَّ ونَتَأهَّبَ لِلْقِتالِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَكْرَهُونَ القِتالَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَبَّهَ حالَهم في فَرْطِ فَزَعِهِمْ ورُعْبِهِمْ بِحالِ مَن يُجَرُّ إلى القَتْلِ ويُساقُ إلى المَوْتِ، وهو شاهِدٌ لِأسْبابِهِ ناظِرٌ إلى مُوجِباتِهِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الجَزْمِ والقَطْعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «مَن نَفى ابْنَهُ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ» " أيْ يَعْلَمُ أنَّهُ ابْنُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [النَّبَأِ: ٤٠] أيْ يَعْلَمُ.

صفحة ١٠٣

واعْلَمْ أنَّهُ كانَ خَوْفُهم لِأُمُورٍ:

أحَدُها: قِلَّةُ العَدَدِ.

وثانِيها: أنَّهم كانُوا رَجّالَةً، رُوِيَ أنَّهُ ما كانَ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ.

وثالِثُها: قِلَّةُ السِّلاحِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ إنَّما خَرَجَ مِن بَيْتِهِ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ الخُرُوجَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى إمّا ابْتِداءً أوْ بِواسِطَةِ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ اللَّذَيْنِ مَجْمُوعُهُما يُوجِبُ الفِعْلَ كَما هو قَوْلُنا. قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ حَصَلَ ذَلِكَ الخُرُوجُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وإلْزامِهِ، فَأُضِيفَ إلَيْهِ.

قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ مَجازٌ، والأصْلُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ.

8:7–8Страница 177

وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧

Вот Аллах обещал вам, что вам достанется один из двух отрядов (торговый караван или вооруженный отряд мекканцев). Вы пожелали, чтобы вам достался невооруженный отряд. Но Аллах желает подтвердить истину своими словами и искоренить неверующих,

لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨

чтобы восторжествовала истина и исчезла ложь, даже если это ненавистно грешникам.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ:(إذْ) مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أنَّها لَكم بَدَلٌ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٦] و﴿أنَّ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ كَما نَصَبَ السّاعَةَ، وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] (أنْ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِلَوْلا. والطّائِفَتانِ: العِيرُ والنَّفِيرُ. وغَيْرُ ذاتِ الشَّوْكَةِ: العِيرُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أرْبَعُونَ فارِسًا والشَّوْكَةُ كانَتْ في النَّفِيرِ لِعَدَدِهِمْ وعُدَّتِهِمْ، والشَّوْكَةُ الحِدَّةُ مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ، ويُقالُ شَوْكُ القَنا لِسِنانِها، ومِنهُ قَوْلُهم شاكِي السِّلاحِ، أيْ تَتَمَنَّوْنَ أنْ يَكُونَ لَكُمُ العِيرُ لِأنَّها الطّائِفَةُ الَّتِي لا حِدَّةَ لَها ولا شِدَّةَ، ولا تُرِيدُونَ الطّائِفَةَ الأُخْرى ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ التَّوَجُّهَ إلى الطّائِفَةِ الأُخْرى لِيُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ، وفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ ثُمَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ تَكْرِيرٌ مَحْضٌ ؟ .

والجَوابُ: لَيْسَ هَهُنا تَكْرِيرٌ لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ سَبَبُ ما وعَدَ بِهِ في هَذِهِ الواقِعَةِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ، والمُرادُ بِالثّانِي تَقْوِيَةُ القُرْآنِ والدِّينِ ونُصْرَةُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، لِأنَّ الَّذِي وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِالكافِرِينَ كانَ سَبَبًا لِعِزَّةِ الدِّينِ وقُوَّتِهِ، ولِهَذا السَّبَبِ قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ الَّذِي هو الشِّرْكُ، وذَلِكَ في مُقابَلَةِ﴿الحَقَّ﴾ الَّذِي هو الدِّينُ والإيمانُ.

السُّؤالُ الثّانِي: الحَقُّ حَقٌّ لِذاتِهِ، والباطِلُ باطِلٌ لِذاتِهِ، وما ثَبَتَ لِلشَّيْءِ لِذاتِهِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ تَحْصِيلُهُ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ فَما المُرادُ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ؟ .

صفحة ١٠٤

والجَوابُ: المُرادُ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، بِإظْهارِ كَوْنِ ذَلِكَ الحَقِّ حَقًّا، وإظْهارِ كَوْنِ ذَلِكَ الباطِلِ باطِلًا، وذَلِكَ تارَةً يَكُونُ بِإظْهارِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وتارَةً بِتَقْوِيَةِ رُؤَساءِ الحَقِّ وقَهْرِ رُؤَساءِ الباطِلِ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ قالُوا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ يُوجَدُ الحَقُّ ويَكُونُهُ، والحَقُّ لَيْسَ إلّا الدِّينَ والِاعْتِقادَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: ولا يُمْكِنُ حَمْلُ تَحْقِيقِ الحَقِّ عَلى إظْهارِ آثارِهِ لِأنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ حَصَلَ بِفِعْلِ العِبادِ، فامْتَنَعَ أيْضًا إضافَةُ ذَلِكَ الإظْهارِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ مِن إظْهارِهِ وضْعُ الدَّلائِلِ عَلَيْها، لِأنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِ وإلى المُسْلِمِ، وقَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ وبَعْدَها، فَلا يَحْصُلُ لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الواقِعَةِ بِهَذا المَعْنى فائِدَةٌ أصْلًا.

واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ أيْضًا تَمَسَّكُوا بِعَيْنِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ تَحْقِيقَ الباطِلِ وإبْطالَ الحَقِّ البَتَّةَ، بَلْ إنَّهُ تَعالى أبَدًا يُرِيدُ تَحْقِيقَ الحَقِّ وإبْطالَ الباطِلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ إنَّهُ لا باطِلَ ولا كُفْرَ إلّا واللَّهُ تَعالى مُرِيدٌ لَهُ.

وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ المُفْرَدَ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ يَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ تَحْقِيقَ الحَقِّ وإبْطالَ الباطِلِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في جَمِيعِ الصُّوَرِ ؟ بَلْ قَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ فالدّابِرُ الآخِرُ فاعِلٌ مِن دَبَرَ إذا أدْبَرَ، ومِنهُ دابِرَةُ الطّائِرِ، وقَطْعُ الدّابِرِ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، والمُرادُ أنَّكم تُرِيدُونَ العِيرَ لِلْفَوْزِ بِالمالِ، واللَّهُ تَعالى يُرِيدُ أنْ تَتَوَجَّهُوا إلى النَّفِيرِ، لِما فِيهِ مِن إعْلاءِ الدِّينِ الحَقِّ واسْتِئْصالِ الكافِرِينَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English